اقتصاد أفغانستان في 2025: خمسة صدمات وأزمة حقيقية

دخل الاقتصاد الأفغاني في العام 2025 مرحلة شهدت تزامن عدة صدمات، لم تقتصر على تقييد النمو الاقتصادي بشكل حاد، بل هددت أيضاً الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي في أفغانستان.

دخل الاقتصاد الأفغاني في العام 2025 مرحلة شهدت تزامن عدة صدمات، لم تقتصر على تقييد النمو الاقتصادي بشكل حاد، بل هددت أيضاً الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي في أفغانستان.
وساهمت مجموعة من القيود التجارية، والتوترات الإقليمية، والضغوط السكانية، والأزمات البيئية، إلى جانب السياسات الداخلية، في تشكيل اقتصاد لم يعد قابلاً للتحليل وفق منطق السوق التقليدي.
في هذا السياق، قد يبدو تقدير البنك الدولي لنمو اقتصادي يتجاوز 3٪ في عام 2026 مؤشراً على تحسن نسبي، خاصة مقارنة بالانكماش الحاد الذي بلغ نحو 20٪ بعد سيطرة حركة طالبان. إلا أن هذا الرقم يكتسب معنى مختلفاً عند تحليله في السياق الفعلي للاقتصاد الأفغاني.
فاقتصاد يواجه نمواً سكانياً سنوياً يقارب 3٪، ويعيش أكثر من 70٪ من سكانه تحت خط الفقر، يحتاج إلى نمو لا يقل عن 10٪ لتحقيق تحسن ملموس. وعليه، فإن نمو 3٪ يعكس في الواقع توقفاً نسبياً لمسار التراجع، وليس بداية نمو مستدام.
تمثلت أولى الصدمات في قطع العلاقات الاقتصادية مع باكستان، ولا تقتصر أهمية هذا التطور على تراجع الصادرات والواردات، بل تعود إلى الدور المحوري لباكستان في هيكل التجارة الخارجية لأفغانستان، إذ كانت تمثل المسار الرئيسي لارتباط البلاد بالاقتصاد العالمي، ومن خلالها كانت تصل إلى أسواق مثل الهند والإمارات وتركيا. ومع إغلاق هذا المسار، لم تتضرر فقط صادرات أفغانستان التي بلغت نحو 743 مليون دولار إلى باكستان، بل تعطلت أيضاً منظومة الوصول إلى المياه الدولية والأسواق الإقليمية.
وتكشف الأبعاد المالية لهذه الصدمة مدى اعتماد الاقتصاد الأفغاني على هذا المسار، إذ تشير تقديرات البنك الدولي لعام 2025 إلى أن توقف التجارة المباشرة بين البلدين تسبب بخسائر يومية تقارب 6.5 ملايين دولار لكل طرف.
وبحلول الفترة منذ أواخر أكتوبر 2025، بلغت هذه الخسائر نحو 910 ملايين دولار، ومع احتساب اضطرابات مسارات العبور وفقدان الأسواق الثالثة، يتجاوز إجمالي الخسائر 1.5 مليار دولار. وانعكس ذلك سريعاً على السوق المحلية، مع نقص السلع الأساسية وارتفاع الأسعار، حيث زادت أسعار بعض السلع بنحو 35٪.
في المقابل، اكتسبت إيران أهمية أكبر كمسار بديل، إذ تصدر سنوياً بضائع إلى أفغانستان بقيمة تقارب 3.5 مليارات دولار، وتعد من أبرز مزودي السلع الأساسية. كما توفر مسارات العبور عبر تشابهار وبندر عباس إمكانية الوصول إلى أسواق الشرق الأوسط والهند، التي يبلغ حجم التبادل التجاري معها نحو مليار دولار سنوياً.
لكن هذه المسارات تأثرت أيضاً بالتطورات الجيوسياسية، حيث أدى تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران إلى تعطيلها بشكل كبير. وبذلك، فقدت أفغانستان عملياً مساريها الرئيسيين للوصول إلى المياه الدولية، ما أدى إلى حالة انسداد مزدوج في الوصول إلى الأسواق العالمية.
وأدى ذلك على المدى القصير إلى ارتفاع الأسعار ونقص المعروض وزيادة الضغط على معيشة السكان، فيما يُتوقع أن يفاقم هذا الوضع الضغوط الاقتصادية على المدى الطويل ويؤثر بشكل كبير على الاستثمارات الداخلية.
ورغم زيادة التبادل التجاري مع دول آسيا الوسطى مثل أوزبكستان وطاجيكستان وتركمانستان وكازاخستان، إلا أن هذه الدول لا يمكنها تعويض دور إيران وباكستان، بسبب القيود الجغرافية وغياب الوصول الفعلي إلى المياه الدولية، ما يبقي أفغانستان معتمدة على مسارات توفر ارتباطاً مباشراً بالاقتصاد العالمي.
وشكلت عودة المهاجرين صدمة أخرى، إذ عاد أو تم ترحيل نحو 2.8 مليون مهاجر أفغاني من إيران وباكستان خلال عام 2025، ما فرض ضغوطاً إضافية على اقتصاد يعاني أساساً من محدودية فرص العمل وضعف الخدمات. وأسهمت الزيادة المفاجئة في عرض القوى العاملة، مع قلة الوظائف، في تفاقم الضغط على الخدمات والبنية التحتية ورفع مخاطر الأزمات الاجتماعية، وسط توقعات بموجة عودة أكبر، خصوصاً من إيران.
وفي الوقت ذاته، واصلت الأزمات البيئية إضعاف الاقتصاد، إذ تشير التقديرات إلى أن تكلفتها خلال السنوات الخمس الماضية بلغت نحو 5 مليارات دولار. وقد أثرت موجات الجفاف والفيضانات والزلازل بشكل مستمر على السكان والبنية التحتية، وكان للجفاف الأثر الأكبر اقتصادياً. كما تسبب زلزال العام الماضي في ولاية كنر بخسائر تقدر بنحو 183 مليون دولار، في وقت لا يزال كثير من المتضررين يفتقرون إلى الخدمات الأساسية.
وعلى الصعيد الداخلي، أسهمت سياسات حركة طالبان في تعقيد المشهد، إذ أدت القيود على مشاركة النساء اقتصادياً، وتراجع التعليم، وهجرة الكفاءات، إلى تقليص القدرة الإنتاجية للبلاد. وفي ظل حاجة الاقتصاد إلى رأس المال البشري، تحمل هذه السياسات آثاراً طويلة الأمد، وتُعد أحد أبرز العوائق أمام التعافي الاقتصادي.
كما شكّل تراجع المساعدات الخارجية تحدياً رئيسياً، حيث لم يتم تأمين نحو 90٪ من التمويل اللازم للاستجابة للأزمة الإنسانية، وفق الأمم المتحدة. وأدى انخفاض المساعدات ووقف الدعم الأميركي، وهو الأكبر لأفغانستان، إلى نتائج مباشرة تمثلت في إغلاق عشرات المراكز الصحية والتعليمية والخدمية.
ويعود هذا التراجع إلى تركيز المجتمع الدولي على أزمات أخرى، واستمرار التحديات الحقوقية في أفغانستان، إضافة إلى تدخل حركة طالبان في آليات توزيع المساعدات، مع توقع استمرار انخفاض الدعم خلال الفترة المقبلة.
وبشكل عام، يواجه اقتصاد أفغانستان وضعاً تتداخل فيه الضغوط الخارجية مع نقاط الضعف الداخلية، ما يعزز بعضها بعضاً. وفي هذا السياق، لا يمكن اعتبار نمو يتجاوز 3٪ مؤشراً على تعافٍ حقيقي، بل يعكس الحفاظ على وضع هش.
ومن المرجح أن يؤدي استمرار هذه الظروف إلى تضييق آفاق الاقتصاد على المدى المتوسط، في ظل القيود التجارية والضغوط السكانية والأزمات البيئية والسياسات الداخلية، ما يجعل أي تحول جوهري أمراً غير مرجح دون تغييرات ملموسة في العلاقات الإقليمية ومسارات التجارة والسياسات الداخلية.