غير أن بعض منظّري هذه الجماعات، على ما يبدو، يتعمّدون استخدام لفظ يندرج، بحسب اصطلاح علم المنطق، ضمن "الكلي المشكّك"، أي المفهوم الذي يمكن إطلاقه على مصاديق متفاوتة وغير متجانسة.
فـ"العلماني" في هذا الخطاب قد يُستخدم أحياناً بمعنى يعادل الكافر، وأحياناً بمعنى المؤمن الناقص الإيمان، أو الفاسق، أو المسلم الذي يتبنّى تفسيراً مختلفاً للدين أو لبعض تعاليمه. وهذا التعدد الدلالي هو بالضبط ما يجعل المصطلح أداة فعالة. فمن جهة، يمكن استخدامه للنيل من المكانة الدينية للخصوم في نظر الناس، ومن جهة أخرى، يتيح تجنّب تكفيرهم بصورة صريحة. وهكذا تصل الرسالة المقصودة إلى المتلقي، من دون أن يضطر قائلها إلى تحمّل التبعات الشرعية والاجتماعية لحكم تكفيري صريح.
للتكفير الصريح كلفة باهظة؛ فهو، من الناحية الشرعية، يصطدم بقيود وأدلة واضحة تجعل الدفاع عنه أمراً صعباً، كما أن التيارات التكفيرية مرفوضة فكرياً في قطاعات واسعة من الرأي العام في العالم الإسلامي، ومنبوذة أخلاقياً، ومحل ريبة شديدة من الناحية الأمنية. أما وصف الخصم بـ"العلماني"، ولا سيما حين يأتي ملتبساً وموحياً، فيمكن أن يؤدي جانباً من الوظيفة نفسها من دون تحمّل الكلفة ذاتها.
وهنا لا تعود المسألة مجرد استخدام لمصطلح، بل تصبح محاولة لبناء خطاب غايته إقصاء المنافسين من الساحة واحتكار حق التحدث باسم الدين وامتلاك الحقيقة. تبدأ العملية بترسيخ فكرة أن للدين تفسيراً صحيحاً واحداً لا غير، ثم يجري تخطئة كل تفسير يخالف التفسير الذي تتبناه هذه الجماعات.
وللطعن في التفسيرات الأخرى مخزون قديم من الأسماء والتصنيفات الموروثة عن الصراعات المذهبية: تفسير مرجئي، أو معتزلي، أو شيعي، أو أشعري، أو باطني، أو عصري، أو متغرّب، وما شابه ذلك. غير أن عبارة "التفسير العلماني للدين"، بسبب ما يكتنف كلمة "علماني" من غموض، قد تكون أكثر فاعلية في ظروف أفغانستان الراهنة. فمن جهة، لا تصطدم هذه العبارة بالخطاب الرسمي لسلطة طالبان، ومن جهة أخرى، يمكن أن تدفع معارضي الخطاب التكفيري ممن يعيشون داخل أفغانستان أو يترددون عليها إلى الصمت، وأن تجرّدهم من القدرة على المواجهة.
الوصم: سلاح قديم
للوصم تاريخ طويل في العالم الإسلامي، وقد كان من الأسلحة الشائعة في الصراعات المذهبية. ففي مراحل مختلفة، استخدمت الجماعات المنخرطة في النزاعات السياسية والدينية تسميات ذات حمولة عقدية ثقيلة بهدف نزع المصداقية عن خصومها.
وفي الصراعات المبكرة، لم تكن أوصاف مثل "المرجئ" و"الرافضي" و"الناصبي" تُستخدم دائماً بوصفها توصيفات محايدة لاتجاهات فكرية، بل كانت في حالات كثيرة أسلحة في النزاعات السياسية والمذهبية. وفي بعض مراحل الحكم العباسي، حين وقع المعتزلة تحت غضب السلطة، كان اتهام الأشخاص بالاعتزال كفيلاً بأن يعرّضهم للضغط والتعذيب. ومع بروز مفهوم "أهل السنة"، ولا سيما منذ عهد المتوكل العباسي، اكتسب مصطلح "البدعة" حضوراً أكبر في المنازعات الدينية، وأصبح من السهل إدراج المخالفين فكرياً في عداد "أهل البدع".
وبعد اتساع حركة ترجمة المؤلفات اليونانية والهندية والفارسية، واحتكاك المسلمين بأفكار الشعوب الأخرى وتقاليدها الفكرية، شاع مصطلح "الزنديق" على نطاق واسع. ولم يكن هذا المصطلح، شأنه شأن كثير من الأوصاف المشابهة، يحمل دائماً معنى واحداً دقيقاً، بل أمكن استخدامه في المنازعات الفكرية ضد طيف واسع من الخصوم.
وتجاوز تأثير هذه الذهنية أحياناً الدوائر العلمية والسياسية ليصل إلى عامة الناس. يروي ابن الجوزي في كتابه "أخبار الحمقى والمغفلين" حكاية تكشف بوضوح الأثر النفسي لهذا النوع من الوصم. فقد قدم أعرابي إلى المدينة ودخل مسجداً للصلاة، فوجد رجلاً يدرّس تلاميذه علم النحو، ويشرح لهم مصطلحات من قبيل النكرة والمعرفة والمنصرف وغير المنصرف. وكان الأعرابي يجهل هذه المصطلحات، لكنه سمع عن ظهور الزنادقة في المدن، فرفع عصاه وهجم عليهم صارخاً: "اخرجوا من بيت الله يا أعداء الله، يا زنادقة!".
وتكمن دلالة هذه الحكاية، بعيداً عن طابعها الطريف، في أنها تكشف الآلية الاجتماعية للوصم: فقد تترسخ كلمة ذات حمولة عقدية ثقيلة في الوعي العام إلى درجة تجعل من لا يعرف معناها الدقيق مستعداً لاعتبار كل ما يجهله مصداقاً لها.
وفي مراحل لاحقة، اكتسب وصف "الملحد" وظيفة مشابهة. ولأن هذا المصطلح لم يكن يُستخدم دائماً في المنازعات المذهبية وفق تعريف جامع مانع، فقد لجأ بعض أصحاب الجدل إلى إلصاقه بخصومهم الفكريين.
ويُعد ابن تيمية من أبرز شخصيات هذا التقليد الجدلي. فقد اتهم محيي الدين ابن عربي صراحة بالإلحاد في عدد من مؤلفاته. وفي كتابه "بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية أهل الإلحاد"، يهاجم طيفاً من الشخصيات والتيارات الفكرية، وتَرِد في سياق هذه السجالات أسماء مثل صدر الدين القونوي، وابن هود، والتلمساني، وابن سبعين، وابن سينا، وفخر الدين الرازي، وأبي حامد الغزالي، وأبي الحسن الأشعري.
وبالطبع، لم تكن هذه الطريقة حكراً على ابن تيمية أو على مدرسة بعينها. فمن يتتبع تاريخ منازعات الملل والنحل يرى أن جماعات مختلفة، في عصور متعددة، كانت تبتكر تسميات لخصومها، أو تستخدم تسميات موجودة بطريقة تحمل في طياتها حكماً عقدياً عليهم. وكلما اشتدت النزعة الطائفية والمذهبية، ازداد الميل إلى إحلال التصنيف محل الاستدلال. فالوصم في مثل هذه الأجواء ليس مجرد كلمة، بل مقدمة لإخراج الخصم من دائرة الشرعية.
حين يحلّ الوصم محل الاستدلال
لماذا يبدو الوصم مغرياً إلى هذا الحد؟
يقول مولانا جلال الدين الرومي في عبارة شهيرة: "پای استدلالیان چوبین بود"؛ أي إن ساق أصحاب الاستدلال خشبية. فإذا أراد المرء أن يواجه خصومه الفكريين بالدليل والمنطق، وأن يبرهن على خطأ أفكارهم، فلن تكون مهمته سهلة دائماً. عليه أولاً أن ينقل كلام الطرف الآخر بأمانة، ويستمع إلى حججه، ثم يقدم في مواجهتها حجة أقوى. وفي كثير من الحالات قد تأتي المناظرة بنتيجة معاكسة، فتكشف ضعف حجج الناقد أكثر مما تكشف ضعف الفكرة التي ينتقدها.
ولعل هذا ما يفسر توصية بعض متقدمي مدرسة أهل الحديث، ومنهم سفيان الثوري، بعدم نقل أقوال من كانوا يسمونهم "أهل البدع"، حتى بقصد الرد عليهم. فقد كان الخوف أن يسمع المتلقي حجة الطرف الآخر فيجدها مثيرة للاهتمام أو معقولة، فيميل إلى الفكرة نفسها بدلاً من الاقتناع بنقدها. والتجربة كانت تظهر أن سماع الناس لحجج الطرفين لا يؤدي دائماً إلى النتيجة التي يتوقعها أصحاب مذهب معين.
الوصم طريق مختصر لتجاوز هذه الصعوبة. فمن خلال توجيه اتهام ثقيل، ولا سيما اتهام يمسّ الدين في مجتمع مؤمن، يمكن إقامة حاجز نفسي بين المتلقي والشخص المتهم قبل أن يبدأ النقاش أصلاً. وقبل أن يستمع المتلقي إلى كلامه بعناية ويميز بين صوابه وخطئه، قد يكون قد وضعه مسبقاً ضمن فئة من لا ينبغي الاستماع إليهم أساساً.
هنا تحل آلية نفسية محل الاستدلال العقلي. ولم يعد المطلوب بيان سبب خطأ كلام الخصم؛ بل يكفي تعريف هويته بطريقة تجعل كلامه فاقداً للمصداقية مسبقاً.
وتشبه هذه الطريقة بعض أساليب التسويق التي تسعى إلى التأثير نفسياً في اختيار المستهلك قبل أن تتاح له فرصة تقييم الجودة الحقيقية للسلعة. غير أن مجال العلم والمعرفة ليس سوقاً تجارية. فغاية المعرفة، على الأقل من حيث المبدأ، ينبغي أن تكون اكتشاف الحقيقة، لا زيادة عدد الزبائن والأتباع.
وفي السياق نفسه، تنظر بعض التيارات إلى كثرة جمهورها بوصفها دليلاً على صحة موقفها، فتملأ الدنيا ضجيجاً بالحديث عن حجم الاستقبال الذي حظي به أحد رموزها، أو عدد المشاركين في جنازة إحدى شخصياتها. وهذا يذكّر بقوله تعالى: "أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ".
غير أن صحة الأفكار أو خطأها لا علاقة لها بكثرة أنصارها أو قلتهم. فقد عرف التاريخ أفكاراً علمية ظلت زمناً طويلاً مجهولة أو مرفوضة أو مهمشة، في حين حظيت معتقدات خرافية، بل وضارة أحياناً، بقبول ملايين البشر لفترات طويلة. وما ينبغي الاحتكام إليه في تقويم الأفكار هو أدلتها، لا عدد مؤيديها أو معارضيها.
"العلماني" بوصفه أداة للإقصاء
ينبغي فهم الاستخدام الراهن لوصف "العلماني" ضمن هذا السياق. فالمشكلة ليست في أن هذا المصطلح يخلو من معنى علمي أو سياسي. العلمانية موضوع معروف في الفلسفة السياسية وعلم الاجتماع وتاريخ الأفكار، ويمكن مناقشة تعريفاتها وأنماطها ونتائجها.
تبدأ المشكلة عندما يُفرغ المصطلح من معناه المحدد ويتحول إلى وصمة تطلق على طيف واسع من الخصوم. ففي هذا الاستخدام لا يعود مهماً ما إذا كان الشخص المعني يعدّ نفسه علمانياً أم لا، ولا كيف يفهم العلاقة بين الدين والسياسة، ولا مدى تدينه، ولا طبيعة خلافه الحقيقي مع التيار الأصولي. يكفي أن يخالف القراءة المهيمنة في قضية مهمة حتى يصبح وصف العلماني بمثابة إشارة تحذير لدى المتلقي.
وهكذا يتحول نقاش فكري حول تفسير الدين أو السياسة أو حقوق المرأة أو الحرية أو الحكم أو المجتمع إلى نقاش حول إيمان الشخص وهويته. وبدلاً من السؤال: "هل حجته صحيحة؟" يصبح السؤال: "من يكون هذا الشخص أصلاً، وما مدى انتمائه إلى الدين؟".
وهذه هي النقطة التي يلتقي فيها الوصم مع المنطق التكفيري، حتى في غياب تكفير صريح. فالخطاب التكفيري لا يتشكل فقط حين يصف شخصٌ شخصاً آخر بالكفر صراحة؛ بل يمكن تهيئة أرضيته أيضاً عندما يُدفع المخالف الفكري تدريجياً إلى خارج دائرة الشرعية الدينية، ويترسخ لدى المتلقي أن كلامه، بسبب الهوية أو العقيدة المنسوبة إليه، لا يستحق أن يُسمع من الأساس.
أفغانستان اليوم والجدار الأقصر: الخصوم الفكريون
تكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة في أفغانستان اليوم، حيث أُسكتت أصوات ناقدة كثيرة، وضاقت مساحة التعبير الحر عن الآراء المختلفة إلى حد كبير. وفي مثل هذه الأجواء تصبح مساءلة السلطة والحديث عن المشكلات الملموسة للمجتمع أمراً مكلفاً.
وثمة قضايا كثيرة تتطلب مناقشتها الجادة قدراً من الشجاعة الأخلاقية: التمييز والظلم، وحرمان النساء، والتوترات العرقية، والعداوات القبلية، والفقر الواسع، وإسناد المناصب الحكومية إلى أشخاص غير مؤهلين، ونهب المناجم والموارد الطبيعية، والفساد في العقود الحكومية، والمحسوبية، والتعصب المذهبي، والعلاقات المختلة مع المنطقة والعالم، ووجود الجماعات المتطرفة والعنيفة أو نشاطها. وهذه، إلى جانب عشرات المشكلات البنيوية الأخرى، ترتبط مباشرة بحياة الشعب الأفغاني ومستقبله.
غير أن الحديث عن مثل هذه القضايا ليس سهلاً. وبالنسبة إلى من لا يملكون الشجاعة لمواجهة هذه الوقائع، لا يوجد جدار أقصر من جدار خصومهم الفكريين، ولا سيما أولئك الذين لا تنظر إليهم السلطة الحاكمة بعين الرضا.
وهكذا يمكن للهجوم على "العلمانيين" أن يسد فراغ المضمون، من دون أن يرتب كلفة كبيرة على صاحبه. فمن لا يملك القدرة أو الجرأة على نقد بنية السلطة يستطيع أن يصنع عدواً فكرياً قليل الخطورة، أو حتى عدواً متخيلاً، ويواصل تقديم نفسه في صورة المدافع عن الدين وصاحب الرسالة الاجتماعية. بل قد يكسب، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، رضا الحكام أيضاً.
وعليه، فالمشكلة الأساسية ليست في كلمة العلماني ذاتها. يمكن للمرء أن يؤيد العلمانية أو يعارضها، وأن يقدم حججه في كلا الحالين. تبدأ المشكلة عندما لا يُستخدم هذا اللفظ بوصفه مفهوماً قابلاً للتعريف والنقاش، بل كسلاح للنيل من المكانة الدينية للمخالف وإغلاق باب الحوار.
إذا رأى شخص أن فكرة ما خاطئة، فالطريق السليم هو أن يعرضها كما عبّر عنها صاحبها، وأن يفحص أدلتها، ثم يبيّن بالحجة لماذا يراها خاطئة. أما إذا بدأ، بدلاً من ذلك، باختيار اسم لصاحب الفكرة يثير خوف المتلقي من مجرد الاستماع إليه، فنحن لا نكون أمام نقد فكري، بل أمام محاولة لإدارة ذهن الجمهور بواسطة الوصم.
ومن هنا تحديداً ينبغي التمييز بين نقد العلمانية ووصم الخصوم بالعلمانية بهدف إقصائهم. الأول يمكن أن يكون جزءاً من سجال فكري طبيعي، أما الثاني، ولا سيما في مجتمع لا تتوافر فيه حرية النقاش وفرص متكافئة للدفاع عن الرأي، فيمكن أن يتحول إلى أداة لاحتكار الحقيقة وإسكات المخالفين وإعادة إنتاج الخطاب التكفيري نفسه، لكن بلغة أكثر غموضاً وأقل كلفة من التكفير الصريح.