وشنّ سلاح الجو الباكستاني، الخميس الماضي، غارات استهدفت عشر نقاط داخل أفغانستان، في ثاني جولة من الضربات الجوية الباكستانية خلال أربعة أيام، بعد نحو ثلاثة أشهر من الهدوء النسبي على امتداد الحدود المشتركة بين البلدين، التي يبلغ طولها نحو 2600 كيلومتر.
وقالت إسلام آباد إن الضربات جاءت رداً على هجمات بطائرات مسيّرة انطلقت من الأراضي الأفغانية، واستهدفت مواقع ومخابئ لجماعات مسلحة. في المقابل، نفت طالبان انطلاق هجمات بالطائرات المسيّرة من أفغانستان، وقالت إن الأفغان السبعة الذين قتلوا في غارات هذا الأسبوع كانوا جميعاً مدنيين.
وفي تحليل بعنوان «ما الذي حوّل طالبان أفغانستان وباكستان من شريكين إلى خصمين؟»، استعرض مراسل رويترز آصف شيرزاد أبرز أسباب التصعيد الأخير، والعوامل التي أدت إلى فشل المحاولات السابقة لاحتواء التوتر بين الجانبين.
لماذا تحول الحليفان السابقان إلى خصمين؟
بعد عودة طالبان إلى السلطة عام 2021، كانت إسلام آباد تنظر إلى حكومة الحركة باعتبارها حليفاً محتملاً. ورحب رئيس الوزراء الباكستاني السابق عمران خان حينها بعودة طالبان، قائلاً إن الأفغان «كسروا أغلال العبودية».
لكن العلاقات بين الجانبين بدأت بالتدهور تدريجياً مع تصاعد هجمات الجماعات المسلحة في شمال غربي باكستان وجنوبها الغربي.
واتهمت باكستان طالبان أفغانستان والهند بتمويل هذه الجماعات وتسليحها ومنحها ملاذات داخل أفغانستان، وهي اتهامات رفضتها كل من طالبان والحكومة الهندية.
وتحول التوتر العام الماضي إلى مواجهات عبر الحدود. وقال مسؤولون أمنيون باكستانيون في أكتوبر/تشرين الأول إن سلاح الجو استهدف مواقع في كابل في محاولة لاستهداف زعيم حركة طالبان باكستان. وأعلنت الحركة لاحقاً أن زعيمها نجا من الهجوم.
كما تتهم إسلام آباد طالبان الأفغانية بإيواء مسلحين بلوش يقاتلون من أجل استقلال إقليم بلوشستان في جنوب غربي باكستان.
كيف انتهى التصعيد السابق؟
لم يصمد أول وقف لإطلاق النار بين الطرفين، الذي تم التوصل إليه في الدوحة في أكتوبر/تشرين الأول، طويلاً، إذ تجددت الاشتباكات وتصاعدت خلال ربيع العام الجاري، ما أدى إلى مقتل مئات الأشخاص جراء القصف المدفعي والغارات الجوية.
وفي واحدة من أكثر الهجمات دموية، قالت طالبان الأفغانية إن أكثر من 400 شخص قتلوا في غارة جوية باكستانية على كابل استهدفت مركزاً لعلاج الإدمان.
في المقابل، قالت إسلام آباد إنها استهدفت منشآت عسكرية وبنى تحتية تستخدم لدعم الجماعات المسلحة.
وأفضت محادثات بوساطة صينية في مارس/آذار إلى وقف لإطلاق النار، أسهم في خفض حدة المواجهات لنحو ثلاثة أشهر، لكن الخلافات الأساسية بين الجانبين بقيت من دون حل.
ما الذي أشعل التوتر مجدداً؟
انتهت فترة الهدوء النسبي التي استمرت قرابة ثلاثة أشهر بعد هجومين كبيرين شهدهما شمال غربي باكستان الأسبوع الماضي، وأسفرا عن مقتل ما لا يقل عن 30 شخصاً، بينهم 15 شرطياً وستة جنود.
وفي الهجوم الأول، استهدف مسلحون مركزاً للشرطة في كوهات، ما أدى إلى مقتل 24 شخصاً، بينهم 15 من أفراد الشرطة. وأعلنت جماعة «مجلس اتحاد المجاهدين»، بقيادة حافظ غل بهادر، مسؤوليتها عن الهجوم.
وبعد يومين، قُتل أربعة جنود وضابطان خلال اشتباكات بين قوات الأمن الباكستانية ومسلحين في هانغو، بالقرب من كوهات.
من أبرز الجماعات المسلحة في شمال غربي باكستان؟
تُنسب حالة انعدام الأمن في شمال غربي باكستان إلى نشاط عدد من الجماعات المسلحة التي تختلف في قواعدها الاجتماعية وأيديولوجياتها، لكنها تشترك في الصراع مع الدولة الباكستانية.
ويُنسب جزء كبير من الهجمات الأخيرة في المنطقة إلى حركة طالبان باكستان «تي تي بي».
وتأسست الحركة عام 2007 من تحالف لعدد من الجماعات الإسلامية بين البشتون في شمال غربي باكستان، واستلهمت نموذج طالبان الأفغانية.
وخلال حرب طالبان أفغانستان ضد القوات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي «الناتو»، قاتلت حركة طالبان باكستان إلى جانب طالبان الأفغانية، كما وفرت ملاذاً لبعض المقاتلين الأفغان، ما ساهم في نشوء علاقات وثيقة بين الحركتين خلال تلك الفترة.
ونفذت باكستان خلال السنوات الماضية سلسلة عمليات عسكرية ضد حركة طالبان باكستان، إلا أن الحركة واصلت هجماتها، واستهدفت في السنوات الأخيرة بصورة أساسية قوات الأمن الباكستانية.
وقال عبدالباسط، المحلل في معهد «إس. راجاراتنام للدراسات الدولية» في سنغافورة، لرويترز إن حافظ غل بهادر، زعيم الجماعة التي أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم الأخير في كوهات، سبق أن استضاف عناصر من تنظيم القاعدة ومقاتلين إسلاميين عرباً في المناطق الحدودية.
وأضاف باسط أن جماعة غل بهادر كانت في البداية تركز هجماتها على القوات الأميركية وقوات الناتو في أفغانستان، لكنها غيّرت موقفها واتجهت ضد باكستان عقب العملية العسكرية الواسعة التي نفذها الجيش الباكستاني في شمال وزيرستان نحو عام 2015، فيما انتقل عدد من مقاتليها إلى أفغانستان.
وبحسب باسط، تحولت الشبكة التي يقودها غل بهادر في الوقت الراهن إلى مظلة تضم مجموعات مسلحة متعددة، فيما لعب تنظيم القاعدة دوراً في تشكيل هذه الشبكة وتنظيمها.