سياسية أوروبية بارزة: مكان طالبان هو محكمة لاهاي وليس أوروبا
انتقدت رئيسة وفد العلاقات مع أفغانستان في البرلمان الأوروبي، احتمال توجيه دعوة لممثلي حركة طالبان إلى بروكسل، معتبرة أن سياسات الحركة تجاه النساء تمثل «فصلاً عنصرياً قائماً على النوع الاجتماعي» وترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية.
وقالت راكيل غارسيا هيرميدا فان دير فال، في مقابلة مع أفغانستان إنترناشيونال، إن أعضاء طالبان يجب أن يواجهوا الاعتقال والإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بدلاً من استقبالهم في دول الاتحاد الأوروبي.
وأكدت أن الاتحاد الأوروبي لا يمنح طالبان أي شرعية، مشددة على أن الظروف الحالية لا توفر أساساً لأي تعامل رسمي مع الحركة.
وأوضحت أن الاتحاد الأوروبي يعتمد خمسة معايير أساسية في علاقاته مع الدول، مشيرة إلى أن أياً من هذه المعايير لا يُحترم في أفغانستان الخاضعة لسيطرة طالبان. كما أعربت عن قلقها من الاتصالات التي تجريها بعض الدول الأوروبية مع الحركة، مؤكدة ضرورة التمييز بين السياسة الرسمية للاتحاد الأوروبي والمواقف المنفردة لبعض الحكومات الأعضاء.
وكانت ألمانيا قد استقبلت خلال الأشهر الماضية ممثلين عن طالبان في برلين وبون، وتعاونت مع الحركة في ملف ترحيل المهاجرين الأفغان، فيما استضافت النرويج في وقت سابق وفوداً من طالبان في العاصمة أوسلو.
تحذير من تطبيع العلاقات مع طالبان
ووصفت المسؤولة الأوروبية احتمال دعوة ممثلي طالبان إلى بروكسل بأنه «خطير للغاية»، مضيفة أن مثل هذه الخطوة ستبعث برسالة مفادها أن ممارسات الحركة مقبولة، الأمر الذي من شأنه أن يساهم في تطبيع التعامل معها.
وقالت: «إن دعوة طالبان تعني عملياً إضفاء طابع طبيعي على وجودها السياسي، وهو ما سيعارضه البرلمان الأوروبي».
كما رفضت مبررات المفوضية الأوروبية الداعية إلى الحوار مع طالبان بشأن ترحيل المهاجرين الأفغان، معتبرة أنه لا يمكن التفاوض مع جهة كانت، بحسب تعبيرها، من الأسباب الرئيسية وراء موجات الهجرة الواسعة من أفغانستان.
دعوات لملاحقة قادة طالبان قضائياً
وأكدت فان دير فال أن السياسات التي تنتهجها طالبان بحق النساء والفتيات تمثل نموذجاً واضحاً للفصل العنصري القائم على النوع الاجتماعي، مشيرة إلى وجود جهود دولية للاعتراف بهذا المفهوم كجريمة ضد الإنسانية.
وأضافت أن الاعتراف القانوني بهذا التصنيف قد يفتح المجال أمام فرض قيود إضافية على سفر مسؤولي طالبان وإصدار مزيد من مذكرات التوقيف الدولية بحق قادة الحركة.
ودعت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى اعتقال مسؤولي طالبان في حال دخولهم الأراضي الأوروبية وتسليمهم إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.
وفي ختام تصريحاتها، طالبت بتشديد الضغوط والعقوبات الدولية على طالبان، مؤكدة أن المجتمع الدولي مطالب ببذل جهود أكبر لإنهاء الوضع الراهن في أفغانستان.
كل صباح يستعد بهزاد، البالغ من العمر ستة عشر عاماً، للذهاب إلى المدرسة. لكن رغم مرور شهرين على بدء العام الدراسي الجديد، ما تزال العديد من المواد الدراسية بلا معلمين، ولذلك لا يحمل معه سوى نصف كتبه المدرسية.
الساعة الرابعة فجراً في مدينة مزار الشريف، وما تزال المدينة غارقة في الظلام. يستيقظ بهزاد، البالغ من العمر ستة عشر عاماً، قبل بزوغ الفجر. يؤدي صلاة الفجر، ويطوي سجادة الصلاة، ثم يستعد للذهاب إلى المدرسة.
اليوم لديه ست حصص دراسية، لكنه يضع في حقيبته ثلاثة كتب فقط، لأن نصف المواد الدراسية تقريباً لا يوجد لها معلمون.
عند الساعة الخامسة فجراً يعود بهزاد إلى فراشه ويغرق في نوم عميق.
وعندما يستيقظ مجدداً عند الساعة السابعة والنصف صباحاً، يكون فطوره البسيط جاهزاً: خبز يابس، وشاي، وسكر. ثم يرتدي الزي المفروض عليه ــ الثوب التقليدي الأبيض مع القبعة ــ ويتجه إلى المدرسة.
أما شقيقته مريم، البالغة من العمر سبعة عشر عاماً، فتبقى في المنزل وتقوم برفع المائدة. لقد مضى عليها 1719 يوماً وهي محرومة من حق الذهاب إلى المدرسة.
«لا يمكنكم دخول المدرسة من دون القبعة والقميص والسروال التقليدي»
مدرسة بهزاد مفتوحة رسمياً. أمام البوابة يقف التلاميذ في صفوف منتظرين السماح لهم بالدخول.
بهزاد تلميذ في الصف السابع بمدرسة حضرة نعمان الثانوية في منطقة كارتة خراسان بمدينة مزار الشريف، ويتوجه إلى المدرسة يومياً من الساعة الثامنة صباحاً حتى الثانية عشرة ظهراً.
في السنوات الماضية كان زيه المدرسي الرسمي عبارة عن قميص أزرق وبنطال أسود. لكن مع بداية العام الدراسي الجديد في شهر حمل، أعلنت وزارة المعارف التابعة لطالبان أن تلاميذ المرحلتين الابتدائية والمتوسطة ملزمون بارتداء القميص والسروال الأبيضين مع قبعة بيضاء، فيما يُطلب من طلاب المرحلة الثانوية ارتداء العمامة والقميص والسروال التقليديين.
عند بوابة المدرسة يقف مسؤول الانضباط؛ وهو معلم يرتدي العمامة والقميص والسروال التقليديين، وله لحية طويلة، ويتولى مراقبة الالتزام بالقواعد، ولا سيما ما يتعلق بملابس التلاميذ.
وبما أن بهزاد يرتدي الزي المطلوب والقبعة البيضاء، يُسمح له بالدخول. أما التلاميذ الذين لا يلتزمون بهذه التعليمات فيُمنعون من دخول حرم المدرسة ويبقون خارج البوابة.
الفراغ الذي تركته المعلمات
تبدأ الحصة الأولى، لكن لا يوجد أي معلم داخل الصف. يتجول التلاميذ في ساحة المدرسة؛ بعضهم يستلقي على المقاعد بسبب قلة النوم، وبعضهم يضع رأسه على الطاولة ليكمل نومه، بينما ينشغل آخرون بالأحاديث والعبث.
ويُعد نقص المعلمين إحدى أبرز مشكلات هذه المدرسة. ففي مدرسة خراسان لا يتوفر لطلاب الصف السابع سوى معلمي أربع مواد فقط. وفي الأيام التي يحضر فيها ثلاثة معلمين يعتبر التلاميذ ذلك «يوماً دراسياً مكثفاً»، ومع ذلك تمر ثلاث ساعات على الأقل من الدوام من دون تدريس فعلي.
بعد سيطرة طالبان على أفغانستان في أغسطس/آب 2021، أُبعدت المعلمات عن المدارس الثانوية الخاصة بالبنين، وهو قرار يقول التلاميذ والمسؤولون إنه أحدث فراغاً كبيراً في النظام التعليمي. وبعد ما يقرب من خمس سنوات ما زال هذا الفراغ قائماً.
قبل أربع سنوات ونصف كانت فريدة عارفي تدير مدرسة حضرة نعمان، لكن بعد التغييرات أُعفيت من منصبها وأسندت الإدارة إلى رجل دين يُدعى المولوي سيف الدين.
يقول بهزاد إنه لا توجد اليوم أي معلمة تدرّس في صفوفهم. فكثير من المعلمات أُجبرن على البقاء في المنازل، أو نُقلن إلى تدريس الصفوف الابتدائية.
نصف يوم معلم... ونصف يوم سائق «ريكشا»
في الحصة الثانية يدخل المعلم أخيراً إلى الصف. رجل متوسط العمر، يرتدي عمامة متسخة ولحية طويلة وقميصاً وسروالاً تقليديين يشبهان ملابس عامل أكثر مما يشبهان زي معلم.
ينهض التلاميذ بفتور. بعضهم يخرج كتبه من الحقيبة، بينما لا يحمل آخرون أي كتب أصلاً.
في إحدى زوايا الصف تصطف عدة مقاعد فارغة؛ ليس فقط بسبب غياب بعض التلاميذ، بل لأنها ترمز أيضاً إلى جيل يبتعد تدريجياً عن التعليم.
يقول بهزاد: «لم يعد النظام المدرسي كما كان في السابق. المعلمون فقدوا الحافز، وبعض الطلاب الكبار يسيئون إلى الأساتذة ولا يستطيع أحد أن يردعهم».
ويشير إلى صف كان يضم أكثر من أربعين طالباً، بينما نادراً ما يتجاوز العدد اليوم خمسةً وعشرين. فكثيرون، بحسب قوله، لم يعودوا يؤمنون بأن المدرسة قادرة على بناء مستقبل لهم.
ولا يقتصر النقص على التلاميذ فقط. فعلى الطاولات الخشبية القديمة تنتشر كتب ناقصة ومستعملة. وقد وزعت الإدارة جزءاً فقط من الكتب الدراسية، واضطرت العائلات إلى شراء البقية من السوق، حيث تباع النسخ بالأبيض والأسود مقابل أربعين أفغانياً، والنسخ الملونة بما يصل إلى مئة أفغاني، في بلد تكافح فيه كثير من الأسر لتأمين قوت يومها.
تنتهي الحصة قبل الوقت المحدد. يقرأ المعلم بضع صفحات بصوت رتيب، ثم يوقع سجل الحضور وسجل التقدم الدراسي ويغادر الصف. فالمدرسة بالنسبة إليه ليست سوى جزء من يوم عمل طويل.
يقول بهزاد إنه يتساءل كل يوم إن كان ذهابه إلى المدرسة أفضل من بقائه خارجها، لأن والده يكرر له أنه يستطيع تعلم حرفة أو مهنة تساهم في دعم اقتصاد الأسرة.
ويضيف أن كثيراً من المعلمين يتوجهون بعد انتهاء الدوام مباشرة إلى أعمال أخرى؛ فبعضهم يعمل في نقل البضائع، وبعضهم في الأعمال اليدوية، وآخرون يقودون عربات «الريكشا» في شوارع مزار الشريف.
ويقول: «معلمونا يقودون الريكشا في فترة العصر».
في أفغانستان اليوم، لم يعد كون الشخص معلماً يعني بالضرورة أنه يدرّس فقط؛ ففي أحيان كثيرة لا يكون التدريس سوى النوبة الأولى من يوم طويل من أجل البقاء.
دروس حُذفت من المناهج
يقلب بهزاد صفحات كتاب اللغة الدارية، ثم يتوقف فجأة. هناك أوراق ممزقة من وسط الكتاب، وما تزال آثارها واضحة في التجليد. إنها فصول لم يعد يُسمح بتدريسها.
في صفوف أفغانستان اليوم لا تقتصر الرقابة على الكلمات، بل يمكن لمسها باليد.
في سبتمبر/أيلول 2025 حذفت وزارة المعارف التابعة لطالبان ما لا يقل عن 51 عنواناً دراسياً من المناهج، من بينها «حقوق المرأة» و«حقوق الإنسان» و«عيد الأم» و«مهرجان الزهور الحمراء» و«الأغاني الشعبية»، وحتى أجزاء تتعلق بالتراث الثقافي الأفغاني.
وقالت سلطات طالبان إن هذه المواد لا تتوافق مع «التعاليم الدينية» و«سياسة الإمارة الإسلامية». ونتيجة لذلك اختفت بعض المواد بالكامل، فيما بقيت مواد أخرى في أيدي التلاميذ على شكل كتب منزوعة الصفحات.
ويقول بهزاد إن عدد المواد التي يدرسونها أصبح أقل من السابق، إذ لم تعد مواد مثل التربية المدنية والفنون وحب الوطن تُدرّس. ويضيف: «أحياناً عندما نفتح الكتاب نكتشف أن بعض الصفحات غير موجودة أصلاً».
لكن المفارقة الأساسية تكمن في مكان آخر.
فمدرسة حضرة نعمان، التي يدرس فيها بهزاد، تُعد من أكثر مدارس المدينة تجهيزاً من الناحية المادية؛ إذ تضم مختبر حاسوب ومكتبة وصفوفاً مجددة. وقد بدأ هذا المشروع بدعم ألماني في أواخر عهد الحكومة السابقة، واكتمل بعد عودة طالبان إلى السلطة.
كل شيء يبدو، ظاهرياً على الأقل، أشبه بمدرسة حديثة.
لكن داخل الصفوف يواجه التلاميذ كتباً ناقصة، ومعلمين قليلين، ودروساً محذوفة.
ويقول بهزاد بهدوء: «المدرسة مجهزة جداً وتضم إمكانات جيدة، لكن التعليم الحقيقي غير موجود».
في أفغانستان اليوم، ليست المشكلة دائماً في غياب المدارس، بل أحياناً في غياب التعليم نفسه داخل المدارس القائمة.
«زملائي لا يرغبون في دخول الجامعة»
بالنسبة للجيل السابق من طلاب أفغانستان، كان الصف الثاني عشر يرتبط عادة بحلم مشترك: امتحان القبول الجامعي، ثم الجامعة، وربما وظيفة قادرة على تغيير حياة الأسرة. لكن أحمد علي يقول إن هذا الحلم بدأ يتلاشى في صفوف مزار الشريف.
يبلغ أحمد علي من العمر ثمانية عشر عاماً، ويدرس في ثانوية عبد العلي مزاري رقم 2. وعندما يتحدث عن المستقبل، يبدو صوته أقرب إلى شخص يتحدث عن شيء فقده، لا عن شيء ما زال ينتظره.
يقول: «في السابق، عندما كان الطالب يصل إلى الصف العاشر، كان يسجل بحماس في دورات الإعداد لامتحان القبول الجامعي. كنا نعتقد أننا سندخل الجامعة، وندرس التخصص الذي نريده، ثم نجد عملاً. أما اليوم فقد أصبح هذا الأمل باهتاً جداً».
في أفغانستان اليوم، لم تعد الجامعة بالنسبة لكثير من المراهقين الامتداد الطبيعي للمدرسة، بل أصبحت امتيازاً بعيد المنال.
إن تكاليف دورات الإعداد للامتحان، والفقر المتفشي، وغياب فرص العمل، دفعت العديد من الأسر إلى الاختيار بين التعليم والبقاء على قيد الحياة.
أما أحمد علي نفسه، فلم يعد يذهب إلى المدرسة إلا يومين في الأسبوع، بينما يعمل بقية الأيام في ورشة لإصلاح السيارات.
ويقول: «أخبرت المعلمين أنني مضطر للعمل حتى لا يعتبروني متغيباً».
ويضيف أن عدداً كبيراً من زملائه يجمعون أيضاً بين الدراسة والعمل الشاق؛ فبعضهم يعمل في الأسواق، وآخرون في ورش التصليح، وغيرهم في أعمال يومية مختلفة.
قبل أربع سنوات، عندما كان أحمد علي في الصف الثامن، كانت غالبية معلمي مدرسته من النساء.
ويقول: «كان لدينا عشرة معلمين، ثمانية منهم نساء. أما الآن فلا توجد أي واحدة منهن».
ويضيف أن نقص المعلمين أصبح جزءاً عادياً من الحياة المدرسية.
«في بعض الأيام، من أصل ست مواد دراسية لا يحضر سوى معلمين أو ثلاثة».
حتى المواد التخصصية أصبحت تُدرَّس أحياناً من قبل أشخاص غير مؤهلين لها.
ويقول أحمد علي بابتسامة مريرة: «في العام الماضي لم يكن لدينا معلم فيزياء حتى نهاية السنة. وهذا العام عُيّن رجل دين مدرساً للفيزياء، لكنه لا يعرف شيئاً عن الفيزياء».
في مثل هذا المناخ، لم تعد الجامعة الوجهة التالية لكثير من الطلاب، بل أصبحت فكرة بعيدة تتلاشى تدريجياً من أذهان المراهقين.
ويقول أحمد علي: «أصبح كثير من الطلاب يشعرون اليوم بأنه حتى لو درسوا، فليس هناك ما يضمن أنهم سيتمكنون من تحقيق أحلامهم».
في بلد كان شبابه يرون في التعليم طريق الخلاص الوحيد، ربما يكون أخطر تغيير هو فقدان الإيمان بالمستقبل.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) أن أكثر من مليوني طفل محرومون من التعليم في أفغانستان، وأن أكثر من 90 في المئة من الأطفال البالغين من العمر عشر سنوات غير قادرين على قراءة نصوص بسيطة.
وذكرت المنظمة أن الطلاب «يذهبون إلى المدرسة، لكنهم لا يتعلمون شيئاً».
وعزت اليونيسف هذا الوضع إلى السياسات الضعيفة والمقيدة التي تنتهجها طالبان في قطاع التعليم.
أوضاع المدارس الخاصة
بالنسبة لروضة الله، كان الانتقال من المدرسة الحكومية إلى المدرسة الخاصة يفترض أن يكون خطوة نحو وضع أفضل، لكن تجربته أظهرت أن الفارق بين العالمين التعليميين ليس واضحاً كما كان يتصور.
يبلغ من العمر أربعة عشر عاماً، وكان حتى وقت قريب يدرس في مدرسة حكومية في مدينة كابل، قبل أن ينتقل إلى مدرسة خاصة على أمل أن تكون جودة التعليم فيها أفضل.
لكن ما رآه في التجربتين كان أقرب إلى التشابه منه إلى الاختلاف.
ويقول: «في السابق كان لدينا عدد أكبر من المعلمين، أما الآن فقد تراجع عددهم. كثير من المعلمات نُقلن إلى مدارس البنات التي تقتصر على الصفوف الابتدائية، أو تم الاستغناء عنهن تماماً».
وهذا التغيير ليس مجرد رقم إداري بالنسبة له، بل يمس حياته الشخصية أيضاً.
فوالدته كانت معلمة لسنوات في المدرسة الحكومية نفسها، لكنها فقدت عملها بعد التغييرات التي شهدها النظام التعليمي، وأصبحت تعمل الآن في مدرسة خاصة.
ويقول بصوت هادئ: «كانت أمي معلمة في هذه المدرسة نفسها، لكن بعد مجيء طالبان لم يعد مسموحاً لها بالتدريس فيها».
وكانت هذه التجربة العائلية من الأسباب الرئيسية وراء انتقاله إلى مدرسة خاصة.
«قالت لي أمي إن الوضع التعليمي ربما يكون أفضل في المدارس الخاصة، ولذلك نقلتني إليها».
ومع ذلك، يرى أن الفروق بين المدارس الحكومية والخاصة تظل محدودة.
ويقول: «حتى في المدارس الخاصة توجد مشكلات. ليس هناك فرق كبير، فقط عدد المعلمين أكبر قليلاً، وسير الدروس أفضل نسبياً».
وفي كلا النظامين تبرز المشكلة نفسها: تراجع عدد المعلمين ذوي الخبرة ونقص الكوادر التعليمية.
ويؤكد روضة الله أن هذا النقص ينعكس مباشرة على جودة التعليم.
«عندما يكون عدد المعلمين قليلاً فمن الطبيعي ألا تحظى جميع الصفوف بالاهتمام اللازم، ونحن نشعر بذلك في دراستنا».
وخلف هذه التغييرات، يتشكل أيضاً نوع من فقدان الثقة بالمستقبل.
ويقول إن الطلاب لم يعودوا يتحدثون عن الجامعة والمستقبل بالثقة نفسها التي كانت لديهم سابقاً.
«في الماضي كان الطلاب أكثر أملاً ويضعون خططاً للمستقبل، أما الآن فكثير منهم لا يعرفون ماذا سيحدث بعد انتهاء الدراسة».
وفي ديسمبر/كانون الأول 2023، قالت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير لها إنه في الوقت الذي واجهت فيه طالبان إدانات دولية بسبب منع الفتيات والنساء من التعليم الثانوي والعالي، لم يُسلَّط الضوء بما يكفي على الأضرار التي لحقت أيضاً بتعليم الفتيان.
وأضافت المنظمة أن «جودة التعليم في مدارس البنين تحت حكم طالبان تراجعت بصورة حادة».
كما أشارت إلى أن طالبان منعت المعلمات من تدريس الطلاب الذكور، واستبدلتهن بمعلمين رجال «يفتقرون إلى الكفاءة»، الأمر الذي أثر سلباً في مستوى التعليم.
وذكرت المنظمة كذلك أن العقوبات والانضباط الصارم بحق الطلاب الذكور في المدارس الأفغانية الخاضعة لحكم طالبان قد ازداد مقارنة بما كان عليه في السابق.
أفادت صحيفة «إكسبريس تريبيون» الباكستانية بأن طالبان أبلغت إسلام آباد، عبر قنوات غير رسمية، أن زعيم الحركة الملا هبة الله أخوند زاده وجّه تحذيراً إلى حركة طالبان باكستان (تي تي بي) بضرورة وقف هجماتها داخل الأراضي الباكستانية.
غير أن السلطات الباكستانية اعتبرت هذه الخطوة غير كافية وتفتقر إلى إجراءات عملية على الأرض.
وذكرت الصحيفة، في تقرير نشرته يوم الاثنين 1 يونيو/حزيران 2026، أن هذه الرسالة تأتي في إطار مساعي طالبان لإقناع إسلام آباد بأنها جادة في التعامل مع الجماعات المسلحة المتمركزة داخل أفغانستان.
ونقلت الصحيفة عن مصدر باكستاني مطلع قوله إن طالبان تأمل أن يُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها بادرة حسن نية تجاه الحكومة الباكستانية.
لكن مسؤولين باكستانيين وصفوا التحذير بأنه غير كافٍ، مؤكدين أنه لا يرقى إلى مستوى الإجراءات الملموسة المطلوبة لمعالجة المخاوف الأمنية.
وقال مسؤول باكستاني رفيع، طلب عدم الكشف عن هويته، إن إسلام آباد لم تلاحظ أي تغيير ملموس على الأرض رغم الضمانات المتكررة التي تقدمها طالبان.
وأضاف: «المشكلة ليست في غياب التعهدات أو الوعود، بل في غياب الإجراءات الفعلية.»
وأكدت «إكسبريس تريبيون» أن باكستان لا تزال تشدد على ضرورة اتخاذ خطوات عملية وقابلة للتحقق من جانب طالبان، معتبرة أن التصريحات والضمانات الشفهية وحدها لم تعد كافية لمعالجة الملف الأمني بين الجانبين.
أكدت الناشطة الأفغانية في مجال حقوق الإنسان، ظريفة يعقوبي، التي سبق أن احتجزتها طالبان، أنها تعرضت وزميلاتها لأشكال مختلفة من التعذيب والإجبار على الإدلاء باعترافات خلال فترة احتجازهن لدى استخبارات الحركة.
وقالت يعقوبي، في منشور على منصة "إكس" يوم الأحد 31 مايو/أيار، إن التعذيب "موجود بالفعل في سجون طالبان"، وذلك رداً على تصريحات المتحدث باسم الحركة، ذبيح الله مجاهد، الذي نفى وجود أي ممارسات تعذيب داخل السجون ومراكز الاحتجاز التابعة لها.
وأضافت: "أنا وزميلاتي اعتُقلنا بسبب نشاطنا ومطالبتنا بالعدالة، واحتُجزنا لمدة 41 يوماً في ظروف قاسية، بينها الحبس الانفرادي، وتعرضنا لأصناف مختلفة من التعذيب والاعترافات القسرية داخل مديرية الاستخبارات المعروفة باسم (المديرية 40)."
وكان مجاهد قد قال في مقابلة مع أفغانستان إنترناشيونال إن جميع أشكال التعذيب محظورة وفق قوانين طالبان، مؤكداً أن المعتقلين لا يتعرضون لأي إساءة منذ لحظة توقيفهم وحتى الإفراج عنهم.
كما شدد على وجود فرق بين "التعذيب" و"العقوبات القانونية"، موضحاً أن أي عقوبة تُنفذ بحق المدانين تتم وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية وبما يتناسب مع طبيعة الجرائم المنسوبة إليهم.
وكانت طالبان قد اعتقلت ظريفة يعقوبي وعدداً من الناشطات الأخريات خلال مؤتمر صحفي عقد في منطقة دشت برجي بالعاصمة كابول في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، قبل أن يتم الإفراج عنها بعد نحو أربعين يوماً من الاحتجاز.
وفي تعليقها على تصريحات مجاهد، قالت يعقوبي إنها ترفض بشكل قاطع نفي طالبان لوجود التعذيب في السجون، مؤكدة أنها تتحدث استناداً إلى تجربة شخصية ومعرفة مباشرة بواقع مراكز الاحتجاز التابعة للحركة.
وتأتي هذه التصريحات في وقت أشار فيه تقرير صادر عن مجلس الأمن الدولي في 29 مايو/أيار 2026 إلى توثيق حالات عنف جنسي ارتكبها عناصر ومسؤولون في طالبان ضد نساء وفتيات.
وذكر التقرير أن بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى أفغانستان (يوناما) وثقت خلال عام 2025 ما مجموعه 21 حالة عنف جنسي، من بينها حالات اغتصاب جماعي استهدفت 15 امرأة وست فتيات.
بدأت حركة طالبان حفر خنادق واسعة في ولايات خوست وبكتيا وبكتيكا بهدف تسهيل إيصال الإمدادات إلى مواقعها المنتشرة على طول خط ديورند.
وأفادت مصادر لـ"أفغانستان إنترناشيونال" بأن أعمال الحفر جارية في عدد من المديريات الحدودية، ومن المقرر توسيع المشروع ليشمل ولايات حدودية أخرى.
وقال عدد من العاملين في مشروع حفر الخنادق، يوم الأحد، إن طالبان شرعت في هذه الخطوة بهدف إنشاء ممرات إمداد آمنة لنقاطها الحدودية.
وأوضحوا أن بعض هذه المواقع تعرضت خلال الأشهر الأخيرة لأضرار، بل تم إخلاء بعضها أحياناً، بسبب الصعوبات التي واجهتها الحركة في نقل المعدات والمواد اللازمة إليها.
وقال مصدر مطلع على المشروع، طلب عدم الكشف عن هويته، لـ"أفغانستان إنترناشيونال"، إن المرحلة الأولى تتضمن حفر خنادق بعرض يقارب متراً واحداً، بما يسمح لعناصر طالبان والحيوانات المستخدمة في نقل الأسلحة والذخائر والمعدات بالتحرك بسهولة داخلها.
وأضاف المصدر أن الخطة الجديدة تقضي بتفريغ الأسلحة والذخائر والمواد الغذائية في نقاط تبعد عن المواقع العسكرية، ثم نقلها عبر هذه الممرات إلى مواقع طالبان.
وأشار إلى أن المرحلة الثانية من المشروع ستشمل حفر خنادق بعرض نحو مترين وعشرين سنتيمتراً في المناطق المنبسطة، بحيث تتمكن المركبات أيضاً من استخدامها للتنقل بشكل آمن.
هشاشة البنية الدفاعية للمواقع الحدودية
تتكون معظم النقاط الأمنية المشيدة على طول خط ديورند من الخرسانة، فيما أُنشئت بعض المواقع في مناطق أخرى باستخدام هياكل معدنية.
وأنشأت طالبان أكثر من مئة نقطة أمنية في ولايات جنوب شرقي وجنوب غربي أفغانستان، إلا أن مصادر محلية تؤكد أن العديد من هذه المواقع بُنيت بمواد منخفضة الجودة، وأنها لا تتمتع بمتانة كافية لمقاومة هجمات قذائف الهاون والمدفعية.
وشهدت السنوات الأخيرة عدة اشتباكات بين طالبان والقوات الباكستانية على خلفية إنشاء المواقع الحدودية ومد الأسلاك الشائكة على طول الحدود. وكان آخر تلك المواجهات في فبراير/شباط 2026، حيث استخدمت فيها الطائرات والطائرات المسيّرة والأسلحة الثقيلة.
وتقول السلطات الباكستانية إنها أنشأت أكثر من 1400 موقع أمني كبير وصغير على طول الحدود. وتُجهَّز هذه المواقع بكاميرات مراقبة وطائرات مسيّرة وأنظمة رادار، كما عمدت إسلام آباد إلى إغلاق أجزاء واسعة من الحدود بواسطة الأسلاك الشائكة.
وفي أبريل/نيسان 2025، أعلنت السلطات الباكستانية أنها تعمل على إنشاء مواقع مدرعة متطورة على طول الحدود، مزودة بأنظمة تحكم عن بُعد، ومعدات للرؤية الليلية، وأنظمة مراقبة بزاوية 360 درجة.
ويُقدَّر عدد المواقع الأمنية الأفغانية على طول هذا الخط بنحو 300 موقع، أنشأت طالبان جزءاً منها خلال السنوات الأخيرة.
وفي مارس/آذار 2025، طلبت السلطات الباكستانية من طالبان وقف بناء موقعين أمنيين في منطقة تورخم، إلا أن الحركة رفضت الطلب، ما أدى إلى اندلاع مواجهات بين الطرفين.
وبحسب سكان محليين، اضطرت قوات طالبان خلال بعض الاشتباكات في ولايتي نورستان وكونر إلى التخلي عن عدد من مواقعها بسبب غياب طرق إمداد مناسبة.
كشفت مصادر مطلعة على المفاوضات أن زيارة وفد إيراني رفيع المستوى إلى الدوحة برئاسة رئيس مجلس الشورى الإسلامي محمد باقر قاليباف انتهت دون تحقيق أحد أبرز الأهداف التي سعت إليها طهران، في ما وُصف بأنه انتكاسة دبلوماسية للمساعي الإيرانية.
وقالت المصادر إن السلطات الإيرانية طالبت خلال المحادثات بالإفراج الفوري وغير المشروط عن 12 مليار دولار من أصولها المجمدة في قطر بالتزامن مع توقيع مذكرة تفاهم أولية مع الولايات المتحدة، إلا أن الجانب القطري رفض هذا الطلب.
وبحسب المعلومات، وافقت الدوحة مبدئياً على إتاحة نصف هذا المبلغ فقط، ضمن ترتيبات تفرض قيوداً مشددة على آلية استخدامه.
وأوضحت مصادر قريبة من مسؤولين قطريين مشاركين في المفاوضات أن قطر رفضت تحويل الأموال مباشرة إلى إيران أو منحها حق التصرف النقدي بها، واقترحت بدلاً من ذلك تخصيص المبلغ في شكل خط ائتماني يتيح للجمهورية الإسلامية شراء السلع والمنتجات الأساسية مباشرة من السوق القطرية.
ويأتي هذا الموقف في ظل اعتراض أمريكي على منح إيران وصولاً مباشراً وغير مقيد إلى الأموال المجمدة، وسط مخاوف من أن يؤدي تدفق السيولة النقدية إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية على طهران وتمكينها من تمويل نفقات حكومية أو شراء احتياجات عسكرية ولوجستية في ظل الظروف الإقليمية الراهنة.
وكانت طهران قد اعتبرت الإفراج الكامل وغير المشروط عن الأموال المجمدة في قطر شرطاً أساسياً للمضي قدماً في أي تفاهم أولي أو اتفاق إطار مع واشنطن.
ووفقاً للمصادر، شدد قاليباف خلال اللقاءات على ضرورة حصول إيران على سيولة نقدية مباشرة للمساعدة في معالجة الضغوط الاقتصادية الداخلية، غير أن المقترح القطري حال دون تمكين طهران من التصرف بالأموال بحرية، وهو ما يُنظر إليه على أنه تراجع عن أحد المطالب الرئيسية للجمهورية الإسلامية في المفاوضات.
وبموجب الصيغة المطروحة، ستتمكن إيران من الاستفادة من خط ائتماني محدود لشراء السلع الأساسية فقط، من دون الحصول على الأموال بشكل مباشر.
وأضافت المصادر أن الأطراف المعنية اتفقت على إبقاء تفاصيل الخلاف المالي طي الكتمان، تجنباً لتأثيره على المفاوضات الأوسع بين إيران والولايات المتحدة، والتي تركز على ترتيبات تهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار في المنطقة وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية.