أما اليوم، فقد تغيّر موقف إسلام آباد بمقدار 180 درجة. ففي الجمعية العامة للأمم المتحدة، جعلت باكستان حركة طالبان والتهديدات الأمنية المنطلقة من أفغانستان أحد المحاور الرئيسية لدبلوماسيتها.
قبل ثلاث سنوات، وفي إحدى جلسات الأمم المتحدة، أدان ممثلو غالبية الدول الأعضاء في مجلس الأمن ما وصفوه بـ«القمع الواسع والممنهج للنساء الأفغانيات على يد سلطات طالبان في أفغانستان». وفي الجلسة نفسها، دافع منير أكرم، سفير باكستان آنذاك لدى الأمم المتحدة، عن حكم طالبان، قائلاً إن الاقتصاد الأفغاني تحسن بفضل جهود الحركة، وإن الأمن استتب، وإن تجارة أفغانستان مع دول الجوار شهدت انتعاشاً.
ومن دون التطرق إلى سياسات طالبان تجاه النساء أو انتهاكات حقوق الإنسان، شدد منير أكرم على ضرورة الاعتراف بحكومة طالبان وتسليم مقعد أفغانستان في الأمم المتحدة إلى الحركة.
لكن بعد ثلاث سنوات من تلك التصريحات، وصلت العلاقات بين طالبان وباكستان إلى نقطة مختلفة تماماً. فباكستان أصبحت اليوم، وعلى المستوى الدولي، من أكثر الدول حديثاً بشكل علني عن تهديد طالبان وتنامي نشاط الجماعات الإرهابية في أفغانستان. وتسعى إسلام آباد إلى إبراز المخاطر الأمنية الناتجة عن حكم طالبان ووجود الجماعات الإرهابية في أفغانستان على المستوى العالمي.
وتواجه إسلام آباد طالبان على جبهتين: عسكرية ودبلوماسية.
واليوم، تعارض باكستان سياسة الانخراط الدولي مع طالبان وتطبيع العلاقات معها، وتدعو بدلاً من ذلك إلى زيادة العقوبات والضغوط والمواجهة مع الحركة.
وفي الوقت نفسه، تواصل استهداف مواقع وقواعد طالبان بالقصف.
منبر باكستان الجديد ضد طالبان
استغل قادة باكستان مشاركتهم في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك لوضع التهديدات الأمنية المنطلقة من أفغانستان على جدول أعمال أكبر عدد ممكن من الاجتماعات الدولية.
وتناول رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف ملف أفغانستان بالتفصيل في خطابه أمام الجمعية العامة، مركزاً بصورة أساسية على محورين: احترام الحقوق الأساسية للشعب الأفغاني، ولا سيما حقوق النساء والفتيات، وتفكيك ملاذات الجماعات الإرهابية داخل أفغانستان.
وقال شريف إن أفغانستان تحولت إلى مصدر للتهديد وتصدير الإرهاب، مضيفاً أن الانفصاليين البلوش وحركة طالبان باكستان يشنون هجمات ضد باكستان انطلاقاً من الأراضي الأفغانية.
كما قال إسحاق دار، نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني، خلال الاجتماعات الجانبية للجمعية العامة للأمم المتحدة، إن السلام والاستقرار الإقليميين لن يكونا ممكنين من دون إزالة التهديد الإرهابي المنطلق من أفغانستان.
وشدد دار في اجتماعات مختلفة، بينها اجتماعات منظمة التعاون الاقتصادي ومنظمة التعاون الإسلامي، وكذلك في لقاءاته مع وسائل الإعلام، على التهديدات الأمنية القادمة من أفغانستان.
ولا يقتصر هذا الموقف على اجتماعات الجمعية العامة. فقد سبق لمسؤولين باكستانيين أن طرحوا في اجتماعات إقليمية، بينها منظمة شنغهاي للتعاون، أفغانستان الخاضعة لسيطرة طالبان بوصفها مصدراً لتهديد إرهابي ضد دول الجوار.
وتُعد قضايا غياب الشرعية الداخلية، والانتهاكات الواسعة لحقوق النساء والفتيات، والتهديد الإرهابي المتزايد المنطلق من الأراضي الأفغانية، من أبرز نقاط ضعف طالبان والعقبات الرئيسية أمام الاعتراف بها. وقد أدركت باكستان هذه النقاط جيداً، وتسعى إلى توظيفها على المستوى الدولي.
طالبان والفراغ الدبلوماسي
على الجانب الآخر، تسيطر طالبان فعلياً على أفغانستان، وتعتبر نفسها «ممثل أفغانستان»، وتطالب بتسليمها مقعد البلاد في الأمم المتحدة.
لكن طالبان لم تتمكن خلال السنوات الخمس الماضية من الحصول على مقعد أفغانستان في الأمم المتحدة. وفي الوقت نفسه، أدت سياسات الحركة، ولا سيما تجاه حقوق النساء والحريات الأساسية، إلى توسيع الفجوة بين أفغانستان الخاضعة لحكم طالبان والمجتمع الدولي، وزيادة عزلة سلطات الحركة.
ولا تفتقر طالبان إلى مقعد أفغانستان في الجمعية العامة للأمم المتحدة فحسب، بل إن وجودها في السلطة أدى أيضاً عملياً إلى غياب المشاركة الرسمية لممثلي أفغانستان في عدد من الاجتماعات الدولية المهمة.
ونتيجة لذلك، تواجه طالبان فراغاً دبلوماسياً كبيراً. فالحركة التي تعتبر نفسها ممثل أفغانستان لا تملك ممثلاً رسمياً في أهم المحافل الدولية. وفي المقابل، تستفيد باكستان من هذا الفراغ لطرح روايتها ورؤيتها بشأن أفغانستان على الساحة الدولية.
وقد ملأت باكستان جزءاً كبيراً من الفراغ الذي تركته أفغانستان على المستوى الدولي. وحتى الآن، كانت باكستان من أبرز الدول التي تحدثت بتفصيل واسع عن أفغانستان داخل الأمم المتحدة.
أهداف الحملة الباكستانية الممنهجة
أولاً: تمحور جزء كبير من تصريحات شهباز شريف في الجمعية العامة وإسحاق دار في الاجتماعات الجانبية حول خطر الإرهاب وطالبان في أفغانستان.
وتسعى باكستان إلى تغيير صورة طالبان من جماعة يمكن الانخراط معها إلى مصدر متنامٍ للتهديد الأمني في المنطقة.
وخلال السنوات الخمس الماضية، ركز جزء مهم من مقاربة المجتمع الدولي تجاه طالبان على الانخراط مع الحركة بهدف منع الانهيار الاقتصادي والإنساني في أفغانستان. لكن المخاوف المتعلقة بالأمن الإقليمي ونشاط الجماعات الإرهابية داخل أفغانستان تتزايد حالياً. وحتى بعض الشركاء الإقليميين لطالبان، مثل الصين وروسيا وإيران، أعربوا عن قلقهم من التهديد المتزايد المنطلق من الأراضي الأفغانية.
وتريد باكستان تعزيز هذا التحول في النظرة الدولية، ودفع طالبان إلى قدر أكبر من المساءلة أمام المجتمع الدولي.
ثانياً: يتيح الترويج المستمر للتهديدات الأمنية المنطلقة من أفغانستان لباكستان أيضاً أرضية لتبرير عملياتها العسكرية داخل الأراضي الأفغانية.
وخلال أسبوع واحد، استهدفت باكستان خمس ولايات أفغانية، هي قندهار وخوست وبكتيا وكونر وبكتيكا، بغارات جوية. وتبرر إسلام آباد هذه العمليات بأنها تأتي في إطار مواجهة التهديدات الأمنية والجماعات المسلحة المتمركزة في أفغانستان.
وتقول طالبان إن مدنيين قُتلوا في هذه الضربات، فيما أكدت الأمم المتحدة بدورها سقوط ضحايا مدنيين. لكن باكستان تؤكد أن الهجمات كانت مستهدفة ومحسوبة ودقيقة. وتقول بعض المصادر إن عدداً من قادة حركة طالبان باكستان قُتلوا في إحدى الغارات التي استهدفت ولاية قندهار.
ومن هذا المنظور، قد يكون تسليط الضوء على التهديد الإرهابي المنطلق من أفغانستان في المحافل الدولية جزءاً من مساعي باكستان لإضفاء غطاء سياسي على عملياتها العسكرية، بما يسمح لها بمواصلة تنفيذ ضربات داخل أفغانستان.
ثالثاً: تسعى باكستان كذلك إلى تحويل مخاوف الدول المختلفة بشأن الإرهاب إلى تعاون عملي ضد الجماعات المسلحة المتمركزة في أفغانستان.
وقد يشمل هذا التعاون دعماً سياسياً ودبلوماسياً، ومساعدات مالية وتقنية، وتبادلاً للمعلومات الاستخباراتية، وتوفير معدات، إلى جانب التعاون في مجال مكافحة الإرهاب.
وتريد إسلام آباد إخراج ملف أفغانستان من إطار كونه خلافاً ثنائياً بين باكستان وطالبان، وتحويله إلى مصدر قلق أمني مشترك لدول المنطقة والمجتمع الدولي.
رابعاً: تحاول باكستان في الوقت نفسه وضع طالبان والهند في بيئة دبلوماسية أكثر صعوبة. وكانت الهند الدولة الوحيدة التي أدانت هجمات باكستان على قواعد ومراكز عسكرية تابعة لطالبان، في حين لم تدن إيران وروسيا هذه الهجمات.
وكان الحضور الباكستاني في نيويورك بارزاً؛ إذ ألقى رئيس الوزراء الباكستاني كلمة أمام الجمعية العامة، فيما مثل الهند وزير خارجيتها.
وخلال السنوات الخمس الماضية، تشكل نوع من التوافق النسبي داخل المجتمع الدولي بشأن ضرورة الانخراط مع طالبان للحفاظ على الوضع القائم، ومنع الانهيار الاقتصادي، واحتواء الأزمة الإنسانية في أفغانستان.
لكن مؤشرات على تغير هذا النهج بدأت تظهر. فقد تزايدت مخاوف الدول بشأن نشاط الجماعات الإرهابية، ووضع حقوق الإنسان، وسياسات طالبان.
وتحاول باكستان كسب الرأي العام الدولي وتعزيز التعاون العالمي لمواجهة التهديدات المرتبطة بطالبان. والسؤال هو: هل ستنجح في تحقيق هذا الهدف؟
ويبدو أن سياسات طالبان نفسها وفرت بصورة متزايدة الظروف الملائمة أمام باكستان لتنفيذ استراتيجيتها في أفغانستان.
وأظهرت تجربة السنوات الخمس الماضية أن الرهان على تغيير سياسات طالبان ونهجها لم يؤدِّ إلى نتائج ملموسة. ويرى بعض الخبراء أن طالبان وصلت إلى طريق مسدود، وأن باكستان تسعى إلى استغلال هذا المأزق لتحقيق أهدافها.
كما وصلت العلاقة بين طالبان وباكستان إلى مرحلة شديدة التدهور يصعب معها العودة إلى طبيعتها السابقة.