سياسة المحرم لدى طالبان تتسبب في موت أطفال أمام المراكز الصحية

قيّدت قرارات طالبان المتعلقة بالمَحرَم وتعليم النساء والفصل بين الجنسين بشدة وصول النساء الأفغانيات إلى الخدمات الصحية، ما خلّف تداعيات قاتلة على النساء والأطفال.

قيّدت قرارات طالبان المتعلقة بالمَحرَم وتعليم النساء والفصل بين الجنسين بشدة وصول النساء الأفغانيات إلى الخدمات الصحية، ما خلّف تداعيات قاتلة على النساء والأطفال.
ويقول خبراء إن سياسات طالبان، بدءاً من حظر تعليم النساء في المجالات الصحية ووصولاً إلى اشتراط وجود مَحرَم عند مراجعة المرافق الطبية، فاقمت أزمة النظام الصحي في أفغانستان.
ذكرت مجلة «ذا والرس» الكندية، في تقرير تحليلي، أن حرمان النساء والأطفال من العلاج في الحالات الطارئة يُعدّ من أخطر تداعيات هذه السياسات.
وقالت آمنة، وهي قابلة، إن امرأة توجهت برفقة رضيعها إلى مركز صحي في إحدى الولايات وسط أفغانستان. وكان الطفل يعاني ضيقاً حاداً في التنفس، لكن الحراس منعوا الأم ورضيعها من الدخول لعدم وجود مَحرَم معها.
وأضافت آمنة أنها طلبت من طبيب الأطفال علاج الرضيع، لكنه تردد بسبب وجود ممثل لطالبان داخل المركز، خشية تحميله المسؤولية إذا خالف تعليمات المَحرَم. وفي نهاية المطاف، سُمح للموظفين بإدخال الطفل وتزويده بالأكسجين، لكن الوقت كان قد فات وفارق الرضيع الحياة.
وأكدت آمنة أن هذه ليست سوى حالة واحدة من الوفيات التي كان يمكن تفاديها، والتي شهدتها خلال السنوات الخمس الماضية.
ولا تقتصر القيود في بعض المناطق على اشتراط المَحرَم. وبحسب التقرير، يمتنع أطباء رجال عن فحص النساء مباشرةً في حال عدم وجود موظفات صحيات، بل يُطلب أحياناً من المَحرَم نقل تفاصيل الحالة الصحية للمريضة إلى الطبيب.
أوقفت طالبان، في ديسمبر/كانون الأول 2024، دراسة القبالة وبعض البرامج التعليمية الصحية للنساء، في قرار يقول خبراء إنه يضع مستقبل النظام الصحي الأفغاني أمام أزمة خطيرة. وتشير التقديرات الحالية إلى بقاء ما بين 11 ألفاً و15 ألف قابلة في أفغانستان.
وتوقع ميثم نجفي زاده، الأستاذ المشارك في سياسات الصحة بجامعة ميموريال الكندية، في دراسة، أن تفقد أفغانستان نحو 5400 عاملة صحية بحلول عام 2030، ونحو 9600 أخريات بحلول عام 2035.
وحذر نجفي زاده من أنه إذا لم يتغير الوضع السياسي، فلن تبقى أي امرأة، بمن فيهن القابلات، في القطاع الصحي الأفغاني بحلول منتصف القرن الحالي، واصفاً هذا الوضع بأنه «كارثة».
كما حذر مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في أفغانستان، في تقرير صدر في فبراير/شباط، من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى «معاناة وأمراض ووفيات غير ضرورية»، وقد يرقى إلى مستوى «قتل النساء».
لا تقتصر الأزمة على النقص في الكوادر الصحية. فوفقاً لتقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» عام 2025، تلد نحو ثلث النساء في أفغانستان داخل منازلهن، من دون إشراف عاملين صحيين مؤهلين، ما يزيد خطر الوفاة بسبب مضاعفات الولادة.
وأفاد تقرير «ذا والرس» بأن كثيراً من هذه الوفيات لا يُسجَّل في الإحصاءات الرسمية. وقالت نوشين غوهر كريمي، وهي طبيبة تعمل مع منظمة الصحة العالمية في بدخشان، إن بعض حالات وفاة النساء أثناء الولادة لا تُدرج في سجلات وزارة الصحة التابعة لطالبان.
وروت آمنة أيضاً حالة امرأة توفيت أثناء الولادة بعد تأخر نقلها إلى مركز صحي. وبحسب آمنة، كانت عائلة المرأة تعتقد أن نساء الأجيال السابقة كنّ يلدن في المنازل، ولذلك لم تكن هناك حاجة إلى نقلها إلى المستشفى.
وفي الوقت نفسه، لا تتلقى الرعاية الصحية بعد الولادة سوى نسبة تزيد بقليل على ثلث النساء، فيما يواجه الأطفال حديثو الولادة وضعاً مماثلاً.
فاقم الفقر وصعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية أوضاع الأمهات. وقالت آمنة إنها تشاهد في المراكز الصحية أمهات يعانين مشكلات صحية متعددة بسبب سوء التغذية والحمل المتكرر.
وأضافت أن الفاصل بين ولادة بعض الأطفال لا يتجاوز عاماً واحداً، وأن بعض الأسر تعتبر استخدام وسائل تنظيم الأسرة أمراً محظوراً بسبب معتقدات دينية ومعارضة رجال الدين وشيوخ المناطق ومسؤولي طالبان.
وأوضح التقرير أن الفقر أدى أيضاً إلى زيادة زواج الفتيات القاصرات برجال أكبر سناً، ليصبحن زوجات ثانية أو ثالثة.
ووفقاً لبيانات برنامج الأغذية العالمي، يواجه نحو 17.4 مليون شخص، أي أكثر من ثلث سكان أفغانستان، جوعاً حاداً خلال عام 2026.
لم تسلم النساء العاملات في القطاع الصحي من ضغوط طالبان وعنفها. وروت آمنة أن عناصر من طالبان أوقفوا قابلة داخل مركز صحي أثناء نقلها عينة دم لمريضة وذهابها للحصول على دواء.
وسألها العناصر عن سبب خروجها من القسم المخصص للنساء، قبل أن يعتدوا عليها بالضرب أمام الموظفين والمرضى. ومع ذلك، قالت آمنة إن القابلة لا تزال تواصل عملها.
وفي واقعة أخرى، هدد مسؤولو طالبان موظفة بسبب وضعها مساحيق التجميل وتنقلها من دون مَحرَم، وأبلغوها بأن زوجها سيُعاقب وأنها ستُسجن.
كما تحدثت آمنة عن إجبار مسؤولي طالبان طبيبة غير متزوجة على الزواج من سائق المركز الصحي، بذريعة عدم وجود مَحرَم يرافقها.
لم يؤدِّ اشتراط وجود مَحرَم إلى تقييد وصول المريضات إلى الخدمات الصحية فحسب، بل جعل عمل النساء داخل المرافق الطبية أكثر صعوبة أيضاً.
وقالت آمنة إنها شاهدت، خلال زيارة إلى مركز صحي في قندهار، 15 رجلاً وفتى ينتظرون لساعات في ساحة المركز. وكان معظمهم من كبار السن، فيما كان بعضهم من المراهقين الذين رافقوا الموظفات بصفة مَحرَم.
وقد تعيق هذه القيود، في الحالات الطارئة، التواصل بين الموظفين والموظفات وتؤخر علاج المرضى. وفي بلد يعاني فقراً واسعاً، يعني اشتراط مرافقة النساء العاملات أن يتغيب رجل من العائلة عن عمله أيضاً لمرافقة المرأة.
لا يزال النظام الصحي في أفغانستان يعتمد على المساعدات الإنسانية، إلا أن تراجع التمويل الخارجي منذ عودة طالبان إلى السلطة زاد الضغوط عليه.
وأدى انخفاض المساعدات الأميركية السنوية بنحو مليار دولار إلى تعريض مئات المراكز الصحية لخطر الإغلاق.
وبحسب تقرير لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية صدر في ديسمبر/كانون الأول 2025، يعيش نحو ثلث سكان أفغانستان في مناطق لا تتوافر فيها خدمات صحية كافية.
ولا تزال منظمات إنسانية، من بينها الأمم المتحدة ومنظمة أطباء بلا حدود، توفر قسماً كبيراً من الخدمات الصحية في البلاد. لكن آمنة قالت إن مساعي المنظمات غير الحكومية لتدريب النساء الأفغانيات تعرضت، في بعض الحالات، لتدخل طالبان وإغلاق البرامج.
رفض بشير أنصاري، الباحث في الشريعة والعلوم السياسية والمسؤول السابق في منظمة التعاون الإسلامي، تبريرات طالبان القائلة إن هذه القيود تستند إلى تعاليم الإسلام.
وقال إن الأحكام المتعلقة بالمَحرَم تعود إلى الظروف التاريخية والأمنية للمجتمعات القديمة، وكان هدفها حماية النساء خلال الرحلات الطويلة.
وأكد أنصاري أن إنقاذ حياة الإنسان يجب أن يحظى بالأولوية في الظروف الحالية، وأن تقديم حكم تاريخي على حياة النساء والأطفال لا يتوافق مع مبادئ الشريعة والمنطق وواقع العصر.
وأضاف أن حرمان النساء من التعليم الصحي، بالتزامن مع تقييد وصولهن إلى العلاج، وضع النساء الأفغانيات عملياً أمام خيار واحد فقط: «الموت».