تواصل الاشتباكات بين طالبان وباكستان

أفادت مصادر، فجر الأحد 2 مارس2026، لـ«أفغانستان إنترناشيونال» بسماع دويّ إطلاق نار متواصل في عدة مناطق من العاصمة كابل.

أفادت مصادر، فجر الأحد 2 مارس2026، لـ«أفغانستان إنترناشيونال» بسماع دويّ إطلاق نار متواصل في عدة مناطق من العاصمة كابل.
وفي الوقت نفسه، أعلن ذبيح الله مجاهد، المتحدث باسم حركة طالبان، في منشور على منصة «إكس» عن تنفيذ عمليات دفاع جوي ضد طائرات باكستانية. وكتب في حسابه: «تم تنفيذ هجمات دفاع جوي ضد الطائرات الباكستانية في كابل».
كما أعلنت طالبان أن قواتها هاجمت عدداً من المواقع العسكرية الباكستانية قرب معبر تورخم الحدودي.
وادعت الحركة أن بعض هذه المواقع العسكرية وقعت تحت سيطرتها، بينما أُضرمت النيران في مواقع أخرى خلال الهجوم.
وذكر المكتب الإعلامي لطالبان في ولاية ننغرهار أن قوات الحركة قامت أيضاً بقطع الأسلاك الشائكة الممتدة على طول خط ديورند.
ولم يصدر حتى الآن أي تعليق رسمي من السلطات الباكستانية بشأن هذه التطورات.
من جهته، أفاد التلفزيون الوطني الخاضع لسيطرة طالبان بأن الاشتباكات التي وقعت مساء السبت أسفرت عن مقتل أربعة جنود باكستانيين على الأقل.
كما ذكر التقرير أن مدنياً واحداً قُتل جراء هجوم باكستاني في مديرية غني خيل بولاية ننغرهار.
وكانت طالبان قد أعلنت في وقت سابق اندلاع اشتباكات مع القوات الباكستانية في المناطق الحدودية بولايات خوست وبكتيا وننغرهار.
ولم تعلّق السلطات الباكستانية حتى الآن على هذه التطورات.





قال المتحدث باسم وزارة الإعلام والثقافة التابعة لحركة طالبان، السبت، إن السلطات أوقفت بث قناة «راه فردا» التلفزيونية المرتبطة بمحمد محقق، زعيم حزب الوحدة الإسلامية لشعب أفغانستان، كما صادرت ممتلكاتها.
وأوضحت الحركة أن هذا القرار جاء على خلفية التصريحات الأخيرة التي أدلى بها محقق ضد طالبان بشأن الاشتباكات الجارية بين الحركة وباكستان.
وكان محمد محقق قد قال تعليقاً على التوترات الحالية بين طالبان وباكستان إن هذه الحرب «ليست حرب الشعب الأفغاني»، بل هي «مواجهة بين باكستان والنظام الحاكم في كابل».
وأضاف زعيم حزب الوحدة الإسلامية لشعب أفغانستان أن ما وصفها بـ«السياسات العدوانية» لطالبان أدت إلى زجّ الشعب الأفغاني في الحرب دون إرادته.
في المقابل، قال خبيب غفران، المتحدث باسم وزارة الإعلام والثقافة التابعة لطالبان، إن محقق «يحاول، بتحريض من أطراف معادية، تهديد الوحدة الوطنية في أفغانستان من خلال تصريحات لا أساس لها».
وأضاف غفران أن السلطات قررت، بناءً على ذلك، وقف بث الوسيلة الإعلامية المرتبطة به ومصادرة ممتلكاتها.
أعلن المتحدث باسم رئيس الوزراء الباكستاني، مشرف زيدي، مساء الجمعة أن المواجهات الأخيرة أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 297 عنصراً من طالبان الأفغانية وحركة طالبان باكستان وجماعات أخرى وصفها بـ«الإرهابية».
وأضاف زيدي في منشور على منصة «إكس» أن أكثر من 450 شخصاً أُصيبوا خلال العمليات الأخيرة.
وأوضح أن العمليات العسكرية الباكستانية أدت أيضاً إلى تدمير نحو 90 موقعاً تابعاً لطالبان الأفغانية، فيما سيطرت القوات الباكستانية على 18 موقعاً آخر.
كما أشار إلى أن سلاح الجو الباكستاني نفذ غارات على ما لا يقل عن 29 هدفاً في مناطق مختلفة داخل أفغانستان.
وأكد المتحدث أن «الرد الفوري والفعّال لباكستان على ما وصفه بالعدوان ما زال مستمراً».
في المقابل، لم تصدر حركة طالبان حتى الآن تعليقاً رسمياً يؤكد أو ينفي هذه الأرقام.
مع تصاعد غير مسبوق في المواجهات بين حركة طالبان وباكستان، أعلنت طالبان أنها تفضل حل الخلافات عبر الحوار، في حين لم تصدر إسلام آباد حتى الآن أي إشارة واضحة إلى استعدادها للدخول في مفاوضات مع الحركة.
وأكد كل من وزير داخلية طالبان سراج الدين حقاني والمتحدث باسم الحركة ذبيح الله مجاهد التزام طالبان بالمسار الدبلوماسي، مشيرين إلى أن باب الحوار ما زال مفتوحاً لحل الأزمة.
وفي السياق ذاته، قال وزير خارجية طالبان أمير خان متقي خلال اتصال مع وزير الدولة القطري محمد بن عبدالعزيز الخليفي إن الحركة لا تدعم العنف، وإنها تفضل دائماً حل القضايا على أساس التفاهم والاحترام المتبادل.
وخلال كلمة ألقاها الجمعة في أحد مساجد ولاية خوست، دعا سراج الدين حقاني باكستان إلى تجنب اتخاذ خطوات قد «تجبر طالبان على إعلان انتفاضة وطنية وجهاد»، محذراً من أن إسلام آباد «ستدفع ثمناً باهظاً» إذا حدث ذلك. كما طالب دول المنطقة والمجتمع الدولي بالمساعدة في تهيئة الظروف للحوار وخفض التوتر.
من جانبه، حذر ذبيح الله مجاهد خلال مؤتمر صحفي من أن استمرار المواجهات قد يؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة، داعياً دول الجوار إلى منع الهجمات التي ينفذها الجيش الباكستاني. وأضاف أن طالبان ما زالت ملتزمة بالحلول الدبلوماسية، لكنه اتهم إسلام آباد بعدم إظهار رغبة في تسوية الخلافات عبر المفاوضات.
وفي تطور آخر، قال نائب المتحدث باسم طالبان حمد الله فطرت إن القوات الباكستانية استهدفت عمداً مدنيين في ولايتي خوست وبكتيكا، ما أسفر عن مقتل 19 شخصاً وإصابة 26 آخرين، مشيراً إلى أن معظم الضحايا من النساء والأطفال.
في المقابل، أعلن المتحدث باسم الجيش الباكستاني أحمد شريف شودري أن الضربات التي نفذتها باكستان داخل الأراضي الأفغانية أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 274 «إرهابياً أفغانياً». وأضاف أن القوات الباكستانية دمرت 73 موقعاً تابعاً لطالبان وسيطرت على 18 موقعاً آخر، فيما أصيب أكثر من 400 شخص. كما قال إن ما لا يقل عن 115 دبابة وآلية عسكرية تابعة لطالبان قد دُمرت.
وأكدت باكستان مقتل 12 من جنودها خلال المواجهات، بينما قال المتحدث باسم طالبان إن الاشتباكات الأخيرة في المناطق الحدودية أسفرت عن مقتل 55 جندياً باكستانياً، مشيراً إلى أن جثث بعضهم باتت في حوزة الحركة. كما أقر بمقتل 13 من عناصر طالبان.
وأدى تصاعد التوتر بين الجانبين إلى تحرك دبلوماسي إقليمي، حيث بدأت دول مثل قطر والسعودية وإيران وتركيا جهوداً لخفض التصعيد وإعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات، كما أعلنت كل من الصين وروسيا استعدادهما للقيام بدور الوسيط.
ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه الجهود الدبلوماسية ستنجح في إنهاء القتال، في ظل استمرار التوتر بين الطرفين. فقد أكدت باكستان أنها لم تعد تتحمل التهديدات القادمة من الأراضي الأفغانية، فيما حذرت طالبان من أنها سترد على أي هجوم.
أشاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأداء باكستان في تعاملها مع التوتر القائم مع حركة طالبان، مؤكداً أنه يتمتع بعلاقات جيدة جداً مع إسلام آباد.
وقال ترامب، رداً على سؤال حول احتمال تدخل الولايات المتحدة في الأزمة بين باكستان وطالبان: «كنت سأفعل ذلك، لكنني أتفاهم جيداً جداً مع باكستان. جيد جداً جداً. لديهم رئيس وزراء رائع، وأعتقد أن أداء باكستان ممتاز».
وفي سياق متصل، أعلنت نائبة وزير الخارجية الأميركي للشؤون السياسية أليسون هوكر دعم واشنطن «لحق باكستان في الدفاع عن نفسها ضد هجمات طالبان».
وكتبت هوكر في منشور على منصة «إكس» أن الولايات المتحدة تتابع تطورات الوضع عن كثب، معربة عن تعاطفها مع عائلات الضحايا الذين سقطوا في الاشتباكات الأخيرة بين باكستان وطالبان الأفغانية.
من جانبه، قال وزير الخارجية الأميركي الأسبق مايك بومبيو إن الدعم الذي قدمته باكستان لحركة طالبان على مدى عقود ارتد في النهاية على إسلام آباد نفسها.
وكتب بومبيو في رسالة نشرها على منصة «إكس» أنه يأمل أن يشكل التصعيد الحالي تحولاً دائماً في نهج باكستان تجاه الحركة.
وتأتي هذه التصريحات في ظل تصاعد التوتر بين باكستان وطالبان، فيما تؤكد واشنطن دعمها لإسلام آباد في مواجهة التهديدات الأمنية ومتابعتها الحثيثة للتطورات في المنطقة.
لم يعد التوتر القائم بين باكستان وحركة طالبان قابلاً للتفسير ضمن إطار المناوشات الحدودية التكتيكية أو ما يوصف أحياناً بـ«لعبة القط والفأر».
فبعد مرور أربع سنوات على عودة طالبان إلى السلطة في كابول، لم تحقق إسلام آباد ما كانت تعتبره «عمقاً استراتيجياً»، بل وجدت نفسها أمام تصاعد ملحوظ في التهديدات الأمنية الداخلية، ولا سيما الهجمات التي تُنسب إلى حركة طالبان باكستان.
وتشير تقارير رسمية وبيانات صادرة عن مراكز بحثية أمنية في المنطقة إلى أن عدد الهجمات في ولايتي خيبر بختونخوا وبلوشستان ارتفع منذ عام 2022، ما أدى إلى زيادة الخسائر في صفوف قوات الأمن والمدنيين.
وما يجري اليوم بين إسلام آباد وكابول الخاضعة لسيطرة طالبان يعكس، في جوهره، خطأً في الحسابات ضمن معادلة توازنات القوة، وهو خطأ تحوّل تدريجياً إلى معضلة أمنية معقدة.
من «العمق الاستراتيجي» إلى عودة التهديد
على مدى العقدين الماضيين، نظر جزء مهم من النخبة الأمنية في باكستان إلى أفغانستان من زاوية مفهوم «العمق الاستراتيجي»، القائم على افتراض أن وجود حكومة حليفة في كابول يمنح باكستان هامش أمان في مواجهة خصمها التقليدي، الهند.
وعقب عودة طالبان إلى الحكم عام 2021، تحدث بعض الساسة في إسلام آباد عن «فرصة جيوسياسية» تحققت لبلادهم.
لكن الوقائع الميدانية سارت في اتجاه مختلف؛ إذ تصاعدت هجمات حركة طالبان باكستان داخل الأراضي الباكستانية، وتحولت المناطق الحدودية إلى بؤرة متزايدة للاضطراب.
ومع اتهام باكستان لجماعات مسلحة باستخدام الأراضي الأفغانية قاعدة لشن هجمات ضدها، نفذت القوات الباكستانية عدة ضربات جوية في المناطق الحدودية، وهو ما قوبل بردود فعل انتقامية من جانب طالبان.
ووفق تقارير إعلامية، جرت محادثات بين الطرفين في الدوحة وأنقرة، تمحور أحد أبرز مطالب إسلام آباد خلالها حول كبح نشاط قادة حركة طالبان باكستان أو تسليمهم، إضافة إلى تقديم ضمانات مكتوبة للسيطرة على الجماعات المسلحة. غير أن طالبان لم تقدم حتى الآن تعهدات علنية قابلة للتحقق في هذا الشأن.
معضلة طالبان: الكلفة الأيديولوجية أم تهديد البقاء؟
تجد طالبان نفسها اليوم أمام معضلة تقليدية في سياسات القوة: فإذا اتخذت إجراءات حازمة ضد الجماعات المتحالفة معها أيديولوجياً، فقد تخسر جزءاً من شرعيتها داخل الشبكات الجهادية؛ أما إذا امتنعت عن ذلك، فإنها قد تواجه ضغوطاً متزايدة، وربما إجراءات عسكرية من جانب باكستان.
هذا الوضع يعكس ما يُعرف في نظرية الواقعية البنيوية بـ«معضلة الأمن»، حيث يؤدي سعي أحد الأطراف لتعزيز أمنه إلى زيادة شعور الطرف الآخر بعدم الأمان.
ويشير المفكر الواقعي هانس مورغنثاو إلى أن السياسة الدولية هي في جوهرها صراع على القوة، وأن الدول تسعى أولاً إلى ضمان بقائها. ومن هذا المنظور يمكن فهم سلوك باكستان باعتباره محاولة لاحتواء تهديد داخلي، لا مجرد موقف أيديولوجي. وفي المقابل، تتحرك طالبان وفق منطق البقاء أيضاً، متجنبة أي خطوات قد تُحدث انقساماً داخل قاعدتها الأيديولوجية.
أما كينيث والتز، أحد أبرز منظري الواقعية البنيوية، فيؤكد أن غياب سلطة مركزية في النظام الدولي يدفع الدول إلى الاعتماد على قدراتها الذاتية لضمان أمنها. وينطبق هذا المنطق إلى حد كبير على العلاقة بين باكستان وطالبان، حيث إن غياب حكومة أفغانية معترف بها دولياً يحدّ من قنوات إدارة الأزمات بشكل رسمي.
سيناريو بديل: ورقة خصوم طالبان
في الأشهر الأخيرة، تحدثت تقارير عن لقاءات جمعت بعض شخصيات المعارضة الأفغانية مع مسؤولين باكستانيين.
ورغم أن إسلام آباد لم تعلن رسمياً دعمها لأي معارضة منظمة ضد طالبان، فإن احتمال بحثها عن أدوات ضغط بديلة بات مطروحاً في التحليلات السياسية.
ومن منظور الواقعية الهجومية، التي يمثلها الباحث جون ميرشايمر، تميل الدول عند مواجهة تهديدات متزايدة إلى تعظيم أمنها عبر إعادة تشكيل ميزان القوى.
وإذا لم تتمكن طالبان من كبح نشاط حركة طالبان باكستان، فقد تميل إسلام آباد إلى دعم محدود وتكتيكي لترتيبات سياسية بديلة داخل أفغانستان.
الفجوة بين الواقعية والأخلاق السياسية
في الرأي العام الأفغاني، يسود قدر كبير من عدم الثقة تجاه الدور التاريخي لباكستان، وهو شعور متجذر في عقود من التدخلات المتبادلة والتوترات القومية والنزاعات الحدودية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي تقارب بين معارضي طالبان وإسلام آباد قد يترتب عليه ثمن سياسي وأخلاقي مرتفع.
وهنا يظهر التناقض بين «الواقعية السياسية» و«الاعتبارات الأخلاقية». فقد يبدو التعاون مع باكستان من منظور توازن القوى خياراً عملياً لبعض خصوم طالبان، لكنه قد يضعف شرعيتهم الاجتماعية داخل أفغانستان.
كما يذكّر مورغنثاو بأن الأخلاق حاضرة في السياسة الخارجية، لكنها غالباً ما تُعاد صياغتها في ظل اعتبارات القوة.
تبدو باكستان اليوم أمام معادلة معقدة: فطالبان ليست شريكاً أمنياً يمكن الاعتماد عليه بالكامل، وفي الوقت نفسه ليست خصماً يمكن إقصاؤه بسهولة.
وفي المقابل، تواجه قوى المعارضة الأفغانية معضلة الثقة والشرعية.
وإذا كانت إسلام آباد تسعى فعلاً إلى احتواء التهديدات الأمنية القادمة من الأراضي الأفغانية، فإن الدفع نحو إطار سياسي أكثر شمولاً في كابول قد يكون خياراً أكثر استدامة من الاكتفاء بالتنسيق الأمني المؤقت.
فوجود حكومة تحظى بقدر من الشرعية الداخلية والقبول الخارجي يمكن أن يفتح المجال لتعاون أمني أكثر فاعلية.
غير أن تحقيق مثل هذا السيناريو يتطلب إعادة نظر في حسابات جميع الأطراف: إذ يتعين على باكستان الابتعاد عن التعامل الأداتي مع القوى السياسية الأفغانية والعمل على بناء قدر من الثقة، في حين تحتاج القوى المعارضة لطالبان إلى مقاربة واقعية لموازين القوى في المنطقة، بعيداً عن ردود الفعل العاطفية أو الحسابات التاريخية.
وفي غياب ذلك، قد تستمر دوامة التوازنات والصراعات، وهي دوامة لا تمنح باكستان أمناً دائماً، ولا توفر لأفغانستان الاستقرار السياسي المنشود.