وذكر خبراء الأمم المتحدة أن لائحة العقوبات الجنائية لمحاكم حركة طالبان، المعروفة باسم "المرسوم رقم 12"، تتعارض مع الالتزامات الدولية لأفغانستان.
وأكد الخبراء في الرسالة التي نُشرت الخميس، والموجهة إلى وزير خارجية حركة طالبان، أمير خان متقي، أن أجزاء من هذه اللوائح لا تتوافق مع التعهدات الدولية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب، والمعاهدات الحقوقية الأخرى.
وطالب الخبراء بالإصلاح الفوري لهذه اللوائح ومراعاة حقوق جميع الأفراد الخاضعين لسيطرة حركة طالبان.
وقد وقع على هذه الرسالة أكثر من عشرة من خبراء الأمم المتحدة المعنيين بحقوق الإنسان، بمن فيهم المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في أفغانستان، ريتشارد بينيت.
مخالفة الالتزامات الدولية لأفغانستان
وأكد خبراء الأمم المتحدة أن أفغانستان عضو في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب، واتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة، وأن إدارة طالبان ملزمة بمراعاة هذه الالتزامات.
وجاء في الرسالة أن أجزاء من أصول القانون الجنائي لمحاكم حركة طالبان تتعارض مع مبادئ حقوق الإنسان، بما في ذلك حظر التعذيب والحق في المحاكمة العادلة وحقوق النساء والأقليات، وتؤدي إلى خطر حدوث انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
وطالب الخبراء حركة طالبان بتقديم توضيحات وإجراء إصلاح فوري لهذه القوانين.
وأكد الخبراء الأمميون أن هدفهم هو مساعدة طالبان على مواءمة اللوائح الجديدة مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وحذروا من أن مسؤولية حماية حقوق جميع الأفراد في الأراضي الخاضعة لسيطرة حركة طالبان تقع على عاتقها.
وهذه الرسالة هي جزء من آلية الاتصالات الخاصة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والتي تُستخدم لمتابعة حالات انتهاك حقوق الإنسان.
غموض في عملية التشريع لدى حركة طالبان
في الوقت نفسه، قالت مجموعة من خبراء حقوق الإنسان إن أصول القانون الجنائي للمحاكم التي أصبحت واجبة التنفيذ بعد توقيع زعيم حركة طالبان عليها، لا تشير إطلاقاً إلى الدستور الأفغاني، ولم تستند إلى المرسوم الصادر في 9 أكتوبر 2022 الذي يحدد عملية اعتماد الوثائق التشريعية.
وأكد الخبراء أن عملية التشريع لدى حركة طالبان، بما في ذلك التشاور مع مؤسسات خارج هيكل الحركة، غير معروفة وغامضة، وليس من الواضح على أي أساس تم تدوين واعتماد هذه القوانين.
وتدعي حركة طالبان أن هذه القوانين وضعت بناءً على الشريعة، لكن بعض خبراء المسائل الإسلامية وجهوا انتقادات بشأن مواءمة هذه اللوائح مع الأصول الإسلامية.
وقال خبراء حقوق الإنسان إنهم مستعدون لتقديم أي مشورة فنية لازمة لحركة طالبان.
وكان زعيم طالبان، ملا هبة الله آخوندزاده، وفق وأقرّ مؤخراً أصول القانون الجنائي للمحاكم التي تتضمن عشرة فصول و119 مادة.
وبحسب الخبراء، فإن اللوائح الجديدة صدرت بشكل أساسي باللغة البشتوية وتفتقر إلى نسخة رسمية باللغة الفارسية الدرية، وهو الأمر الذي يؤدي، نظراً لانتشار اللغة الفارسية في أفغانستان، إلى اختلال في الفهم والتنفيذ الموحد للوائح من قبل السلطات القضائية والإدارية ويضعف الأمن القانوني.
كما أحالت بعض مواد هذه الأصول إلى مصادر الشريعة باللغة العربية، مما يجعل وصول القضاة والمواطنين غير الناطقين بالعربية إلى المحتوى والالتزامات القانونية أمراً صعباً.
التمييز الطبقي والإشارة إلى العبودية في اللوائح
وأشار خبراء الأمم المتحدة إلى المادة 9 من هذه الأصول التي قسمت المجتمع إلى أربع طبقات تشمل العلماء، والأشراف، والطبقة المتوسطة، والطبقة الدنيا، وقالوا إن الطبقات الدنيا تتلقى عقوبات مثل الجلد، لكن الطبقات العليا تحصل على عقوبات خفيفة أو بلا عقوبة.
وقد منحت هذه المادة القضاة صلاحية كاملة لتحديد مكانة الأفراد، مما هيأ الأرضية للتمييز والتأثير السلبي على الفئات المهمشة. كما أن هذا التصنيف يفرق ضمنياً على أساس الجنس أيضاً، حيث تم استبعاد النساء من بعض أدوار القيادة الاجتماعية والسياسية.
وفي جزء من اللوائح تمت الإشارة إلى العبد ومالك العبيد، واعتبرت المادة 4 أن لملاك العبيد الحق في تحديد عقوبات اختيارية.
كما تقسم المادة 15 الأفراد إلى فئتين: "أحرار" و"عبيد". وذكر الخبراء أن العبودية محظورة بناءً على القانون الدولي والمادة 8 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وأن مثل هذه التقسيمات تتعارض مع مبدأ المساواة والحماية المتساوية أمام القانون.
انتهاكات واسعة لحقوق النساء والأطفال
كما تؤكد اتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة (CEDAW) أن أي تمييز أو استبعاد أو تقييد على أساس الجنس يمنع تمتع النساء على قدم المساواة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية في أي مجال، يعد من قبيل التمييز.
وقال الخبراء إنه بناءً على هذه الاتفاقية، تلتزم الدول باتخاذ وتنفيذ سياسات دون تأخير للقضاء على مثل هذا التمييز وإلغاء القوانين واللوائح والأعراف والممارسات التمييزية.
وكتب خبراء الأمم المتحدة في الرسالة المفصلة أن هناك حالات عديدة لانتهاكات صارخة لحقوق المرأة تظهر في قوانين حركة طالبان.
وبناءً على المادة 32 من اللائحة، فإنه لا يتم النظر في عقوبة جنائية للزوج إلا في حال تعرض الزوجة لضرب وجرح شديد، مثل الكسور أو الجروح أو الكدمات الواضحة، بينما تم تجاهل الأشكال الأخرى من العنف المنزلي، بما في ذلك العنف النفسي والجنسي.
وجاء في الرسالة أن قوانين حركة طالبان لم تحدد ولم تجرم العديد من أشكال العنف ضد النساء والفتيات، ولا سيما العنف الجنسي، والنفسي، والاتجار بالبشر، والاستغلال الجنسي.
وتسمح لوائح حركة طالبان بالعقاب البدني للأطفال، وفي حال حدوث إصابة خطيرة مثل الكسر أو الجرح، تقتصر عقوبة المعلمين على الفصل فقط. هذا في حين أن المادتين 28 و37 من الاتفاقية تحظران تماماً أي سلوك مهين وقاسٍ.
كما أنه بناءً على المادة 48 من أصول حركة طالبان، يمكن للأب تنبيه طفله البالغ من العمر 10 سنوات لأسباب تتعلق بـ "المصلحة العامة" مثل ترك الصلاة.
وقال الخبراء إن هذا الموضوع يتعارض مع التزامات أفغانستان تجاه المادتين 19 و37 من اتفاقية حقوق الطفل، وأن المصطلحات الغامضة مثل "الأمور المشابهة" و"المصلحة العامة" تزيد من إمكانية التفسير وممارسة العنف.
قمع الأقليات الدينية
وقال الخبراء إن هذا الإجراء يتعارض مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR) واتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة (CEDAW).
وقد طالبت الأمم المتحدة مراراً بإلغاء مثل هذه القوانين التمييزية.
وفيما يخص حرية الدين والمعتقد، قال خبراء الأمم المتحدة إن لوائح حركة طالبان عرفت المسلمين بأنهم أتباع الفقه الحنفي فقط، ووصفت الشيعة بـ "المبتدعين".
ويُحظر تغيير المذهب من الحنفي ويواجه عقوبة الحبس، كما وضعت عقوبات شديدة للردة والإساءة للمقدسات. وتنتهك هذه اللوائح الحق في حرية الدين والتعبير، وتشرعن التمييز ضد الأقليات واللادينيين.
تحذير من حرية التعبير وخطر الممارسات التعسفية
وفقاً للخبراء، قامت حركة طالبان أيضاً بقمع حرية التعبير والتجمع بشدة، وأي انتقاد للمسؤولين الدينيين أو الحكوميين يخضع للعقوبة، كما تم تجريم المشاركة في "المحافل المشبوهة" أو مجالسة "الفاسقين".
وحذر تقرير خبراء الأمم المتحدة من أن أصول القانون الجنائي لمحاكم حركة طالبان، بمفاهيمها الغامضة والواسعة، مهدت الطريق للتفسير والممارسة التعسفية للعنف والتمييز وانتهاك الحقوق الأساسية لملايين المواطنين الأفغان، وهي تتعارض مع الالتزامات الدولية لأفغانستان.