رجال أعمال: إغلاق المعابر بين أفغانستان وباكستان أفقد مئات الآلاف وظائفهم ورفع التکالیف
قال رجال أعمال وتجار محليون أفغان وباكستانيون إن إغلاق الطرق التجارية ووقف التبادل التجاري بين أفغانستان وباكستان خلال العام الماضي ألحق بهم خسائر فادحة، مؤكدين أن استمرار إغلاق هذه الطرق انعكس سلباً على اقتصاد البلدين
وحركة العبور والتجارة الإقليمية. وقال رئيس غرفة التجارة المشتركة بين أفغانستان وباكستان، خان جان ألكوزي، لـ"أفغانستان إنترناشيونال"، إن إغلاق الطرق أثر سلباً على صادرات أفغانستان، ولا سيما نقل الفواكه الطازجة والمجففة، مشيراً إلى أن تكاليف النقل عبر مسارات الترانزيت ارتفعت عدة أضعاف. وأوضح ألكوزي أن "تكلفة نقل حاوية واحدة من البضائع إلى أفغانستان عبر ميناء كراتشي الباكستاني كانت تبلغ سابقاً نحو 2000 دولار، وكانت البضائع تصل إلى أفغانستان خلال 10 أيام، لكن تكلفة نقل الحاوية عبر الطرق البديلة ارتفعت الآن إلى 10 آلاف دولار، فيما بات وصول البضائع يستغرق نحو شهرين". وأضاف أن إغلاق الطرق التجارية مع باكستان ألحق أضراراً جسيمة بصادرات الفواكه الطازجة الأفغانية، وأصبح من الصعب إيصالها إلى الأسواق العالمية. وقال ألكوزي إن "جزءاً من الفواكه الطازجة يُنقل إلى الهند عبر الممر الجوي، كما تُصدر كميات محدودة منها عبر إيران، وتُنقل بعض الفواكه أيضاً إلى دول آسيا الوسطى. وتُباع الفواكه الأفغانية بأسعار مرتفعة في روسيا والهند، لكن تكاليف نقلها إلى هذين البلدين مرتفعة للغاية". وأكد ألكوزي أن أصحاب البساتين والمزارعين كانوا الأكثر تضرراً من إغلاق الطرق التجارية.
تغير الأسعار في الأسواق الأفغانية قال التجار إن أسعار البضائع المستوردة من الخارج إلى أفغانستان شهدت ارتفاعاً، لكن الصناعة المحلية الأفغانية حققت في المقابل بعض التقدم، وسجل الإنتاج المحلي زيادة. وأوضحوا أن الإنتاج المحلي من المحاصيل الزراعية والمواد الغذائية ارتفع أيضاً. وفي حين ارتفعت أسعار بعض السلع، مثل الزيوت، بقيت أسعار الدقيق منخفضة نتيجة الاستيراد من كازاخستان وروسيا. وقال خان جان ألكوزي إن أسعار الأجهزة الإلكترونية ارتفعت، إلى جانب زيادة أسعار السلع المستوردة. ومع ذلك، أشار إلى أن أفغانستان تتجه نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي في إنتاج بعض السلع مقارنة بالماضي، مع استمرار الاستثمارات وإنشاء مصانع جديدة.
تداعيات إغلاق الطرق التجارية في باكستان وقال الرئيس السابق لغرفة التجارة المشتركة في بيشاور، شاهد حسين، إن سكان المناطق الواقعة على جانبي خط ديورند الحدودي بين أفغانستان وباكستان تضرروا بشدة من إغلاق الطرق التجارية، مضيفاً أن مئات الآلاف من الأشخاص فقدوا وظائفهم خلال العام الماضي. وأوضح حسين لـ"أفغانستان إنترناشيونال" أن مصادر رزق سكان المناطق القبلية وأجزاء أخرى من خيبر بختونخوا وبلوشستان كانت مرتبطة أيضاً بهذه المعابر الحدودية. وقال إن "إغلاق الطرق ألحق أضراراً جسيمة بالتجارة بين باكستان وأفغانستان، وأدى إلى فقدان العمال والعاملين في قطاع النقل وظائفهم، كما توقف مئات وكلاء التخليص الجمركي وموظفوهم عن العمل منذ عام". ووفقاً للإحصاءات الرسمية، كانت حركة الشاحنات عبر المعابر التجارية، قبل إغلاقها، تتراوح يومياً بين 800 و1200 شاحنة عبر تورخم، وبين 500 و800 شاحنة عبر معبر تشمن - سبين بولدك، إضافة إلى ما بين 300 و500 شاحنة أخرى عبر معابر خرلاتشي وغلام خان وأنغور أده. وتشير التقارير إلى أن شركات النقل الباكستانية التي كانت تنقل الأسمنت والأدوية والدقيق والأرز وغيرها من السلع من باكستان إلى أفغانستان، تواجه حالياً خسائر مالية فادحة.
جهود إعادة فتح الطرق التجارية يرى خان جان ألكوزي وشاهد حسين أن إعادة فتح الطرق التجارية بين البلدين في المستقبل القريب تبدو غير مرجحة. وقال مسؤولو الغرف التجارية المشتركة إنهم نقلوا مشكلاتهم ومقترحاتهم إلى الحكومات والمسؤولين، لكنهم لا يعلقون آمالاً كبيرة على إيجاد حلول. وقال ألكوزي إن "غرفة التجارة المشتركة بين أفغانستان وباكستان أصبحت الآن شبه معطلة، ولم تعد العلاقات تتجاوز تبادل التحيات والسؤال عن الأحوال". وكانت جميع المعابر التجارية وطرق التنقل بين أفغانستان وباكستان قد أُغلقت في أكتوبر 2025، عقب اتساع نطاق المواجهات المسلحة بين حركة طالبان وباكستان. ومنذ ذلك الحين، تراجع حجم التبادل التجاري بين الجانبين إلى الصفر.
اختطف مسلحون مجهولون 20 شرطياً في إقليم بلوشستان الباكستاني، بالتزامن مع قيام مسلحين بتدمير مركز شرطة خالٍ في مديرية قلعة عبد الله.
ووفقاً للتقارير، كان عناصر الشرطة المختطفون في طريقهم من قلات إلى نوشكي،
عندما اعترضهم مسلحون على طريق سربند، وهو الطريق الأقصر بين المديريتين. وقال مسؤول حكومي رفيع المستوى، طلب عدم الكشف عن هويته، يوم السبت، إن عناصر الشرطة ينحدرون من مديريات واشك وتشاغي وخاران ونوشكي في منطقة رخشان، وكانوا يتلقون تدريبات في مركز تدريب الشرطة في قلات. وأوضح المسؤول أن عناصر الشرطة كانوا يسافرون خلال إجازتهم على متن حافلة ركاب خاصة، عندما اختطفهم مسلحون داخل حدود مديرية قلات، ثم نقلوهم إلى مديرية مستونغ. وأضاف أن المهاجمين أطلقوا سراح سائق الحافلة واثنين إلى ثلاثة ركاب آخرين على الطريق، بينما اقتادوا عناصر الشرطة إلى مكان مجهول. وأعلنت السلطات بدء جهود للإفراج عن عناصر الشرطة المختطفين، فيما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الحادث حتى الآن. وفي حادث منفصل، دمر مسلحون مجهولون مركز شرطة خالياً في منطقة "بنكئي" بمديرية قلعة عبد الله. وقال شرطي في كويتا إنه عقب تلقي بلاغ بالحادث، بدأت الشرطة والقوات الأمنية عملية ضد المهاجمين، الذين فروا بعد ذلك باتجاه منطقة "بنجباي".
تصاعد انعدام الأمن وعمليات الاختطاف في بلوشستان تأتي هذه الحوادث في وقت شهد فيه إقليم بلوشستان خلال السنوات الأخيرة تصاعداً في الهجمات المسلحة وعمليات اختطاف المسؤولين الحكوميين والاعتداءات على قوات الأمن. وتُعد الجماعات الانفصالية البلوشية، ولا سيما جيش تحرير بلوشستان، من أبرز الجهات المشاركة في التمرد المسلح ضد الدولة الباكستانية. وتطالب هذه الجماعات باستقلال بلوشستان، وتستهدف قوات الأمن والمنشآت الحكومية وبعض المشروعات الاقتصادية. وفي أحد أبرز الحوادث الأخيرة، أوقف مسلحون تابعون لجيش تحرير بلوشستان، في 10 مارس 2025، قطار الركاب "جعفر إكسبرس"، الذي كان متجهاً من كويتا إلى بيشاور، واحتجزوا مئات الركاب رهائن. وأعقب الحادث تنفيذ قوات الأمن الباكستانية عملية لتحرير الرهائن، أسفرت عن مقتل العشرات، بينهم ركاب ومهاجمون. وشكل هذا الهجوم أحد أبرز الأمثلة على تنامي القدرات العملياتية للجماعات الانفصالية البلوشية خلال السنوات الأخيرة. وعلى الرغم من امتلاك بلوشستان موارد طبيعية واسعة، فإنه يُعد من أقل الأقاليم الباكستانية تنمية. وتشكل المظالم المتراكمة بشأن حصة السكان المحليين من الموارد، والمطالب السياسية، والتقارير عن الاختفاء القسري لناشطين بلوش، بعض العوامل التي تسهم في استمرار التمرد المسلح في الإقليم. وإلى جانب بلوشستان، يواجه إقليم خيبر بختونخوا هجمات متكررة تشنها جماعات مسلحة، خصوصاً حركة طالبان باكستان. ويُعد الإقليمان من أبرز بؤر انعدام الأمن في باكستان.
اتهم عدد من الدبلوماسيين والمسؤولين الباكستانيين السابقين الهند باستغلال التوترات بين باكستان وحركة طالبان لتحقيق أهدافها ضد إسلام آباد، وذلك خلال ندوة عُقدت في العاصمة الباكستانية.
ودعا المشاركون في الوقت نفسه إلى استئناف الحوار بين باكستان وطالبان.
ونظّم معهد الدراسات الإقليمية في إسلام آباد، يوم الخميس 15 أكتوبر/تشرين الأول، ندوة بعنوان «الهند بوصفها عاملاً في تدهور العلاقات الباكستانية الأفغانية».
وخلال الندوة، اتهم إعزاز أحمد تشودري، وكيل وزارة الخارجية الباكستانية السابق، الهند باللجوء إلى «حرب بالوكالة» عبر أفغانستان، بعدما فشلت، بحسب تعبيره، في إلحاق هزيمة عسكرية بباكستان أو عزلها دبلوماسياً.
وقال تشودري إن اللجان المعنية التابعة لمجلس الأمن الدولي وثّقت وجود 20 جماعة إرهابية على الأراضي الأفغانية.
وأشار أيضاً إلى تقارير تتحدث عن قيام تنظيم القاعدة بتدريب مقاتلين من حركة طالبان باكستان داخل أفغانستان.
وأضاف أن باكستان تواجه صعوبات في حشد الدعم الدولي لمواجهة ما وصفه بـ«التهديد العالمي للإرهاب المنطلق من أفغانستان».
وعزا تشودري هذه الصعوبات إلى الوضع الراهن للسياسة الدولية، الذي قال إنه يتسم بالأزمات وعدم الاستقرار.
ودعا المسؤول الباكستاني السابق إلى إحياء الروابط والتواصل بين الشعبين الباكستاني والأفغاني، مؤكداً ضرورة اعتماد مقاربات إقليمية ومتعددة الأطراف لمعالجة وجود الجماعات الإرهابية على الأراضي الأفغانية.
من جانبه، دعا أشرف جهانغير قاضي، السفير الباكستاني السابق لدى الولايات المتحدة، إسلام آباد إلى استعادة علاقات ودية مع أفغانستان.
وشدد قاضي على ضرورة أن تميز الحكومة الباكستانية بين سياساتها تجاه حركة طالبان والسياسات التي تنعكس آثارها على الشعب الأفغاني.
وفي إشارة إلى العمليات العسكرية الباكستانية داخل الأراضي الأفغانية، حثّ صناع القرار في باكستان على مراعاة حدود فاعلية هذه العمليات والقيود المرتبطة بها.
وأضاف أن الهند تستفيد من تدهور العلاقات بين باكستان وطالبان.
بدوره، قال محمد سعد ختك، رئيس معهد دراسات السلام والصراع في باكستان، إن الهند تنظر إلى تدهور العلاقات بين إسلام آباد وطالبان بوصفه فرصة لاستغلال الأراضي الأفغانية ضد باكستان.
وزعم ختك أن امتناع طالبان عن اتخاذ إجراءات ضد حركة طالبان باكستان وجيش تحرير بلوشستان يعكس تأثير الهند في السياسة الخارجية للحركة.
ودعا الجانبين الباكستاني والأفغاني إلى منح الدبلوماسية فرصة، والعمل على تسوية القضايا الخلافية، بما فيها الإرهاب العابر للحدود، من خلال التشاور والحوار.
وخلص المشاركون في الندوة إلى أن الهند ليست العامل الوحيد وراء تدهور العلاقات بين باكستان وطالبان، لكنها تستغل الخلافات القائمة بين الطرفين لتحقيق أهدافها الاستراتيجية ضد باكستان.
فحصت "أفغانستان إنترناشيونال"صوراً التقطتها الأقمار الصناعية لمنطقة واخان، تظهر أن أعمال إنشاء الطريق الرابط بين الصين وأفغانستان عبر معبر "واخجير" في ولاية بدخشان شمال شرقي البلاد، بدأت قبل سنوات من عودة حركة طالبان إلى السلطة.
وتُظهر صور الأقمار الصناعية لعام 2017 وجود طريق على الجانب الصيني من الحدود، كان قد أُنشئ لحركة المركبات، فيما تكشف صور عام 2024 أن أجزاء من هذا الطريق داخل الأراضي الصينية كانت قد عُبّدت بالإسفلت.
وأظهرت مراجعة صور الأقمار الصناعية لعام 2025 إنشاء طريق بطول لا يقل عن 50 كيلومتراً على الجانب الأفغاني، يمتد من معبر "واخجير" على الحدود الصينية إلى منطقة "بزاي غنبد" في واخان.
وتعتبر حركة طالبان هذا الطريق مهماً للربط الإقليمي وتوسيع العلاقات السياسية والاقتصادية بين أفغانستان والصين، غير أن خبراء يقولون إن بكين لم تتخذ أي خطوات عملية تشير إلى رغبتها في فتح المعبر الحدودي.
وتتابع الصين باستمرار الأوضاع الأمنية في واخان وبدخشان بقلق، فيما تكشف صور الأقمار الصناعية عن تعزيز الإجراءات الأمنية على الجانب الصيني، بما في ذلك نصب الأسلاك الشائكة ورفع مستوى الاستعدادات العسكرية على طول الحدود.
طالبان متفائلة وسعيدة بطريق آخره مغلق
وقال وزير إعمار وتنمية الريف في حركة طالبان، عبد اللطيف منصور، إن أعمال إنشاء طريق ممر واخان اكتملت، وإن الطريق يمكن أن يسهم في تقصير مسارات التجارة بين أفغانستان ودول المنطقة.
ولم ترسل الصين أي ممثل لحضور مراسم افتتاح الطريق، فيما لم تظهر حتى الآن مؤشرات على استعداد بكين لفتح الحدود. ويرى خبراء أن المخاوف الأمنية الصينية والتكاليف الاقتصادية لهذا المسار لا تزال تجعل آفاق ربط أفغانستان بالسوق الصينية عبر واخان غير واضحة.
وقال عبد اللطيف منصور، في مقابلة مع تلفزيون "شمشاد" في كابل، إن أعمال إنشاء طريق واخان انتهت، وأصبح الطريق جاهزاً للاستخدام. ووصف واخان بأنها "رأس أفغانستان"، مؤكداً أهمية المنطقة سياسياً واقتصادياً لأفغانستان، وإمكانية استفادة طاجيكستان وأوزبكستان وإيران منها أيضاً.
وأوضح أن الطريق يمكن أن يختصر مسافات نقل البضائع ويقلص المدة اللازمة لوصول الشحنات. وأضاف أن نقل البضائع عبر المسارات الحالية يستغرق أحياناً أياماً طويلة، بينما قد تنخفض هذه المدة إلى يومين أو ثلاثة أيام عبر واخان.
وأشار منصور إلى اهتمام الصين بهذا المسار، قائلاً إن بكين أنشأت الطرق المؤدية إلى واخان من جانبها. وأضاف أن إدارة طالبان وجهت دعوة إلى السفارة الصينية لحضور مراسم افتتاح الطريق، لكن ممثلي الصين لم يشاركوا في الحفل، مرجعاً غيابهم إلى تغيير السفير الصيني.
ورداً على سؤال بشأن إمكانية أن يصبح ممر واخان بديلاً عن طرق التجارة عبر باكستان، وما إذا كان يشكل تهديداً لها، قال منصور إن هذا المسار لا يمثل تهديداً للدول المجاورة، بل ينبغي النظر إليه باعتباره فرصة.
وأضاف أن الحكومات الأفغانية السابقة لم تتمكن من فتح هذا الطريق بسبب الصعوبات الجغرافية ونقص الأكسجين وتساقط الثلوج والعواصف، لكن إدارة طالبان استطاعت استكمال أعمال إنشائه رغم هذه التحديات.
المخاوف الأمنية الصينية
على الرغم من تفاؤل طالبان، تشير تصرفات الصين إلى أن افتتاح الطريق وحده لا يكفي لبدء التجارة بين البلدين. فلم ترسل بكين أي ممثل لحضور مراسم افتتاح الطريق في 4 أكتوبر 2026، ولم تظهر حتى الآن أي مؤشرات على اتخاذها قراراً رسمياً بفتح المعبر الحدودي.
وتُظهر صور الأقمار الصناعية أن الطريق الأفغاني وصل إلى مسافة لا تتجاوز بضع عشرات من الأمتار عن الحدود الصينية. وعلى الجانب الصيني، أُنشئت أسلاك شائكة ومواقع مزودة برشاشات وخنادق وكاميرات مراقبة لتأمين الحدود.
وقال الباحث في جامعة بيتسبرغ الأميركية والحاصل على الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة بكين، رامين منصوري، لـ"أفغانستان إنترناشيونال"، إن الصين لا ترحب بفتح معبر واخجير وإقامة اتصال مباشر مع أفغانستان.
وأوضح أن المخاوف الأساسية لبكين تتمثل في خطر الإرهاب واحتمال انتشار التأثير الفكري لطالبان بين سكان منطقة شينجيانغ.
وقال منصوري إن الصين لا تنظر إلى حدودها مع أفغانستان باعتبارها ممراً اقتصادياً، بل تراها "خط المواجهة الأول" ضد "الإرهاب".
وأضاف أن طالبان، من خلال إنشاء هذا الطريق رغم معارضة الصين، وضعت بكين أمام تحدٍ جديد.
وبحسب منصوري، فإن المسؤولين الصينيين لم يكونوا يوافقون سابقاً على فتح هذا المسار، لكنهم لم يعلنوا معارضتهم بصورة علنية.
وأضاف أن بعض المسؤولين السابقين كانوا يتلقون إغراءات للحيلولة دون فتح الطريق.
وأوضح أن استمرار طالبان في إنشاء الطريق وضع الصين في موقف صعب، ما دفع بكين إلى تعزيز إجراءاتها الأمنية على طول الحدود لمواجهة المخاطر المحتملة.
وقال منصوري إن "الصين نصبت أسلاكاً شائكة على طول الحدود، وتستخدم الذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار وأنظمة المراقبة لرصد الأشخاص الذين يقتربون منها".
وأضاف أن هذه الأنظمة تصدر تحذيرات صوتية باللغتين الفارسية والبشتونية عند اقتراب الأشخاص من الحدود، تطلب منهم عدم التقدم أكثر.
وأشار منصوري أيضاً إلى أن الصين أنشأت وحدة إدارية إضافية في تاشقرغان، في محاولة لتعزيز الرقابة على الحدود وقدراتها اللوجستية، مضيفاً أن بكين تستعد لمواجهة أي تهديد أمني محتمل.
من جانبه، قال مدير مركز دراسات أفغانستان في جامعة لانتشو الصينية، تشو يونغ بياو، لـ"إذاعة فردا"، إن احتمال فتح هذا المعبر الجبلي في المستقبل القريب "منخفض للغاية".
وأوضح أن حجم الاقتصاد الأفغاني صغير مقارنة بالتكاليف المحتملة لربط هذا المسار بالسوق الصينية، وأن المصالح الاقتصادية التي يمكن أن تحققها بكين لا تكفي وحدها لتبرير التكاليف المالية والمخاطر الأمنية.
وتشمل صادرات أفغانستان إلى الصين الصنوبر والمشمش المجفف والأحجار الكريمة.
وبحسب الخبراء، فإن المخاوف الرئيسية للصين تتمثل في وجود جماعات إسلامية مسلحة داخل أفغانستان، واحتمال تهديد أمن منطقة شينجيانغ.
وأعربت بكين، على وجه الخصوص، عن قلقها من أنشطة حركة تركستان الشرقية الإسلامية، وهي جماعة تضم مقاتلين من الأويغور وتسعى إلى إقامة دولة إسلامية في شينجيانغ.
وأشار تقرير للأمم المتحدة صدر عام 2026 إلى نشاط هذه الجماعة في ولاية بدخشان.
ويقول تشو يونغبياو إن إدارة طالبان لم تستجب حتى الآن لأي من مطالب الصين المتعلقة بهذه الجماعة تقريباً، ولذلك فمن المستبعد أن تقدم بكين مزيداً من التنازلات لطالبان في المستقبل القريب.
وعززت الصين خلال السنوات الماضية إجراءاتها الأمنية على طول الحدود مع أفغانستان. وتشير تقارير إلى أن البنية التحتية التي أُنشئت على الجانب الصيني لا تهدف فقط إلى تعزيز المراقبة، بل صُممت أيضاً لتسهيل دوريات القوات المسلحة.
ووصفت وسائل إعلام صينية المنطقة الحدودية مع أفغانستان بأنها أحد الخطوط المهمة في مكافحة الإرهاب.
وكان مشروع إنشاء طريق واخان قد بدأ عام 2019، خلال حكم الحكومة الأفغانية السابقة، لكنه توقف بعد عودة طالبان إلى السلطة عام 2021، قبل أن تُستأنف أعمال إنشائه في عام 2023.
وتشير التقارير إلى أن تكلفة إنشاء الطريق بلغت نحو 5.6 مليون دولار.
ويرى تشو يونغبياو أن استكمال هذا الطريق قد يحمل رسالة رمزية بشأن قدرة طالبان على إنشاء البنية التحتية في المناطق النائية، لكن هذا الإنجاز لا يعني بالضرورة ربط أفغانستان بالسوق الصينية.
وأشار محلل صيني، في مقال نُشر على موقع "سوهو" في 10 أكتوبر 2026، إلى أن ارتفاع معبر واخان يبلغ نحو 4800 متر، وأن المنطقة تشهد ظروفاً مناخية قاسية. وقال إن حركة المركبات عبر هذا الطريق قد تكون ممكنة لمدة ثلاثة أشهر فقط في السنة.
وتساءل المحلل أيضاً عما إذا كانت طالبان تسيطر على كامل الأراضي الأفغانية، وما إذا كانت معسكرات الجماعات المسلحة لا تزال نشطة، وما إذا كان خطر عبور المقاتلين للحدود قد جرى احتواؤه.
أكد أحمد سعيد مراد زاده، نائب الأمين العام لمنظمة شنغهاي للتعاون، أن تشكيل حكومة شاملة بمشاركة واسعة من جميع المكونات العرقية والقوى السياسية في أفغانستان، يمثل السبيل الوحيد لتحقيق السلام والاستقرار المستدامين في البلاد.
وقال مراد زاده، خلال اجتماع مشترك ضم منظمة شنغهاي للتعاون ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي ورابطة الدول المستقلة، إن الموقف المشترك للدول الأعضاء بشأن أفغانستان ورد في إعلان بيشكيك.
وأضاف أن قادة الدول الأعضاء شددوا على ضرورة إعادة بناء أفغانستان دولةً مستقلة ومحايدة ومسالمة، وخالية من الإرهاب والحروب والمخدرات، وأعربوا عن استعدادهم لدعم جهود المجتمع الدولي الرامية إلى تحقيق السلام والتنمية في البلاد.
وأوضح نائب الأمين العام أن تقييمات منظمة شنغهاي للتعاون تشير إلى أن الوضع في أفغانستان لا يزال، بصورة عامة، تحت السيطرة، لكن احتمال حدوث تغيرات سريعة في الأوضاع ما زال قائماً.
وأشار إلى أن الوضع الإنساني في أفغانستان تدهور نتيجة تراجع المساعدات الدولية وانخفاض حجم التجارة الخارجية، بسبب إغلاق الحدود مع باكستان.
وقال إن هذه التطورات تزيد الحاجة إلى تعزيز مشاركة كابل في المشاريع الاجتماعية والاقتصادية، بما فيها المشاريع المنفذة في المنطقة التي تغطيها منظمة شنغهاي للتعاون.
ونقلاً عن اللجنة التنفيذية للهيكل الإقليمي لمكافحة الإرهاب التابع للمنظمة، أكد مراد زاده أن تنظيم داعش – ولاية خراسان لا يزال أبرز العوامل المزعزعة للاستقرار في أفغانستان، مشيراً إلى أن التنظيم يسعى إلى توسيع أنشطته خارج الحدود الأفغانية.
وأضاف أن جماعات مسلحة أخرى تنشط أيضاً داخل أفغانستان، موضحاً أن تنظيم القاعدة يمتلك نحو 600 مقاتل في البلاد، فيما نفذت حركة طالبان باكستان أكثر من 600 هجوم خلال العامين الماضيين.
وذكر مراد زاده حركة تركستان الشرقية الإسلامية، والحركة الإسلامية الأوزبكية، وجماعة أنصار الله، ضمن الجماعات التي تنشط في أفغانستان.
وأعرب كذلك عن قلقه إزاء استمرار الاشتباكات العسكرية عبر الحدود بين أفغانستان وباكستان، والهجمات الأخيرة التي شنتها جماعات مسلحة انطلاقاً من الأراضي الأفغانية على المناطق الحدودية في طاجيكستان.
وأشار إلى أن منظمة شنغهاي للتعاون أصدرت بياناً في الثالث من ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، أدانت فيه بشدة الهجوم الذي وقع على الأراضي الطاجيكية.
وأوضح أن الأمانة العامة للمنظمة تجري مشاورات منتظمة بشأن الأوضاع في أفغانستان مع بعثة الأمم المتحدة لمساعدة أفغانستان «يوناما»، وإدارة الشؤون السياسية في الأمانة العامة للأمم المتحدة بنيويورك، ومركز الأمم المتحدة الإقليمي للدبلوماسية الوقائية في آسيا الوسطى، ومقره عشق آباد.
وأضاف أن منظمة شنغهاي للتعاون بدأت، منذ العام الجاري، المشاركة في اجتماعات فريق العمل المعني بأفغانستان التابع لمجلس وزراء خارجية منظمة معاهدة الأمن الجماعي.
وفي ما يتعلق بآليات التعاون مع أفغانستان، قال مراد زاده إن مجموعة الاتصال بين منظمة شنغهاي للتعاون وأفغانستان تأسست عام 2005، وجرى رفع مستوى التمثيل فيها إلى نواب وزراء الخارجية عام 2018.
وأوضح أن المجموعة لم تعقد أي اجتماع منذ تغير السلطة في كابل عام 2021.
وأكد أن الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون لم تتوصل حتى الآن إلى توافق بشأن استئناف نشاط مجموعة الاتصال، مشيراً إلى أن عمل هذه الآلية، وفق تعبير وزير الخارجية الروسي، لا يزال معلقاً.
وأضاف أنه في سبتمبر/أيلول من العام الماضي، وبمبادرة من طاجيكستان وتحت رئاستها، أجرى ممثلو الدول العشر الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون مشاورات للمرة الأولى على مستوى المبعوثين الخاصين المعنيين بأفغانستان، لبحث الأوضاع في البلاد.
وأشار إلى أن استئناف عمل مجموعة الاتصال بين منظمة شنغهاي للتعاون وأفغانستان كان من بين الموضوعات التي تناولتها تلك المشاورات.
وكشف نائب الأمين العام أن المنظمة تعمل حالياً على إنشاء مؤسسات دائمة جديدة لمواجهة التهديدات الأمنية، تشمل مركزاً لمكافحة المخدرات في دوشنبه، ومركزاً شاملاً لمواجهة التهديدات الأمنية في طشقند.
وأضاف أن هذه البنية المؤسسية ستضم أيضاً مراكز متخصصة في أمن المعلومات ومكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية.
في منطقة أرزان قيمت بالعاصمة الأفغانية كابل، تكافح أم أرملة لإطعام أطفالها الثلاثة بأجر يومي لا يتجاوز 150 أفغانياً. قُتل زوجها قبل تسع سنوات في التفجير الدموي الذي استهدف منطقة زنبق،
ثم توقفت الإعانة الحكومية التي كانت تتلقاها الأسرة بعد مقتله. واليوم، يضطر ابنها البالغ من العمر تسع سنوات، أحياناً، إلى جمع الخضراوات التي يرميها الباعة في السوق لتأمين وجبة العشاء.
تجسد حياة شبانة مصير ملايين الأفغان الذين فقدوا أفراداً من أسرهم بسبب الحروب، وما زال الفقر يثقل حياتهم ويضاعف معاناتهم.
في أحد أطراف منطقة أرزان قيمت، المعروفة أيضاً باسم مدينة أحمد شاه بابا، شرقي كابل، تبدأ ضوضاء الأزقة بالانحسار تدريجياً مع حلول المساء. يعود الناس من الأسواق إلى منازلهم، وتتصاعد من تنانير الخبز ومطابخ بعض البيوت روائح الأرغفة الساخنة والطعام الذي يُعدّ للعشاء. ويركض الأطفال الذين أنهكتهم ألعاب النهار نحو بيوتهم؛ فمنهم من ينتظر حنان والديه، ومنهم من يتطلع إلى خبز طازج، وآخرون يأملون أن يجدوا فاكهة أو حلوى أحضرها لهم أهلهم.
لكن المساء في بيت شبانة مختلف تماماً.
فمع نهاية كل يوم، تواجه المرأة السؤال نفسه الذي يرافقها منذ الصباح ويدفعها إلى الخروج بحثاً عن العمل: ماذا سيأكل أطفالي هذه الليلة؟
تبلغ شبانة 51 عاماً، وتعيش مع أطفالها الثلاثة في غرفة صغيرة لا تتجاوز مساحتها نحو 12 متراً مربعاً. تغطي أرضيتها سجادة قديمة، وتقبع في إحدى زواياها مدفأة صدئة، بينما تتكدس مقتنيات الأسرة القليلة في المساحة الضيقة.
لم تتشقق يداها من تنظيف بيتها، بل من العمل الشاق في بيوت الآخرين. تغسل السجاد هنا، وتنظف منزلاً هناك، وتشعل تنور الخبز لدى أسرة أخرى، وقد تعمل أحياناً في رعاية بقرة أو تنظيف حظيرة أو الاعتناء بحديقة.
تتنقل من الصباح حتى المساء بحثاً عن عمل، وحين تجده لا يتجاوز أجر يومها كله 150 أفغانياً.
بالنسبة إلى شبانة، يبدو اليوم الذي يطلبها فيه أحد للعمل أشبه بيوم عيد. لكن أياماً كثيرة تمر من دون أن تجد عملاً، فتعود أكثر إنهاكاً وقلقاً من الأيام التي تعمل فيها؛ إذ يتعين عليها أن تجد لأطفالها بضعة أرغفة يابسة، يأكلونها مع الشاي المر، أو حساء بسيط من الماء الساخن والبصل، أو بعض حبات البطاطا المسلوقة.
تخرج كل صباح وهي تخشى ألا تجد بيتاً تنظفه ولا أجراً تعود به، وتتساءل كيف ستواجه عيون أطفالها عند المساء. وفي بعض الأيام، لا يكون في المنزل ما يؤكل سوى الماء الساخن.
ابنتا شبانة، البالغتان 14 و12 عاماً، وابنها ذو السنوات التسع، ما زالوا في سن الطفولة، لكن مائدة البيت الخالية وأرضيته القاحلة جعلتهم يتعرفون مبكراً إلى هموم الكبار.
لم تكن شبانة تعرف هذا القدر من القلق في الماضي. كان راتب زوجها يكفي لتأمين احتياجات الأسرة الأساسية. فقد كان موظفاً في وزارة التربية والتعليم، يخرج كل صباح إلى عمله مثل آلاف الموظفين في كابل.
وفي 31 مايو/أيار 2017، خرج كعادته إلى العمل، لكنه لم يعد.
صباح غيّر حياة شبانة
كان يوم 31 مايو/أيار 2017 في شهر رمضان. وكانت شوارع كابل تعج بالحركة الصباحية، بينما يتوجه الموظفون الحكوميون إلى مكاتبهم.
نحو الساعة الثامنة وخمس وعشرين دقيقة صباحاً، انفجر صهريج مخصص لنقل مياه الصرف الصحي، محمّل بالمتفجرات، قرب تقاطع زنبق في منطقة وزير أكبر خان.
كان الصهريج يحمل نحو ألفي كيلوغرام من المواد المتفجرة. وخلّف الانفجار حفرة وسط الطريق بلغ عرضها نحو خمسة أمتار وعمقها أكثر من ثلاثة أمتار. وتحطمت نوافذ السفارات والمكاتب والمباني السكنية القريبة، وشعر السكان بقوة الانفجار على بعد عدة كيلومترات من موقعه.
ووثّقت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة أفغانستان «يوناما»، في تقريرها السنوي، مقتل 92 مدنياً وإصابة 491 آخرين في الهجوم، ووصفته بأنه أكثر الهجمات الفردية دموية في أفغانستان منذ عام 2009.
وكانت حصيلة الضحايا المعلنة في الساعات الأولى أقل من ذلك، لكنها ارتفعت مع التعرف إلى هويات القتلى واتضاح أوضاع المصابين. وذكرت بعض وسائل الإعلام أن عدد القتلى وصل إلى 150 شخصاً.
ولم تعلن أي جماعة مسلحة مسؤوليتها رسمياً عن الهجوم. واتهمت الأجهزة الأمنية الأفغانية آنذاك شبكة حقاني بتنفيذه، بينما نفت طالبان ضلوعها فيه.
لكن الخلاف بشأن الجهة المسؤولة عن التفجير لم يكن السؤال الأهم في حياة شبانة.
فقد خسرت زوجها، الرجل الذي كان يتحمل أعباء إعالة الأسرة ويعمل من أجل مستقبل أطفاله.
لم يهز تفجير زنبق العاصمة كابل ليوم واحد فحسب، بل قلب حياة أسرة شبانة رأساً على عقب. انقطع الراتب الشهري، بينما بقي إيجار المنزل ونفقات الطعام وسائر احتياجات الأطفال كما هي. ووجدت الأم نفسها مسؤولة وحدها عن تربية ثلاثة أطفال صغار وإعالتهم.
بعد مقتل زوجها، سجّلت الحكومة الأفغانية آنذاك اسمه ضمن الموظفين الحكوميين الذين لقوا حتفهم، وخصصت لأسرته إعانة شهرية محدودة.
لم تكن تلك المبالغ تكفي لتغطية جميع النفقات، لكنها كانت تساعد، على الأقل، في دفع جزء من الإيجار وتأمين الخبز وبعض احتياجات الأطفال.
كانت شبانة تعرف أن مبلغاً من المال سيصلها في نهاية كل شهر. لكن حتى هذا القدر الضئيل من الاطمئنان لم يدم.
خلف أبواب كثيرة بحثاً عن لقمة العيش
في 15 أغسطس/آب 2021، عادت طالبان إلى كابل وسقط النظام الجمهوري.
وبعد هذا التحول السياسي، واجهت الأسر التي كانت تتلقى مساعدات مالية عبر مؤسسات الحكومة السابقة، ومنها أسرة شبانة، مشكلات تتعلق بمستحقاتها وملفاتها الإدارية.
وتقول شبانة إن الإعانة المخصصة لها بسبب مقتل زوجها توقفت أيضاً.
حاولت مراراً استعادة تلك الأموال، وراجعت مؤسسات عديدة، ووقفت أمام أبواب إدارات مختلفة للاستفسار عن مصير ملفها، لكن مساعيها لم تسفر عن نتيجة حتى الآن.
وقال أحد نواب وزير شؤون الشهداء والمعاقين في حكومة طالبان، الذي وافق بصعوبة على التحدث إلى القسم البشتوي في أفغانستان إنترناشيونال، إن إجراءات تسجيل الشهداء والمعاقين في عهد الإدارة السابقة كانت بحاجة إلى المراجعة بسبب الفساد وعدم دقة الأرقام.
وادعى المسؤول أن صرف المساعدات لكثير من المسجلين في النظام السابق أُوقف إلى حين فحص وثائقهم، مضيفاً أن المستحقين سيحصلون على امتيازاتهم بشفافية بعد التحقيق في مزاعم الفساد والتزوير.
لكن السبب الإداري المحدد لوقف إعانة شبانة، والوضع النهائي لملفها، والموعد المحتمل لاستئناف صرف مستحقاتها، أمور لم تتضح بعد.
وبالنسبة إلى هذه الأسرة، فإن طول فترة مراجعة الوثائق ليس مجرد مشكلة إدارية. فكل شهر يمر من دون أموال، تبقى فيه التزامات إيجار الغرفة وطعام الأطفال والنفقات الأخرى قائمة.
تُقدّر النفقات الشهرية الأساسية لأسرة شبانة بما لا يقل عن ثمانية آلاف أفغاني، تشمل إيجار الغرفة والخبز والأدوية وسائر مستلزمات الحياة اليومية.
وحتى لو عملت شبانة ثلاثين يوماً في الشهر، وتقاضت 150 أفغانياً يومياً، فلن يتجاوز دخلها 4500 أفغاني؛ أي أقل من نفقات الأسرة المقدّرة بنحو 3500 أفغاني.
لكنها لا تجد عملاً كل يوم. وإذا تمكنت من العمل عشرين يوماً فقط في الشهر، فلن يتجاوز دخلها ثلاثة آلاف أفغاني، ما يترك عجزاً قدره خمسة آلاف أفغاني عن تلبية الاحتياجات الأساسية للأسرة.
هذه ليست أرقاماً تحسبها شبانة على الورق، بل واقع تعيشه يومياً داخل منزلها. أحياناً يتراكم الإيجار، وأحياناً لا يتوفر ثمن الخبز، وفي أحيان أخرى لا تجد ما تلبي به احتياجات أطفالها.
وقد دفع هذا العجز المستمر أطفال الأسرة أنفسهم إلى المشاركة في البحث عن الطعام.
عشاء من الخضراوات الملقاة في السوق
في سوق أرزان قيمت، يفصل الباعة كل مساء الخضراوات والفواكه الفاسدة عن بقية بضائعهم. وما لم يعد صالحاً للبيع يُلقى جانباً.
وبحسب شبانة، تذهب ابنتها البالغة 14 عاماً وابنها ذو السنوات التسع أحياناً إلى السوق بعدما تخف حركة المتسوقين، ويبحثان بين الخضراوات المرمية عما بقيت منه أجزاء صالحة للأكل.
وعندما يعودان إلى المنزل، تقطع الأم الأجزاء الفاسدة بسكين، وتنظف ما تبقى، ثم تعدّ منه صلصة بسيطة أو خضراوات مسلوقة.
وفي بعض الليالي، يكون عشاء الأسرة كله تلك الخضراوات مع الخبز اليابس. وأحياناً لا يتوفر حتى هذا القدر من الطعام.
تبلغ الابنة الكبرى لشبانة 14 عاماً. وبسبب حظر طالبان تعليم الفتيات بعد الصف السادس، لا تستطيع مواصلة دراستها في الصفوف الأعلى.
وفي سن يفترض أن تنشغل فيه بالدروس والامتحانات والتفكير في المستقبل، أصبح البحث عن طعام للأسرة جزءاً من حياتها اليومية.
أما أختها البالغة 12 عاماً وشقيقها ذو السنوات التسع، فلم يسلما بدورهما من آثار الأزمة الاقتصادية. فاحتياجاتهما من الغذاء والملابس والتعليم والعلاج أصبحت رهينة دخل الأم غير المستقر.
تحاول شبانة ألا يبيت أطفالها جائعين، لكن المسافة بين ما تجنيه من عملها وما تحتاج إليه الأسرة تظل واسعة.
وليست قصة هذه الأسرة مجرد معاناة أرملة واحدة في كابل. فمثل ملايين الأسر الأخرى في أفغانستان، أصبح العثور على الطعام أكبر هاجس يومي في هذا المنزل.
من مائدة شبانة إلى جوع ملايين الأفغان
وفق تقييم التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، المنشور في 16 ديسمبر/كانون الأول 2025، كان نحو 17.4 مليون أفغاني يواجهون انعدام الأمن الغذائي في المرحلة الثالثة أو ما فوقها، خلال الفترة الممتدة من نوفمبر/تشرين الثاني 2025 إلى مارس/آذار 2026.
ويمثل هؤلاء نحو 36 في المئة من السكان الذين شملهم التقييم.
ومن بينهم نحو 4.7 ملايين شخص صُنّفوا ضمن المرحلة الرابعة، وهي مرحلة الطوارئ التي يواجه فيها السكان نقصاً حاداً في الغذاء ويحتاجون إلى مساعدات عاجلة.
وبحسب توقعات التقييم نفسه، كان يُنتظر أن يتحسن الوضع نسبياً بين أبريل/نيسان وسبتمبر/أيلول 2026، نتيجة زيادة محاصيل القمح وتوافر فرص العمل الموسمية. ومع ذلك، كان من المتوقع أن يظل نحو 13.8 مليون شخص معرضين لانعدام الأمن الغذائي الحاد.
ومن بين هؤلاء، قُدّر عدد الأشخاص في المرحلة الرابعة الطارئة بنحو 2.9 مليون.
ولا تعني هذه الأرقام أن الغذاء غير متوفر في أفغانستان. فالمشكلة الأساسية بالنسبة إلى أسر كثيرة هي أنها لا تملك المال الكافي لشراء المواد الغذائية الموجودة في الأسواق.
وحددت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «فاو»، في تقييماتها، البطالة وتراجع دخول السكان وانخفاض المساعدات الدولية والقيود المفروضة على الطرق التجارية، بوصفها عوامل رئيسية وراء انعدام الأمن الغذائي.
كما أدى إغلاق الطرق التجارية من الجانب الباكستاني إلى زيادة الضغوط على نقل المواد الغذائية وأسعارها. وتؤثر التغيرات المناخية والجفاف ومشكلات الإنتاج الزراعي أيضاً في تكاليف معيشة السكان.
ومن جهة أخرى، أدت عودة ملايين الأفغان من إيران وباكستان إلى زيادة الضغط على الموارد المحدودة المتاحة للعمل والسكن والخدمات الصحية وغيرها من الاحتياجات الأساسية.
وقدّر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة أن نحو 3.7 ملايين طفل و1.2 مليون امرأة حامل أو مرضعة سيواجهون سوء التغذية الحاد خلال عام 2026، وسيحتاجون إلى العلاج.
وبذلك يصل العدد الإجمالي التقديري للأطفال والأمهات المعرضين لسوء التغذية الحاد إلى 4.9 ملايين شخص.
ويقول برنامج الأغذية العالمي إن تراجع التمويل الدولي حدّ من قدرته على إيصال المساعدات.
فبعدما قدم البرنامج مساعدات غذائية لنحو أربعة ملايين أفغاني خلال الشتاء الماضي، لم تعد الميزانية المتاحة تسمح له بمساعدة أكثر من مليوني شخص شهرياً.
ويحتاج البرنامج إلى 540 مليون دولار لمواصلة برامجه الطارئة للغذاء والتغذية حتى يناير/كانون الثاني 2027.
ويؤثر تراجع هذه المساعدات بصورة خاصة في الأسر التي لا تملك دخلاً ثابتاً أو مدخرات أو أي مصدر آخر لتأمين احتياجاتها الأساسية.
وأسرة شبانة واحدة من هذه الأسر.
أسواق ممتلئة وجيوب خاوية
بالنسبة إلى الأسر التي تملك دخلاً ثابتاً، يعني ارتفاع أسعار المواد الغذائية في أفغانستان زيادة النفقات. أما الأسر ذات الدخل غير المستقر، مثل أسرة شبانة، فقد يعني أحياناً الاستغناء عن الطعام نفسه.
وقال إحسان الله باتمان، رئيس مؤسسة مستقلة تُعنى برصد الأوضاع الإنسانية في أفغانستان، في حديث إلى القسم البشتوي في أفغانستان إنترناشيونال، إن تراجع القدرة الشرائية للسكان يمثل المشكلة الأساسية في الأزمة الراهنة.
وبحسب تقييمه، فإن تضرر القطاع الزراعي بفعل التغيرات المناخية، والإغلاق المتكرر للمعابر التجارية مع باكستان، مثل تورخم وسبين بولدك، يزيدان الضغوط على أسعار المواد الغذائية الأساسية.
ويرى باتمان أنه عندما ترتفع أسعار الخضراوات وغيرها من المواد الغذائية، تبدأ الأسر التي تعاني أصلاً من نقص الدخل بالخروج تدريجياً من دائرة القادرين على الشراء من الأسواق.
ويتجلى هذا الواقع بوضوح في منزل شبانة.
فبدلاً من شراء الخضراوات الطازجة من الباعة، تضطر أسرتها أحياناً إلى إعداد طعامها من الخضراوات التي تُرمى في السوق عند نهاية اليوم.
وبالنسبة إلى شبانة، فإن ثمن كمية من الخضراوات، وسعر كيس من الدقيق، وإيجار الغرفة، ليست أرقاماً اقتصادية منفصلة. فجميعها تدخل في حساب الأفغانيات الـ150 التي قد تجنيها مقابل يوم كامل من العمل.
وتقول إنها حاولت مراراً إدراج اسمها في قوائم المستحقين لدى المنظمات الدولية الإغاثية، لكنها لم تتلق حتى الآن مساعدة تتيح تخفيف معاناة الأسرة بصورة مستمرة.
يمكن للمساعدات الغذائية أن تخفف جوع هذه الأسرة لبضعة أيام، لكن الحل الطويل الأمد لمشكلتها يرتبط بتوفير مصدر دخل مستقر.
فإذا استؤنف صرف الإعانة المخصصة لها بعد مقتل زوجها، أو تمكنت من العثور على عمل منتظم، أو أُدرجت في برنامج مستدام لدعم الأسر التي تعيلها النساء، فقد تتمكن من تخفيف جزء من الضغوط المالية التي تواجهها.
لكن أياً من هذه التغييرات لم يتحقق في حياة شبانة حتى الآن.
بعد تسع سنوات.. ظل زنبق لا يزال يخيم على المنزل
كان تفجير 31 مايو/أيار 2017 أحد أكثر الهجمات دموية خلال سنوات الحرب في كابل. فقد قُتل عشرات الأشخاص وأُصيب المئات، وتفككت أسر، وفقد أطفال كثيرون آباءهم.
وبعد مرور تسع سنوات على الهجوم، ما زالت بعض أسر الضحايا تتحمل الآثار الاقتصادية والاجتماعية لفقدان أحبائها.
قُتل زوج شبانة في صباح واحد، لكن معاناة أسرته لم تنته بانتهاء ذلك اليوم.
وجدت شبانة نفسها مسؤولة عن تربية أطفالها وإعالتهم. واستطاعت تدبير حياتها بمساعدة حكومية محدودة، لكن بعد توقف تلك المساعدة لم تعد قادرة على تغطية جميع نفقات الأسرة من عملها وحده.
واليوم، تحاول إحدى ابنتيها العثور على طعام بين الخضراوات الملقاة في السوق، بينما يكبر طفلاها الآخران وسط الحرمان، وتعيش الأم على أمل أن تجد عملاً في الغد.
في الإحصاءات الوطنية لانعدام الأمن الغذائي في أفغانستان، تبدو شبانة مجرد امرأة واحدة بين الملايين. لكن الأزمة داخل منزلها لا تُقاس بالأرقام وحدها؛ إنها يوم كامل من القلق، وشهر كامل من العجز، ومستقبل ثلاثة أطفال يظل معلقاً بالمجهول.
يحل الليل مجدداً على منطقة أرزان قيمت في كابل. تخف الحركة في الأزقة، وتجتمع الأسر حول موائد العشاء.
وتجلس شبانة أيضاً مع أطفالها الثلاثة في غرفتهم الصغيرة. لا يوجد عمل مضمون ينتظرها غداً، ولا مؤشر واضح إلى موعد استعادة الإعانة المخصصة لها باسم زوجها الراحل.
قبل تسع سنوات، دمّر تفجير زنبق مصدر الدخل الأساسي لهذه الأسرة. واليوم، لا يزال ظل ذلك الانفجار ممتداً فوق مائدة أطفالها.
في نهاية كل يوم، لا تطلب شبانة الكثير. لا تحلم بثروة، ولا تتطلع إلى حياة مترفة. كل ما تتمناه أن يطلبها أحد للعمل في الغد، لتتمكن من العودة إلى المنزل ببضعة أرغفة تكفي لعشاء أطفالها.