ومنذ بدء العمليات العسكرية الباكستانية ضد طالبان، لم تُسجَّل أي هجمات انتحارية دامية في المدن الباكستانية، كما أوقفت حركة طالبان باكستان (TTP) — بشكل غير معلن — معظم عملياتها الكبرى وهجماتها الانتحارية.
وخلال الشهر الماضي، لم تشهد العاصمة الباكستانية إسلام آباد أي حادث أمني مميت، على عكس كابل التي سجلت مئات القتلى.
وكان آخر هجوم كبير داخل باكستان قد وقع في 24 فبراير 2026 عند نقطة تفتيش داجال على الحدود بين إقليمي خيبر بختونخوا والبنجاب، حيث فجّر انتحاري نفسه، ما أسفر عن مقتل شرطيين وإصابة أربعة آخرين.
وتبنت الهجوم جماعة "أنصار الإسلام" المرتبطة بفرع غلبهادر التابع لحركة طالبان باكستان. ومنذ ذلك الحين، لم تنفذ الحركة أي هجمات كبيرة داخل المدن الباكستانية.
وبعد أيام من هذا الهجوم، أعلن وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف أن "صبر باكستان قد نفد، وأن الحرب المفتوحة مع أفغانستان قد بدأت"، تزامناً مع إطلاق سلاح الجو الباكستاني عملية عسكرية واسعة تحت اسم "غضب للحق".
وخلال الشهر الماضي، لم تعرف ليالي أفغانستان الهدوء، إذ تعرضت مناطق واسعة — من كابل إلى قندهار، ومن بنجشير إلى بروان، ومن كابيسا إلى ننغرهار، ومن لغمان إلى خوست، ومن بكتيا إلى بكتیکا، ومن نورستان إلى هرات، وصولاً إلى بلخ — لغارات جوية مكثفة.
وأسفرت هذه الهجمات عن مقتل وإصابة مئات الأشخاص. وتقول طالبان إن إحدى الضربات التي استهدفت مركزاً لعلاج الإدمان شرق كابل خلفت ما لا يقل عن 408 قتلى و250 جريحاً. كما أعلنت الأمم المتحدة نزوح أكثر من 100 ألف شخص خلال الشهر الماضي.
في المقابل، ورغم ارتفاع عدد الضحايا المدنيين في أفغانستان، أوقفت الجماعات المسلحة الباكستانية هجماتها الانتحارية وعملياتها الكبرى، فيما اقتصرت الهجمات داخل باكستان على ضربات بطائرات مسيّرة صغيرة يُعتقد أن طالبان نفذتها، دون تسجيل خسائر كبيرة. كما تستمر الاشتباكات على طول خط ديورند، إلا أن المدنيين الأفغان هم الأكثر تضرراً.
وذكرت مجلة "ذي دبلومايت" أن هجمات حركة طالبان باكستان داخل الأراضي الباكستانية تراجعت بشكل ملحوظ منذ بدء العمليات العسكرية، ولم تُسجَّل أي أنشطة كبيرة للجماعة حتى الآن.
ويأتي هذا الهدوء النسبي بعد أربع سنوات من تصاعد العنف، كانت خلالها باكستان من أكثر الدول تضرراً من الإرهاب.
وفي أحدث تقاريره، أعلن معهد الاقتصاد والسلام أن باكستان تصدرت لأول مرة قائمة الدول الأكثر تأثراً بالإرهاب، مشيراً إلى أنها تكبدت أكبر خسائر من الهجمات الإرهابية خلال العام الماضي. وأضاف أن تصاعد نشاط الجماعات المتطرفة يُعد أحد تداعيات عودة طالبان إلى السلطة في أفغانستان عام 2021.
مسعود: سياسات طالبان جلبت القصف الأجنبي
من جانبه، قال أحمد مسعود، زعيم جبهة المقاومة الوطنية، إن سياسات طالبان أدت إلى قصف أفغانستان من قبل طائرات أجنبية، مضيفاً: "ما يحدث اليوم في أفغانستان هو نتيجة مباشرة لأداء طالبان".
وأشار إلى أن الحركة وفّرت ملاذاً لحركة طالبان باكستان وأكثر من 20 جماعة متطرفة أخرى، معتبراً أنها تتحمل المسؤولية الرئيسية عن الوضع الراهن. وأضاف: "كما أدى إيواء طالبان لأسامة بن لادن وتنظيم القاعدة في السابق إلى التدخل الأمريكي، فإن استضافتها اليوم لـTTP وجماعات أخرى أدى إلى هذه الهجمات". ومع ذلك، شدد على أن معارضة طالبان لا تعني تأييد القصف أو العدوان.
وفي السياق ذاته، قال خبير عسكري في كابول إن "طالبان دفعت باكستان إلى نقل ساحة الحرب من إسلام آباد إلى كابول، وأن دماء المدنيين الأفغان هي نتيجة مباشرة لسياسات الحركة".
دعوات دولية لحماية المدنيين
من جانبها، دعت منظمات حقوقية دولية باكستان إلى وقف الهجمات التي تهدد حياة المدنيين.
وقالت منظمة العفو الدولية، في بيان لها، إن على السلطات الباكستانية توضيح الأسس الاستخباراتية التي استندت إليها في تنفيذ هذه الضربات، والإجراءات التي اتخذت للتحقق من أهدافها، مطالبة بإجراء تحقيقات مستقلة ونزيهة وسريعة في سقوط الضحايا المدنيين، ونشر نتائجها لضمان المساءلة.
وأضافت المنظمة أن "الجيش الباكستاني كان ينبغي أن يتخذ جميع الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين قبل تنفيذ الهجمات"، مؤكدة أنه "حتى في حال وجود أهداف عسكرية داخل الموقع المستهدف، يجب تقييم الأضرار المحتملة على المدنيين قبل اتخاذ قرار الهجوم".
كما دعت المنظمات الحقوقية جميع أطراف النزاع إلى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، واتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المدنيين والبنى التحتية المدنية، بما في ذلك المستشفيات والمراكز الصحية.