تأشيرة باكستان تُباع في السوق السوداء في كابل بسعر يصل إلى 1500 دولار
قال عدد من المتقدمين الأفغان للحصول على تأشيرة باكستان، يوم الخميس 19 فبراير 2026، لقناة «أفغانستان إنترناشيونال»، إن التأشيرات الباكستانية تُباع في السوق السوداء في كابل بأسعار تتراوح بين 1000 و1500 دولار.
وأوضحوا أنه من دون دفع رشاوى عبر شركات سياحية معتمدة لدى السفارة والقنصليات الباكستانية، لا يمكنهم الحصول على التأشيرة، أو قد يضطرون إلى الانتظار لعدة أشهر.
ويأتي ذلك رغم أن الرسوم الرسمية للحصول على التأشيرة الباكستانية لا تتجاوز 1500 أفغاني (نحو 20 دولاراً).
وقال عدد من المواطنين الأفغان إنهم دفعوا مبالغ كبيرة عبر شركات سياحية مقابل تسريع إجراءات الحصول على التأشيرة وضمان إصدارها من السفارة والقنصليات الباكستانية في كابل وننغرهار وقندهار وبلخ.
وأضاف بعض المتقدمين، وخاصة المرضى، أنهم اضطروا لدفع هذه المبالغ المرتفعة للحصول على تأشيرات طبية، حيث تتراوح أسعار التأشيرات الطبية في السوق السوداء بين 1300 و1500 دولار، فيما تصل أسعار التأشيرات السياحية إلى ما بين 1500 و2000 دولار.
وأشار متقدمون إلى أنهم مجبرون على التواصل مع شركات سياحية مسجلة لدى السفارة أو القنصليات الباكستانية لتسهيل الحصول على التأشيرة.
وقال أحد المتقدمين في كابل: «قدمت طلباً للحصول على تأشيرة طبية ودفعت الرسوم الرسمية البالغة 1500 أفغاني، لكن بعد أربعة أشهر لم أتلقَّ التأشيرة. لاحقاً، دفعت 1300 دولار لإحدى الشركات في كابل، وفي اليوم نفسه تمت دعوتي لإجراء مقابلة في السفارة، وحصلت على التأشيرة في اليوم ذاته».
وأضاف: «خلال المقابلة سُئلت عن المبلغ الذي دفعته، فأجبت أنني دفعت 1500 أفغاني. ولو قلت إنني دفعت 1300 دولار، لتم رفض طلبي».
ولم ترد السفارة الباكستانية في كابل على هذه الشكاوى حتى الآن.
كما أكد مسؤولون في بعض الشركات السياحية في كابل وننغرهار أن التأشيرات الباكستانية تُباع في السوق السوداء، وأن المتقدمين عبر القنوات الرسمية يضطرون إلى الانتظار لأشهر، وغالباً ما يتم رفض طلباتهم.
ودعا بعض المواطنين الأفغان سلطات طالبان إلى التباحث مع المسؤولين الباكستانيين لمعالجة هذه المشكلة ومنع بيع التأشيرات في السوق السوداء.
وتزايدت الشكاوى المتعلقة بالحصول على تأشيرة باكستان منذ سقوط الحكومة الأفغانية السابقة في أغسطس 2021، ولا تزال هذه المشكلة قائمة رغم مرور نحو خمس سنوات على تولي طالبان السلطة.
يشهد إقليم بلوشستان في باكستان تصاعداً لافتاً في العنف المسلح، وسط تاريخ طويل من السخط السياسي والتهميش والصراع على الهوية والموارد، يرصد التقرير جذور التمرد البلوشي، وخريطة الجماعات المسلحة، وتحولات المواجهة بين الدولة والانفصاليين.
يعد إقليم بلوشستان أكبر إقليم في غرب باكستان ويشكّل نحو 44٪ من مساحة البلاد، ويبلغ عدد سكانه أقل من 15 مليون نسمة، ويملك الإقليم موارد طبيعية كثيرة، من بينها الذهب والنحاس والغاز والفحم ومعادن أخرى ثمينة، إلا أن سكانها، رغم هذه الثروات، يعيشون في فقر ومعاناة مثل كثير من مناطق باكستان الأخرى.
تحولت الجماعات المتمردة البلوشية، من خلال هجماتها الدامية والقاتلة، إلى مصدر إزعاج كبير للجيش الباكستاني. ففي الأسبوع الماضي، أسفرت هجمات الانفصاليين البلوش عن مقتل ما لا يقل عن 58 شخصاً، وكان بين الضحايا مدنيون.
في هذا التقرير نستعرض من هم الانفصاليون في بلوشستان، وكيف تشكّلت حالة السخط، وما هي الجماعات والتنظيمات التي ينتمون إليها، وما أهدافهم وتطلعاتهم.
أول تمرد في بلوشستان
بلوشستان الإقليم الأكبر في جنوب باكستان ويشكّل نحو 44٪ من مساحة البلاد، وقبل تأسيس باكستان عام 1947، كانت بلوشستان دولة مستقلة باسم "قلات"، وكان يحكمها خان أحمد يار خان.
بعد انسحاب بريطانيا من الهند، أعلن خان أحمد يار خان الاستقلال، وأُديرت قلات بشكل مستقل لمدة عام واحد. لكن في عام 1948، تم ضم المنطقة بباكستان. ويرى معارضو الحكومة الباكستانية أن هذا الضم كان قسرياً، ويقولون إن خان قلات أُجبر على توقيع الاتفاق تحت ضغط الجيش. أما الحكومة الباكستانية فتؤكد أن عملية ضم قلات كانت طوعية وتمت بعد مفاوضات مع محمد علي جناح.
رفض الأمير عبد الكريم، الشقيق الأصغر لخان قلات، اتفاق شقيقه واتجه إلى الجبال، وبدأ المقاومة المسلحة، وكان ذلك أول تمرد مسلح للبلوش ضد باكستان. وقد استسلم عبد الكريم عام 1950.
وفي عام 1970، دمجت باكستان مناطق قلات والمناطق ذات الغالبية البشتونية في بلوشستان ضمن إقليم واحد.
كان السخط السياسي والاجتماعي في بلوشستان موجوداً منذ البداية، واستمر في العقود التالية على شكل عصيان مدني. وخلال العقود الأخيرة، تحوّل هذا السخط إلى تمردات مسلحة وتشكيل جماعات انفصالية.
تحوّل مقاومة البلوش من السياسة إلى القتال المسلح
كان البلوش في القرن العشرين يسلكون في الغالب المسار السياسي والسلمي. وكان كثير من السياسيين البلوش أعضاء في حزب "عوامي الوطني"، وهو تحالف قومي يساري يضم البلوش والبشتون. ومن بين الشخصيات البارزة فيه مير غوث بخش بزنجو، وسردار عطاء الله مينغل، ونواب خير بخش مري، وقل خان نصير، وعبد الواحد كرد، وعبد الحي بلوش.
وفي عام 2006، قُتل الزعيم القومي البلوشي نواب أكبر بُغتي في عملية نفذها الجيش الباكستاني. وكان قد شغل مناصب حكومية سابقاً، لكنه عارض الدولة في سنواته الأخيرة. ويرى محللون أن مقتله أدى إلى تصاعد التمردات وزيادة العنف. وفي العام نفسه، قُتل أيضاً بالاتش مري، نجل نواب خير بخش مري، على يد الجيش الباكستاني. وقد شكلت هذه الأحداث بداية مرحلة جديدة من المقاومة المسلحة لدى البلوش.
ويرى عضو مجلس الشيوخ السابق والمحلل في شؤون المنطقة، أفراسياب ختك، أن نفوذ الجيش داخل بنية الدولة الباكستانية، وما يسميه "هيمنة البنجابيين" على النظام السياسي، دفع بعض البلوش إلى العمل المسلح. وبحسب قوله، يعتبر الجيش الباكستاني القوميين البلوش والبشتون تهديداً ويسعى إلى الحد من نفوذهم.
من جهتها، ترفض الحكومة والجيش الباكستاني اتهامات القمع العرقي أو تدخل الجيش في السياسة لصالح فئة معينة. ويقول مسؤولون رسميون إن الأنشطة المسلحة للبلوش، وكذلك جماعات مثل حركة طالبان باكستان، تمثل تهديداً أمنياً للبلاد، وإن الدولة تتخذ إجراءات قانونية وأمنية ضدهم.
وعموماً، رغم اختلاف آراء المحللين البلوش والمصادر الرسمية في باكستان، فإن الواقع يشير إلى أن انتقال البلوش من النشاط السياسي إلى التمرد المسلح جاء نتيجة عوامل متعددة، منها السياسة الداخلية والأوضاع الأمنية والتطورات المحلية.
تعدد وتفكك الجماعات السياسية والعسكرية
لا يشكل البلوش جماعة واحدة موحدة معارضة مسلحة للحكومة الباكستانية. فبنية القوى المسلحة لديهم معقدة ومتغيرة، ومع مرور الوقت ظهرت جماعات مختلفة واندماجت أحياناً ثم تفككت.
ويقول بعض المحللين الذين يتابعون أوضاع بلوشستان عن قرب إن المتمردين البلوش ينقسمون إلى ست فئات. وهذه الجماعات لديها أهداف متشابهة إلى حد كبير، وتستخدم خطاباً متقارباً لتبرير أنشطتها المسلحة، ويتمثل في “تحقيق الاستقلال والسيطرة على مواردهم وأراضيهم”.
ويقول المحلل في شؤون المنطقة، أفراسياب ختك: “من أبرز الجماعات المسلحة النشطة يمكن ذكر جيش تحرير بلوشستان، وجبهة تحرير بلوشستان، والحرس الجمهوري”.
كيف تصاعدت الاشتباكات
شهدت فترة السبعينيات الميلادية بداية مقاومة مسلحة محدودة في بلوشستان. لكن جيش تحرير بلوشستان برز بوصفه أكثر الجماعات الانفصالية المسلحة تأثيراً في الألفية الجديدة، ونشأ من فروع مختلفة للحركة المسلحة البلوشية.
وقد انقسم “جيش تحرير بلوشستان” لاحقاً إلى فروع متعددة. كان أحدها يعمل تحت قيادة هيربيار مري، الذي يعيش في بريطانيا، بينما قاد فرعاً آخر أسلم أتشو الذي قُتل في قندهار عام 2018.
كما أن الوحدة الانتحارية “لواء مجيد” مرتبطة بجيش تحرير بلوشستان وتُعد من أبرز أذرعه العملياتية.
ويمثّل جيش تحرير بلوشستان تحدياً أمنياً خطيراً لباكستان، وقد صنفته باكستان، إلى جانب جماعات مسلحة بلوشية أخرى، منظمة إرهابية.
أما الهجمات المنسقة التي وقعت في الأسابيع الماضية وأدخلت عدة مدن في حالة صدمة لفترة من الزمن، فكان جيش تحرير بلوشستان المسؤول الرئيسي عنها.
ويرى بعض المراقبين والمحللين أنه في السنوات الأخيرة، وخاصة بعد عودة طالبان إلى السلطة في أفغانستان، ازداد مستوى التنسيق بين هذه الجماعات. ويعتقدون أن انتصار طالبان منح المتمردين البلوش روحاً معنوية جديدة، وعزز الاعتقاد بإمكانية التغيير.
ويقول محللون إنه رغم أن هذه الجماعات تعمل بشكل منفصل، فإن هدفها المشترك هو “الاستقلال”.
قادة وتنظيمات الانفصاليين البلوش
كان بالاتش مري من أوائل قادة جيش تحرير بلوشستان، وقد قُتل عام 2007. وبعده تولى أسلم بلوش قيادة الجماعة حتى عام 2018، ثم أصبح بشير زيب زعيماً لها.
وينشط جيش تحرير بلوشستان في إقليم بلوشستان ومناطق مثل كويته، وغوادر، ونوشكي، ومكران. وقد أُعلن مراراً مسؤوليته عن هجمات ضد القوات الأمنية الباكستانية وخطوط السكك الحديدية والمشروعات الاقتصادية.
الوحدات الرئيسية لجيش تحرير بلوشستان:
لواء مجيد: مسؤول عن تنفيذ الهجمات الانتحارية، ويُعد أشهر وحدات هذا التنظيم.
وحدة فاتح: تُستخدم للعمليات الخاصة والهجمات السريعة.
وحدة العمليات التكتيكية الخاصة: تنفذ عمليات معقدة ومحددة عالية المستوى.
وحدة الاستخبارات والمراقبة "زراب": تتولى الأنشطة الاستخباراتية والرصد وتلعب دوراً أساسياً في تحديد الأهداف.
ويمثل جيش تحرير بلوشستان بالنسبة لكثير من الجماعات البلوشية الأخرى قاعدة فكرية وتنظيمية.
وصنّفت الولايات المتحدة وبريطانيا، جيش تحرير بلوشستان، منظمة إرهابية.
جبهة تحرير بلوشستان
تقود هذه الجبهة شخصية تدعى الله نظر بلوش، وهو طبيب يناضل من أجل انفصال بلوشستان عن باكستان. ويتولى قيادة هذه الجماعة منذ أوائل الألفية الجدي. ولها نفوذ في مناطق مكران وتربت ومناطق أخرى في جنوب بلوشستان.
وتُعرف الجبهة أساساً بحرب العصابات والكمائن والهجمات المحددة، وتنشط في جنوب وغرب بلوشستان.
الجناح المسلح للحزب الجمهوري البلوشي
يعمل تحت قيادة برهمداغ بغتي، حفيد نواب أكبر بُغتي، ويحظى بدعم بين بعض أفراد قبيلة بُغتي. وقد تشكّل هذا الجناح بعد مقتل الزعيم القومي البلوشي نواب أكبر بُغتي عام 2006. ويعيش برهمداغ بغتي حالياً في سويسرا، وقد رفضت الحكومة السويسرية طلب لجوئه بسبب ارتباطه بأنشطة مسلحة.
حرس تحرير بلوشستان
يقود هذه الجماعة بختيار دنكي. وهي شبكة صغيرة نسبياً لكنها نشطة، وتنفذ عمليات محدودة إلى جانب جماعات أخرى.
الجيش البلوشي المتحد
يقوده مهران مري، ويهدف إلى جمع مختلف العناصر المسلحة البلوشية، وينشط أساساً في بعض المناطق الجبلية.
وفي السنوات الأخيرة، ازداد عدد الجماعات الانفصالية البلوشية الصغيرة وغير المركزية. وتعمل هذه الجماعات من خلال وحدات محلية بدلاً من قيادة مركزية.
وترى الحكومة أن هذه الجماعات لا تهاجم القوات الأمنية فحسب، بل تستهدف أيضاً المشروعات الاقتصادية وخطوط السكك الحديدية والبنية التحتية المهمة.
وتؤكد الحكومة الباكستانية أن هذه الجماعات ليست حركة سياسية مشروعة، بل هي عوامل فوضى ومصدر للموت والعنف في بلوشستان.
من هجمات حرب العصابات البسيطة إلى عمليات معقدة ومنسقة
يقول الانفصاليون البلوش إنهم استلهموا من انتصار طالبان في أفغانستان وتكتيكاتها. فبدلاً من الهجمات السريعة القائمة على الكر والفر، ينفذون الآن عمليات مشتركة ومنظمة ومعقدة.
وفي السنوات الأخيرة، استخدمت الجماعات البلوشية أيضاً الهجمات الانتحارية. وحتى النساء تلقين تدريباً لتنفيذ مثل هذه العمليات، وقد نفذن بالفعل عدة هجمات.
وتصاعدت الاشتباكات خلال السنوات الأربع الماضية بعد سيطرة طالبان على أفغانستان.
وفي عام 2025، هاجم جيش تحرير بلوشستان قطار “جعفر إكسبرس” في منطقة متش بإقليم بلوشستان.
وخلال هذا الهجوم، احتُجز مئات الركاب رهائن، من بينهم أكثر من مئة عسكري باكستاني.
وقد جذب هذا الحدث انتباه سكان المنطقة والرأي العام العالمي على حد سواء.
واستمر الهجوم أكثر من 24 ساعة. وفي اليوم الأول، أطلق المقاتلون البلوش سراح الرجال الذين كانوا برفقة النساء والأطفال. وبعد ذلك، بدأ الجيش الباكستاني عملية عسكرية ضد المسلحين باستخدام المروحيات والطائرات المسيّرة والقوات البرية.
وبما أن المنطقة جبلية ونائية، ولم تسمح الحكومة للصحفيين بالوصول إلى الموقع. ادعى كل طرف سقوط أعداد كبيرة من القتلى في صفوف الطرف الآخر، لكن مصادر مستقلة لم تؤكد هذه المزاعم.
تواجد البلوش في أفغانستان.. لاجئون أم تهديد أمني لباكستان؟
بسبب القرب الجغرافي بين أفغانستان وبلوشستان، ظل التواصل والتعاون قائماً بين المنطقتين. وتمثل أفغانستان أهمية خاصة للبلوش، وقد تنقّل بعضهم إليها عبر العقود الماضية.
وكان لوجود البلوش في أفغانستان مؤيدون ومعارضون. فالمؤيدون يرون أنهم يلجؤون إلى أفغانستان هرباً من الضغوط العسكرية في مناطقهم، ويستحقون اللجوء. أما السياسيون في باكستان فيقولون إن أفغانستان تؤوي قوى انفصالية تخلق مشكلات أمنية لبلادهم.
ولا يمكن تجاهل الروابط الثقافية والدينية بين السكان على جانبي الحدود.
وتعيش مئات العائلات البلوشية حالياً في مناطق مختلفة من أفغانستان.
ولا يقتصر تواجد البلوش في أفغانستان على العقدين الأخيرين، إذ كلما ازدادت العمليات العسكرية للجيش الباكستاني في بلوشستان، اتجه بعض البلوش إلى الإقامة في أفغانستان.
ويقول مؤرخون إن حكومة الرئيس محمد نجيب الله في ثمانينيات القرن الماضي قدمت دعماً واسعاً للانفصاليين البلوش، وشمل ذلك السماح لهم بالإقامة وتسهيل تنقلهم ومنحهم قدراً من التساهل.
وقال وزير الإعلام السابق في بلوشستان، جان أتشکزي، لقناة "أفغانستان إنترناشيونال" إن زعيم الانفصاليين البلوش برهمداغ بغتي، كان ينشط بحرية في كابل وقندهار خلال فترة رئاسة حامد كرزي. وأضاف: "كرزي أقرّ بهذا الأمر للمسؤولين الأميركيين، لكنه لم يتخذ أي إجراء".
وقال أحد المقاتلين البلوش للقناة إن قادتهم استلهموا من تجربة طالبان. ففي عام 2014، شارك قادة طالبان بأنفسهم في القتال لرفع معنويات قواتهم، بل إن بعضهم أشرك أبناءه في العمليات الانتحارية. وأضاف: “قادتنا سلكوا المسار نفسه؛ عادوا إلى بلوشستان بأنفسهم لرفع معنويات المقاتلين”.
سخط البلوش من اتفاق كابل مع إسلام آباد
يعتقد بعض أعضاء الحركات الانفصالية البلوشية أن الاتفاق الأمني بين كابل وإسلام آباد في عهد الرئيس الأفغاني السابق محمد أشرف غني كان ضدهم، وأن شخصيات بارزة منهم استُهدفت في أفغانستان، رغم عدم تأكيد هذه الادعاءات بشكل مستقل.
ويقولون إن نحو 15 شخصاً من البلوش استُهدفوا خلال فترة الحكومة الأفغانية السابقة في قندهار ومناطق أخرى، من بينهم أسلم مري وغلبهار وأبناؤه وعبد النبي بنغلزي الذين قُتلوا في عامي 2018 و2021. وتقول مصادر بلوشية إن هذه الهجمات نفذتها أجهزة الاستخبارات الباكستانية، لكن لم تعلن أي جماعة مسلحة مسؤوليتها عنها.
ويقول معارضو الحكومة الباكستانية إن عدداً من النشطاء البلوش اعتُقلوا أيضاً من قبل الحكومة الأفغانية، ثم أُطلق سراحهم بعد عودة طالبان إلى السلطة.
وبعد عودة طالبان، استمرت عمليات اغتيال نشطاء بلوش، من بينها مقتل عبد الرزاق بلوش ومشتاق كوهي في كابل، عاصمة أفغانستان. ولم تُنشر معلومات رسمية عن منفذي هذه الاغتيالات.
اتهام دعم الهند وطالبان الأفغان للانفصاليين البلوش
اتهمت باكستان مراراً طالبان بأنها توفر ملاذاً آمناً لجماعات مثل الانفصاليين البلوش وحركة طالبان باكستان التي تشن هجمات من الأراضي الأفغانية. وتقول باكستان إن طالبان لم تتخذ “إجراءات فعالة وقابلة للتحقق” لكبح هذه الجماعات، ما يشكل تهديداً لأمنها.
لكن الحركات البلوشية تقول إن طالبان لا تتعاون معها.
وبعد احتجاز نحو 400 شخص رهائن في قطار ركاب ومقتل عدد من عناصر الأمن الباكستانيين، اتهم المتحدث باسم الجيش الباكستاني رسمياً طالبان أفغانستان بدعم المسلحين البلوش وتوفير ملاذ آمن لهم. ورفضت طالبان هذه الاتهامات وأعلنت أنه لا يوجد أي عنصر مسلح بلوشي في أفغانستان ولا علاقة لهم بها.
كما تتهم باكستان الهند بدعم جيش تحرير بلوشستان، لكن الهند تنفي هذه المزاعم.
انتهاكات حقوق الإنسان
بحسب تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش بتاريخ 11 ديسمبر 2009، خرج عبد الغفار لانغو، وهو ناشط قومي بلوشي يبلغ من العمر 39 عاماً، مع زوجته من مستشفى في كراتشي، فاعترضتهما سيارتان من طراز تويوتا بيك أب بيضاء.
اقترب منهما نحو 10 رجال بملابس مدنية، وأطلق أحدهم النار على لانغو بمسدس فأغمي عليه، ثم جروه إلى داخل السيارة واقتادوه معهم.
ذهبت عائلة عبد الغفار إلى الشرطة لتقديم شكوى، فقالت الشرطة إنه اعتُقل بسبب نشاطه السياسي، لكنها لم توضح التهم الموجهة إليه أو مكان احتجازه.
وفي الأول من يوليو 2011، عُثر على جثة لانغو في فندق مهجور في بلوشستان. وقالت الشرطة المحلية إن آثار تعذيب شديد ظهرت على جسده.
ويعد هذا الملف مثالاً على ظاهرة شائعة وخطيرة في بلوشستان هي الاختفاء القسري.
وقالت هيومن رايتس ووتش إن السلطات الحكومية أو ممثليها يعتقلون أشخاصاً ثم ينكرون معرفتهم بمصيرهم.
وتبقي حالات الاختفاء القسري عائلات الضحايا في معاناة لسنوات أو حتى عقود. وبحسب القانون الدولي، فإن “الاختفاء القسري” يعد “جريمة مستمرة” ما لم تُقدم معلومات للعائلات عن مصير الضحايا.
كما ذكرت المنظمة في تقرير أن الجماعات المسلحة البلوشية مسؤولة عن كثير من الاغتيالات المستهدفة، بما في ذلك قتل معلمين ونشطاء في مجال التعليم. وقالت إن هذه الجماعات هاجمت في السنوات الأخيرة مدنيين وأعمالاً تجارية لغير البلوش، إضافة إلى منشآت الغاز والطاقة.
وقد وثّقت هيومن رايتس ووتش في عامي 2009 و2010 عشرات حالات الاختفاء القسري التي لا تزال مستمرة حتى الآن. وذكرت حينها أن قوات الأمن الباكستانية، وخاصة جهاز الاستخبارات، استهدفت بلوشاً يُشتبه في مشاركتهم في الحركة القومية البلوشية بهدف إخفائهم قسرياً.
وتشمل المشكلات الحقوقية الأخرى في بلوشستان الاغتيالات المستهدفة والعنف المسلح والتعذيب وسوء المعاملة في مراكز الاحتجاز وتقييد حرية التعبير والنشاط السياسي وانتهاك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمضايقات القبلية والتمييز العرقي والاعتقالات التعسفية.
النساء وقيادة الحركات المدنية
تدور الحركات المدنية للبلوش في باكستان حول المطالبة بالحقوق السياسية والثقافية والاجتماعية وتحقيق العدالة لضحايا الاختفاء القسري والعنف الحكومي. وهذه الحركات مدنية وغير مسلحة، وتهدف إلى إصلاحات سياسية وتحقيق الشفافية في إدارة الموارد وإنهاء القمع السياسي.
وتعد لجنة تضامن البلوش، وحركات حقوق الإنسان، والحركات الطلابية والشبابية من أبرز هذه التحركات المدنية في بلوشستان.
ويقول المحلل في شؤون المنطقة أفراسياب ختك، إن التعامل غير المتكافئ من قبل الدولة الباكستانية دفع أمهات وأخوات وزوجات المختفين إلى النزول إلى الساحة. وتشارك آلاف النساء في مسيرات منظمة “لجنة تضامن البلوش” بقيادة الناشطة الحقوقية ماهرنغ بلوش، ويشارك فيها مئات الآلاف من البلوش.
ويُعد ذلك أكبر حراك شعبي في تاريخ البلوش. ومثل الأكراد، تشارك النساء البلوشيات على نطاق واسع في النضالات الوطنية والشعبية.
كما تضم الحركة المدنية في بلوشستان شخصيات معروفة في المنطقة، من بينها الناشطة الحقوقية والعضو البارز في الحركات المدنية البلوشية في باكستان ماهرنغ بلوش، المعروفة بدفاعها عن حقوق عائلات ضحايا الاختفاء القسري والعنف الحكومي.
وقد أشارت تقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش إليها بوصفها إحدى قادة الاحتجاجات السلمية للبلوش، ومن بينها تنظيم المسيرة الطويلة التي هدفت إلى لفت الانتباه إلى القتل والاختفاء القسري في بلوشستان.
يستخدم تسعة من أعضاء حكومة طالبان ألقاب شيخ الحديث وشيخ ومفتي، رغم أنهم لم يحصلوا على التخصص العلمي في المجال الشرعي، وفق ما قاله المتحدث باسم مدرسة دار العلوم الحقانية مولانا يوسف شاه، وهي المدرسة التي درس فيها معظم قادة وعناصر طالبان.
وقال المتحدث باسم مدرسة دار العلوم الحقانية، الواقعة في منطقة أكوره ختك بباكستان، إن عدداً من وزراء حركة طالبان، من بينهم وزير المهاجرين والعائدين مولوي عبد الكبير، ووزير الإرشاد والحج والأوقاف نور محمد ثاقب، ووزير العدل مولوي عبد الحكيم شرعي، ووزير الخارجية مولوي أمير خان متقي، ووزير المياه والطاقة عبد اللطيف منصور، ورئيس الهلال الأحمر شهاب الدين دلاور، هم مجرد خريجي مدارس دينية. وأضاف أن تسعة من أعضاء حكومة طالبان الذين يطلقون على أنفسهم ألقاب شيخ الحديث وشيخ ومفتي، هم فقط من خريجي مدرسة الحقانية، ولا يمتلكون أي نوع من التخصص في العلوم الدينية. وقال المتحدث باسم دار العلوم الحقانية، مولانا يوسف شاه، في مقابلة مع "أفغانستان إنترناشيونال"، إن عدداً من كبار وزراء ومسؤولي طالبان الذين يعرّفون أنفسهم في أفغانستان بأنهم "مفتي" أو "شيخ الحديث" أو متخصصون في العلوم الدينية، لا يحملون في الواقع هذه الدرجات العلمية. وبحسب قوله، فإن أعضاء حكومة طالبان مثل مولوي عبد الكبير، ومولوي عبد الحكيم شرعي، ومولوي أمير خان متقي، ومولوي عبد اللطيف منصور، ومولوي نور محمد ثاقب، وشهاب الدين دلاور، هم فقط خريجو مدارس دينية، ولا يستوفون الشروط العلمية للقب مفتي أو شيخ الحديث أو العلماء المتخصصين في العلوم الدينية العليا.
عبد الحكيم شرعي استخدم موقع وزارة العدل الخاضعة لسيطرة طالبان لقب شيخ الحديث لوزيرها، غير أن المتحدث باسم مدرسة الحقانية قال إنه مجرد خريج من هذه المدرسة. وجاء في سيرته: "شيخ الحديث مولوي عبدالحكيم شرعي، بعد إكمال دراسته الابتدائية، توجّه إلى دار العلوم الحقانية الشهيرة في أكوره ختك بمديرية نوشهره في خيبر بختونخوا بباكستان، بهدف إكمال الدورة الدينية الكبرى، وأتمّها في هذه المدرسة بدرجة عالية، وحصل عام 1368 هجري شمسي على شهادة التخرج من دار العلوم الحقانية بدرجات مرتفعة". وبناءً على هذه السيرة، يتضح أنه لم يتخصص في علم الحديث، بل هو خريج الدورة الكبرى فقط، وهو ما لا يخول له استخدام لقب شيخ الحديث. وقال عضو سابق في مجلس علماء الحكومة الأفغانية السابقة، طلب عدم ذكر اسمه، لـ"أفغانستان إنترناشيونال"، إن ألقاب "مفتي" و"شيخ الحديث" لها معايير علمية محددة في النظام الديني، تشمل التخصص في الفقه وأصول الفقه والحديث والأسانيد والتدريس، والحصول على تصديق رسمي من العلماء. وأضاف أن مجرد التخرج من مدرسة دينية لا يمنح الشخص صلاحية أن يطلق على نفسه لقب مفتي أو شيخ الحديث.
نور محمد ثاقب يُستخدم لوزير الإرشاد والحج والأوقاف في طالبان نور محمد ثاقب ألقاب شيخ الحديث والدكتور وخبير القضاء، رغم أنه لم يحصل فعلياً على هذه الدرجات العلمية والقضائية. ويُكتب اسمه على موقع وزارة الإرشاد والحج والأوقاف الخاضعة لسيطرة طالبان على النحو التالي: "نبذة عن حياة وزير الإرشاد والحج والأوقاف شيخ الحديث خبير القضاء الدكتور مولوي نور محمد ثاقب". وقال المتحدث باسم المدرسة الحقانية إن نور محمد ثاقب درس في هذه المدرسة الدورة الدينية الكبرى فقط، ولا تنطبق عليه رتبة شيخ الحديث. كما كُتبت كلمة دكتور إلى جانب اسمه على موقع وزارة الحج والأوقاف، إلا أن سيرته تشير إلى أن مستواه العلمي اعتُرف به عام 1999 من قبل مؤسسات طالبان على مستوى الدكتوراه، في حين أن آخر دراسته كانت إكمال الدورة الكبرى في مدرسة أكوره ختك. وبحسب سيرته، فإن هذه الدكتوراه ذات طابع فخري، وبموجب الأصول العلمية في أفغانستان والعالم، لا يمكن اعتبار الدكتوراه الفخرية أساساً للقب علمي. كما أُضيفت إلى اسمه رتبة خبير القضاء، في حين أنه شغل فقط منصب رئيس المحكمة العليا خلال فترة حكم الملا محمد عمر.
وقال مساعد سابق للشؤون الاختصاصية في المحكمة العليا خلال عهد الحكومة السابقة، لقناة "أفغانستان إنترناشيونال"، إن الحصول على رتبة خبير القضاء يمر بمراحل خاصة لم ينجزها نور محمد ثاقب. وأضاف: "الشرط الأول هو الحصول على تعليم عالٍ في الفقه والقانون، ثم امتلاك خبرة عملية في مجال القضاء تتراوح بين خمس وسبع سنوات، وبعد ذلك يُجرى امتحان تحريري، ويُقيّم السلوك الأخلاقي والاجتماعي للشخص، ثم تمنحه المحكمة العليا رتبة خبير القضاء العلمية القضائية". وأوضح أنه عمل 28 عاماً في المحكمة العليا، وكان زميلاً لنور محمد ثاقب خلال فترة طالبان الأولى، لكن ثاقب لم يمر بهذه المراحل العلمية والقضائية، ولم تكن له رتبة معترف بها في المحكمة العليا.
شهاب الدين دلاور كُتب لقب شيخ الحديث إلى جانب اسم شهاب الدين دلاور على الموقع الرسمي لجمعية الهلال الأحمر الأفغاني الخاضعة لسيطرة طالبان، غير أن المتحدث باسم مدرسة الحقانية قال إنه خريج الدورة الكبرى فقط، ولا يمتلك تخصصاً في الحديث. وجاء في سيرته: "تلقى تعليمه الأولي في مسقط رأسه لوغر على يد والده، ثم انتقل مع أسرته إلى مدينة بيشاور في باكستان، حيث أكمل دراسته العليا في العلوم الإسلامية في دار العلوم الحقانية بأكوره ختك بنجاح". وبناءً على هذه السيرة، يتضح أن شهاب الدين دلاور لم يتخصص في الحديث، بل أكمل الدورة الكبرى فقط في مدرسة الحقانية، وهو ما لا يخول استخدام لقب شيخ الحديث.
وقالت مصادر من جمعية الهلال الأحمر الأفغاني لـ"أفغانستان إنترناشيونال" إن مدير مكتب شهاب الدين دلاور طلب في عدة اجتماعات من الموظفين أن ينادوا دلاور بلقب "الشيخ".
أمير خان متقي زار وزير الخارجية الحالي في حكومة طالبان ووزير الإعلام والثقافة السابق في حكومة طالبان الأولى، أمير خان متقي، مدرسة ديوبند في الهند في أكتوبر 2025. وقدم فريق المراسم الخاص به متقي لطلاب المدرسة على أنه شيخ الحديث، رغم أنه لا يستوفي الشروط العلمية والدينية لهذا اللقب. وعلى الرغم من أن موقع وزارة الخارجية الخاضعة لسيطرة طالبان لم يذكر تفاصيل عن دراسته، إلا أن الإذاعة والتلفزيون الوطني الأفغاني استخدم لقب شيخ الحديث عند الإشارة إليه في إحدى برامجه.
وقال المتحدث باسم مدرسة الحقانية مولانا يوسف شاه إن أمير خان متقي درس في هذه المدرسة، لكنه لم يتخصص في الفقه أو الحديث.
عبد اللطيف منصور يُعد وزير المياه والطاقة في حكومة طالبان عبداللطيف منصور أحد رجال الدين الذين درسوا في مدرسة الحقانية بأكوره ختك. واستُخدم له لقب مفتي في اجتماع لوزارة المياه والطاقة في ديسمبر 2024، كما أن المقربين منه ينادونه حالياً بهذا اللقب، رغم أنه لم يتخصص في الفقه. وجاء في سيرته المنشورة على الموقع الرسمي لوزارة المياه والطاقة: "أكمل دراسته العليا في العلوم الدينية في مدارس نورالمدارس ونجم المدارس ودار العلوم الحقانية الشهيرة، وكان من أبرز أساتذته مولانا عبد الحق، وديربابا، والقاضي عبد الكريم كلاشوي، وبابكر ملا صاحب، ومولوي صالح محمد. وإلى جانب تعليمه الديني، تلقى تعليماً سياسياً وعسكرياً". وتؤكد مدرسة الحقانية فقط أنه درس فيها، لكنها لا تؤكد تخرجه، كما تنفي تخصصه في الفقه، وبالتالي لا يُعد مفتياً".
عبد الباقي حقاني يُستخدم لقب شيخ القرآن لعبد الباقي حقاني، وزير التعليم العالي السابق ورئيس هيئة الامتحانات الحالي في طالبان. واستخدم التلفزيون الوطني الخاضع لسيطرة طالبان ألقاب شيخ القرآن والدكتور عند الإشارة إليه، كما استُخدمت هذه الألقاب في سيرته المنشورة على موقع وزارة التعليم العالي، رغم أنه لا يمتلك أي تخصص في علوم القرآن أو التفسير أو الفقه. وأكدت مدرسة الحقانية أنه أكمل الدورة الكبرى فيها، لكنه لم يُنه أي برنامج تخصصي. وبحسب المعلومات، فإن آخر دراسة لعبد الباقي حقاني كانت في مدرسة الحقانية، ولم يتلق أي تعليم بعدها. كما يُستخدم له لقب دكتور، رغم أنه لم يحصل رسمياً على درجة الدكتوراه، بل مُنح في أكتوبر 2022 دكتوراه فخرية في الفقه والقانون من جامعة ننغرهار، وهي لا تُعد درجة دكتوراه أكاديمية. وقال أستاذ في جامعة كابل، استخدم الاسم المستعار "بوهاند زلمي"، لـ"أفغانستان إنترناشيونال"، إن خريج مدرسة الحقانية يعادل خريج البكالوريوس في أفغانستان، وإن الدكتوراه الفخرية لا تحمل قيمة علمية، ولا يمكن لأي شخص أن يطلق على نفسه لقب دكتور بناءً عليها.
ندا محمد نديم يُستخدم لقب شيخ الحديث أيضاً لوزير التعليم العالي في حكومة طالبان ملا ندا محمد نديم. وقد أكمل الدورة الكبرى في مدرسة الجامعة الإسلامية في باكستان، لكنه لم يتخصص في الحديث. وجاء عنوان سيرته على موقع وزارة التعليم العالي الخاضعة لسيطرة طالبان: "نبذة عن وزير التعليم العالي بالوكالة شيخ الحديث مولوي ندا محمد نديم". وقال المولوي رفيق مدني، الناظر السابق والأستاذ في مدرسة الجامعة الإسلامية، لـ"أفغانستان إنترناشيونال": "عندما كان الملا نديم طالباً في مدرستنا، كنت أنا أيضاً أدرس فيها. أكمل الدورة الكبرى، لكنه لم يتخصص في الحديث أو التفسير أو الفقه". وأضاف أنه لذلك لا يُعد شيخ حديث، ولا ينبغي استخدام هذا اللقب له.
عبد الكبير زدران أكمل وزير شؤون اللاجئين والعائدين في حكومة طالبان عبدالكبير، الذي يستخدم ألقاب مولوي وأحياناً شيخ القرآن، آخر دراسته في مدرسة الحقانية. ويؤكد المتحدث باسم مدرسة الحقانية فقط أنه درس فيها، دون أن يوضح ما إذا كان قد تخرج من الدورة الكبرى. وقال مولانا يوسف شاه: "عبدالكبير درس أيضاً في مدرسة الحقانية". وأضاف أنه لم يتخصص في الحديث أو غيره من العلوم القرآنية في هذه المدرسة.
نور الله منير استخدم موقع وزارة التربية والتعليم الخاضعة لسيطرة طالبان ألقاب شيخ القرآن وشيخ الحديث إلى جانب اسم الوزير السابق نور الله منير. وأكمل منير الدورة الصغرى في العلوم الدينية في غزني، والدورة الكبرى في مدرسة إمداد العلوم التابعة لمولانا حسن جان في بيشاور، وهو ما يجيز فقط استخدام لقب مولوي. وقال الأستاذ في مدرسة باب العلوم في بيشاور، مولوي شكرالله جان أرباب، لـ"أفغانستان إنترناشيونال"، إنه يعرف وزير التربية والتعليم في حكومة طالبان عن قرب. وأضاف: "أنا ومولوي نور الله أكملنا الدورة الكبرى معاً على يد المرحوم مولانا حسن جان، وتخرجنا في الوقت نفسه". وأوضح أنه لم يتخصص في الحديث أو علوم القرآن. وقال أستاذ سابق في مدرسة نجم المدارس في ننغرهار لـ"أفغانستان إنترناشيونال" إن عبدالكبير كان متقدماً عليه بدورة واحدة في مدرسة الحقانية، لكنه لم يُكمل الدورة الكبرى في العلوم الدينية. وأضاف: "وعندما لا تُستكمل الدورة الكبرى، فبعيد جداً استخدام ألقاب شيخ القرآن أو شيخ الحديث، بل حتى لقب مولوي لا ينطبق عليه". وأشار إلى أنه يعرف عدداً كبيراً من كبار مسؤولي طالبان الذين درسوا معهم في مدرسة الحقانية ولم يُكملوا دراستهم، لكنهم يستخدمون لأنفسهم ألقاب شيخ الحديث وشيخ القرآن دون أي أساس علمي أو ديني. وقال باحث في الدراسات الإسلامية في أكاديمية العلوم الأفغانية، طلب عدم ذكر اسمه، لـ"أفغانستان إنترناشيونال"، إن الاستخدام الخاطئ للألقاب الدينية لا يسيء فقط إلى قيمتها العلمية، بل يضع مصداقية نظام التعليم الديني موضع تساؤل. وأضاف: "شيخ الحديث هو من يتخصص لمدة عامين في الحديث بعد التخرج من الدورة الكبرى، وشيخ القرآن هو من يتخصص لعامين في علوم القرآن والقراءات واختلاف القراءات والعلل والتجويد النظري والتطبيقي، إضافة إلى أكثر من عشر سنوات من التدريس". وقال إن عدداً كبيراً من قادة طالبان اختاروا لأنفسهم ألقاباً دون أي منطق علمي أو ديني. وأضاف عضو أكاديمية العلوم: "أثرنا في بعض المجالس الخاصة مسألة الاستخدام الخاطئ لهذه الألقاب، لكن لا أحد يهتم. فإذا كنت أنا أحمل رتبة باحث مساعد وكتبت لنفسي رتبة باحث، فهذا يعني أنني لا ألتزم بالمعايير العلمية. وإذا لم أكن قد أنهيت الدكتوراه ووصفت نفسي بالدكتور، فأنا أُهدم المعايير العلمية". وبحسب قوله، ينبغي معالجة مسألة الألقاب العلمية عبر المؤسسات الأكاديمية وإجماع العلماء، وليس عبر النفوذ السياسي، حفاظاً على قدسية المناصب الدينية. وحاولت لـ"أفغانستان إنترناشيونال" الحصول على تعليق من المتحدث باسم طالبان ووزراء التعليم العالي والتربية وشؤون اللاجئين والطاقة والخارجية حول هذه القضية، لكنها لم تتلق أي رد. وقال مسؤول في وزارة العدل، طلب عدم ذكر اسمه، إنهم غير مخولين بالإدلاء بأي تعليق لوسائل الإعلام حول هذا الموضوع.
خلال أربع سنوات من حكم طالبان، سُجّل مقتل 6660 شخصاً في أفغانستان تحت مسمى "جرائم جنائية"، إذ تكشف الأرقام الرسمية تصاعد عمليات القتل والسرقة والاختطاف، وترسم الشهادات الميدانية فجوة واسعة بين خطاب "الأمن الشامل" وواقع الخوف اليومي.
في مطلع شهر يناير الجاري، قُتل محمد شاه أميري، وهو مواطن من الطائفة الإسماعيلية، أثناء عودته من العمل إلى منزله، بعدما تعرّض في أحد الأزقة لكمين نفّذه رجل مسلّح أطلق عليه النار من خلف أشجار وسياج حديقة، من مسافة تتراوح بين مترين وثلاثة أمتار.
كان هذا الشاب البالغ 24 عاماً يعمل موظفاً في شركة الاتصالات "أفغان وايرلس"، ويقيم في منطقة "دشت قرق" على ضفاف نهر "كوكجه" في مدينة فيض آباد بولاية بدخشان. وقال مصدر إن الرصاصة دخلت من خلف أذن محمد شاه وخرجت من جبهته.
وبعد إطلاق النار، ظل محمد شاه يتنفّس لدقائق وهو ملقى على الأرض، إلى أن انتبه طفل قريب من المكان، فسارع إلى منزله لإبلاغ الآخرين.
وقال مصدر إن عناصر الاستخبارات وصلوا إلى مكان الحادث بعد دقائق من إطلاق النار، لكنهم تأخروا في نقله إلى المستشفى بسيارتهم، مبرّرين ذلك بالقول: "هذه السيارة ليست لنا". وفي نهاية المطاف، نُقل إلى المستشفى بالسيارة نفسها بعد تأخير، لكنه فارق الحياة في الطريق ولم يصل إلى المستشفى.
محمد شاه أميري قُتل في بدخشان
لا يُعرف حتى الآن من يقف وراء اغتيال محمد شاه أميري في بدخشان، غير أنه بعد أقل من شهر على هذه الحادثة، وتحديداً في 22 يناير، تعرّض مواطنان آخران من الطائفة الإسماعيلية لإطلاق نار داخل متجر يبعد نحو خمسين متراً فقط عن المكان الذي سقط فيه محمد شاه مضرجاً بدمائه. ويُذكر أن الضحيتين من أقارب محمد شاه.
ويتهم سكان محليون حركة طالبان بعدم إجراء تحقيقات جدية وشاملة في جرائم القتل خارج نطاق القانون.
ويقول سكان محليون إن مواطني الطائفة الإسماعيلية يتعرّضون منذ عودة طالبان إلى الحكم لعمليات اغتيال منظمة في ولاية بدخشان.
وتعالج إدارة طالبان قسماً كبيراً من هذه الحوادث في إطار الجرائم الجنائية. وتُظهر وثائق صادرة عن إدارة الإحصاء والمعلومات التابعة لطالبان، حصلت عليها قناة أفغانستان إنترناشيونال، أنه خلال ما يقارب أربع سنوات من حكم طالبان، بين عامي 2021-2025، سُجّل نحو 6660 جريمة قتل تحت مسمى الجرائم الجنائية.
وتجدر الإشارة إلى أن طالبان سيطرت على الحكم في أغسطس عام 2021، وأن الجرائم المسجّلة من مارس وحتى يوليو من ذلك العام وقعت في عهد الحكومة السابقة.
وخلال أكثر من أربع سنوات، دأب مسؤولو طالبان على التأكيد، عبر مختلف المنابر، أنهم نجحوا في فرض "الأمن الشامل" في أفغانستان. غير أن الواقع، وبالإضافة إلى عشرات الهجمات الإرهابية الدموية التي وقعت خلال هذه الفترة، تُظهر إحصاءات إدارة طالبان نفسها ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات الجرائم الجنائية.
ارتفاع الجرائم بنسبة 60٪
تُظهر هذه الإحصاءات، المستندة إلى بيانات وزارة الداخلية التابعة لطالبان والمنشورة في الملف السنوي لإدارة الإحصاء والمعلومات الخاضعة لسيطرة الحركة في أواخر نوفمبر 2025، أن الجرائم الجنائية، ولا سيما القتل والسرقة، شهدت زيادة كبيرة خلال ثلاث سنوات.
وبحسب هذه الوثائق، فإن إجمالي الجرائم الجنائية في مارس من العام 2024 وحتى الشهر نفسه في عام 2025، بلغ نحو 17 ألفاً و320 جريمة.
وكان عدد الجرائم في عام من مارس 2021وهو العام الذي عادت فيه طالبان إلى السلطة، وحتى 2022، بلغ 10 آلاف و834 جريمة. وارتفع العدد في العام التالي إلى 12 ألفاً و688 جريمة، ثم وصل في عام 2023 إلى 16 ألفاً و186 جريمة، مواصلاً مساره التصاعدي.
وتُظهر المقارنة من عام 2021 وحتى الربع الأول من عام 2025 ارتفاعاً يقارب 60٪ في معدلات الجرائم الجنائية بعد عودة طالبان إلى الحكم.
تُظهر إحصاءات إدارة طالبان نفسها أنه، رغم الإنفاق الأمني المرتفع والادعاءات الواسعة بشأن تحقيق الأمن، فإن منحنى الجرائم الجنائية شهد ارتفاعاً ملحوظاً بعد عودة الحركة إلى السلطة.
وكان البنك الدولي قد أعلن في تقرير سابق أن إدارة طالبان أنفقت نحو 96.9 مليار أفغاني على النفقات الأمنية خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية 2025.
زيادة بنسبة 15٪ في جرائم القتل "الجنائية"
ففي عام 2024 وحده، سُجّلت نحو 1734 جريمة قتل جنائي. وبلغ عدد هذه الجرائم في عام 2022 نحو 1673 حالة، وفي عام 1402 نحو 1751 حالة.
وفي عام 2021، وهو العام الأول لعودة طالبان إلى الحكم، سجّلت إدارة الإحصاء والمعلومات مقتل 1502 شخص في مختلف أنحاء أفغانستان. وبحلول عام 1403، ارتفع هذا الرقم بنحو 232 حالة، أي بزيادة تتجاوز 15٪.
عمليات الاختطاف
في مساء الثلاثاء الموافق 20 يناير الجاري، ترجّل أربعة مسلحين من سيارة من نوع كورولا بيضاء اللون، واختطفوا الطبيب محمد داوود هوشمند من قرب منزله في منطقة خيرخانه بالعاصمة كابل، أثناء عودته من عيادته الواقعة في الجوار.
ومضى نحو أسبوع على اختطاف هذا الطبيب البالغ 63 عاماً، ولا تزال عائلته تجهل مصيره. وقال أحد أقاربه لقناة "أفغانستان إنترناشيونال" إن الطبيب يعاني من مرض ارتفاع ضغط الدم، وإن العائلة قلقة بشدة على حالته الصحية.
وفي وقت سابق، نشرت قناة "أفغانستان إنترناشيونال" مقطع فيديو يُظهر امرأة ترتدي عباءة سوداء وهي تحمل طفلاً في الثالثة من عمره، يوم 18 يناير، من أحد أزقة مدينة مزار شريف، وتغادر المكان. وقد وثّقت كاميرا مراقبة هذه اللحظة.
في البداية، ظنّت عائلة الطفل أنه فُقد، لكن بعد مشاهدة تسجيلات كاميرات المراقبة تبيّن أنه اختُطف على يد امرأة. وبعد ثلاثة أيام من نشر الفيديو، أعلنت قيادة شرطة طالبان في ولاية بلخ، عبر نشر صور جديدة، العثور على الطفل، مشيرة في الفيديو إلى أن المرأة التي أخذته جرى توقيفها.
وقالت إدارة الإحصاء والمعلومات التابعة لطالبان في تقريرها إنه خلال الفترة من مارس 2022 وحتى مارس 2025، سُجّلت في المجموع 224 حالة اختطاف، بواقع 133 حالة في عام 2022، و41 حالة في عام 2023، و50 حالة في عام 2024، مشيرة إلى أن الأرقام، بحسب بيانات طالبان، تشهد تراجعاً.
وأعلنت طالبان في بعض الحالات إنقاذ مختطفين، غير أن مصير العديد منهم لا يزال مجهولاً. وفي كثير من الحالات، يطالب الخاطفون بفدية مالية مقابل الإفراج عن الضحايا.
تضاعف السرقات في عهد طالبان
ذكرت إدارة الإحصاء والمعلومات التابعة لطالبان في ملفها السنوي أنه في عام 2024 وحده، سُجّلت نحو 6225 حالة سرقة في أفغانستان. ووفق التقرير، بلغ عدد السرقات في عامي 2021 و2022 على التوالي 4847 و5703 حالات.
وفي تقرير سابق، كانت طالبان قد أفادت بأن عدد السرقات في عام 2021 بلغ 3102 حالة فقط، ما يعني أن السرقات تضاعفت بنسبة 100٪ بعد عودة طالبان إلى الحكم.
وقالت فاطمة، وهو اسم مستعار لمواطنة من منطقة كارته تشهار في كابل، لقناة "أفغانستان إنترناشيونال" إن المواطنين في هذه المنطقة وأجزاء أخرى من العاصمة يتعرّضون لعمليات سرقة، خصوصاً بعد المساء، مؤكدة أن الناس، خلافاً لما تروّج له طالبان، لا يستطيعون السير بأمان في الشوارع.
من جهته، قال الرئيس السابق لإدارة مكافحة الجرائم الجنائية في وزارة الداخلية، بسم الله تابان، إن معدلات السرقة ارتفعت بعد عودة طالبان حتى في أكثر ولايات أفغانستان أمناً. وأضاف أن السكان يسمعون يومياً عن سرقات مسلحة في مناطق مثل جاغوري، التي كانت تُعد في السابق أكثر أمناً.
وأكد تابان في حديثه لـ"أفغانستان إنترناشيونال" أن ذلك يحدث في وقت لا يحمل فيه السلاح في أفغانستان حالياً سوى عناصر مرتبطين بطالبان.
وعند سؤال أحد سكان كابل، في إشارة إلى دعاية طالبان حول الأمن، عمّا إذا كانت سرقات الهواتف المحمولة قد تراجعت، قال ضاحكاً: "خلال عشرين عاماً من فترة الحكومة السابقة فقدت هاتفاً واحداً. في عهد إمارة طالبان سُرق مني هاتفان".
وأضاف: "لا يقبل أي منطق أن ترتفع البطالة والفقر في مجتمع ما، وفي الوقت نفسه تنخفض فيه السرقات".
انعدام الأمن في هرات
وفي تقرير سابق نشرته "أفغانستان إنترناشيونال" يوم 25 يناير، أن سبعة أشخاص قُتلوا في مدينة هرات خلال أسبوع واحد فقط. وشملت هذه الحوادث مقتل مصرفي، وقتل شابين على طريق هرات - كرخ، ومقتل فتى يعمل بائعاً متجولاً، إضافة إلى مقتل رجل في الحي الحادي عشر، وحالتي اغتيال في وسط المدينة.
ويقول سكان هرات إن المدينة شهدت مؤخراً تدهوراً أمنياً حاداً، مشيرين إلى أن طالبان غالباً لا تُبدي موقفاً من هذه الحوادث، ولا تُجري، بحسب قولهم، تحقيقات جادة بحق الجناة. ويقع جزء من هذه الجرائم أثناء عمليات سرقة مسلحة.
حقيقة "الأمن الشامل"
وقال الرئيس السابق لإدارة مكافحة الجرائم الجنائية في وزارة الداخلية بالحكومة السابقة إن طالبان، بعد سيطرتها على أفغانستان، قامت بإقصاء الكوادر المهنية والمدرّبة، واستبدلتهم "بملاّات وخبراء في زرع الألغام".
وأضاف بسم الله تابان أن قوات طالبان "لا تمتلك القدرة على مكافحة الجرائم، ولا النية لحماية الشعب الأفغاني".
وأشار أيضاً إلى أن المواطنين باتوا أقل ميلاً للإبلاغ عن الجرائم الجنائية لدى طالبان، لإدراكهم أن ذلك لن يسفر عن نتيجة.
وأبدى شكوكاً حيال الإحصاءات التي تنشرها إدارة الإحصاء والمعلومات التابعة لطالبان، معتبراً أن هذه البيانات تُنشر بعد رقابة مشددة ومراعاة للتداعيات الإعلامية والسياسية، ولا تعكس، برأيه، الصورة الكاملة للوضع الحقيقي في أفغانستان.
وأضاف تابان أن ما تروّج له طالبان باعتباره "أمناً شاملاً" ليس سوى استغلال للصورة الذهنية العامة للأمن، وهي صورة تشكّلت، بحسب قوله، تحت تأثير الهجمات الدموية التي نفذتها طالبان في السنوات التي سبقت وصولها إلى السلطة.
وتُظهر إحصاءات إدارة طالبان فقط الجرائم الجنائية المسجّلة رسمياً، في حين يمتنع بعض المواطنين عن الإبلاغ عن الحوادث خوفاً من التعامل غير المهني من جانب طالبان.
تورّط طالبان في جرائم القتل
وكانت قناة "أفغانستان إنترناشيونال" قد كشفت، في تحقيق موسّع نُشر سابقاً، وللمرة الأولى، تفاصيل ملفات ومقاطع فيديو تتضمن اعترافات لعناصر من طالبان بتنفيذ عمليات قتل خارج إطار القانون وبشكل موجّه.
وكشف هذا التحقيق عن الدور المباشر لعناصر من طالبان في عمليات اغتيال منظمة وخارج نطاق القانون في عدة ولايات أفغانية، مقدّماً للمرة الأولى تفاصيل ما لا يقل عن أربع قضايا اغتيال، بما في ذلك دوافع المنفذين، والجهات التي أصدرت الأوامر، وآلية تنفيذ العمليات، وطبيعة تعامل الأجهزة الأمنية والقضائية التابعة لطالبان معها.
وأفادت منظمات حقوقية موثوقة بالعثور على عشرات الجثث في القنوات الشرقية، وبإيقاف سيارات في شمال كابل، وإنزال شبان من بنجشير واختفائهم، وإعدام أفراد من الطائفة الإسماعيلية في الشمال بسبب معتقدهم الديني، إضافة إلى تصاعد عمليات الملاحقة والتجسس وقتل عناصر الأمن التابعين للحكومة السابقة إلى حد دفعهم إلى الخوف حتى من أقاربهم، واضطرارهم للفرار إلى دول الجوار.
وغالباً ما تُحمّل عائلات ضحايا الاغتيالات الموجّهة طالبان مسؤولية هذه الجرائم، غير أن الحركة تنفي الاتهامات في العادة.
ولم يُبدِ متحدثو طالبان، خلال ما يقارب أربع سنوات ونصف السنة الماضية، استعداداً للإجابة على أسئلة وسائل الإعلام حول تفاصيل هذه القضايا، أو لعرض كيفية إجراء التحقيقات والإجراءات القضائية بحق المتورطين أمام الرأي العام.
توصلت قناة "أفغانستان إنترناشيونال"، ضمن تحقيق موسّع، إلى تسجيلات مصوّرة لاعترافات ووثائق رسمية صادرة عن إدارة حركة طالبان، تكشف الدور المباشر لأعضاء من الحركة في تنفيذ عمليات قتلٍ ممنهجة وخارج نطاق القانون في عدة ولايات أفغانية.
ويكشف هذا التحقيق، للمرة الأولى، تفاصيل عدد من القضايا التي توضّح كيف تُنفَّذ هذه الاغتيالات. وراجعت القناة ما لا يقل عن خمسة تسجيلات مصوّرة تتضمن إفادات منفّذي عمليات القتل المستهدفة، إضافة إلى مجموعة من الوثائق والأدلة الرسمية وتقارير حكومية تابعة لإدارة طالبان بشأن هذه الجرائم. وتفيد المواد التي جرى تحليلها بأن أوامر القتل صدرت عن مسؤولين استخباراتيين وأمنيين في الحركة، وأن المنفّذين استخدموا أسلحة حكومية ونفّذوا عملياتهم أثناء أداء مهام رسمية.
وتُظهر إفادات منفّذي الجرائم أن كثيراً من الضحايا قُتلوا من دون تحقيق دقيق، مكتفين بالشائعات حولهم، أو بتهمة "التجسّس"، أو بدوافع مالية.
وسبق أن قال المتحدث باسم حركة طالبان، ذبيح الله مجاهد، إن "العفو العام للإمارة الإسلامية يُطبّق على نحو شامل. غير أن بعض الحالات المحدودة الشخصية وغير المعروفة ذات الطابع الانتقامي جرى التحقيق فيها بجدية من قبل الجهات المعنية في الإمارة الإسلامية".
ولا يجيب متحدثو حركة طالبان عادة بشكل منفصل عن أسئلة وسائل الإعلام بشأن الاغتيالات، أو ينكرونها ويكذبونها. ويُظهر هذا التحقيق أن الحركة، حتى في حالات جرى فيها تحديد هوية منفّذين من صفوفها واعتقالهم، أخفت القضية ولم تقدّم معلومات شفافة للرأي العام.
وفي عدد من الملفات، أُفرج عن القتلة بعد اعتقالهم من دون محاكمة عادلة، وذلك عبر الضغط على عائلات الضحايا لتوقيع وثائق عفو مقابل الحصول على "الدية".
وتشير هذه الوقائع إلى استمرار نمط الاغتيالات المستهدفة في ظل غياب العدالة، واتساع الإفلات من العقاب، وانهيار مسار قضائي مستقل في أفغانستان تحت إدارة حركة طالبان، مع امتناع الحركة عن توضيح الحقائق للناس بشأن منفّذي تلك الجرائم.
اغتيال صرّاف في هرات على يد ثلاثة من عناصر حركة طالبان
حصلت "أفغانستان إنترناشيونال" على تسجيلات مصوّرة يظهر فيها اعتراف عنصرين من حركة طالبان بمسؤوليتهما عن اغتيال الصراف أحمد شاه نوري، الذي قُتل قبل نحو 40 يوماً في ولاية هرات.
وقُتل أحمد شاه نوري، في 3 ديسمبر العام الماضي، بينما كان يتنقل مع عائلته بسيارته على طريق مدينة هرات باتجاه محافظة غُلران، حين أوقفه رجلان مسلحان كانا يستقلان دراجة نارية. وأُجبر الصراف على النزول من سيارته قبل أن يُقتل بإطلاق النار عليه.
ووقعت الجريمة أمام أعين أفراد عائلة أحمد شاه نوري.
أحمد شاه نوري - الصراف الذي قُتل في ديسمبر 2025 في ولاية هرات
ضابط استخبارات في حركة طالبان أصدر أمر القتل
تُظهر نتائج تحقيق "أفغانستان إنترناشيونال" أن أمر القتل صدر عن مسؤول "الشيفرات" في مديرية استخبارات حركة طالبان في ولاية بادغيس، قل آقا. وتبيّن وثائق إدارة حركة طالبان أن ثلاثة عناصر على الأقل شاركوا في التخطيط والتنفيذ، حيث أصدر قل آقا أمر الاغتيال، فيما نفّذ عنصران آخران هما عزيز نصرت ونجم الدين العملية باستخدام أسلحة حكومية.
وبعد 40 يوماً من وقوع الاغتيال، حصلت القناة على تسجيلات مصوّرة تُظهر اعتراف مخطّط الهجوم وأحد المنفّذين بمسؤوليتهما عن اغتيال الصراف في هرات.
وفي التسجيل الأول، يعترف المسؤول في مديرية استخبارات حركة طالبان في بادغيس، قل آقا، وهو نجل نصر الدين ومن سكان قرية عمرزي في ولاية بادغيس، بأنه خطّط قبل "خمسة أو ستة أشهر" مع عزيز نصرت، الموظف في استخبارات الحركة، لقتل أحمد شاه نوري. ويقول قل آقا، إنه قدّم دراجة نارية لعزيز نصرت ليستخدمها في تنفيذ الاغتيال.
ويضيف في التسجيل: "الآن أعترف بأن أحمد شاه قُتل".
كما يقول إنه تعهّد لعزيز نصرت بدفع مليون أفغاني مكافأة بعد 20 يوماً من تنفيذ القتل.
قل آقا - مسؤول الشيفرات في مديرية استخبارات طالبان في ولاية بادغيس
وبحسب ما ورد في التحقيق، رصد عزيز نصرت أن أحمد شاه نوري يتردد إلى محافظة غُلران في ولاية هرات، فاختار لتنفيذ العملية عنصراً من حركة طالبان يُدعى نجم الدين، كان يؤدي مهمة رسمية في نقطة "كمر كلاغ" على بوابة طريق مدينة هرات إلى محافظة غُلران.
إفادة الرجل الذي أطلق النار
يقول نجم الدين، في تسجيل مصوّر لاعترافاته، إن عزيز نصرت اتصل به للتحدث بشأن اغتيال الصراف أحمد شاه نوري.
ويروي نجم الدين أن عزيز نصرت أخبره يوماً داخل إدارة السجون بأن أحمد شاه نوري كان "يضرب طالبان بالرشاش"، وأضاف أنه تلقى "أمراً رسمياً" من الإدارة بقتل هذا الرجل. وبحسب إفادة نجم الدين، عرض عليه عزيز نصرت تنفيذ الاغتيال مقابل 300 ألف أفغاني.
ويتابع نجم الدين أنه في نهاية المطاف نصب كميناً للصراف مع عزيز نصرت على الطريق، ثم قتله. ويقول: "توقفنا في منطقة. ثم وصل أحمد شاه وعائلته بالسيارة، ومرّوا من أمامنا. فعدنا خلفهم بالدراجة النارية، وفي النهاية قتلته".
وأكد نجم الدين أنه أطلق ثلاث أو أربع رصاصات باتجاه أحمد شاه نوري، وأنه قتله بسلاحه الشخصي. ووفق التحقيق، نُفّذت الجريمة بينما كان نجم الدين يؤدي عمله الرسمي بوصفه مكلفاً بتأمين نقطة "كمر كلاغ" خلال ساعات الدوام.
نجم الدين - العنصر في حركة طالبان في نقطة "كمر كلاغ" في ولاية هرات
اغتيالُ أحد وجهاء القبائل في ولاية سمنغان
اختُطف محمد أكبر نيازي، أحد وجهاء القبائل في محافظة "خرم سرباغ" بولاية سمنغان، يوم 8 مايو 2025، من مدينة أيبك، عاصمة الولاية.
وبحسب المعلومات، غادر نيازي منزله عصر ذلك اليوم بعد تلقيه اتصالاً هاتفياً، قبل أن يُقدِم أربعة رجال مسلحين على اختطافه من أمام منزله، ولم يعد بعدها إلى بيته أبداً. وكان نيازي رئيساً لمجلس شعبي، وأحد أبرز مُلّاك الخيول في ولاية سمنغان.
وبعد يومين فقط، في مساء 10 مايو 2025، عُثر على جثمانه مُصاباً بعدة طلقات نارية في منطقة جبلية تُعرف باسم "كيبنه غرتشه" في سمنغان.
وقال أصدقاء ومقرّبون من نيازي لقناة "أفغانستان إنترناشيونال" إن مسلحين مجهولين أخرجوه من منزله في مدينة أيبك قرابة الساعة السابعة مساءً، بذريعة المشاركة في اجتماع.
وأكدوا أن ما لا يقل عن ست رصاصات أصابت جسده، إضافة إلى وجود آثار تعذيب واضحة على الجثمان.
وأشار مقرّبون من رئيس المجلس الشعبي في محافظة خرم سرباغ إلى أن نيازي لم يكن لديه خلاف شخصي مع أي جهة.
وكان محمد أكبر نيازي يشغل، في الحكومة السابقة، منصب رئيس المجلس الشعبي في المحافظة، إضافة إلى عمله وكيلاً محلياً. كما كان أحد أبنائه موظفاً في الدائرة المالية بولاية سمنغان خلال الحكومة السابقة.
محمد أكبر نيازي - أحد وجهاء القبائل في ولاية سمنغان، الذي قُتل في مايو 2025
خيوط الجريمة تقود إلى استخبارات حركة طالبان
حصلت "أفغانستان إنترناشيونال" على رسالة رسمية صادرة عن القسم الجنائي الفني في وزارة الداخلية التابعة لحركة طالبان، تُظهر أن محمد أكبر نيازي قُتل بواسطة مسدس يعود لأحد عناصر الحركة.
وعقب الحادثة، اعتقلت حركة طالبان ثلاثة من عناصرها على الأقل على خلفية هذه الجريمة. واثنان من الموقوفين يعملان في جهاز استخبارات الحركة، وهما غلام سخي المعروف باسم "أسامة"، وعبدالصبور سيرت، فيما الشخص الثالث هو نقيب الله، الذي كان يشغل منصب مسؤول ورش عمل قيادة الشرطة التابعة لطالبان في سمنغان. وجميعهم من أبناء الولاية نفسها.
وتُظهر الوثائق الرسمية أن جهاز استخبارات طالبان صادر، بعد الجريمة، مسدساً من نوع "ماكاروف" يحمل الرقم XAM3998، إضافة إلى مخزنين يحتوي كل منهما على 13 طلقة، ومتعلقات شخصية تعود لغلام سخي.
وجرى إرسال السلاح، إلى جانب الفوارغ والطلقات ونماذج أخرى، إلى القسم الجنائي في وزارة الداخلية لإجراء الفحوص الفنية والعلمية، بما في ذلك الفحوص البالستية والبيولوجية.
وبيّنت نتائج الفحص أن خمس فوارغ وطلقتين عُثر عليهما في مسرح الجريمة أُطلقت جميعها من السلاح نفسه. وأكد خبراء وزارة الداخلية، باستخدام المجهر، أن هذه الرصاصات أُطلقت تحديداً من المسدس المصادر ذاته.
كما أظهرت الفحوص داخل فوهة السلاح أنه استُخدم في إطلاق نار سابق.
وفي النتيجة النهائية، أعلن القسم الجنائي في وزارة الداخلية التابعة لطالبان أن جميع الأدلة تثبت أن إطلاق النار تم باستخدام المسدس من نوع "ماكاروف" رقم XAM3998، وأن هذا السلاح استُخدم في قتل محمد أكبر نيازي.
عنصرين من طالبان قتلا شخصين في ولاية بغلان ثم أُفرج عنهما
في سبتمبر 2025، قُتل شخصان من عائلة واحدة في ولاية بغلان، هما حكمة الله وقل محمد، وهما عم وابن أخيه، جراء إطلاق نار.
وقالت مصادر من بغلان إن أحد عناصر حركة طالبان، ويدعى مولوي مجيد، أصدر أمراً بقتل شخص آخر، غير أن عناصر الحركة الذين تولوا تنفيذ العملية أطلقوا النار عن طريق الخطأ، على حكمت الله وقل محمد، ما أدى إلى مقتلهما.
حكمة الله وقل محمد - قُتلا في سبتمبر 2025 بولاية بغلان
وحصلت "أفغانستان إنترناشيونال" على صور صادمة تُظهر جثتي حكمة الله وقل محمد غارقتين في الدماء.
كما راجعت القناة ما لا يقل عن ثلاثة تسجيلات مصوّرة أخرى، يعترف فيها عناصر من حركة طالبان بمسؤوليتهم عن قتل العمّ وابن أخيه في ولاية بغلان.
اعتراف حمد الله المعروف باسم "معتصم"
يعترف حمد الله، المعروف باسم "معتصم"، نجل محمد الله، وهو قائد مجموعة في حركة طالبان بولاية بغلان، في تسجيل مصوّر، بتورّطه في قتل حكمت الله. ويقول في التسجيل: "كنتُ متورطاً في قتل حكمة الله، أما قل محمد فقد قتله أشخاص آخرون".
ويضيف أنه ارتكب الجريمة "بإذن من المولوي –مجيد- واللجنة". وأوضح أنه تلقى أمر القتل من شخص يُدعى موسى، ومن مولوي مجيد في لجنة تابعة لحركة طالبان، قائلاً إنهم طلبوا منه تنفيذ القتل سراً "حتى لا يعلم أحد".
ويذكر حمد الله أنه أطلق ثلاث رصاصات على حكمة الله، مضيفاً: "بعد ذلك لم أعد أعلم إن كان قد بقي حياً أم توفي".
وأكد في التسجيل أنه لم يكن متورطاً في قتل قل محمد.
وفي التسجيل ذاته، يُسمع صوت عنصر آخر من حركة طالبان يقول إن الشهود أدلوا أيضاً بإفادات تؤكد تورّط حمد الله في قتل حكمة الله.
حمد الله المعروف باسم "معتصم" - قائد مجموعة في حركة طالبان بولاية بغلان
"شاركتُ في القتل طلباً للأجر"
اعترف حنظلة، نجل شمس الدين، وهو من سكان مدينة بلخمري في ولاية بغلان، بمسؤوليته عن قتل قل محمد.
ويشغل حنظلة منصب قائد مجموعة في حركة طالبان، وكان يحمل سلاحين ويقود ثلاثة عناصر. ويقول في التسجيل المصوّر إنه تسلّم السلاح من شخص يُدعى "آخوندزاده مجيد".
ويضيف: "اعتُقلتُ بسبب قتل قل محمد. أطلقتُ النار أولاً على الشخص الأول ولم تُصبه الرصاصة، ثم أمسكه موسى بقوة وأطلقتُ النار عليه".
وعن دافعه، يقول حنظلة إنه سمع أن الضحية كان "جاسوساً". وأضاف: "قال لي مجاهدان يُدعيان موسى وحميد الله إن هؤلاء عناصر أمن. تعال نقتلهم. سألتهم: هل لديكم شهود أو تسجيل؟ قالوا إن مولوي مجيد من اللجنة أمرنا بقتلهم، لكن يجب أن يتم ذلك سراً حتى لا يعلم أحد".
وشدّد حنظلة على أنه شارك في هذه الجريمة من أجل "نيل الثواب والأجر".
حنظلة - قائد مجموعة في حركة طالبان بولاية بغلان
مولوي موسى: قدّمتُ المشورة ولم أُصدر أمراً بالقتل
وفي تسجيلٍ منفصل، يتهم حمد الله، أحد منفّذي القتل، موسى، وهو عضو في لجنة "التصفية" التابعة لحركة طالبان في بغلان، بإصدار أمر مباشر بالقتل. ويقول إن ملا موسى أمره بقتل الضحية "لكن بشكل سري حتى لا ينكشف الأمر ولا تُوجَّه إليكم تهمة القتل".
غير أن موسى ينفي في رده إصدار أي أمر بالقتل، قائلاً: "إن الإذن بالقتل شيء، وتقديم المشورة شيء آخر".
لكن حمد الله يؤكد أن موسى قال له داخل مدرسة دينية إن هذا الشخص "جاسوس"، وطالبه بقتله سراً حتى لا يعلم أحد، مؤكداً استعداده لوضع يده على المصحف وأداء القسم. في المقابل، يقول موسى إن حمد الله ارتكب الجريمة لأسباب شخصية.
وأفادت مصادر من ولاية بغلان بأن موسى تمكّن من الفرار بعد توجيه هذه الاتهامات إليه، ولم تُقدّم حركة طالبان حتى الآن أي معلومات عن توقيفه.
موسى - عضو لجنة "التصفية" التابعة لحركة طالبان
مستشار حقاني ينتزع العفو من عائلة الضحايا ويُفرج عن القاتل
وتفيد معلومات حصلت عليها "أفغانستان إنترناشيونال" بأن حركة طالبان أفرجت عن المتورطين في قتل حكمة الله وقل محمد، وهما من سكان ولاية بغلان.
وقالت مصادر محلية إن طالبان طلبت من عائلة الضحيتين توقيع وثيقة عفو مقابل الحصول على دية، كما جرى تهديدهم بعدم التحدث إلى وسائل الإعلام حول القضية.
من جهته، أفاد التلفزيون الوطني الأفغاني، الخاضع لسيطرة طالبان، بأن "العداوة التي نشأت على خلفية جريمة قتل انتهت في اجتماع شعبي بالصلح والمصالحة، وأن عائلة القاتل دفعت مبلغ مليونين وخمسمائة ألف أفغاني كدية لعائلة القتيل".
وبحسب ما نقله التلفزيون الحكومي الأفغاني، تولّى ملا محمد يونس مخلص، مستشار وزير الداخلية في حركة طالبان سراج الدين حقاني، تهيئة ظروف "العفو". وقال مخلص إنه بذل جهوداً كبيرة لإقناع أبناء القتيل، لكنهم لم يكونوا راضين في البداية، مضيفاً: "الآن، الحمد لله، أصبح ابن القتيل كبيراً ويتحمّل المسؤولية، وقرّر وجهاء المنطقة أن تدفع عائلة حنظلة للورثة مبلغ مليونين وخمس مئة ألف أفغاني".
كما عبّر عبد المتين، أحد أفراد عائلة حنظلة، عن شكره لمستشار حقاني على "تهيئة ظروف الإفراج عن حنظلة".
نتائج التحقيق
يُظهر هذا التحقيق أن عمليات الاغتيال المستهدفة التي نُفّذت بعد أغسطس 2021 ليست حوادث معزولة، بل تمثل نمطاً منهجياً من العنف، وإساءة استخدام السلطة، والتستّر داخل بنية حركة طالبان، وهو نمط أدّى إلى انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، ونشر الخوف في المجتمع.
وتكشف تدخلات مسؤولين رفيعي المستوى في الحركة للإفراج عن القتلة، واستبدال المحاكمات بإجراءات تقوم على "المجالس القومية والمال"، وإلغاء المسار القضائي، عن ترسيخ الإفلات من العقاب كممارسة مؤسسية.
وتُعدّ الاغتيالات المستهدفة والانتقامية بعد أغسطس 2021 من أخطر وأطول الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان في أفغانستان. وغالباً ما نُفّذت هذه الجرائم في ظروف غامضة، من دون ملاحقات قضائية شفافة، وفي مناخ يسوده الخوف والحصانة للمنفّذين.
وكان من بين الضحايا الرئيسيين لهذه العمليات عناصر الأمن السابقون، والأقليات القومية والدينية مثل الطائفة الإسماعيلية وسكان ولاية بنجشير، إضافة إلى وجهاء القبائل، والنشطاء المدنيين، والصحافيين، ومعارضي حركة طالبان. وفي كثير من الحالات، قُتل الضحايا بعد تلقيهم تهديدات مسبقة أو استدعائهم إلى مؤسسات تابعة لطالبان.
وتحمّل منظمات حقوق الإنسان وعائلات الضحايا حركة طالبان مسؤولية مباشرة أو رئيسية عن هذه الجرائم. كما أكدت الأمم المتحدة، في تقارير متعددة، أن الحركة انتهكت قرار "العفو العام" الذي أعلنه زعيمها ملا هبة الله آخوندزاده، وأن عناصرها تورّطوا في عمليات قتل انتقامية، واعتقالات تعسفية، وتعذيب، وحالات إخفاء قسري.
وأدى غياب نظام قضائي مستقل، إلى جانب القيود الشديدة على وسائل الإعلام وتهديد الصحافيين، إلى عدم توثيق كثير من هذه الجرائم أو التحقيق فيها. وغالباً ما تمتنع عائلات الضحايا عن تقديم شكاوى أو الإدلاء بشهادات علنية خوفاً من الانتقام أو تحت ضغط حركة طالبان.
وحتى الآن، لم تُنشر إحصاءات دقيقة بشأن العدد الإجمالي لضحايا الاغتيالات المستهدفة منذ سيطرة طالبان. غير أن تقارير إعلامية وتحقيقات لمنظمات دولية تشير إلى أن عدد القتلى قد يصل إلى آلاف الأشخاص. وقد حذّرت منظمات حقوقية من أن استمرار هذا الوضع سيُعزّز ثقافة الإفلات من العقاب ويُعمّق أزمة حقوق الإنسان في أفغانستان.
وفي المقابل، تواصل حركة طالبان نفي تورّطها المنهجي في هذه الجرائم، غير أنه لم يُجرَ حتى الآن أي تحقيق شفاف، مستقل، وموثوق بشأن هذه الاغتيالات، ولم يُقدَّم الفاعلون الرئيسيون إلى العدالة.
كشفت تحقيقات إعلامية أن «الإدارة 40» التابعة لجهاز استخبارات حرس الثورة الإسلامية الإيراني نفّذت عمليات اختراق إلكتروني واسعة استهدفت مؤسسات حكومية وشركات اتصالات في أفغانستان، ضمن حملة تجسس سيبراني عابرة للحدود شملت دولًا عدة في المنطقة.
وجاء ذلك في أعقاب تقارير نشرتها قناة إيران إنترناشیونال حول نشاط هذه الوحدة، المتهمة بسرقة كميات هائلة من البيانات الشخصية لمواطنين إيرانيين وغير إيرانيين. وفي هذا السياق، أجرت أفغانستان إنترناشیونال مراجعة للبيانات المسروقة ذات الصلة بأفغانستان، للكشف عن طبيعة وحجم الاختراقات التي طالت البلاد.
وبحسب الوثائق التي جرى تحليلها، تمكنت وحدة مكافحة التجسس التابعة لحرس الثورة، منذ تأسيسها، من اختراق مؤسسات استخباراتية وحكومية وشركات خاصة في عدد من الدول، من بينها شرطة أبوظبي في دولة الإمارات، وشركة «فلاي دبي» للطيران، إلى جانب شركات اتصالات ومؤسسات مختلفة في أفغانستان، فضلًا عن جهات في تركيا والسعودية والأردن.
وتشير التحقيقات إلى أن هذه الوحدة لعبت دورًا محوريًا في توفير ما تصفه طهران بـ«الإحاطة الاستخباراتية» لجهاز استخبارات الحرس، بما يتيح تعقّب الأفراد، وتحديد الأهداف، واستقطاب عناصر للتجسس من داخل إيران وخارجها. وقد تناول تقرير استقصائي خاص، بعنوان «كشف هويات مديري الإدارة 40 في استخبارات الحرس»، تفاصيل آليات الاختراق وأساليب القرصنة التي تعتمدها هذه الوحدة.
اختراق وزارات أفغانية
وتُظهر الوثائق أن الإدارة 40 نجحت في اختراق عدد من الوزارات والمؤسسات الحكومية الأفغانية، من بينها وزارات الخارجية، والداخلية، وشؤون القبائل والأعراق، واللاجئين، والاقتصاد، إلى جانب ديوان الرقابة العليا، وهيئة تنظيم شؤون السجون.
وخلال هذه العمليات، جرى الاستيلاء على ما لا يقل عن 50 ملفًا إلكترونيًا تضم نحو 6911 رسالة بريد إلكتروني، معظمها مراسلات إدارية وتقارير دورية يومية وأسبوعية وسنوية، إضافة إلى قرارات صادرة عن مجلس وزراء حركة طالبان. كما احتوت بعض الرسائل على بيانات مالية حساسة، تشمل فواتير الكهرباء ومستويات رواتب الموظفين في ولايات مختلفة.
شركات الاتصالات هدفًا للاختراق
وأظهرت نتائج التحقيق أن شركات الاتصالات الأفغانية «روشن» و«اتصالات» و«سلام» تعرضت لهجمات تصيّد إلكتروني نفذها قراصنة مرتبطون بالإدارة 40. وأسفرت هذه الهجمات عن سرقة بيانات شخصية لموظفين ومشتركين، شملت الأسماء والألقاب ومناطق السكن وأرقام الهواتف.
وفي إحدى الحالات، حصل القراصنة على معلومات تفصيلية تخص نحو ألف موظف في شركة «روشن»، تضمنت الهيكل التنظيمي، والمواقع الجغرافية، والمهام الوظيفية. ووفقًا لمصادر مطلعة، سعت هذه الوحدة إلى استخدام شركات الاتصالات كأداة لتعقّب أهداف استراتيجية داخل أفغانستان والحصول على بياناتهم الشخصية.
مؤسسات تعليمية وإنسانية ضمن الأهداف
كما شملت قائمة الجهات المستهدفة عددًا من المراكز التعليمية والثقافية، من بينها معاهد التحضير لامتحان القبول الجامعي (الكونكور)، ومعاهد تعليم اللغة الإنجليزية والحاسوب في ولاية باميان.
وتضمنت القائمة أيضًا «جامعة بايزيد روشان»، التي تأسست عام 2015 في كابول والمسجلة رسميًا لدى وزارة التعليم العالي الأفغانية، إلى جانب «لجنة الإنقاذ الدولية» (IRC)، وهي منظمة إنسانية دولية تعمل في مجال مساعدة المتضررين من الأزمات الإنسانية.
وإلى جانب ذلك، ورد اسم شركة «فيصل جاسم» التجارية ضمن الأهداف، وهي شركة مسجلة في دبي في مجال الإنشاءات، يملكها مواطن أفغاني، ويُرجح أن يتركز نشاطها الرئيسي في دولة الإمارات، لا سيما في قطاع الخدمات الكهربائية والميكانيكية.
أهداف عابرة للحدود
وتفيد المعلومات بأن الإدارة 40 تنفذ عملياتها السيبرانية في دول متعددة، وبأهداف متنوعة، تشمل استقطاب عناصر خارج إيران، وإنشاء هويات مزيفة باستخدام بيانات حقيقية، والتخطيط لهجمات، إضافة إلى التجسس على بعثات دبلوماسية في دول تعتبرها طهران معادية.
وفي المقابل، أعلنت مجموعات قرصنة معارضة للجمهورية الإسلامية الإيرانية أنها تمكنت من اختراق أنظمة هذه الوحدة الاستخباراتية. وأكدت أن مزيدًا من المعلومات التي جرى الحصول عليها سيُنشر لاحقًا بعد تصنيفها وتنظيمها، ما قد يكشف عن أبعاد أوسع لنشاطات التجسس السيبراني الإيراني في المنطقة.