وكانت المحكمة قد أصدرت في 8 يوليو 2025 أيضاً مذكرتي توقيف بحق هبة الله أخوندزاده، زعيم طالبان، وعبد الحكيم حقاني، رئيس المحكمة العليا التابعة للحركة. وأُعلن حينها عن وجود المذكرتين، بينما بقيت تفاصيلهما سرية.
واتهمت المحكمة الجنائية الدولية المسؤولين الأربعة في طالبان بالضلوع في اضطهاد وقمع النساء والفتيات، وقالت إن هذه الممارسات قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
وبحسب الوثائق التي نُشرت حديثاً، قال القضاة إن هناك أسباباً معقولة للاعتقاد بأن المسؤولين الأربعة شاركوا في إصدار أوامر أو التشجيع على سياسات تستهدف النساء والفتيات بسبب جنسهن، أو في تنفيذ تلك السياسات.
وقال القضاة إن طالبان انتهكت على نطاق واسع الحقوق والحريات الأساسية للسكان منذ عودتها إلى السلطة. وذكرت وثائق المحكمة القتل والسجن والتعذيب والاغتصاب والاختفاء القسري ضمن الانتهاكات التي ارتُكبت.
وبحسب المحكمة، فإن قيود طالبان لا تقتصر على النساء والفتيات، إلا أنهن الأكثر استهدافاً. فقد حرمت الحركة النساء والفتيات من التعليم ومن العديد من فرص العمل، وفرضت قيوداً واسعة على حركتهن ووجودهن في الأماكن العامة وحرية التعبير وحياتهن الاجتماعية.
كما قالت المحكمة إن أشخاصاً تعرضوا للاضطهاد والقمع بسبب ميولهم الجنسية أو هويتهم الجندرية.
ووفقاً لبيانات الأمم المتحدة، فإن نصف النساء في أفغانستان لا يغادرن منازلهن حالياً سوى مرة أو مرتين في الشهر. كما أن أفغانستان هي الدولة الوحيدة في العالم التي لا يُسمح فيها للفتيات بالدراسة بعد الصف السادس، فيما تُحرم النساء من التعليم الجامعي.
ومنذ عودة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021، أبعدت الحركة النساء عن العديد من الوظائف وعن جزء كبير من الحياة العامة. كما أصدر هبة الله أخوندزاده خلال السنوات الماضية أوامر متعددة تقيد حركة النساء ووجودهن في المجال العام.
ولا تمتلك المحكمة الجنائية الدولية قوة شرطة خاصة بها لتنفيذ أوامر الاعتقال، وتعتمد على تعاون الدول الأعضاء. ويقيم المسؤولون الأربعة في أفغانستان، حيث تسيطر طالبان على البلاد، ما يجعل تنفيذ هذه المذكرات صعباً في الظروف الراهنة.
ويواجه حبيب الله آغا، وزير التعليم في حكومة طالبان، وندا محمد نديم، وزير التعليم العالي، ملاحقة من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة اضطهاد النساء والفتيات. وقد أُعلنت يوم الاثنين مذكرتا التوقيف بحقهما، اللتان صدرتا في 9 سبتمبر 2025.
ويَرِد اسما الوزيرين إلى جانب هبة الله أخوندزاده، زعيم طالبان، وعبد الحكيم حقاني، رئيس المحكمة العليا التابعة للحركة.
وقال قضاة المحكمة الجنائية الدولية في هولندا إن هناك أسباباً معقولة للاعتقاد بأن المسؤولين الأربعة شاركوا في إصدار أوامر باضطهاد النساء والفتيات أو حرضوا وشجعوا على ذلك.
ويُصنَّف هذا الاتهام بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة ضمن الجرائم ضد الإنسانية.
ويتولى حبيب الله آغا وندا محمد نديم وزارتَي التعليم والتعليم العالي في أفغانستان، وهما المؤسستان اللتان لعبتا دوراً رئيسياً في تنفيذ إغلاق المدارس والجامعات أمام النساء والفتيات.
وكان الاتحاد الأوروبي قد فرض عقوبات على الرجلين بسبب دورهما في حرمان النساء والفتيات من التعليم.
حبيب الله آغا: من الجهاز القضائي إلى وزارة التعليم
يُعد حبيب الله آغا من الشخصيات القديمة في حركة طالبان، وقد أمضى جزءاً كبيراً من مسيرته في المدارس الدينية والجهاز القضائي للحركة.
وبحسب السيرة الذاتية التي نشرتها وزارة التعليم التابعة لطالبان، وُلد عام 1954 في قرية جوي لاهور بمديرية أرغنداب في قندهار.
وتلقى تعليمه الديني الأساسي في المساجد والمدارس الدينية، وتخرج عام 1978 من دار العلوم الحقانية في باكستان.
وبعد تخرجه، عمل في تدريس العلوم الدينية، وتولى لفترة إدارة مدرسة في باكستان كان يدرس فيها نحو 900 طالب.
وانضم حبيب الله آغا إلى طالبان عام 1994، بالتزامن مع ظهور الحركة.
وخلال فترة حكم طالبان الأولى، تولى رئاسة الدائرة الجزائية في المحكمة الابتدائية بمدينة قندهار.
وبعد سقوط حكومة طالبان، واصل العمل ضمن الجهاز القضائي للحركة، وشغل لمدة أربع سنوات منصب مفتي محكمة الاستئناف التابعة لطالبان في فراه، قبل أن يتولى مسؤولية إدارية في دار الإفتاء المركزية التابعة للحركة.
وبعد عودة طالبان إلى السلطة، تولى حبيب الله آغا رئاسة مجلس علماء قندهار، وفي سبتمبر 2022 عُيّن وزيراً للتعليم.
وفي منصبه، نفذ قرار زعيم طالبان بإبقاء المدارس مغلقة أمام الفتيات بعد الصف السادس.
وخلال فترة توليه الوزارة، أغلقت طالبان أيضاً الدورات والمراكز التعليمية الخاصة أمام النساء والفتيات، وأوقفت تعليمهن في تخصصات من بينها التمريض.
ودفعت هذه القرارات عدداً من الفتيات إلى اللجوء إلى التعليم السري داخل المنازل.
ندا محمد نديم: خلفية عسكرية واستخباراتية
عمل ندا محمد نديم لسنوات في القطاعات العسكرية والاستخباراتية التابعة لطالبان قبل تعيينه وزيراً للتعليم العالي، ويُعد من الشخصيات المتشددة المقربة من هبة الله أخوندزاده.
وهو أيضاً من مواليد قندهار، الولاية التي أصبحت مركزاً رئيسياً للسلطة وصنع القرار داخل طالبان.
وبحسب السيرة الذاتية التي نشرتها وزارة التعليم العالي التابعة للحركة، شغل نديم في السابق مناصب عدة، من بينها مسؤول الدعوة والإرشاد، والمسؤول العسكري لطالبان في المنطقة الشمالية الغربية، ونائب الشؤون الإدارية في الاستخبارات، وقائد شرطة ننغرهار، ووالي ننغرهار ثم كابول.
وعيّنه هبة الله أخوندزاده وزيراً للتعليم العالي في أكتوبر 2022.
وبعد نحو شهرين، في 20 ديسمبر من العام نفسه، أعلنت وزارة التعليم العالي أن النساء لن يُسمح لهن بالالتحاق بالجامعات الحكومية والخاصة حتى إشعار آخر.
وبهذا القرار، امتد حظر تعليم الفتيات، الذي كان يشمل المدارس بعد الصف السادس، ليشمل الجامعات أيضاً.
ودافع نديم عن قرار الحظر بعد صدوره، مشيراً إلى لباس النساء، واختلاط النساء والرجال داخل الجامعات، وتدريس بعض التخصصات، باعتبارها من أسباب القرار.
وقال أيضاً إن دراسة النساء لتخصصات مثل الزراعة والهندسة لا تتوافق مع الثقافة الأفغانية.
ووعد نديم آنذاك بإعادة فتح الجامعات أمام النساء بعد معالجة ما تعتبره طالبان مشكلات قائمة.
لكن بعد نحو عامين، في سبتمبر 2024، وعندما سأله صحفيون في كابول عن إعادة فتح الجامعات أمام النساء، قال إنه مثلما أن تعليم النساء «معلّق»، فإن طرح السؤال حوله أيضاً «معلّق حتى إشعار آخر».
وكان الاتحاد الأوروبي قد أضاف اسمه إلى قائمة العقوبات في 7 مارس 2023.
وجاء في وثيقة العقوبات أن قرارات حظر تعليم النساء صدرت خلال فترة توليه المسؤولية، وأنها انتهكت حق النساء في التعليم وفي الوصول المتكافئ إلى التعليم العالي.
ويحمّل الاتحاد الأوروبي نديم، بصفته وزير التعليم العالي في حكومة طالبان، مسؤولية الانتهاك الواسع لحق النساء في التعليم والمساواة بين النساء والرجال في هذا القطاع.
ما التهمة التي تنظر فيها المحكمة؟
تقول المحكمة الجنائية الدولية إن اضطهاد النساء لا يقتصر على العنف المباشر، وإن الحرمان المنهجي للأفراد من حقوقهم الأساسية قد يندرج أيضاً ضمن جريمة الاضطهاد.
وأشار القضاة في هذه القضية إلى حرمان النساء والفتيات من التعليم وحرية التنقل وحرية التعبير والحياة الخاصة والأسرية.
وبحسب المحكمة، فإن الأشخاص الذين تعتبرهم طالبان داعمين لحقوق النساء والفتيات أو معارضين لسياساتها تعرضوا أيضاً للقمع والاضطهاد.
ولا يزال تنفيذ مذكرتي الاعتقال بحق الوزيرين موضع شك، إذ يقيمان في أفغانستان، فيما لا تمتلك المحكمة الجنائية الدولية قوة شرطة خاصة بها لتنفيذ أوامرها، وتعتمد في توقيف المطلوبين على تعاون الدول.
ولم تصدر طالبان حتى الآن رداً محدداً على إعلان مذكرتي التوقيف بحق حبيب الله آغا وندا محمد نديم.
وكانت الحركة قد قالت سابقاً إنها لا تعترف بالمحكمة الجنائية الدولية، ووصفت أوامر اعتقال قادتها بأنها «لا أساس لها».
وكانت المحكمة الجنائية الدولية قد أصدرت في 8 يوليو 2025 أيضاً مذكرتي توقيف بحق هبة الله أخوندزاده، زعيم طالبان، وعبد الحكيم حقاني، رئيس المحكمة العليا التابعة للحركة، بتهمة اضطهاد النساء والفتيات.
ولم تُنفذ هاتان المذكرتان حتى الآن، فيما لا يزال الرجلان داخل أفغانستان.