في مطلع شهر يناير الجاري، قُتل محمد شاه أميري، وهو مواطن من الطائفة الإسماعيلية، أثناء عودته من العمل إلى منزله، بعدما تعرّض في أحد الأزقة لكمين نفّذه رجل مسلّح أطلق عليه النار من خلف أشجار وسياج حديقة، من مسافة تتراوح بين مترين وثلاثة أمتار.
كان هذا الشاب البالغ 24 عاماً يعمل موظفاً في شركة الاتصالات "أفغان وايرلس"، ويقيم في منطقة "دشت قرق" على ضفاف نهر "كوكجه" في مدينة فيض آباد بولاية بدخشان. وقال مصدر إن الرصاصة دخلت من خلف أذن محمد شاه وخرجت من جبهته.
وبعد إطلاق النار، ظل محمد شاه يتنفّس لدقائق وهو ملقى على الأرض، إلى أن انتبه طفل قريب من المكان، فسارع إلى منزله لإبلاغ الآخرين.
وقال مصدر إن عناصر الاستخبارات وصلوا إلى مكان الحادث بعد دقائق من إطلاق النار، لكنهم تأخروا في نقله إلى المستشفى بسيارتهم، مبرّرين ذلك بالقول: "هذه السيارة ليست لنا". وفي نهاية المطاف، نُقل إلى المستشفى بالسيارة نفسها بعد تأخير، لكنه فارق الحياة في الطريق ولم يصل إلى المستشفى.
محمد شاه أميري قُتل في بدخشان
لا يُعرف حتى الآن من يقف وراء اغتيال محمد شاه أميري في بدخشان، غير أنه بعد أقل من شهر على هذه الحادثة، وتحديداً في 22 يناير، تعرّض مواطنان آخران من الطائفة الإسماعيلية لإطلاق نار داخل متجر يبعد نحو خمسين متراً فقط عن المكان الذي سقط فيه محمد شاه مضرجاً بدمائه. ويُذكر أن الضحيتين من أقارب محمد شاه.
ويتهم سكان محليون حركة طالبان بعدم إجراء تحقيقات جدية وشاملة في جرائم القتل خارج نطاق القانون.
ويقول سكان محليون إن مواطني الطائفة الإسماعيلية يتعرّضون منذ عودة طالبان إلى الحكم لعمليات اغتيال منظمة في ولاية بدخشان.
وتعالج إدارة طالبان قسماً كبيراً من هذه الحوادث في إطار الجرائم الجنائية. وتُظهر وثائق صادرة عن إدارة الإحصاء والمعلومات التابعة لطالبان، حصلت عليها قناة أفغانستان إنترناشيونال، أنه خلال ما يقارب أربع سنوات من حكم طالبان، بين عامي 2021-2025، سُجّل نحو 6660 جريمة قتل تحت مسمى الجرائم الجنائية.
وتجدر الإشارة إلى أن طالبان سيطرت على الحكم في أغسطس عام 2021، وأن الجرائم المسجّلة من مارس وحتى يوليو من ذلك العام وقعت في عهد الحكومة السابقة.
وخلال أكثر من أربع سنوات، دأب مسؤولو طالبان على التأكيد، عبر مختلف المنابر، أنهم نجحوا في فرض "الأمن الشامل" في أفغانستان. غير أن الواقع، وبالإضافة إلى عشرات الهجمات الإرهابية الدموية التي وقعت خلال هذه الفترة، تُظهر إحصاءات إدارة طالبان نفسها ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات الجرائم الجنائية.
ارتفاع الجرائم بنسبة 60٪
تُظهر هذه الإحصاءات، المستندة إلى بيانات وزارة الداخلية التابعة لطالبان والمنشورة في الملف السنوي لإدارة الإحصاء والمعلومات الخاضعة لسيطرة الحركة في أواخر نوفمبر 2025، أن الجرائم الجنائية، ولا سيما القتل والسرقة، شهدت زيادة كبيرة خلال ثلاث سنوات.
وبحسب هذه الوثائق، فإن إجمالي الجرائم الجنائية في مارس من العام 2024 وحتى الشهر نفسه في عام 2025، بلغ نحو 17 ألفاً و320 جريمة.
وكان عدد الجرائم في عام من مارس 2021وهو العام الذي عادت فيه طالبان إلى السلطة، وحتى 2022، بلغ 10 آلاف و834 جريمة. وارتفع العدد في العام التالي إلى 12 ألفاً و688 جريمة، ثم وصل في عام 2023 إلى 16 ألفاً و186 جريمة، مواصلاً مساره التصاعدي.
وتُظهر المقارنة من عام 2021 وحتى الربع الأول من عام 2025 ارتفاعاً يقارب 60٪ في معدلات الجرائم الجنائية بعد عودة طالبان إلى الحكم.
تُظهر إحصاءات إدارة طالبان نفسها أنه، رغم الإنفاق الأمني المرتفع والادعاءات الواسعة بشأن تحقيق الأمن، فإن منحنى الجرائم الجنائية شهد ارتفاعاً ملحوظاً بعد عودة الحركة إلى السلطة.
وكان البنك الدولي قد أعلن في تقرير سابق أن إدارة طالبان أنفقت نحو 96.9 مليار أفغاني على النفقات الأمنية خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية 2025.
زيادة بنسبة 15٪ في جرائم القتل "الجنائية"
ففي عام 2024 وحده، سُجّلت نحو 1734 جريمة قتل جنائي. وبلغ عدد هذه الجرائم في عام 2022 نحو 1673 حالة، وفي عام 1402 نحو 1751 حالة.
وفي عام 2021، وهو العام الأول لعودة طالبان إلى الحكم، سجّلت إدارة الإحصاء والمعلومات مقتل 1502 شخص في مختلف أنحاء أفغانستان. وبحلول عام 1403، ارتفع هذا الرقم بنحو 232 حالة، أي بزيادة تتجاوز 15٪.
عمليات الاختطاف
في مساء الثلاثاء الموافق 20 يناير الجاري، ترجّل أربعة مسلحين من سيارة من نوع كورولا بيضاء اللون، واختطفوا الطبيب محمد داوود هوشمند من قرب منزله في منطقة خيرخانه بالعاصمة كابل، أثناء عودته من عيادته الواقعة في الجوار.
ومضى نحو أسبوع على اختطاف هذا الطبيب البالغ 63 عاماً، ولا تزال عائلته تجهل مصيره. وقال أحد أقاربه لقناة "أفغانستان إنترناشيونال" إن الطبيب يعاني من مرض ارتفاع ضغط الدم، وإن العائلة قلقة بشدة على حالته الصحية.
وفي وقت سابق، نشرت قناة "أفغانستان إنترناشيونال" مقطع فيديو يُظهر امرأة ترتدي عباءة سوداء وهي تحمل طفلاً في الثالثة من عمره، يوم 18 يناير، من أحد أزقة مدينة مزار شريف، وتغادر المكان. وقد وثّقت كاميرا مراقبة هذه اللحظة.
في البداية، ظنّت عائلة الطفل أنه فُقد، لكن بعد مشاهدة تسجيلات كاميرات المراقبة تبيّن أنه اختُطف على يد امرأة. وبعد ثلاثة أيام من نشر الفيديو، أعلنت قيادة شرطة طالبان في ولاية بلخ، عبر نشر صور جديدة، العثور على الطفل، مشيرة في الفيديو إلى أن المرأة التي أخذته جرى توقيفها.
وقالت إدارة الإحصاء والمعلومات التابعة لطالبان في تقريرها إنه خلال الفترة من مارس 2022 وحتى مارس 2025، سُجّلت في المجموع 224 حالة اختطاف، بواقع 133 حالة في عام 2022، و41 حالة في عام 2023، و50 حالة في عام 2024، مشيرة إلى أن الأرقام، بحسب بيانات طالبان، تشهد تراجعاً.
وأعلنت طالبان في بعض الحالات إنقاذ مختطفين، غير أن مصير العديد منهم لا يزال مجهولاً. وفي كثير من الحالات، يطالب الخاطفون بفدية مالية مقابل الإفراج عن الضحايا.
تضاعف السرقات في عهد طالبان
ذكرت إدارة الإحصاء والمعلومات التابعة لطالبان في ملفها السنوي أنه في عام 2024 وحده، سُجّلت نحو 6225 حالة سرقة في أفغانستان. ووفق التقرير، بلغ عدد السرقات في عامي 2021 و2022 على التوالي 4847 و5703 حالات.
وفي تقرير سابق، كانت طالبان قد أفادت بأن عدد السرقات في عام 2021 بلغ 3102 حالة فقط، ما يعني أن السرقات تضاعفت بنسبة 100٪ بعد عودة طالبان إلى الحكم.
وقالت فاطمة، وهو اسم مستعار لمواطنة من منطقة كارته تشهار في كابل، لقناة "أفغانستان إنترناشيونال" إن المواطنين في هذه المنطقة وأجزاء أخرى من العاصمة يتعرّضون لعمليات سرقة، خصوصاً بعد المساء، مؤكدة أن الناس، خلافاً لما تروّج له طالبان، لا يستطيعون السير بأمان في الشوارع.
من جهته، قال الرئيس السابق لإدارة مكافحة الجرائم الجنائية في وزارة الداخلية، بسم الله تابان، إن معدلات السرقة ارتفعت بعد عودة طالبان حتى في أكثر ولايات أفغانستان أمناً. وأضاف أن السكان يسمعون يومياً عن سرقات مسلحة في مناطق مثل جاغوري، التي كانت تُعد في السابق أكثر أمناً.
وأكد تابان في حديثه لـ"أفغانستان إنترناشيونال" أن ذلك يحدث في وقت لا يحمل فيه السلاح في أفغانستان حالياً سوى عناصر مرتبطين بطالبان.
وعند سؤال أحد سكان كابل، في إشارة إلى دعاية طالبان حول الأمن، عمّا إذا كانت سرقات الهواتف المحمولة قد تراجعت، قال ضاحكاً: "خلال عشرين عاماً من فترة الحكومة السابقة فقدت هاتفاً واحداً. في عهد إمارة طالبان سُرق مني هاتفان".
وأضاف: "لا يقبل أي منطق أن ترتفع البطالة والفقر في مجتمع ما، وفي الوقت نفسه تنخفض فيه السرقات".
انعدام الأمن في هرات
وفي تقرير سابق نشرته "أفغانستان إنترناشيونال" يوم 25 يناير، أن سبعة أشخاص قُتلوا في مدينة هرات خلال أسبوع واحد فقط. وشملت هذه الحوادث مقتل مصرفي، وقتل شابين على طريق هرات - كرخ، ومقتل فتى يعمل بائعاً متجولاً، إضافة إلى مقتل رجل في الحي الحادي عشر، وحالتي اغتيال في وسط المدينة.
ويقول سكان هرات إن المدينة شهدت مؤخراً تدهوراً أمنياً حاداً، مشيرين إلى أن طالبان غالباً لا تُبدي موقفاً من هذه الحوادث، ولا تُجري، بحسب قولهم، تحقيقات جادة بحق الجناة. ويقع جزء من هذه الجرائم أثناء عمليات سرقة مسلحة.
حقيقة "الأمن الشامل"
وقال الرئيس السابق لإدارة مكافحة الجرائم الجنائية في وزارة الداخلية بالحكومة السابقة إن طالبان، بعد سيطرتها على أفغانستان، قامت بإقصاء الكوادر المهنية والمدرّبة، واستبدلتهم "بملاّات وخبراء في زرع الألغام".
وأضاف بسم الله تابان أن قوات طالبان "لا تمتلك القدرة على مكافحة الجرائم، ولا النية لحماية الشعب الأفغاني".
وأشار أيضاً إلى أن المواطنين باتوا أقل ميلاً للإبلاغ عن الجرائم الجنائية لدى طالبان، لإدراكهم أن ذلك لن يسفر عن نتيجة.
وأبدى شكوكاً حيال الإحصاءات التي تنشرها إدارة الإحصاء والمعلومات التابعة لطالبان، معتبراً أن هذه البيانات تُنشر بعد رقابة مشددة ومراعاة للتداعيات الإعلامية والسياسية، ولا تعكس، برأيه، الصورة الكاملة للوضع الحقيقي في أفغانستان.
وأضاف تابان أن ما تروّج له طالبان باعتباره "أمناً شاملاً" ليس سوى استغلال للصورة الذهنية العامة للأمن، وهي صورة تشكّلت، بحسب قوله، تحت تأثير الهجمات الدموية التي نفذتها طالبان في السنوات التي سبقت وصولها إلى السلطة.
وتُظهر إحصاءات إدارة طالبان فقط الجرائم الجنائية المسجّلة رسمياً، في حين يمتنع بعض المواطنين عن الإبلاغ عن الحوادث خوفاً من التعامل غير المهني من جانب طالبان.
تورّط طالبان في جرائم القتل
وكانت قناة "أفغانستان إنترناشيونال" قد كشفت، في تحقيق موسّع نُشر سابقاً، وللمرة الأولى، تفاصيل ملفات ومقاطع فيديو تتضمن اعترافات لعناصر من طالبان بتنفيذ عمليات قتل خارج إطار القانون وبشكل موجّه.
وكشف هذا التحقيق عن الدور المباشر لعناصر من طالبان في عمليات اغتيال منظمة وخارج نطاق القانون في عدة ولايات أفغانية، مقدّماً للمرة الأولى تفاصيل ما لا يقل عن أربع قضايا اغتيال، بما في ذلك دوافع المنفذين، والجهات التي أصدرت الأوامر، وآلية تنفيذ العمليات، وطبيعة تعامل الأجهزة الأمنية والقضائية التابعة لطالبان معها.
وأفادت منظمات حقوقية موثوقة بالعثور على عشرات الجثث في القنوات الشرقية، وبإيقاف سيارات في شمال كابل، وإنزال شبان من بنجشير واختفائهم، وإعدام أفراد من الطائفة الإسماعيلية في الشمال بسبب معتقدهم الديني، إضافة إلى تصاعد عمليات الملاحقة والتجسس وقتل عناصر الأمن التابعين للحكومة السابقة إلى حد دفعهم إلى الخوف حتى من أقاربهم، واضطرارهم للفرار إلى دول الجوار.
وغالباً ما تُحمّل عائلات ضحايا الاغتيالات الموجّهة طالبان مسؤولية هذه الجرائم، غير أن الحركة تنفي الاتهامات في العادة.
ولم يُبدِ متحدثو طالبان، خلال ما يقارب أربع سنوات ونصف السنة الماضية، استعداداً للإجابة على أسئلة وسائل الإعلام حول تفاصيل هذه القضايا، أو لعرض كيفية إجراء التحقيقات والإجراءات القضائية بحق المتورطين أمام الرأي العام.