هل ستستهدف المقاتلات الباكستانية قادة طالبان؟

أفادت مصادر مطلعة لقناة "أفغانستان إنترناشيونال" أنه مع اشتداد حدة الحرب بين باكستان وطالبان، طرح تساؤل مهم في الأذهان العامة، وهو هل ستتوجه الطائرات الباكستانية لاستهداف قيادة طالبان؟

أفادت مصادر مطلعة لقناة "أفغانستان إنترناشيونال" أنه مع اشتداد حدة الحرب بين باكستان وطالبان، طرح تساؤل مهم في الأذهان العامة، وهو هل ستتوجه الطائرات الباكستانية لاستهداف قيادة طالبان؟
وفي هذا الصدد، قال الجنرال السابق في الجيش الباكستاني، إنعام الحق، لقناة "أفغانستان إنترناشيونال" إن إسلام آباد تستخدم "ضغوطاً مدروسة" لكنها لا تهاجم قادة طالبان.ومع ذلك، تعتقد مجلة "ديبلومات" أن الهجوم على حراس هبت الله آخوند زاده في قندهار يحمل رسالة واضحة: إذا لم تتوقف طالبان عن دعمها لحركة طالبان باكستان، فإن باكستان ستهاجم نواة قيادتهم بشكل مباشر.وما يبدو جلياً هو أن الحرب العلنية بين طالبان وباكستان دخلت مرحلة خطيرة خلال الأسابيع الماضية.نفذت باكستان هجمات متعددة في أهم المدن الأفغانية مثل كابل وقندهار، بل ووصلت المقاتلات إلى بلخ، وردت طالبان بهجمات برية وبالطائرات المسيرة، حيث أدى تصاعد النزاع إلى دق ناقوس الخطر بشأن اختلال استقرار المنطقة.أكدت الأمم المتحدة مقتل 143 شخصاً في غارات جوية باكستانية استهدفت مركزاً لعلاج المدمنين في كابل، لكن طالبان أعلنت أن عدد الضحايا بلغ 400 شخص.وقالت بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى أفغانستان (يوناما) في تقرير لها إنه منذ أواخر فبراير الماضي، قُتل ما بين 75 إلى 212 مدنياً أفغانياً في هذه الحرب وأصيب مئات آخرون.ومع ذلك، لا يزال هناك تساؤل كبير قائماً، بينما يُقتل المدنيون، لماذا لم تستهدف باكستان حتى الآن القادة رفيعي المستوى في طالبان؟ ولدى المحللين الوطنيين والدوليين تصورات وتحليلات مختلفة في هذا الشأن.
ما هي حسابات الحرب الباكستانية؟
وصرّح الجنرال السابق في الجيش الباكستاني، إنعام الحق، لقناة "أفغانستان إنترناشيونال" بأن إسلام آباد لم تشن حرباً شاملة ضد طالبان، بل تستخدم "ضغوطاً مدروسة". وبحسب السيد إنعام الحق، فإن باكستان تتجنب بوعي استهداف قيادة طالبان ولا تقطع علاقاتها مع النظام الحاكم، لكنها تستهدف مستودعات الأسلحة والقادة الميدانيين والمخافر الحدودية، لأنها تريد إبقاء طالبان تحت الضغط.
وحتى الآن، لم تطرد باكستان سفير طالبان من إسلام آباد، وبالعكس، لا يزال سفير باكستان يواصل عمله في كابل.
ويؤكد الجنرال إنعام الحق أن باكستان لا تريد عبور "الخط الأحمر" الذي قد يحول الحرب إلى كارثة كاملة.
ويقول إن أحد المخاوف المهمة في إسلام آباد هو أنه في حال مقتل كبار قادة طالبان، سيحدث فراغ في السلطة في أفغانستان، وستتسع دائرة الصراعات، وقد يؤدي عدم الاستقرار إلى إضعاف أمن خيبر بختونخوا وبلوشستان بشكل أكبر، وهو وضع سيكون من الصعب على باكستان السيطرة عليه.
وتشير إحدى التقييمات الباكستانية إلى أنه لا توجد حتى الآن قوة منظمة في أفغانستان لتحل محل طالبان، وأن انهيار قيادة الحركة قد يشكل خطراً على المنطقة بأكملها، حيث إن الجماعات المسلحة الأجنبية التي تخضع الآن لنفوذ وسيطرة طالبان، قد تتدفق نحو الصين ودول آسيا الوسطى وحتى داخل الأراضي الباكستانية في حال غياب قيادة طالبان وتفاقم عدم الاستقرار.
لهذا السبب، فإن أحد خيارات إسلام آباد هو البحث عن مجموعات تميل للتعاون داخل طالبان.
ومن وجهة نظر الجنرال إنعام الحق، تبحث إسلام آباد أيضاً عن شبكات نفوذ داخل طالبان، حيث تعتبر باكستان مجموعات مثل شبكة حقاني "قريبة منها نسبياً"، لكنها تفرض ضغوطاً أكبر على المجموعات الأخرى الأقل تنسيقاً مع باكستان.
وبناءً على معلومات من مصادر إقليمية، فإن العديد من عناصر طالبان الذين يقاتلون على طول خط ديورند ينتمون إلى منطقة قندهار ولهم صلة بهبت الله آخوند زاده، بينما يتضاءل دور آل حقاني هناك، وتعتبر المصادر أن أحد أسباب ذلك هو تعيين هبت الله آخوند زاده لأشخاص مقربين منه في مناصب عسكرية وحكومية في مديريات الجنوب الغربي لأفغانستان.
ويعتبر الجنرال إنعام الحق هذا النوع من التقسيم الذي تنتهجه إسلام آباد بين صفوف طالبان نوعاً من سياسة "التوازن الداخلي" ليبقى هيكل طالبان على شكله الحالي، ومع ذلك، يتبنى بعض المحللين الدوليين وجهة نظر مختلفة.
باكستان مستعدة "للهجوم مباشرة على حلقة قيادة طالبان"
وقالت مجلة "ديبلومات" إن الهجمات الباكستانية الأخيرة تظهر أن هذا البلد مستعد لنقل المعركة مباشرة إلى نواة قيادة طالبان في حال استمرار إدارة طالبان في دعم الجماعات المناهضة لباكستان.
وذكرت المجلة أن النزاع قد تصاعد وهناك أسباب تشير إلى أن الهجمات العسكرية الباكستانية قد لا تنتهي قريباً.
وجاء في المقال أنه في 14 مارس، دخلت الهجمات الباكستانية مرحلة أكثر شدة، عندما قصفت المقاتلات الباكستانية حراس زعيم طالبان في قندهار، هبة الله آخوندزاده، وكانت رسالة هذا الهجوم واضحة: إذا استمر الدعم للجماعات المناهضة لباكستان، فإن باكستان مستعدة للهجوم مباشرة على حلقة قيادة طالبان.
لم تكن هذه الحركة مجرد رد فعل، بل كانت جزءاً من تموضع استراتيجي أوسع يحدد العمليات العسكرية الباكستانية الجديدة.
ونقلاً عن مجلة "ديبلومات"، يبدو أن قيادة طالبان صُدمت من الهجمات الباكستانية، فقوات طالبان ليست مستعدة للرد العسكري التقليدي، فعلى سبيل المثال، حاولت طالبان أحياناً الرد باستخدام طائرات مسيرة بدائية أو إطلاق نار متفرق على المخافر الحدودية، لكن هذه المحاولات واجهت رداً عسكرياً ثقيلاً من باكستان، ومن الواضح أن عدم التوازن في القدرات جليّ ويظهر من خلال قدرة باكستان على إلحاق خسائر فادحة بالبنية التحتية العسكرية لطالبان.
وفي آخر الحالات، قصفت باكستان ليلة الإثنين فيلقاً في محافظة دهدادي بولاية بلخ، وقبل أسبوع وقع الهجوم الدامي على مركز علاج الإدمان في كابل، ويظهر هجوم بلخ أن هدنة عيد الفطر قد انكسرت ولا توجد بوادر لتراجع حدة الهجمات الباكستانية الوشيكة.
أحد الخيارات: قصف زعيم طالبان
ويتبنى بعض المحللين الأفغان وجهة نظر مماثلة ويعتبرون استهداف قيادة طالبان "خياراً".
يقول عظيم رحيمي، الخبير في الشؤون العسكرية والأستاذ السابق بجامعة كابل، إن استهداف قيادة طالبان يعد خياراً لباكستان، لكنها لا تستخدمه بشكل فوري ودائم، وأضاف: "لن تستخدم باكستان هذا الخيار إلا عند وجود ضرورة وحسابات سياسية وأمنية، وفي الوقت الحالي لا تريد باكستان حقاً سقوط نظام طالبان، بل تستخدم فقط ضغوطاً محدودة".
ويقول أيضاً إن تجربة الحروب السابقة في العراق وأفغانستان أوصلت باكستان إلى قناعة بأن إسقاط نظام حاکم يمكن أن يخلق أزمات طويلة الأمد.
قادة حركة طالبان باكستان
منذ 27 فبراير وحتى 13 مارس الجاري، كانت الأهداف الرئيسية للغارات الجوية الباكستانية في أفغانستان بشكل محدد هي المخافر الحدودية لطالبان، والألوية، والكتائب، ومراكز تخزين الأسلحة والذخيرة.
ويقول محمود شاه، وهو عميد متقاعد في الجيش الباكستاني، إن المحرك الرئيسي للنزاع الباكستاني مع طالبان هو أنشطة حركة طالبان باكستان، وبحسب قوله، فإنه بعد وصول طالبان إلى السلطة، ازدادت الهجمات في المناطق القبلية، وازداد الهجوم على القواعد العسكرية والشرطة، كما زادت المحاولات للسيطرة على المخافر الحدودية، وهو موضوع زاد من مخاوف باكستان.
وبعد مرور أربعة أعوام ونصف على سيطرة طالبان على أفغانستان، تصدرت باكستان قائمة الدول المتضررة من الإرهاب في العالم.
ويضيف: "حاولت باكستان في البداية التفاوض مع طالبان، ولكن بعد فشل هذه المفاوضات، اضطرت لتنفيذ غارات جوية".
وحتى الآن، لم تطل الهجمات الباكستانية الأخيرة قيادة حركة طالبان باكستان أيضاً.
وتقول بعض المصادر إن بعض قادة طالبان الباكستانيين عادوا إلى مناطق نفوذهم داخل باكستان مع اشتداد الهجمات الباكستانية على أفغانستان.
وكانت الأمم المتحدة قد أكدت في وقت سابق وجود قوات حركة طالبان باكستان والانفصالیین البلوش في الأراضي الأفغانية.
وبناءً على ذلك، لا يزال الغموض يكتنف الهدف الحقيقي للغارات الجوية الباكستانية.
مصير المعدات الأمريكية المتبقية في أفغانستان
استهدفت باكستان خلال هجماتها مستودعات أسلحة وقواعد سابقة للناتو في أفغانستان، بما في ذلك قاعدة باغرام.
يعتقد بعض المحللين أن إسلام آباد تسعى لتدمير الأسلحة الأمريكية في أفغانستان، حيث تقول إسلام آباد إن حركة طالبان باكستان تستخدم هذه الأسلحة أيضاً، ويرتبط تدمير المعدات الأمريكية المتبقية في أفغانستان، بحسب المحللين، بالمصالح المشتركة للولايات المتحدة وباكستان.
وقد دعمت الولايات المتحدة الأمريكية باكستان في الحرب ضد طالبان.
وخلال السنوات الخمس الماضية، اشتكت باكستان مراراً في مجلس الأمن الدولي من الأسلحة الأمريكية التي وقعت في أيدي المسلحين الباكستانيين، كما صرح رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، دونالد ترامب، في وقت سابق بأنه يشعر بالغضب عندما يرى طالبان يستعرضون بالمعدات الأمريكية في قاعدة باغرام.
تقول طالبان إنها توسطت مرتين في المفاوضات بين حركة طالبان باكستان والجانب الباكستاني، وأنه تم إحراز تقدم بنسبة 90٪ تقريباً في هذه المحادثات، لكن التغيير في القيادة العسكرية الباكستانية وسقوط حكومة عمران خان أفشل هذه الجهود.
وتعتبر طالبان رئيس أركان الجيش الباكستاني عائقاً أمام حوار هذا البلد مع حركة طالبان باكستان، ويصفونه بـ "الحلقة الخاصة"، وباعتقادهم، فإن القيادة الجديدة للجيش الباكستاني ترفض الحوار مع الجماعات المسلحة الباكستانية وتطالبهم بإلقاء أسلحتهم.
هذا الغموض، بالإضافة إلى عدم استهداف قادة حركة طالبان باكستان وطالبان، ساهم أحياناً في تعزيز نظرية المؤامرة حول الحرب بين طالبان وباكستان على وسائل التواصل الاجتماعي.
شكوك حول جدية الحرب
يعد روشن كروار، المحلل السياسي، من بين الذين لا يزالون ينظرون بعين الريبة إلى الأزمة الحالية، ويستخدم عبارة "حرب مهندسة" لوصف هذا النزاع.
وباعتقاد هذا المحلل السياسي، فإن التهديدات الخارجية يمكن أن تبني الدول وتقويها أحياناً، كما أن الهجمات الباكستانية على كابل منحت طالبان فرصاً كبيرة لكسب المزيد من الدعم الشعبي.
ويقول: "إن عدم استهداف قادة حركة طالبان باكستان وطالبان يظهر أن هذه الحرب مهندسة".
لكن محمد فياض، الأستاذ بجامعة لاهور، يرى أن السياسة الخارجية الباكستانية في العامين الماضيين كانت "منظمة ومنسقة"، وبحسب رأيه، لا تريد باكستان خلق أزمة جديدة في الداخل أو على المستوى الإقليمي، بل تريد الحفاظ على أمن حدودها، وإعطاء الأولوية للاقتصاد، وعدم الإضرار ببقاء النظام في أفغانستان.
ووفقاً لقوله، فإن توسيع الحرب ضد طالبان قد يخلق موجة من الراديكالية، وتحاول إسلام آباد فقط احتواء حركة طالبان باكستان باعتبارها "تهديداً فورياً"، وليس استهداف إدارة طالبان.
وباعتقاده، فإن باكستان تدرك أن القضاء على قيادة طالبان يمكن أن يخلق فراغاً دموياً وواسعاً، ولهذا السبب تريد إسلام آباد فقط إبقاء طالبان تحت الضغط.
تعاون باكستان مع معارضي طالبان
بالتزامن مع الغارات الجوية العنيفة، تواصل باكستان اتصالاتها الوثيقة مع معارضي طالبان.
حيث يعقد يوم الثلاثاء اجتماع في لندن بين ممثلي إسلام آباد ومعارضي طالبان.
وقبل ذلك، قال وزير دفاع طالبان، محمد يعقوب مجاهد، في مقابلة تلفزيونية إن لديه معلومات دقيقة تظهر أن باكستان تمول وتجهز معارضي طالبان وتريد إدخالهم من الحدود إلى الأراضي الأفغانية.
ورفضت طالبان خلال السنوات الأربع والنصف الماضية إجراء حوارات جادة مع المجتمع الأفغاني حول مطالب مثل إعادة فتح المدارس والحقوق والحريات الأساسية للمواطنين، ويأمل البعض أن تضطر طالبان تحت ضغط أكبر للخضوع للمفاوضات من أجل تشكيل حكومة شرعية.
ومنذ بدء هذه النزاعات، أُغلقت جميع الطرق التجارية بين أفغانستان وباكستان، وهو حدث يوجه ضربة اقتصادية يومية لكلا البلدين تقدر بملايين الدولارات، وبدلاً من باكستان، ركزت طالبان بشكل أكبر على التجارة مع آسيا الوسطى والهند، وتواجه الحدود الحالية بين البلدين توتراً وعدم استقرار.
وكتبت صحيفة "فايننشال تايمز" أن ألف شخص على الأقل فقدوا حياتهم في هذه الحرب، وبحسب إحصاءات الأمم المتحدة، نزح حتى الآن 100 ألف شخص جراء هذه الحرب، ويخشى الكثيرون من أن يؤدي زيادة النزاعات إلى سقوط ضحايا مدنيين، وزيادة الدمار والنزوح وتفاقم الأزمة الاقتصادية.