وبحسب التقرير، أعلنت الجماعات المناهضة لطالبان مسؤوليتها عن 119 هجوماً في 26 ولاية خلال الأشهر الأخيرة.
وأوضحت الصحيفة أنه بعد خمس سنوات من سيطرة طالبان على كابول، ظلّت أقوى حجج الحركة للحصول على القبول الدولي تستند إلى مسألة «السيطرة». فطالبان تحكم جميع مراكز الولايات، ولا تواجه جيشاً تقليدياً قادراً على التقدم نحو كابول، كما استشهدت مراراً بتحسن الوضع الأمني دليلاً على ترسيخ الاستقرار بعد عام 2021.
لكن التحليل يشير إلى أن المقاومة المسلحة أصبحت أكثر انتشاراً من الناحية الجغرافية، وأكثر تنوعاً من الناحية التنظيمية، وبات من الصعب وصفها بأنها مجرد تمرد متبقٍّ وآخذ في التراجع في شمال البلاد.
وأضافت الصحيفة أن طالبان ربما انتصرت في الحرب الأخيرة في أفغانستان، لكنها تهيئ الظروف لاندلاع حرب جديدة.
التوسع الجغرافي وإحصاءات الأمم المتحدة
خلال السنوات الأولى التي أعقبت سقوط كابول، هيمنت جبهة المقاومة الوطنية وجبهة الحرية الأفغانية على الأنشطة المسلحة المناهضة لطالبان، وركزتا عملياتهما في بنجشير وبدخشان وتخار وبغلان وغيرها من الولايات الشمالية والشمالية الشرقية.
وقد أتاح هذا التركز الجغرافي لطالبان تصوير المقاومة على أنها بقايا محدودة من الجمهورية السابقة، تعتمد أساساً على القومية الطاجيكية. غير أن هذه الرواية بدأت تفقد قوتها بحلول عام 2026.
وأظهر تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الصادر في سبتمبر أن الجماعات المسلحة المعارضة أعلنت مسؤوليتها عن 88 هجوماً في 21 ولاية خلال الفترة من الأول من مايو إلى 31 يوليو.
وتمكن مراقبو الأمم المتحدة من التحقق من 55 هجوماً، وخلصوا إلى أن المقاومة لا تزال لا تشكل تهديداً كبيراً لسيطرة طالبان على الأراضي الأفغانية.
ومع ذلك، تكشف البيانات التي جُمعت خلال شهري أغسطس وسبتمبر عن نمط أكثر اتساعاً، إذ أعلنت جماعات المقاومة مسؤوليتها عن 119 هجوماً في 26 ولاية من أصل 34 ولاية أفغانية، شملت الشمال والشمال الشرقي والوسط والشرق والجنوب والغرب.
ونظراً إلى أن هذه الأرقام تستند إلى بيانات الجماعات نفسها، ينبغي التعامل بحذر مع ادعاءاتها بشأن الخسائر البشرية، إلا أن الانتشار الجغرافي للهجمات يُعد مؤشراً أكثر دلالة.
وفي هذا السياق، أعلنت جبهة أفغانستان المتحدة مسؤوليتها عن 59 عملية، وجبهة الحرية عن 29 عملية، وجبهة المقاومة الوطنية عن 11 عملية، وجبهة الاستقلال الوطني عن تسع عمليات، وتيار الأخضر عن سبع عمليات، فيما أعلنت جماعتان جديدتان تنفيذ عمليتين لكل منهما.
تحول استراتيجي في الجنوب وتراجع الرواية العرقية
ووفقاً للتحليل، فإن أبرز تحول استراتيجي وقع في جنوب أفغانستان.
ويتولى الجنرال السابق في الجيش الأفغاني سامي سادات قيادة جبهة أفغانستان المتحدة، التي بدأت حملتها المسلحة في أغسطس من العام الجاري.
وأعلنت الجبهة تنفيذ عمليات في هلمند وقندهار ونيمروز وغور وبادغيس وفارياب.
وعلى خلاف الجبهات الشمالية، تتميز هذه الجبهة بطابع بشتوني غالب، وتعتمد بدرجة كبيرة على عناصر قوات الأمن الأفغانية السابقة.
ولا يعني ذلك اندلاع انتفاضة بشتونية عامة أو سقوط قندهار وهلمند من قبضة طالبان، غير أن ظهور قوة مسلحة ذات طابع بشتوني في مناطق النفوذ التقليدية للحركة يثير تساؤلات بشأن الرواية التي تحصر المقاومة في الشمال وتربطها بهوية عرقية معينة.
وإذا ترسخت الهجمات المناهضة لطالبان في معاقلها الرئيسية، فقد تتحول المقاومة من مشكلة أمنية محدودة في الشمال إلى تحدٍّ أوسع للأمن على المستوى الوطني.
تعدد الجماعات واحتمال نشوء تمرد لامركزي
وذكرت آسيا تايمز أن المقاومة الأفغانية ليست كتلة موحدة، إذ تضم جماعات مختلفة، منها جبهة المقاومة الوطنية، وجبهة الحرية، وجبهة أفغانستان المتحدة، وجبهة جنود الوطن، وجبهة الاستقلال الوطني، وجبهة الجمهورية، ومنظمة الأفق الجديد.
وتختلف هذه الجماعات اختلافاً كبيراً من حيث الانتماءات العرقية والأهداف والقدرات العسكرية.
وأشار التحليل إلى أن هذا التشتت قد يحول دون تشكيل سلطة بديلة موحدة ومتماسكة، لكنه لا يعني أن هذه الجماعات تفتقر إلى الأهمية.
وقد تواجه أفغانستان تمرداً لامركزياً تنفذ فيه شبكات متعددة هجمات ضد قوات طالبان ومؤسساتها، من دون أن تمتلك أي منها القدرة على إسقاط نظام الحكم.
ومن المرجح أن تتخذ مثل هذه المواجهات طابع استنزاف أمني مستمر في ولايات متعددة، بدلاً من أن تشبه الحروب الأهلية الشاملة التي شهدتها أفغانستان في الماضي.
انتهاك العفو العام ومفارقة القمع
وأشار التحليل إلى أن سياسات طالبان نفسها تسهم في رفد صفوف المقاومة بالمقاتلين.
فبعد عودتها إلى السلطة عام 2021، أعلنت الحركة عفواً عاماً، لكن تقارير بعثة الأمم المتحدة لمساعدة أفغانستان (يوناما) وثّقت مئات الانتهاكات بحق أفراد القوات السابقة، شملت عمليات قتل خارج نطاق القضاء، واعتقالات تعسفية، وتعذيباً، وحالات اختفاء قسري.
ومن الناحية العسكرية، يمتلك أفراد القوات السابقة، بمن فيهم الجنود وعناصر القوات الخاصة والشرطة والاستخبارات، التدريب والخبرة القتالية والمعرفة بتكتيكات طالبان، وهي مؤهلات تحتاج إليها الجماعات المسلحة الناشئة.
وأوضح التحليل أن استمرار القمع أظهر أن البقاء على الحياد لا يوفر بالضرورة الحماية لهؤلاء الأفراد.
وهكذا تجد طالبان نفسها أمام مفارقة، إذ إن القمع الذي يهدف إلى القضاء على المعارضين قد يمنحهم دوافع إضافية للتنظيم وحمل السلاح.
السيطرة على الأرض لا تعني الاستقرار
وشددت آسيا تايمز على ضرورة عدم الخلط بين التهديد الذي يشكله تنظيم داعش خراسان وبين جماعات المقاومة السياسية والمسلحة الأفغانية، نظراً إلى الاختلاف الجذري في الأيديولوجيا والأهداف.
لكن الضغوط المتزامنة الناجمة عن الإرهاب العابر للحدود والجماعات الأفغانية المسلحة تضع طالبان أمام تحديين أمنيين في الوقت نفسه، وتقوض روايتها بشأن تحقيق الاستقرار.
ويكتسب هذا التمييز أهمية بالنسبة إلى الولايات المتحدة، في تقييم ما إذا كان ينبغي اعتبار سيطرة طالبان على الأراضي الأفغانية دليلاً على ديمومة النظام الذي نشأ بعد عام 2021.
وخلص التحليل إلى أن الأدلة المتاحة لا تشير حتى الآن إلى أن أفغانستان تتجه نحو حرب أهلية شاملة جديدة، لكنها تُظهر أن النطاق الجغرافي للمقاومة المسلحة آخذ في الاتساع.