وانطلقت هذه الاحتجاجات في 28 ديسمبر 2025 في طهران ومدن إيرانية أخرى، على خلفية تدهور قيمة العملة الوطنية وارتفاع معدلات التضخم وتفاقم الأوضاع الاقتصادية، قبل أن تتسع رقعتها سريعاً.
وتحوّلت التجمعات المتواصلة إلى واحدة من أكبر موجات الاحتجاج في العقود الأخيرة في إيران، حيث تجاوزت الشعارات والمطالب الإطار الاقتصادي، ورفع المحتجون مطالب بتغييرات سياسية في البلاد.
وعقب دعوة رضا بهلوي، نجل آخر شاه لإيران، اتسعت رقعة الاحتجاجات في 8 و9 يناير، لتواجه بقمع واسع من قبل قوات الأمن الإيرانية.
وتُقدّر مصادر "إيران إنترناشيونال" عدد قتلى هذه الاحتجاجات حتى الآن بنحو 36 ألفاً و500 شخص.
الخوف والقلق والدعوة إلى عدم المشاركة
اطّلعت قناة "أفغانستان إنترناشيونال" على رسائل متداولة في عدد من المجموعات للمهاجرين الأفغان في إيران على تطبيقي واتساب وتيليغرام، دعت منذ الأيام الأولى للاحتجاجات إلى عدم مشاركة المهاجرين فيها. وجاء في إحدى الرسائل أن نشر الصور ومقاطع الفيديو قد يترتب عليه عواقب خطيرة ومشكلات جدية للمهاجرين.
ولا يُعرف المصدر الرئيسي لإعداد هذه الرسائل ونشرها، لكنها جرى تداولها لاحقاً على نطاق واسع بين المهاجرين.
وحذّرت الرسائل من أن مخالفة هذه التوصيات قد تفضي إلى تبعات قاسية بحق المهاجرين الأفغان.
وقال مهاجر أفغاني يقيم في مدينة مشهد، اختار لنفسه الاسم المستعار "أمين"، في حديث مع قناة "أفغانستان إنترناشيونال"، إن كثيراً من الأفغان المقيمين في إيران يتجنبون أي انخراط في الشؤون السياسية، ولا سيما الأنشطة والاحتجاجات، خوفاً من الاعتقال والترحيل والإبعاد القسري. وأضاف أن عدداً منهم شارك في الاحتجاجات بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة.
وأفاد مصدران على الأقل لـ"أفغانستان إنترناشيونال" بأن تشديد نقاط التفتيش في المدن الإيرانية الكبرى دفع بعض المهاجرين الأفغان، خوفاً من الاعتقال ومضايقات العناصر الأمنية، إلى وضع صور الخميني وخامنئي وقاسم سليماني كخلفيات لهواتفهم المحمولة، إذ يقوم العناصر، بعد تحديد هوية المهاجرين الأفغان، بتفتيش هواتفهم.
مقتل طفل أفغاني في مشهد
وحددت قناة "أفغانستان إنترناشيونال" هوية عدد من المهاجرين الأفغان الذين قُتلوا خلال الاحتجاجات الأخيرة في إيران، غير أن كثيراً من العائلات ترفض الحديث إلى وسائل الإعلام أو حتى الكشف عن الأسماء الحقيقية للضحايا. وبحسب مصادر، حذّرت السلطات العائلات من التحدث إلى الإعلام أو تقديم معلومات عن هذه الأحداث.
ومن بين القلائل الذين جرى نشر اسمه ومعلوماته من قبل الأفغان خارج إيران، أمير حسين مرادي، وهو فتى يبلغ 16 عاماً، ويعمل كميكانيكي.
وكان مرادي قد شارك في احتجاجات 8 يناير برفقة صديق إيراني في منطقة بلوار 7 تير بمدينة مشهد، حيث أُصيب برصاص القوات الأمنية، فيما اعتُقل صديقه.
وبحسب المعلومات المتوافرة، سُلّم جثمان أمير حسين مرادي إلى عائلته بعد أسبوع من احتجازه في مقبرة بهشت رضا في مشهد، ليوارى الثرى. وقد أصيب برصاصة في خاصرته اليمنى وأخرى في عينه اليمنى.
وُلد أمير حسين مرادي في مدينة مشهد، وكانت عائلته قد هاجرت إلى إيران قبل سنوات.
تأكيد مقتل ثلاثة آخرين من قبل منظمة هنغاو
كما حددت قناة "أفغانستان إنترناشيونال" هويات ضحايا آخرين من المواطنين الأفغان الذين قُتلوا في الاحتجاجات الأخيرة بمدينة مشهد. ومن بينهم، أكدت منظمة هنغاو الحقوقية مقتل كل من علي رضا بهبودي وكيارش كريمدادي ويزدان تمنا.
ووفق المعلومات المتاحة، استُهدف علي رضا بهبودي وكيارش كريمدادي بإطلاق نار في بولوار وكيل آباد، فيما أُصيب يزدان تمنا قرب مركز شرطة الإمامية في مدينة مشهد.
وقال مصدر في مدينة هرات لـ"أفغانستان إنترناشيونال" إن الثلاثة من سكان ولاية هرات غرب أفغانستان.
ودُفنت جثامينهم بعد أخذ تعهدات من عائلاتهم، في مدينة مشهد.
وتشير مصادر في مشهد إلى أن عدد الأفغان الذين لقوا حتفهم في احتجاجات المدينة قد يصل إلى عشرات، غير أن التحقق من هذه الأرقام يظل صعباً بسبب المخاوف المرتبطة بالوضع القانوني للمهاجرين وهشاشتهم، إذ ترفض كثير من العائلات الحديث إلى أي وسيلة إعلامية في هذا الشأن.
طفل خرج للتسوق ولم يعد
وقال مصدر موثوق في مدينة مشهد الإيرانية لقناة "أفغانستان إنترناشيونال" إن جثمان طفل أفغاني يبلغ 15 عاماً عُثر عليه بعد 20 يوماً من فقدانه.
وذكر المصدر أن الفتى فُقد مساء 8 يناير، فيما عُثر على جثمانه في 26 يناير.
وامتنع المصدر، بسبب تهديدات أمنية جدية في إيران، عن الكشف عن اسم الضحية أو الموقع الدقيق للحادثة، مؤكداً أن الطفل لم يكن مشاركاً في الاحتجاجات.
وبحسب المصدر، خرج الطفل لشراء لوازم من متجر قريب من منزله، قبل أن يُصاب برصاص عشوائي أطلقته قوات الأمن الإيرانية، وقد أفاد بعض الأشخاص بإصابته في حينه. ولم تكن عائلة الفتى على علم بمصيره حتى 26 يناير، حين سُلّم جثمانه إليها يوم الثلاثاء.
مقتل عدد من المهاجرين في طهران وكرج
وتُعدّ مشهد وطهران ومحافظة البرز التي تتخذ من كرج مركزاً لها، من المناطق التي يقيم فيها عدد كبير من المهاجرين الأفغان. وتشير تقارير وردت إلى قناة "أفغانستان إنترناشيونال" إلى مقتل عدد من المهاجرين الأفغان أيضاً في طهران وكرج خلال الاحتجاجات الأخيرة، غير أن انقطاع الإنترنت وتهديد العائلات حالا دون توفر إحصاءات دقيقة لعدد الضحايا في هاتين المدينتين.
وتوصلت "أفغانستان إنترناشيونال" إلى أن شاباً أفغانياً يبلغ 22 عاماً قُتل في منطقة ورامين التابعة لمحافظة طهران، في 8 يناير، خلال الاحتجاجات.
كما حصلت على معلومات عن مقتل شاب يُدعى وزير أحمد طاجيك، وهو ناشط حقوقي أفغاني يتابع أوضاع المهاجرين الأفغان بعد الاحتجاجات الأخيرة في إيران. حيث كان مقيماً في مدينة طهران.
ونشر بعض النشطاء في مجال حقوق الإنسان داخل إيران صورة لوزير أحمد، واعتبروه من أوائل ضحايا الاحتجاجات. ولم تتمكن قناة "أفغانستان إنترناشيونال" من التواصل مع عائلته.
وأكد معهد أبحاث الإعلام لجنوب آسيا، في منشور على منصة "إكس"، مقتل وزير أحمد طاجيك برصاص مباشر أطلقته قوات الأمن الإيرانية.
وأضافت مصادر لأفغانستان إنترناشيونال أن شاباً آخر يبلغ 27 عاماً يُدعى جليل أحمد، من مواليد هرات، قُتل أيضاً خلال الاحتجاجات الأخيرة في طهران.
كما أفاد مصدر بمقتل شاب أفغاني آخر في منطقة شهريار بمحافظة طهران، بعد أسبوعين فقط من حفل زفافه، مشيراً إلى أنه قُتل في 8 يناير. وقدّم أقارب له خارج إيران معلومات عن مقتله، لكنهم طلبوا عدم الكشف عن اسمه وهويته لأسباب أمنية.
وكذلك قُتل شاب يُدعى أمير حسين بابيلزي في منطقة شهريار برصاص مباشر لقوات الأمن التابعة للجمهورية الإسلامية.
وتُعدّ شهريار وقرتشك وورامين ثلاث مناطق متجاورة مكتظة بالسكان على أطراف مدينة طهران، ويقيم فيها عدد كبير من الأفغان منذ سنوات طويلة.
وفي طهران أيضاً، أُبلغ عن مقتل طفل أفغاني يبلغ 16 عاماً، أُصيب برصاص عشوائي عند باب منزله من دون أن يكون مشاركاً في الاحتجاجات، بحسب ما أفاد به إيراني -وهو جار لعائلة القتيل الأفغاني- لأفغانستان إنترناشيونال.
مقتل شاب أفغاني في أصفهان
كما أفاد مصدر في مدينة أصفهان بمقتل شاب أفغاني، حيث يعيش عدد كبير من الأفغان في المدينة. ورفض المصدر الكشف عن هوية الضحية.
وتواجه خدمات الإنترنت في إيران قيوداً شديدة، ما صعّب التواصل مع المهاجرين الأفغان في البلاد. ويقيم عدد كبير من الأفغان في مدن كبرى مثل شيراز وكرمان ويزد ومدن أخرى، غير أنه لم تُنشر حتى الآن أي تفاصيل عن مقتل محتمل لمهاجرين أفغان في هذه المدن. ومع ذلك، تشير مصادر إلى أن عدد الأفغان الذين قُتلوا في مدن كبرى مثل طهران ومشهد وكرج وأصفهان قد يكون أعلى من الأرقام المؤكدة حالياً.
وسبق أن قُتل مهاجرون أفغان خلال احتجاجات مناهضة للحكومة في إيران. ففي عام 2022، أفادت منظمة العفو الدولية بمقتل مراهقين أفغانيين مهاجرين، هما محمد رضا سروري البالغ 14 عاماً وستاره طاجيك البالغة 17 عاماً، في طهران على يد قوات الأمن الإيرانية.
وذكرت المنظمة أن الأجهزة الأمنية أرغمت عائلتيهما على الصمت عبر التحذير والتهديد والترهيب، ومنعت الحديث عن ملابسات الحادثتين.
اعتقال أفغان خلال الاحتجاجات
تمكنت أفغانستان إنترناشيونال من تحديد هويات عدد من المهاجرين الأفغان الذين جرى اعتقالهم خلال الاحتجاجات الأخيرة في إيران، لكنها امتنعت عن نشر أسمائهم وهوياتهم بناءً على طلب عائلاتهم وأقاربهم. وتشير المعلومات إلى أن الاعتقالات جرت في طهران ومحافظة البرز ومدينة مشهد.
وفي هذا السياق، ادعى علي رضا مرحمتي، القنصل العام لإيران في هرات، أن الأفغان لم يكن لهم دور في الاحتجاجات الأخيرة في إيران، مضيفاً أن بعض الجماعات والدول تسعى إلى اتهام الأفغان بالضلوع في هذه الاحتجاجات بهدف توتير العلاقات بين أفغانستان وإيران.