نائب إيراني: طهران قد تؤجر أفغانستان مئة هكتار من أراضي ميناء تشابهار
قال عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني محمد مهدي شهرياري إن طهران قد تضع 100 هكتار من الأراضي في ميناء تشابهار تحت تصرف أفغانستان، لمدة تتراوح بين عامين وخمسة أعوام،
لاستخدامها في استيراد البضائع وتطوير أنشطة النقل والترانزيت. وأوضح شهرياري أن أفغانستان دولة غير ساحلية، وأن هذه الأراضي يمكن إتاحتها للجانب الأفغاني من أجل استيراد السلع التي يحتاجها عبر ميناء تشابهار، ونقلها من خلال الأراضي الإيرانية. وشدد على أن هذه الخطوة ستتم مع الحفاظ على السيادة الإقليمية لإيران، ولا تعني التنازل عن أراضي البلاد. وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي قد أكد مؤخراً أن التنازل عن الأراضي الإيرانية لأي دولة أمر غير ممكن، وأن الادعاءات المتداولة في هذا الشأن ناجمة عن "سوء فهم". وأوضح بقائي أن ما يجري بحثه يندرج فقط ضمن دراسة سبل مساعدة الدول غير الساحلية على الوصول إلى الموانئ والمياه الدولية، مؤكداً عدم وجود أي مقترح رسمي للتنازل عن أراضٍ إيرانية لصالح أفغانستان. وشدد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية على أن جميع الأحاديث المتعلقة بنقل السيادة أو التنازل عن جزء من الأراضي الإيرانية لصالح أفغانستان لا أساس لها من الصحة، وأن طهران تدرس فقط إمكانية توفير تسهيلات تجارية واستثمارية لأفغانستان في ميناء تشابهار. وأعادت تصريحات النائب الإيراني قضية الوجود والاستثمار الأفغاني في ميناء تشابهار إلى واجهة النقاش السياسي في إيران. وكانت القضية قد أثارت جدلاً سابقاً، بعدما أعلن عضو البرلمان الإيراني محسن زنغنه، الذي زار كابل ضمن وفد برلماني، في 9 أكتوبر، تخصيص نحو 10 هكتارات من الأراضي داخل ميناء تشابهار، وأكثر من 100 هكتار في المنطقة الحرة التابعة للميناء، للاستثمارات الأفغانية. وأثارت هذه التصريحات ردود فعل واسعة في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي الإيرانية، إذ فسرها البعض على أنها تعني التنازل عن جزء من الأراضي الإيرانية لصالح أفغانستان. وتراجع زنغنه لاحقاً عن تصريحاته الأولية، موضحاً أنه لم يكن يقصد نقل ملكية الأراضي الإيرانية أو السيادة عليها، وإنما توفير تسهيلات للاستثمارات الأفغانية وتطوير البنية التحتية للنقل والترانزيت، بما في ذلك إنشاء ميناء جاف في تشابهار. وأصبح ميناء تشابهار خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز المنافذ التي تتيح لأفغانستان الوصول إلى المياه الدولية. وازدادت أهمية الميناء خصوصاً بعد تصاعد التوترات الحدودية والتجارية بين حركة طالبان وباكستان، فيما أكد مسؤولو طالبان مراراً رغبتهم في توسيع استخدام هذا المسار للتجارة ونقل البضائع.
قال أقارب "الله داد باديزي"، وهو عسكري سابق في ولاية هلمند، لقناة "أفغانستان إنترناشيونال"، إن حركة طالبان سلّمت بقايا جثمانه وجثمان أحد أصدقائه إلى عائلتيهما، بعد نحو ستة أشهر من اعتقالهما.
وأوضح أقارب باديزي، الثلاثاء، أن عناصر طالبان اعتقلوه مع أحد أصدقائه قبل ستة أشهر في منطقة تورتانغ، التابعة للدائرة الأمنية الأولى بمدينة لشكرغاه، واقتادوهما إلى مكان مجهول، وأضافوا أن الرجلين قُتلا بإطلاق النار عليهما بعد اعتقالهما. وكانت عائلة باديزي قد تقدمت بشكوى إلى مكتب زعيم طالبان هبة الله آخوندزاده في قندهار، لمعرفة مصيره، لكن مساعيها لم تسفر عن أي نتيجة. وقال أقارب باديزي إن حركة طالبان استدعت عائلتي الرجلين إلى مقر قيادة شرطة هلمند، وسلمتهما بقايا جثمانيهما. ووفقاً للمصادر، تُركت جثتا "الله داد" وصديقه بعد مقتلهما في مناطق رملية بضواحي لشكرغاه. واتهم أقاربهما حركة طالبان بالوقوف وراء مقتلهما. وينحدر الله داد باديزي من مديرية "مارجه" بولاية هلمند، وكان يعمل خلال فترة الجمهورية السابقة في إدارة مكافحة الإرهاب التابعة لشرطة هلمند، قبل أن يتولى قيادة إحدى وحدات الأمن الوطني. وكانت "أفغانستان إنترناشيونال" قد أفادت في 28 يوليو 2025، نقلاً عن مصادر محلية، بأن استخبارات طالبان اعتقلت باديزي أمام منزله في لشكرغاه. وقال شهود عيان آنذاك إن عناصر الاستخبارات اعتدوا عليه بالضرب أثناء اعتقاله، وأجبروه على ركوب سيارة. وأفاد أقارب باديزي في ذلك الوقت بأن استخبارات طالبان كانت تنكر اعتقاله، وترفض تقديم أي معلومات عن مكان احتجازه، كما ظلت أسباب اعتقاله مجهولة. وترك باديزي وراءه ثلاث زوجات و14 طفلاً.
مطالبات بتحقيق دولي وفي رد على الحادثة، وصف الممثل الدائم لأفغانستان لدى الأمم المتحدة نصير أحمد فائق اعتقال العسكريين السابقين وقتلهم واختفاءهم داخل السجون بأنه "كارثة إنسانية"، مطالباً بإجراء تحقيق مستقل وشفاف في هذه الانتهاكات. وقال فائق إن عمليات الاعتقال والتعذيب والاغتيالات المستهدفة والوفيات داخل السجون التي يتعرض لها العسكريون السابقون استمرت طوال السنوات الخمس الماضية، رغم إعلان زعيم حركة طالبان عفواً عاماً. واعتبر أن حوادث اعتقال العسكريين السابقين وإساءة معاملتهم تمثل مؤشراً مقلقاً على السياسات غير الإنسانية التي تنتهجها حركة طالبان. وشدد على أن جرائم القتل المستهدف والتعذيب والإخفاء القسري والوفاة داخل السجون لا يجوز تجاهلها أو التستر عليها في ظل الصمت والإفلات من العقاب. وأشار فائق إلى مقتل باديزي وتسليم جثمانه إلى عائلته بعد ستة أشهر، مؤكداً أن العفو العام لا تكون له أي قيمة إلا عندما تُصان حياة المعتقلين وكرامتهم الإنسانية وحقوقهم، لا أن يختفي العسكريون السابقون بعد اعتقالهم، ثم تُسلم جثامينهم سراً إلى عائلاتهم. وطالب فائق بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى أفغانستان (يوناما)، والمقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في أفغانستان، والمنظمات الدولية، بإجراء تحقيقات عاجلة ومستقلة وشفافة في هذه القضية والحوادث المماثلة، وتحديد المسؤولين عن ارتكاب هذه الانتهاكات والآمرين بتنفيذها ومحاسبتهم. واعتبر فائق أن هذه الحوادث تمثل دليلاً واضحاً على غياب العدالة وسيادة القانون في أفغانستان، محذراً من أن الصمت إزاء هذه الجرائم يمهد الطريق لتكرار انتهاكات مماثلة.
قال سكان منطقة "أنغور باغ" بمدينة جلال آباد، عاصمة ولاية ننغرهار، لـ"أفغانستان إنترناشيونال"، إن حركة طالبان بدأت منذ يومين بإجبار السكان على مغادرة منازلهم، ووجهت تحذيرات إلى آخرين بضرورة إخلائها على الفور.
وفي المقابل، أعلنت المحكمة العليا التابعة لحركة طالبان أنها أصدرت، بعد تحقيقات استمرت سبعة أشهر، حكماً في قضية أراضي منطقة أنغور باغ لصالح من وصفتهم بأصحاب الحقوق، وأمرت بتسليم الأراضي إليهم. لكن سكان المنطقة يؤكدون أنهم شيدوا منازلهم على هذه الأراضي ويقيمون فيها منذ نحو 40 عاماً. ووفقاً للمعلومات، تضم منطقة مجبور آباد، التابعة للدائرة الرابعة بمدينة جلال آباد، نحو 100 منزل. وقالت مصادر لـ"أفغانستان إنترناشيونال"، يوم الأربعاء، إن عناصر طالبان أجبروا سكان منطقة أنغور باغ على مغادرة منازلهم خلال اليومين الماضيين، ما اضطر العائلات إلى قضاء الليلة الماضية في العراء تحت الأمطار. وأضافت المصادر أن محكمة طالبان أصدرت قرارها لصالح عائلة شهاب الدين دلاور، رئيس لجنة الاتصال بالشخصيات الأفغانية الخاضعة لسيطرة الحركة. ووفقاً للمصادر، قدم السكان إلى المحكمة وثائق ملكية لمنازلهم يعود تاريخها إلى نحو 45 عاماً، لكن المحكمة لم تصدر حكماً لصالحهم. وكان نائب المتحدث باسم المحكمة العليا التابعة لحركة طالبان منصور أحمد حمزة قد أعلن سابقاً أن قضية أراضي أنغور باغ في جلال آباد ظلت قيد النظر أمام المحاكم لسنوات، وأن المحكمة أعادت مراجعة الأحكام الصادرة في عهد الحكومة السابقة والوثائق المتعلقة بالقضية. وأوضح حمزة أن التحقيقات أثبتت وجود عمليات "استيلاء غير قانوني" على الأراضي. وقال إن بعض مسؤولي طالبان في ننغرهار رفعوا القضية إلى قيادة الحركة قبل تنفيذ الحكم القضائي، التي أمرت، بعد مراجعة القضية، بتعليق تنفيذ القرار وإعادته إلى المحكمة العليا لإجراء مراجعة مستقلة وشاملة. وأضاف نائب المتحدث باسم المحكمة العليا: "بعد مراجعة استمرت سبعة أشهر، صدر أمر بتنفيذ الحكم القضائي، بهدف استعادة الأراضي من الاستيلاء غير القانوني وتسليمها إلى أصحاب الحقوق". ولم توضح حركة طالبان مصير العائلات التي أُجبرت على مغادرة منازلها. وكان سكان منطقة مجبور آباد التابعة لأنغور باغ في الدائرة الرابعة بمدينة جلال آباد قد أفادوا لـ"أفغانستان إنترناشيونال"، في ديسمبر 2025، بأنهم يمتلكون وثائق ملكية شرعية لمنازلهم، لكن أشخاصاً مرتبطين بشهاب الدين دلاور كانوا يحاولون طردهم منها بالقوة. وأضاف السكان آنذاك أن عناصر طالبان اعتدوا على بعضهم بالضرب واعتقلوا آخرين. ولا تقتصر شكاوى السكان من عمليات الإخلاء القسري على ولاية ننغرهار، إذ يتهم مواطنون في ولايات أفغانية مختلفة مسؤولين في حركة طالبان، من بينهم وزير العدل عبد الحكيم شرعي، بإجبار السكان على مغادرة منازلهم.
أعلنت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) أن استخدام تقنيات حديثة لحفظ المنتجات الزراعية ومعالجتها في أفغانستان ساعد على تحسين الظروف المعيشية للمزارعين.
وأوضحت المنظمة أن هذه التقنيات، التي تتراوح بين تسوية الأراضي باستخدام الليزر وتجفيف المحاصيل بالطاقة الشمسية، تساعد المزارعين على الاستفادة بصورة أفضل من الموارد المحدودة. واستعرضت المنظمة، قبيل اليوم العالمي للغذاء، ست تجارب نُفذت في أفغانستان بهدف تحسين استخدام المياه، وتعزيز معيشة المزارعين، والحد من هدر المحاصيل الزراعية، وحماية الموارد الطبيعية. ويُحتفل باليوم العالمي للغذاء في 16 أكتوبر من كل عام، ويحمل شعار عام 2026 عنوان "لنبتكر اليوم ولنُطعم الغد". وقالت المنظمة في تقرير لها، إن المزارعين والمجتمعات المحلية في ولايات قندوز وفارياب وبكتيا وتخار وباميان وهرات يستخدمون أساليب مختلفة لمواجهة تحديات إنتاج المواد الغذائية وحفظها. ووفقاً للتقرير، تساعد أجهزة تسوية الأراضي بالليزر في ولاية قندوز المزارعين على توزيع مياه الري والأسمدة بشكل أكثر انتظاماً في الحقول الزراعية. وأوضحت المنظمة أنها وفرت منذ عام 2025 إمكانية الاستخدام المشترك لهذه المعدات لجمعيات الري، مشيرة إلى أن أكثر من 23 ألف أسرة زراعية باتت قادرة على الاستفادة منها. وأشار التقرير أيضاً إلى الجمع بين زراعة الأشجار المثمرة والمحاصيل العلفية في ولاية بكتيا، بوصفه أسلوباً يسمح باستخدام الأرض لغرضين في الوقت نفسه، هما إنتاج الفاكهة وتوفير الأعلاف للماشية. وأضاف التقرير أن استخدام المجففات الشمسية ساعد النساء على حفظ الفواكه والخضراوات لاستهلاكها خلال فصل الشتاء أو بيعها. وذكرت المنظمة أن متوسط الفاقد من المحاصيل بعد الحصاد لدى الأسر التي حصلت على هذه المجففات انخفض من نحو 26٪ إلى 7٪، فيما تمكن نحو ربع هذه الأسر من بيع جزء من منتجاتها المجففة. وتناول التقرير كذلك استخدام المواقد الشمسية في ولاية باميان، التي تُستعمل خلال الأيام المشمسة لطهي الطعام وغلي المياه، وتساعد على تقليل حاجة الأسر إلى الحطب والشجيرات، بعدما أدى الإفراط في استهلاك هذه الموارد خلال السنوات الأخيرة إلى زيادة الضغط على المراعي والغطاء النباتي. وفي ولاية هرات، ساعدت منشآت مخصصة لتجفيف العنب المزارعين على إنتاج زبيب بجودة أعلى. ووفقاً لتقرير المنظمة، أفاد المزارعون الذين يستخدمون هذه المنشآت بأن مدة تجفيف العنب انخفضت من نحو 30 يوماً إلى 15 يوماً، فيما تراجعت نسبة الفاقد من 40 إلى 50٪ إلى ما بين 10 و15٪. وأشارت المنظمة أيضاً إلى استخدام مخازن لا تحتاج إلى الطاقة لحفظ محاصيل مثل البصل والتفاح والبطاطس. وتعتمد هذه المخازن على تصميم مناسب للمباني والتهوية الطبيعية للحفاظ على اعتدال درجات الحرارة داخلها قدر الإمكان، ومنع تلف المحاصيل بصورة مبكرة.
كشف مستشار الأمن القومي الأفغاني السابق، حمد الله محب، في كتابه الجديد، أن آخر اتصال هاتفي أجراه في 15 أغسطس 2021، بالتزامن مع دخول حركة طالبان إلى كابل، كان مع خليل الرحمن حقاني، القيادي البارز في شبكة حقاني،
مؤكداً أن الأخير اتصل به من مدينة بيشاور الباكستانية. وأصدر محب مؤخراً كتابه بعنوان "ظلال فوق كابل.. رواية من الداخل عن سقوط الجمهورية الأفغانية"، تناول فيه العلاقات بين كابل وإسلام آباد، ودور باكستان في الحرب الأفغانية، فضلاً عن الساعات الأخيرة التي سبقت سقوط العاصمة الأفغانية. وكتب محب أنه تلقى اتصالاً هاتفياً من خليل الرحمن حقاني في الساعات الأخيرة من عمر النظام الجمهوري السابق، عندما كانت قوات طالبان تقترب من العاصمة، مشدداً على أن الاتصال جاء من مدينة بيشاور الباكستانية، وهو ما يثير، من وجهة نظره، مزيداً من التساؤلات بشأن وجود قادة طالبان وأنشطتهم داخل باكستان. وتأتي رواية محب في وقت نفت فيه حركة طالبان والمسؤولون الباكستانيون مراراً خلال السنوات الماضية الاتهامات الموجهة إلى إسلام آباد بتقديم دعم منظم للحركة. ومع ذلك، سعى محب في أجزاء واسعة من كتابه إلى إثبات أن سقوط النظام الجمهوري الأفغاني لم يكن ممكناً دون دعم باكستان لحركة طالبان. وكتب محب صراحة أن حركة طالبان لم تكن قادرة على إسقاط النظام الجمهوري المدعوم من المجتمع الدولي دون مساندة باكستان. وأوضح أن قادة طالبان أقاموا في باكستان لسنوات، وتنقلوا ومارسوا أنشطتهم على أراضيها، واستفادوا من شبكات التمويل والخدمات الطبية والدعم اللوجستي المتاحة هناك. وأشار محب إلى مقتل زعيم طالبان السابق، الملا أختر منصور، في بلوشستان، بينما كان يحمل جواز سفر باكستانياً، مضيفاً أن عدداً كبيراً من أعضاء الوفد المفاوض لحركة طالبان كانوا يسافرون لفترات طويلة باستخدام وثائق باكستانية. كما سلط مستشار الأمن القومي الأفغاني السابق الضوء على دور جهاز الاستخبارات العسكرية الباكستانية في تأسيس واستمرار الدعم المقدم لطالبان، موضحاً أن جذور هذه العلاقات تعود إلى مرحلة الجهاد ضد الاتحاد السوفياتي والشبكات التي أنشأتها باكستان خلال ثمانينيات القرن الماضي. وفي الصفحات من 147 إلى 150 من كتابه، كشف محب تفاصيل عدد من اللقاءات السرية التي جمعته بكبار المسؤولين الباكستانيين. وذكر أنه سافر عام 2019 إلى مدينة راولبندي الباكستانية برفقة وزير الداخلية الأفغاني السابق، مسعود أندرابي، ومسؤولين استخباراتيين أفغان، حيث التقى قائد الجيش الباكستاني آنذاك، الجنرال قمر جاويد باجوه. وبحسب محب، تحدث قائد الجيش الباكستاني خلال الاجتماع عن المشاريع الاقتصادية وخطوط الأنابيب والربط الإقليمي، ورسم تصوراً لمستقبل قائم على التعاون الاقتصادي. غير أن حمد الله محب أشار إلى أنه كان يشعر في الوقت نفسه بأن المسؤولين الباكستانيين "يكررون الرسائل نفسها لطالبان أيضاً"، وأن إسلام آباد كانت تسعى للحفاظ على علاقاتها مع طرفي الحرب. وأضاف أن الاجتماعات اللاحقة بين مسؤولي البلدين اتبعت النمط نفسه، إذ كان الجانب الأفغاني يثير قضايا ملاذات طالبان ومعسكرات تدريبها وشبكات تمويلها وعلاج مقاتليها في باكستان، بينما كان المسؤولون الباكستانيون ينفون هذه الاتهامات. وتناول محب في أحد أبرز فصول كتابه اجتماعاً سرياً عُقد في البحرين أواخر عام 2020، بوساطة بريطانية. وكتب أن قائد الجيش الباكستاني آنذاك، الجنرال قمر جاويد باجوه، تحدث خلال الاجتماع للمرة الأولى عن ضرورة تشكيل "حكومة شاملة" في كابل. وأضاف أنه عندما سأل باجوا عن سبب تغير موقفه، أجابه قائلاً: "الأميركيون يغادرون". ووصف محب هذا الرد بأنه "اعتراف كاشف"، مشيراً إلى أن الحسابات الاستراتيجية لباكستان تغيرت بعد قرار واشنطن سحب قواتها من أفغانستان. واتهم محب إسلام آباد بأنها كانت تدعم العملية الدبلوماسية ظاهرياً، بينما كانت تعمل عملياً على تعزيز قدرات طالبان للاستيلاء على السلطة. وبحسب روايته، بذل الرئيس الأفغاني السابق، أشرف غني، جهوداً واسعة خلال السنوات الأخيرة من حكمه لإقناع باكستان بتغيير موقفها. وأوضح أن غني عقد اجتماعات متكررة مع المسؤولين السياسيين والعسكريين الباكستانيين، واستعان بالصين وبريطانيا للتوسط بين كابل وإسلام آباد. لكن محب أكد أن تلك الجهود لم تحقق نتائج، وأن المسؤولين الباكستانيين كانوا يتحدثون خلال الاجتماعات الرسمية عن التعاون والأخوة، بينما لم تتغير، من وجهة نظره، السياسة الفعلية لإسلام آباد. وشدد في مواضع مختلفة من كتابه على أن باكستان لم تكن تنظر إلى أفغانستان بوصفها شريكاً، بل جزءاً من منافستها الاستراتيجية مع الهند، وكانت تعتبر طالبان أداة أكثر ملاءمة لتحقيق مصالحها الأمنية. ويعد كتاب "ظلال فوق كابل" أحدث رواية يقدمها أحد أقرب المسؤولين إلى الرئيس السابق أشرف غني بشأن الأحداث التي سبقت سقوط النظام الجمهوري في أفغانستان. وكان محب قد وصف في أجزاء أخرى من كتابه المبعوث الأميركي السابق إلى أفغانستان، زلمي خليل زاد، بأنه "خائن كبير"، منتقداً دوره في تشكيل المسار الذي انتهى بعودة طالبان إلى السلطة. وسبق أن قال حشمت غني أحمدزي، شقيق الرئيس الأفغاني السابق أشرف غني، إن حمد الله محب تحدث مع خليل الرحمن حقاني "ست مرات" قبل سقوط كابل بيد طالبان. كما ذكر وزير الداخلية الأفغاني السابق أن محب كان يجري اتصالات متواصلة مع خليل حقاني قبل سقوط العاصمة الأفغانية.
نظّمت جماعة التبليغ خلال الأسابيع الأخيرة تجمعات حاشدة في ولايات تخار وسرِ بل وهرات بأفغانستان. فمن أين نشأت هذه الجماعة الدينية؟ وكيف تتمكن من حشد آلاف الأشخاص؟ وما أهدافها؟ ومن أين تحصل على تمويل أنشطتها؟ وما طبيعة علاقتها بحركة طالبان؟
من الهند إلى أفغانستان بحسب مركز بيو للأبحاث، تأسست جماعة التبليغ عام 1926 في منطقة ميوات بالهند على يد محمد إلياس الكاندهلوي، ثم توسعت لاحقاً إلى أكثر من مئة دولة حول العالم، ويُقدّر عدد أتباعها بالملايين. وتأثرت الجماعة بالتقاليد الديوبندية في الإسلام السني، لكنها شددت منذ نشأتها على الابتعاد عن السياسة. وقال الباحث في الشؤون الدينية محمد محق، في حديث لأفغانستان إنترناشيونال، إن مؤسسي جماعة التبليغ كانوا يعارضون الربط بين الدين والسياسة، ولم تكن لديهم نظرة إيجابية تجاه تيارات مثل الجماعة الإسلامية في باكستان.
صورة قديمة لتجمع أعضاء جماعة التبليغ في الهند
وأوضح أن أنشطة الجماعة تركز بصورة أساسية على الإيمان والصلاة والعبادات والأخلاق ورعاية الآخرين. ويرى محق أن فهم جماعة التبليغ لمفاهيم الإيمان والصلاة والعبادة والأخلاق يتسم بطابع «كلاسيكي وتقليدي للغاية»، ولا يولي اهتماماً كافياً لكيفية فهم المفاهيم الدينية وتطبيقها في العالم المعاصر. وفي دراسة تناولت جماعة التبليغ، كتب ممتاز أحمد، الباحث الباكستاني وأستاذ العلوم السياسية السابق في جامعة هامبتون، أن ابتعاد الجماعة عن السياسة في الهند ساهم في تعزيز تقبل العلمانية لدى شريحة من المسلمين. وأضاف أن الجماعة الإسلامية اتهمت جماعة التبليغ بإقامة فصل «غير إسلامي» بين الدين والسياسة. كيف رسّخت جماعة التبليغ وجودها في أفغانستان؟ لا تتوفر معلومات منهجية وشاملة بشأن البدايات الأولى لنشاط جماعة التبليغ في مختلف أنحاء أفغانستان، لكن دراسة صادرة عن معهد الدراسات الاستراتيجية الأفغانية وثّقت مسار انتشارها في ولاية هرات. وبحسب الدراسة، دخلت جماعة التبليغ إلى هرات في أوائل تسعينيات القرن الماضي، عقب وصول المجاهدين إلى السلطة. وكانت مجموعات قادمة من باكستان تنشط في مساجد المدينة، قبل أن تتشكل تدريجياً شبكة محلية تابعة للجماعة.
تجمع حاشد لجماعة التبليغ في هرات
وفي أكتوبر 2017، شارك أكثر من 35 ألف شخص في تجمع لجماعة التبليغ استمر ثلاثة أيام في هرات. واعتبر معدّ الدراسة أن هذا الحضور يعكس تنامي قدرة الجماعة على «التعبئة الاجتماعية». ويرى محمد محق أن الابتعاد عن السياسة كان أحد العوامل الرئيسية وراء شعبية جماعة التبليغ. وأوضح أنه حتى السياسيين كانوا مضطرين إلى المشاركة في أنشطة الجماعة بصفتهم أفراداً عاديين، من دون الاستفادة من مناصبهم أو مكانتهم السياسية. وساهم هذا النهج في ترسيخ صورة الجماعة لدى كثير من الناس بوصفها حركة لا تحمل «أجندة سياسية أو اقتصادية خفية». من يقود جماعة التبليغ في أفغانستان؟ قال مصدر مطلع لأفغانستان إنترناشيونال إن المولوي الحاج خان زمان كان حتى سنوات قليلة مضت من أبرز الشخصيات القيادية في جماعة التبليغ بأفغانستان. وذكرت صحيفة «الشريعة» التابعة لطالبان، في 26 أبريل 2023، أن خان زمان توفي، وأن مجلس شورى الجماعة اختار ابنه خلفاً له بصفته «القائد العام». لكن الخلافات بشأن القيادة استمرت. ففي 8 يونيو 2024، أفادت أفغانستان إنترناشيونال بأن طالبان عيّنت عبد الباري أميراً عاماً لجماعة التبليغ. ورفض عدد من أعضاء الجماعة هذا القرار، مؤكدين أن مجالس الشورى التابعة لهم لم تُستشر في عملية الاختيار. وبحسب التقرير، أدت هذه الخلافات إلى إغلاق المركز الرئيسي لجماعة التبليغ في جلال آباد لنحو خمسة أشهر، كما اعتقلت استخبارات طالبان عدداً من القيادات المعترضة. وفي 14 يوليو 2024، أعلنت وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التابعة لطالبان عن لقاء جمع محمد خالد حنفي مع «مسؤولي وأعضاء مجلس شورى جماعة التبليغ في أفغانستان»، ما يشير إلى استمرار وجود هيكل شوروي داخل الجماعة. ومع ذلك، لا تتوفر في المصادر العامة معلومات واضحة بشأن هوية قائد الجماعة الحالي، وتشكيلة مجلس الشورى، ومسؤوليها في الولايات، وآليات اتخاذ القرارات المتعلقة بتنظيم التجمعات الكبرى. إلى أي فرع عالمي تنتمي جماعة التبليغ في أفغانستان؟ لا تشكل جماعة التبليغ تنظيماً موحداً على المستوى العالمي. فقد برزت خلافاتها الداخلية بوضوح بين عامي 2015 و2016، ما أدى عملياً إلى انقسامها إلى تيارين رئيسيين: فرع نظام الدين في نيودلهي بقيادة مولانا سعد الكاندهلوي، وفرع رايوند في باكستان الذي يتمحور حول «الشورى العالمية». وفي أغسطس 2022، عندما كان خان زمان لا يزال يقود جماعة التبليغ في أفغانستان، نشر موقع إعلامي مرتبط بأنصار الجماعة مقطع فيديو يوثق حضوره في مركز نظام الدين. ويشير هذا الحضور إلى أن قيادة جماعة التبليغ الأفغانية كانت ترتبط آنذاك بصورة مباشرة بمركز نظام الدين. ورغم الدور البارز الذي أداه مركز رايوند الباكستاني في نشر جماعة التبليغ بين الأفغان، فإنه لم يتضح بعد وفاة خان زمان عام 2023 ما إذا كانت الشبكة الأفغانية لا تزال مرتبطة بنظام الدين، أو أصبحت أقرب إلى رايوند، أو انقسمت بين الفرعين. أين تقع المراكز الرئيسية لجماعة التبليغ في أفغانستان؟ ذكرت وسائل إعلام أفغانية عام 2013 أن جماعة التبليغ كانت تمتلك 18 مركزاً في أفغانستان، وأن مركزها الرئيسي يقع في ولاية ننغرهار. كما كانت الجماعة تنشط في العاصمة كابل خلال عهد الجمهورية، وكان مسجد أصحاب الكهف في منطقة چمن حضوري أحد مراكزها المهمة.
تجمع حاشد لجماعة التبليغ في هرات
وفي ولاية لغمان، أعلنت وزارة العدل التابعة لطالبان في مارس 2023 تخصيص 102 جريب من الأراضي لإنشاء مركز تبليغي. وتُعد هرات أيضاً من أبرز معاقل الجماعة في أفغانستان، حيث شهدت تجمعات واسعة بمشاركة أعداد كبيرة من أتباعها. ويمتد نشاط الجماعة إلى شمال أفغانستان، إذ شهدت ولايتا تخار وسرِ بل تجمعات حاشدة في أكتوبر 2026، شارك فيها آلاف الأشخاص القادمين من مناطق مختلفة. وقال مصدر مطلع لأفغانستان إنترناشيونال إن جماعة التبليغ تتمتع بنفوذ ونشاط في جميع الولايات الأفغانية تقريباً، من خلال شبكات محلية أصغر حجماً. ما دور النساء في جماعة التبليغ الأفغانية؟ تشارك النساء أيضاً في أنشطة الشبكة العالمية لجماعة التبليغ، وتُعرف البرامج المخصصة لهن عادة باسم «المستورات». وتشير دراسة صادرة عن جامعة ويسترن سيدني إلى أن النساء في بعض الدول يشاركن في برامج «الخروج» برفقة أحد محارمهن، لكنهن يُقمن بصورة منفصلة عن الرجال، وتتركز أنشطتهن على التعليم والدعوة الدينية بين النساء. أما في أفغانستان، فلا تتوفر وثائق موثوقة تثبت أن النساء شاركن بصورة رسمية ومنظمة في الهيكل التنظيمي لجماعة التبليغ خلال عهد الجمهورية. وقال مصدر تحدث إلى أفغانستان إنترناشيونال إن بعض العائلات كانت تنظم خلال تلك الفترة أنشطة تبليغية للنساء داخل المنازل، بإشراف قريبات من الدرجة الأولى لأعضاء الجماعة. وفي يناير 2026، صدّق هبة الله آخوند زاده على «قانون المبلّغين»، الذي يحظر اصطحاب النساء والقاصرين خلال الأنشطة التبليغية. وفي ظل حكم طالبان، يكاد دور النساء في جماعة التبليغ يكون غير ظاهر، ويبدو من غير المرجح السماح لهن بالمشاركة العلنية. وكتب بلبل صديقي، الباحث في جامعة كارديف، أن جماعة التبليغ تؤكد «سلطة الرجل داخل الأسرة»، مشيراً إلى أن بعض النساء تركن التعليم الجامعي بعد الانضمام إلى الجماعة، أو لم يتمكنّ من مواصلته. آراء متشددة وانتقادات فكرية يروي وحيد أحمد، وهو اسم مستعار، أنه شارك ذات مرة في أحد برامج جماعة التبليغ بدعوة من صديق له، لكنه غادر فور علمه بأن أعضاء الجماعة يعتبرون استخدام مكبرات الصوت لعرض المسائل الدينية أمراً غير جائز. وقال أحمد إنه لم يعد إلى أنشطة الجماعة بعد تلك التجربة. وأضاف أن أحد أفراد أسرته المقربين ينتمي إلى جماعة التبليغ، وأن أفكاره بشأن المجتمع والحياة تتسم، في رأيه، بتقليدية شديدة قد يؤدي انتشارها إلى عرقلة تقدم المجتمعات. وانتقد عبد البشير فكرت بخشي، الأستاذ السابق في جامعة كابل، جماعة التبليغ في مقال نشرته صحيفة «راه مدنيت»، بسبب ابتعادها عن التطورات العلمية والتكنولوجية والفكرية في العالم المعاصر. ووصف أعضاءها بأنهم أشخاص «وصلوا متأخرين» وينتمون فكرياً إلى الماضي. وقال وحيد أحمد إن أحد أفراد أسرته كان يترك زوجته وأطفاله الأربعة لمدة تتراوح بين ثلاثة وأربعة أشهر للمشاركة في برامج «الخروج». وفي تقاليد جماعة التبليغ، يشير مصطلح «الخروج» إلى انتقال مجموعات من الأعضاء إلى المساجد ومناطق مختلفة بغرض الدعوة الدينية، وعادة ما تستمر هذه الرحلات ثلاثة أيام أو أربعين يوماً أو أربعة أشهر. وانتقد عبد البشير فكرت بخشي أيضاً ما اعتبره مبالغة الجماعة في الاعتقاد بالقضاء والقدر، محذراً من أن هذا التوجه قد يخلّف تداعيات اجتماعية في المجتمعات التي تعاني مشكلات التنمية والتعليم والاقتصاد. ومع ذلك، تصف الدراسات جماعة التبليغ عموماً بأنها حركة غير سياسية تتجنب العنف. ويقول محمد محق إن تيارات الإسلام السياسي دأبت على اتهام الجماعة بإبعاد الناس عن الحرب والسياسة. وأوضح أن الجماعة لم تكن تتخذ مواقف بشأن الحرب حتى خلال القتال ضد القوات السوفيتية في أفغانستان. في المقابل، يشير محق إلى أن المنتقدين الليبراليين والإصلاحيين يتهمون جماعة التبليغ بصرف اهتمام الناس عن العلوم والحلول العملية، من خلال التركيز على التفسيرات التقليدية للدين. وأضاف أن الجماعة لم تكن تنشط بصورة مباشرة ضد تعليم النساء خلال عهد الجمهورية، لكنها ساهمت في تعزيز خطاب ديني تقليدي. ويرى أن الأثر غير المباشر لهذا النمط من التدين قد يتمثل في جعل بعض الأنشطة العلمية والثقافية والاجتماعية تبدو أقل أهمية، أو متعارضة مع القيم الدينية في أذهان بعض أتباع الجماعة. وقال الصحفي جمشيد حكاك، المقيم في هرات، منتقداً أولويات جماعة التبليغ: «ليت هذه الجماعة تقف يوماً واحداً دفاعاً عن تعليم الفتيات، ويزرع كل واحد من أعضائها شجرة في هذه الأرض». جماعة التبليغ وحركة طالبان يقول محمد محق إن طالبان لم تكن تُظهر عداءً عاماً تجاه جماعة التبليغ خلال فترة حكمها الأولى، وإن كثيراً من عناصر الحركة كانوا ينظرون إليها باحترام، رغم انتقادات بعض الأوساط الصوفية والأفراد المتأثرين بالسلفية. وأوضح أن جماعة التبليغ لم تتمكن من ممارسة أنشطة واسعة خلال السنوات الأولى من عودة طالبان إلى السلطة، لكنها حصلت مجدداً خلال الأشهر الأخيرة على إذن بتنظيم تجمعات كبيرة.
أعلام طالبان في تجمع لجماعة التبليغ
وفي أغسطس 2022، ذكر موقع «أفغان سنتريك» أن طالبان منعت إقامة التجمع السنوي لأحد فروع جماعة التبليغ في مسجد ملا تره خيل بالعاصمة كابل. وبحسب التقرير، بررت طالبان القرار بوجود «تهديدات أمنية»، لكن الموقع أشار إلى أن الشيخ رحيم الله حقاني، وهو رجل دين نافذ ومقرب من طالبان، كان يعارض إقامة التجمع. وأضاف أن منظمي التجمع كانوا يعتبرون أنفسهم منتمين إلى التيار الديوبندي، وقد قطعوا علاقاتهم بمركز جماعة التبليغ في باكستان. ويذكر معهد قرطبة للسلام في جنيف أن أنشطة جماعة التبليغ في أفغانستان «توقفت عملياً» عقب عودة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021. وأشار المعهد إلى أن بعض أتباع الجماعة تعرضوا للضرب أو الطرد من المساجد والقرى. وعزا المعهد تعامل طالبان مع الجماعة إلى خلافات دينية وسياسية، وعلاقاتها العابرة للحدود، وإصرارها على البقاء خارج العمل السياسي. وبحسب التقرير، كانت بعض التيارات الدينية المتشددة ترى أن تركيز جماعة التبليغ على التدين الفردي وابتعادها عن السياسة لا ينسجم مع السلطة الدينية والسياسية المركزية لطالبان. لكن هذه العلاقة تغيرت تدريجياً، وبدأ نوع من التقارب بين طالبان وجماعة التبليغ. فخلال عامي 2025 و2026، سمحت طالبان مجدداً بممارسة أنشطة الجماعة، لكنها وضعتها تحت رقابة السلطات. ويُلزم القانون الجديد المبلّغين بالتحدث عن الجهاد وطاعة «أمير المؤمنين»، وهو اللقب الذي يستخدمه زعيم طالبان. ووصف معهد قرطبة هذا التحول بأنه توجه نحو «سيطرة الدولة على الخطاب الديني». ويرجّح محمد محق أن طالبان تسعى، من خلال السماح مجدداً بتوسع جماعة التبليغ، إلى ملء الفراغ الناجم عن تقييد أنشطة التيارات السياسية والمدنية والإسلامية المنافسة. ويرى أن الجماعة تمثل خطراً سياسياً أقل على طالبان، لأنها لا تنافسها على السلطة، ولا تتعارض معها بصورة مباشرة في كثير من القضايا الدينية والاجتماعية. وحذّر محق من أن استمرار التدخل السياسي لطالبان قد يدفع جماعة التبليغ في أفغانستان إلى الابتعاد عن مسارها التاريخي، والتحول إلى أداة لخدمة أهداف السلطة. لكنه شدّد على أن هذا الاحتمال لا يزال مجرد فرضية تحتاج إلى مزيد من الأدلة لإثباتها. حضور الأطفال في التجمعات ينص القانون الذي أصدرته طالبان في يناير لتنظيم أنشطة الدعاة الدينيين على ضرورة أن يكون المبلّغون بالغين، ويحظر على المجموعات التبليغية اصطحاب النساء والأطفال أثناء ممارسة أنشطتها. دور باكستان وشبه القارة الهندية في انتشار جماعة التبليغ بأفغانستان أدت باكستان دوراً بارزاً في انتشار عدد من التيارات الإسلامية في أفغانستان. وقد أشار مركز مكافحة الإرهاب في أكاديمية ويست بوينت الأميركية إلى الدور المهم لبعض المدارس الدينية الباكستانية في تشكيل الأفكار المتطرفة، مع التأكيد على أن هذه الصفة لا تنطبق على جميع تلك المدارس. وتشير دراسة معهد الدراسات الاستراتيجية الأفغانية إلى أن المجموعات الأولى لجماعة التبليغ كانت تأتي من باكستان إلى أفغانستان. كما نقلت دراسة صادرة عن المكتب الوطني للأبحاث الآسيوية عن عدد من سكان قندهار قولهم إن «كثيراً منهم يأتون من باكستان». وتُعد منطقة رايوند، القريبة من مدينة لاهور، المركز الرئيسي لجماعة التبليغ في باكستان، ومن أبرز الوجهات التي يقصدها أعضاء الجماعة من أفغانستان. وتشهد المنطقة تجمعاً سنوياً يشارك فيه مئات الآلاف من أتباع الجماعة. وقال صمد طاهري، وهو عضو سابق في جماعة التبليغ، إنه سافر إلى رايوند في لاهور للمشاركة في برنامج «الأربعين يوماً»، ثم انتقل مع مجموعة من أعضاء الجماعة إلى مناطق قريبة من خط ديورند ووزيرستان. ويروي طاهري أن مرشدهم المحلي، وهو شخص يُعرف باسم «الدكتور»، أخبرهم بأنه تلقى تدريباً طبياً لمعالجة المجاهدين خلال الحرب في أفغانستان، وأنه يعمل حالياً على علاج المرضى في وزيرستان. وبحسب طاهري، قال الرجل إنه قاتل سابقاً إلى جانب المجاهدين، ثم دعم الإمارة الإسلامية، وشارك قبل ذلك في القتال بكشمير والشيشان. وأضاف أن الرجل كان يؤكد ولاءه لباكستان، ويعتبر مشاركته في الحروب المختلفة خاضعة لقرارات الحكومة وعلماء الدين المحليين. وشارك عدد من السياسيين الباكستانيين في تجمعات جماعة التبليغ، أو عقدوا لقاءات مع قياداتها. ومن بينهم وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي، الذي التقى مراراً قادة الجماعة في رايوند. ولا تُعد جماعة التبليغ تنظيماً محظوراً في باكستان، حيث تمتلك شبكة واسعة من الأتباع. لكن حكومة إقليم البنجاب حظرت في فبراير 2016 أنشطة الجماعة داخل الجامعات، ومنعت إقامة أعضائها في السكن الجامعي. وفي الهند أيضاً، لا تخضع الجماعة لحظر شامل، رغم فرض قيود على ممارسة الأجانب أنشطة الدعوة الدينية باستخدام التأشيرات السياحية. أما في بنغلادش، فتمارس الجماعة أنشطتها بحرية، ويُقام تجمع «بيشوا اجتماع»، أحد أكبر تجمعاتها، بالتنسيق مع الحكومة وتحت إجراءات أمنية رسمية. وتتمتع الجماعة كذلك بشبكة واسعة في سريلانكا. وقال مصدر تحدث إلى أفغانستان إنترناشيونال إن الأفغان يشاركون في معظم تجمعات جماعة التبليغ التي تُنظم في دول شبه القارة الهندية. جماعة التبليغ خارج شبه القارة الهندية تمتلك جماعة التبليغ في إيران شبكة واسعة، ولا سيما بين المسلمين السنة من البلوش في محافظة سيستان وبلوشستان، ويقع مركزها الرئيسي في مدينة زاهدان. وتشير دراسات تناولت التيارات السنية في إيران إلى وجود الجماعة في مناطق سنية أخرى من البلاد. كما يسافر قادة جماعة التبليغ في إيران بصورة متكررة إلى أفغانستان. ويقول كاتب هذا التقرير إنه التقى في ألمانيا أيضاً أشخاصاً يشاركون بصورة منتظمة في أنشطة جماعة التبليغ، ويسافرون إلى مدن ودول أخرى بغرض الدعوة الدينية. وقدّرت الهيئة الاتحادية لحماية الدستور في ألمانيا عدد أعضاء الجماعة ومؤيديها بنحو 550 شخصاً. وفي ألمانيا، يُعد الأفغان أيضاً من الفئات المستهدفة بأنشطة جماعة التبليغ. ويشير مركز براندنبورغ للتثقيف السياسي إلى أن أعضاء الجماعة ينشطون في مدينة راتنو، ولا سيما في استقطاب الشباب واللاجئين الأفغان، ويرتبطون بشبكات عابرة للمناطق تابعة للجماعة.
محمد كريم صالح، أحد نشطاء جماعة التبليغ في زاهدان بإيران، في مسجد خواجة عبد الله الأنصاري الجامع بمنطقة غازرگاه في هرات
وبحسب مركز بيو للأبحاث، نشطت جماعة التبليغ في نحو 150 دولة، وتتمتع بحضور واسع في بريطانيا وفرنسا وإسبانيا. كما يُعد مسجد الفلاح في حي كوينز بمدينة نيويورك أحد المراكز المستخدمة لتنسيق الرحلات الدعوية للجماعة في الولايات المتحدة. وتناولت دراسة أكاديمية بعنوان «مسافرون في الإيمان» وجود جماعة التبليغ في كندا وبلجيكا والمغرب وجنوب أفريقيا. وفي أوروبا، تتمتع الجماعة بشبكة واسعة، لا سيما في بريطانيا، حيث شكّل مركز ديوزبري لسنوات أحد المراكز الرئيسية لتنسيق أنشطتها في شمال أوروبا. وتنشط شبكات الجماعة في كثير من الدول خارج شبه القارة الهندية بمشاركة أفغان وباكستانيين. ولم تتعامل الحكومات في الدول الإسلامية مع جماعة التبليغ بالطريقة نفسها. فبعض الحكومات تسامحت مع أنشطتها، بل اعتبرتها مفيدة في بعض الأحيان، بسبب ابتعادها الرسمي عن السياسة وتركيزها على تغيير السلوك الفردي. وكتب الباحث الماليزي فاريش نور أن الحكومة الماليزية نظرت إلى جماعة التبليغ خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي بوصفها حركة للإصلاح الاجتماعي إلى حد ما، وسمحت لها بممارسة أنشطتها. ومن وجهة نظر بعض الدول الإسلامية، يمكن اعتبار الحركة التي تستقطب الشباب من الشوارع أو بيئات الإدمان والمخاطر إلى المساجد والأنشطة الدينية وسيلة لتعزيز النظام الاجتماعي. شبكة واسعة يصعب رصد هيكلها التنظيمي تشير دراسات صادرة عن معهد الدراسات الاستراتيجية الأفغانية ومؤسسة كارنيغي إلى أن رحلات جماعة التبليغ تعتمد في معظمها على المشاركة الطوعية، ويتحمل الأعضاء نفقاتها الشخصية. ويقول محمد محق إن قادة الجماعة كانوا، وفق تقاليدها القديمة، يتجنبون تلقي المساعدات ذات الطابع السياسي حفاظاً على استقلالهم. ومع ذلك، لا تقدم المصادر المتاحة توضيحات كافية بشأن مصادر تمويل التجمعات الكبرى التي تنظمها الجماعة حالياً. ويشير مركز بيو للأبحاث إلى أن جماعة التبليغ لا تمتلك سجلاً رسمياً شاملاً للعضوية، وأن طبيعة هيكلها التنظيمي اللامركزي تجعل إحصاء أعضائها ومراقبة أنشطتها التنظيمية أمراً صعباً. ويرى محمد محق أن هذا الهيكل المفتوح قد يتيح دخول أشخاص يحملون أهدافاً أخرى، بمن فيهم أفراد مرتبطون بشبكات استخباراتية. لكنه يؤكد أن هذا الاحتمال لا يعني أن جماعة التبليغ نفسها تخطط لمثل هذه الأنشطة أو تنظمها. وتُظهر التجمعات التي تضم آلاف المشاركين أن جماعة التبليغ لا تزال تتمتع بقدرة كبيرة على التعبئة الاجتماعية. لكن السؤال المطروح هو: كيف سيؤثر تقارب الجماعة المتزايد مع طالبان على طبيعتها وهويتها، في ظل التضييق المفروض على الأنشطة المدنية والسياسية في أفغانستان؟ ويقول عامر رانا، الباحث في شؤون التطرف في باكستان: «إن الهيكل التنظيمي لجماعة التبليغ فضفاض للغاية، وهذه الخاصية تمثل نقطة قوة وضعف في الوقت نفسه». وأوضح رانا أن البنية المفتوحة للجماعة قد تُستغل من قبل أفراد متطرفين. وأضاف أن بعض المتطرفين التحقوا بمراكز جماعة التبليغ للحصول على تعليم ديني أولي، أو اختبأوا تحت غطاء الانتماء إليها، معتبراً أن هذه المخاوف تكتسب أهمية أكبر في المراكز التعليمية.