الأفغانية للسفر بهويات متعددة.
وأدت هذه القيود إلى إغلاق أو تعقيد سبل السفر والدراسة والعلاج والهجرة أمام أعداد كبيرة من الأفغان، فيما يقول بعض المواطنين إنهم أمضوا خمس سنوات في محاولة الحصول على تأشيرة لدولة أجنبية واحدة دون جدوى، حتى باتوا يشعرون بأنهم محاصرون داخل "سجن جغرافي"، لا يستطيعون مغادرته.
ويقول مصدر في كابل: "توقف إصدار التأشيرات في كل مكان".
واستخدمت "أفغانستان إنترناشيونال" أسماء مستعارة لبعض المصادر في هذا التقرير، نظراً إلى الأوضاع الأمنية الحساسة في أفغانستان.
وكانت باكستان إحدى الوجهات الرئيسية للأفغان الراغبين في السفر للعلاج والتجارة، لكن تصاعد التوترات بين إسلام آباد وحركة طالبان جعل الحصول على تأشيرات الدخول أكثر صعوبة.
وراجعت "أفغانستان إنترناشيونال" وثائق ثلاثة أفراد على الأقل من أسرة أفغانية تقيم في إسلام آباد، أظهرت أن محاولاتهم لتمديد تأشيراتهم منذ يناير 2025 باءت بالفشل.
وأفادت الأسرة بأن طلب تأشيرة أحد أفرادها رُفض ثلاث مرات على الأقل، بينما ظلت طلبات اثنين آخرين عالقة في النظام الإلكتروني دون نتيجة.
وقال محمد إسماعيل، أحد المصادر في كابل، إن بعض الأفغان كانوا يستطيعون في السابق الحصول على تأشيرات باكستانية مقابل دفع مبالغ مالية، لكن هذا الطريق أصبح مغلقاً إلى حد كبير.
وأضاف: "في بعض الحالات، تُمنح التأشيرات لأشخاص يمارسون أنشطة عسكرية ضد طالبان، أو يشارك أقاربهم في هذه الأنشطة".
ويواجه حتى الأفغان الذين عاشوا سنوات طويلة في باكستان صعوبات في تمديد تأشيراتهم. فقد نقل محمد إسماعيل أسرته إلى إسلام آباد بعد سقوط الجمهورية الأفغانية، بهدف تمكين بناته من مواصلة تعليمهن، لكن توقف تمديد التأشيرات أجبر أطفاله على العودة إلى أفغانستان، وحرمهم من مواصلة الدراسة في المدارس.
وكانت بناته في الصف العاشر عند عودتهن، ما أدى إلى انقطاع تعليمهن النظامي. ويتابعن حالياً الدراسة عبر الإنترنت، لكن والدهن يرى أن هذه المدارس لا توفر مستوى تعليمياً مناسباً، ولا تمنح الطلاب آفاقاً واضحة للمستقبل.
وعاشت الأسرة أربع سنوات في باكستان، وكان الهدف الأساسي من انتقالها ضمان استمرار تعليم الأطفال.
ويقول محمد إسماعيل إنه لا يزال يدفع إيجار منزله في إسلام آباد منذ ثمانية أشهر، رغم عدم إقامته فيه، بسبب بقاء أثاث الأسرة وممتلكاتها هناك.
وقال أحمد، وهو مصدر آخر في كابل، إن باكستان أوقفت إصدار التأشيرات السياحية والتجارية، بينما تواصل إصدار التأشيرات الطبية.
وأوضح أن الحصول على تأشيرة للعلاج قد يكلف نحو ألفي دولار، ويتطلب تقديم وثائق طبية مكتملة والخضوع لإجراءات طويلة.
ويُطلب من المرضى السفر إلى باكستان جواً، حيث يفحص أطباء في مطار إسلام آباد وثائقهم الطبية، في إجراءات يقول أحمد إنها تخضع أحياناً لتقديرات شخصية.
وأضاف: "في كل رحلة، يُعاد نحو خمسة إلى ستة أشخاص من المطار بسبب مشكلات تتعلق بالوثائق".
ورغم هذه القيود، يرى محمد إسماعيل أن عودة عدد من الأطباء الأفغان من باكستان كانت لها نتائج إيجابية، إذ استأنف أطباء رُحّلوا من هناك عملهم داخل أفغانستان، وبدأوا تقديم خدمات مهمة للمرضى والمستشفيات.
إيران
فرضت إيران بدورها قيوداً مشددة على إصدار التأشيرات للأفغان. وقال محمد إسماعيل إن كثيراً من الأفغان الذين يسافرون إلى إيران لا يعودون منها، وهو ما يعد أحد العوامل المؤثرة في سياسات منح التأشيرات.
وأضاف أن أسعار التأشيرات الإيرانية ارتفعت، فيما انخفض عدد التأشيرات الصادرة بصورة كبيرة.
وأوضح أحمد أن إيران كانت قد أوقفت إصدار التأشيرات حتى فترة قريبة، لكنها استأنفت منحها بأعداد محدودة، مشيراً إلى استمرار إصدار التأشيرات التجارية، وإمكانية حصول بعض الأشخاص عليها من خلال العلاقات والمعارف الشخصية.
وقال فريدون، وهو تاجر أفغاني يقيم في آسيا الوسطى، إن الحصول على التأشيرة الإيرانية كان في السابق إجراءً اعتيادياً ومنخفض التكلفة، إذ كان بالإمكان استكماله بدفع نحو 80 دولاراً رسوماً مرتبطة بالإجراءات، إضافة إلى 100 دولار مقابل التأشيرة، لكن الظروف تغيرت الآن.
آسيا الوسطى
أصبحت فرص السفر إلى دول آسيا الوسطى محدودة، وأحياناً مستحيلة، بالنسبة لكثير من الأفغان، إذ تقتصر بعض الدول على منح التأشيرات لأعداد قليلة من التجار، بينما تشترط دول أخرى تقديم خطابات تعريف من جهات حكومية أو توصيات محددة.
ورغم استمرار عمل سفارة طاجيكستان في كابل، تقول المصادر إن البلاد لا تصدر تأشيرات سياحية للمواطنين الأفغان.
ومع ذلك، توفر بعض الشركات تأشيرات مقابل نحو ثلاثة آلاف دولار، لكنها غير قابلة للتمديد.
وتصدر أوزبكستان تأشيرات تجارية، لكن على المتقدمين أن يكونوا مدرجين في قوائم محددة، وغالباً ما تكون خطابات التعريف أو التوصيات الصادرة عن المؤسسات الحكومية عاملاً مهماً للحصول عليها.
وكشفت مراجعة أجرتها "أفغانستان إنترناشيونال" أن اسم أفغانستان لا يظهر ضمن قائمة الدول في نظام طلب التأشيرات الإلكترونية الأوزبكي.
ويتطلب النظام من المتقدمين اختيار دولة جنسيتهم من القائمة المتاحة لاستكمال الطلب، لكن أفغانستان ليست مدرجة ضمن الخيارات.
ويمثل غياب أفغانستان عن النظام الرسمي للتأشيرات الإلكترونية عائقاً مهماً أمام مواطنيها، إذ لا يستطيعون اختيار جنسيتهم واستكمال الطلب عبر المسار المعتاد.
وحتى إن لم يكن ذلك يعني إغلاق باب الحصول على التأشيرات بالكامل، فإنه يعكس تضييقاً إضافياً على إجراءاتها.
وقال فريدون إن كازاخستان، التي كان الحصول على تأشيرتها أسهل في السابق، أصبحت بدورها وجهة يصعب السفر إليها.
وأوضح أن بعض المتقدمين كانوا يستطيعون الحصول على التأشيرة من السفارة خلال ساعة واحدة، لكن الأمر بات الآن شبه مستحيل، باستثناء الأشخاص الذين يتلقون دعوات للمشاركة في اجتماعات رسمية.
وأضاف أنه حاول لأشهر الحصول على تأشيرات لأفراد أسرته دون جدوى، مشيراً إلى توقف إصدار تصاريح الإقامة للأفغان في كازاخستان.
وأشار فريدون إلى أن روسيا شددت أيضاً القيود على إصدار التأشيرات للأفغان، حتى إن التأشيرات الدراسية والمنح التعليمية توقفت.
كما ورد في الموقع الإلكتروني لمعرض تقنيات الطاقة الخضراء في آسيا الوسطى، ضمن القسم المخصص لأفغانستان، أن قيوداً مؤقتة مفروضة حالياً على إصدار التأشيرات ودخول المواطنين الأفغان إلى أوزبكستان.
الهند
كانت الهند في السابق إحدى الوجهات الرئيسية للأفغان الراغبين في السياحة والعلاج، لكن مصادر أفادت بأنها أوقفت إصدار التأشيرات السياحية والدراسية، وأصبحت تمنح التأشيرات الطبية في حالات نادرة.
وقال أحمد إن إصدار التأشيرات الهندية يجري في بعض الحالات بناءً على توصيات من حركة طالبان، خصوصاً لأسر عناصر الحركة، كما تُصدر بعض التأشيرات التجارية بالطريقة نفسها.
وأكدت المصادر توقف إصدار التأشيرات السياحية والدراسية بشكل كامل.
وخلال الفترة الممتدة من أواخر مايو إلى أواخر يونيو الماضيين، التقى مراسل "أفغانستان إنترناشيونال" في نيودلهي اثنين من عناصر طالبان، أصيب أحدهما خلال اشتباكات حدودية مع باكستان في سبين بولدك، وسافر إلى الهند لتلقي العلاج.
وقال العنصر المصاب إن سفره إلى الهند جرى بتوجيه مباشر من وزير دفاع طالبان محمد يعقوب مجاهد، وبمساعدة السفارة الهندية في كابل في إصدار التأشيرة.
وكانت الهند من أبرز الوجهات السياحية والعلاجية للأفغان، لكنها أغلقت قنصلياتها وأوقفت إصدار التأشيرات بعد عودة طالبان إلى السلطة.
ومع ذلك، عززت نيودلهي علاقاتها مع الحركة، واستقبلت عدداً من وزرائها خلال الأشهر الماضية.
كما لا تمدد الهند تأشيرات الأفغان المقيمين على أراضيها، ما وضع عدداً من المواطنين، خصوصاً الطلاب، أمام صعوبات كبيرة.
وبدأت السلطات الهندية مؤخراً ترحيل مواطنين أفغان لا يحملون وثائق إقامة سارية.
تركيا
أصبحت تركيا أيضاً من الوجهات التي يصعب على الأفغان الحصول على تأشيرات لدخولها.
وبحسب المصادر، "دفع بعض المتقدمين مبالغ تراوحت بين 10 آلاف و15 ألف دولار للحصول على تأشيرة".
ويواجه بعض الأفغان صعوبات في تمديد تأشيراتهم. وقال مواطن أفغاني إنه حصل على تأشيرة تركية بعد محاولات شاقة، لكنه لم يتمكن من تمديدها بعد انتهاء صلاحيتها، واضطر إلى العودة إلى أفغانستان.
وقال أحد المتقدمين للحصول على تأشيرة دراسية تركية لـ"أفغانستان إنترناشيونال" إن مئات الأفغان لم يتلقوا أي رد على طلباتهم، رغم مرور أكثر من ثلاثة أشهر على تسليم وثائقهم وجوازات سفرهم.
وأوضح أن التأخير الطويل تسبب في حالة من عدم اليقين وضغوط نفسية وخسائر مالية للمتقدمين، وعرّض فرصهم الدراسية للخطر.
وأضاف: "لا رفض ولا قبول، ولا حتى موعد محدد لإعلان النتائج. لا نعرف ماذا سيكون مصير طلباتنا".
وطالب المتقدم القنصلية التركية ووزارة الخارجية والجهات المسؤولة بمعالجة الوضع، وتقديم إجابات واضحة على الأقل بشأن نتائج الطلبات ومواعيد إعلانها.
وأشار إلى أن كثيراً من الأسر دفعت مبالغ مالية كبيرة أملاً في تمكين أبنائها من مواصلة الدراسة، لكنها باتت تنتظر منذ أشهر دون معرفة مصير طلباتها.
طرق التهريب
مع تضييق طرق السفر القانونية، لجأ بعض الأفغان إلى شبكات التهريب للوصول إلى باكستان.
وقال محمد إسماعيل إن تكلفة هذه الرحلات تبلغ نحو 800 دولار، موضحاً أن شركات تتولى نقل المسافرين من أمام منازلهم عبر طريق سبين بولدك باتجاه باكستان.
وأضاف أن المسافرين يستخدمون تأشيرات مزورة، ويضطرون أحياناً إلى قضاء ثلاثة أيام في الصحراء، ما يعرضهم لمخاطر أمنية وإنسانية جسيمة، فضلاً عن التكاليف المرتفعة.
كما أدت رحلات التهريب إلى إيران في بعض الحالات إلى مقتل عشرات المسافرين، بعضهم برصاص حرس الحدود الإيرانيين، وآخرون بسبب البرد القارس أو الحرارة الشديدة.
وقالت المصادر إن إيران شددت إجراءات حماية حدودها عقب تصاعد التوترات مع الولايات المتحدة.
جوازات السفر التي تصدرها طالبان
قالت مصادر مطلعة إن أحد الأسباب الرئيسية وراء تشديد قيود التأشيرات يتمثل في مخاوف الدول من إصدار جوازات سفر أفغانية لأشخاص مرتبطين بجماعات مسلحة، واستخدام هويات متعددة للسفر إلى الخارج.
وذكر أحد المصادر أن حركة طالبان أصدرت جوازات سفر أفغانية لعدد من الأشخاص المرتبطين بجماعات إقليمية متشددة، من بينهم أفراد من الإيغور والشيشان والأوزبك والكازاخ والسوريين والأتراك والعرب.
وأضاف أن جوازات سفر صدرت أيضاً لآلاف البلوش وأعضاء حركة طالبان باكستان.
وبحسب المصدر، استخدم بعض هؤلاء الأشخاص جوازات سفر وهويات مختلفة للسفر إلى دول، بينها إيران والإمارات العربية المتحدة وأوزبكستان وتركيا وحتى الصين، ما تحول إلى مشكلة أمنية لدول المنطقة.
وقال المصدر إن بعض حاملي هذه الجوازات كُشف أمرهم خلال سفرهم لأداء العمرة والحج، مشيراً إلى توقيف أكثر من مئة حاج سنوياً بتهم تزوير الوثائق والهويات.
وأضاف أن السعودية تُخضع وثائق المتقدمين للحج من أفغانستان لتدقيق مشدد، وترفض طلبات آلاف الأشخاص سنوياً، مشيراً إلى أن بعض الأفراد، بينهم مسؤولون في حركة طالبان، أُدرجوا على قوائم الحظر والعقوبات السعودية.
وأوضح المصدر أن المخاوف الأمنية أثرت أيضاً على الزيارات الرسمية لمسؤولي حركة طالبان، إذ امتنعت بعض الدول المضيفة عن منح تأشيرات لوفود الحركة، أو جرى تغيير أسماء الأشخاص المرشحين للسفر بهدف تجاوز التدقيق الأمني.
وأشار إلى أن قطر والإمارات العربية المتحدة والهند وروسيا حاولت، في مراحل مختلفة، تسهيل سفر الأفغان لأغراض رسمية وشبه رسمية، خصوصاً مسؤولي حركة طالبان.
لكن استخدام بعض الأشخاص جوازات سفر متعددة وأسماء مختلفة وأسماء آباء ووثائق هوية متباينة عرقل هذه الجهود، وفق المصدر الذي أكد أن بعض حاملي الجوازات الدبلوماسية التابعة لطالبان لم يتمكنوا أيضاً من الحصول على تأشيرات.
تهريب المخدرات
قالت مصادر مطلعة إن تغير أساليب تهريب المخدرات زاد من مخاوف دول المنطقة، إذ حلت المخدرات المصنعة والمواد الكيميائية المتطورة، بما فيها السوائل والأقراص والمساحيق، محل جزء من المخدرات التقليدية.
وأوضحت المصادر أن مواطنين أفغان تعرضوا مراراً للتوقيف خلال سفرهم إلى الخارج بتهم حمل هذه المواد، الأمر الذي أسهم في زيادة تعقيد إجراءات إصدار التأشيرات للمواطنين الأفغان.
وأضافت أن دول المنطقة باتت أكثر حذراً في منح التأشيرات بسبب انعدام الثقة في حركة طالبان والمخاوف الأمنية وعدم عودة بعض المسافرين إلى أفغانستان.
وأشارت أيضاً إلى عدم اعتراف معظم الدول بسلطة طالبان والغموض المحيط بالعلاقات الدبلوماسية معها.
ومع ذلك، فإن التجار والطلاب والمرضى والأسر التي تحتاج إلى السفر لتعليم أبنائها، هم الأكثر تضرراً من هذه القيود المفروضة على تأشيرات الدول المجاورة والإقليمية.
الدول الغربية
لم تقتصر القيود على الدول المجاورة لأفغانستان، بل امتدت إلى الدول الغربية، حيث توقفت أو تقلصت بشدة برامج إجلاء الأفغان المعرضين للخطر وإعادة توطينهم.
ووفقاً للتقرير، أوقفت الولايات المتحدة إجراءات نقل الأفغان، بما في ذلك برنامج تأشيرات الهجرة الخاصة المعروف باسم "إس آي في"، كما أوقفت ألمانيا وبريطانيا برامج استقبال ونقل الأفغان.
وقالت المصادر إن فرنسا من الدول القليلة التي لا تزال تمنح تأشيرات لأعداد محدودة من المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين.
وقال موظف أفغاني سابق تعاون مع القوات الأميركية إنه يحاول منذ خمس سنوات الحصول على تأشيرة لأي دولة أجنبية دون نجاح.
وأضاف: "لا توجد دولة تمنح الأفغان تأشيرات بسهولة".