الأمم المتحدة: إعادة إعمار الاقتصاد الأفغاني مستحيلة من دون مشاركة النساء
أكد مسؤولان بارزان في الأمم المتحدة، خلال لقاءات مع مسؤولي طالبان في كابل، أن استمرار القيود المفروضة على النساء يهدد جهود إعادة دمج ملايين العائدين ويقوض فرص تعافي الاقتصاد الأفغاني.
وجاء ذلك خلال زيارة مشتركة لرئيس برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ألكسندر دي كرو، والمفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، برهم صالح، حيث شددا على أن مشاركة النساء الكاملة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية شرط أساسي لتحقيق الاستقرار وإعادة الإعمار.
وقال برهم صالح إن نحو نصف سكان أفغانستان يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، مؤكداً أن الحماية وفرص العمل والكرامة الإنسانية يجب أن تسير جنباً إلى جنب، ولا سيما بالنسبة للنساء والفتيات. ودعا طالبان إلى السماح للعاملات في المنظمات الإنسانية بالوصول بحرية إلى النساء والفتيات، وخاصة العائدات.
وحذر المسؤولان من أن عودة ملايين الأفغان، في ظل استمرار القيود على النساء، لن تمثل بداية لمرحلة من التعافي، بل قد تؤدي إلى أزمة أعمق تهدد استقرار أفغانستان والمنطقة إذا لم تتوافر استثمارات ودعم دوليان كافيان.
ودعا الجانبان المجتمع الدولي إلى زيادة الدعم الإنساني والتنموي، مؤكدين أن الاستثمار في الحماية، وفرص العمل، والخدمات الأساسية، وإعادة دمج العائدين يمثل ضرورة ملحة لضمان الاستقرار على المدى الطويل.
ووفقاً للأمم المتحدة، عاد إلى أفغانستان أكثر من ستة ملايين شخص منذ عام 2023، بينهم نحو 2.9 مليون خلال عام 2025، وأكثر من 900 ألف منذ بداية العام الجاري. كما يُتوقع عودة نحو 2.5 مليون شخص إضافي بحلول نهاية عام 2026، ما يزيد الضغوط على المجتمعات التي تعاني بالفعل من الفقر وتداعيات التغير المناخي وضعف الفرص الاقتصادية.
وقال ألكسندر دي كرو إن العودة لا تمثل نهاية رحلة اللاجئين، بل بداية مرحلة جديدة تتطلب توفير فرص العمل والخدمات الأساسية وإمكانية إعادة بناء حياتهم، معتبراً أن الاستثمار في سبل العيش والخدمات الاجتماعية يمكن أن يحول العائدين إلى قوة داعمة لإعادة إعمار أفغانستان.
وخلال الزيارة، تفقد المسؤولان برامج أممية في مدينة مزار الشريف تشمل خدمات الحماية، وإصدار الوثائق الثبوتية، والدعم النفسي والاجتماعي، والخدمات المجتمعية، إضافة إلى دعم المشاريع الصغيرة، خصوصاً للنساء والشباب.
وأكد المسؤولان أهمية تمكين العائدين من الحصول على وثائق الهوية القانونية، مشيرين إلى أن أقل من نصف العائدين يمتلكون وثائق تثبت ارتباطهم بأفغانستان، وهو ما يحد من قدرتهم على الحصول على الخدمات والاندماج في المجتمع.
وأشار تقرير الأمم المتحدة إلى أن الاقتصاد الأفغاني لا يزال من بين الأكثر هشاشة في العالم، وأن 92 في المئة من العائدين غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الأساسية، فيما لا تتجاوز نسبة العاملين في وظائف رسمية ثلاثة في المئة في المناطق المستقبلة للعائدين، مقابل اعتماد 78 في المئة على العمل اليومي.
وفي ختام الزيارة، جدد مسؤولا الأمم المتحدة دعوتهما إلى ضمان مشاركة النساء الكاملة في الحياة العامة والاقتصادية، وتمكين العاملات في المجال الإنساني من الوصول إلى النساء والفتيات، مؤكدين أن توفير الحماية، والوثائق القانونية، وفرص كسب العيش، والدعم الاجتماعي للعائدين، يمثل عنصراً أساسياً لتحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة في أفغانستان.
أعرب الرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي عن أسفه الشديد لاستمرار حرمان الفتيات من المشاركة في امتحان القبول الجامعي الوطني (الكانكور)، معرباً عن أمله في إعادة فتح المدارس والجامعات أمامهن في أقرب وقت، بما يضمن لهن حق التعليم.
وأكد كرزاي أن التعليم الشامل يمثل ركيزة أساسية لمستقبل أفغانستان، مشدداً على أن البلاد لن تتمكن من تحقيق التنمية والتقدم إلا بالاستفادة من قدرات جميع أبنائها وبناتها دون استثناء.
وتأتي تصريحات الرئيس الأفغاني السابق في وقت تدخل فيه أزمة تعليم الفتيات عامها الخامس، بعد أن منعت سلطات طالبان الطالبات من الالتحاق بالمدارس الثانوية والجامعات، كما حرمتهن للعام الخامس على التوالي من التقدم لامتحان الكانكور، الذي كان يشهد قبل عام 2021 مشاركة عشرات الآلاف من الطالبات من مختلف أنحاء البلاد.
وكانت طالبان قد وصفت، عقب عودتها إلى السلطة في أغسطس/آب 2021، إغلاق المدارس والجامعات أمام الفتيات بأنه إجراء مؤقت، وربطت إعادة فتحها بإجراء تعديلات على السياسات التعليمية. إلا أن هذه الوعود لم تُنفذ، وتحول الحظر فعلياً إلى سياسة مستمرة.
ورغم الضغوط الدولية المتواصلة، لم يُبدِ زعيم طالبان، الملا هبة الله أخوند زاده، أي استعداد للتراجع عن قرار حظر تعليم الفتيات.
وأثار هذا الملف أيضاً خلافات داخل طالبان نفسها، إذ تعرض عدد من المسؤولين الذين انتقدوا القرار لإجراءات عقابية. وكان من أبرزهم شير محمد عباس ستانيكزاي، نائب وزير الخارجية السابق للشؤون السياسية، الذي أُبعد عن المشهد بعد مطالبته علناً بإعادة فتح المدارس والجامعات أمام الفتيات.
كما اعتُقل فاروق أعظم، مستشار وزارة الطاقة والمياه، عقب إدلائه بتصريحات مماثلة، قبل أن يُمنع لاحقاً من ممارسة أي مهام حكومية.
وفي المقابل، واصل كرزاي خلال السنوات الخمس الماضية الدعوة إلى استئناف تعليم الفتيات، إلا أن مواقفه عرضته، بحسب تقارير، لقيود أمنية وسياسية، شملت منعه في عدة مناسبات من السفر إلى خارج البلاد والمشاركة في اجتماعات إقليمية.
وفي ختام بيانه، هنأ كرزاي الطلبة الذين نجحوا في امتحان الكانكور وتمكنوا من الالتحاق بمؤسسات التعليم العالي، داعياً إياهم إلى مواصلة طلب العلم، واكتساب المعارف الحديثة، والعمل من أجل خدمة مستقبل أفغانستان.
أصدرت الشعبة الثانية للدائرة التمهيدية في المحكمة الجنائية الدولية، في يوليو 2025، بمدينة لاهاي الهولندية، مذكرتي اعتقال بحق زعيم حركة طالبان، هبة الله آخوندزاده، ورئيس المحكمة العليا في الحركة، عبد الحكيم حقاني.
وخلف صدور هاتين المذكرتين مسار قانوني طويل، استند إلى دراسة إفادات الشهود، وروايات الضحايا، وتقارير المؤسسات الحقوقية، والوثائق الإعلامية الموثقة، والأوامر والتعليمات الرسمية الصادرة عن حركة طالبان. وقالت المحكمة الجنائية الدولية في قرارها إن هناك أسباباً معقولة تشير إلى أن هبة الله آخوندزاده وعبد الحكيم حقاني، منذ 15 أغسطس 2021، شاركا عبر الأوامر والأحكام والسياسات الرسمية في ارتكاب جريمة الاضطهاد الممنهج على أساس الجنس ضد النساء والفتيات والأشخاص الذين عارضوا السياسات الجندرية لطالبان. واعتبرت المحكمة هذه الأفعال مصداقاً لجريمة ضد الإنسانية. وبحسب المحكمة، حُرمت النساء والفتيات في أفغانستان من حقوقهن الأساسية، بما في ذلك الحق في التعليم والعمل والتنقل والحياة الشخصية، وحرية التعبير والفكر والمعتقد. كما استُهدف أشخاص دعموا حقوق النساء والفتيات أو أبدوا معارضة لسياسات طالبان. ورغم صدور مذكرتي الاعتقال، لا تملك المحكمة الجنائية الدولية قوة تنفيذية خاصة بها لاعتقال الأفراد. وتُلزم الدول الأعضاء في نظام روما الأساسي، في حال دخول هؤلاء الأشخاص إلى أراضيها، بالتحرك لتنفيذ مذكرة المحكمة. وعقب صدور القرار، أعلن المتحدث باسم حركة طالبان ذبيح الله مجاهد، أن الحركة لا تعترف بالمحكمة الجنائية الدولية، واعتبر القرار مخالفاً لـ"الشريعة الإسلامية". في المقابل، رحبت شخصيات حقوقية بارزة، من بينها مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في أفغانستان، ريتشارد بينيت، ومسؤولة قسم حقوق المرأة في منظمة هيومن رايتس ووتش، هيذر بار، والحائزة جائزة نوبل للسلام، ملالا يوسفزي، وعدد من الشخصيات السياسية والمدنية الأفغانية، بهذا القرار، واعتبروه خطوة مهمة على طريق العدالة والمساءلة.
ملف أفغانستان لا يزال مفتوحاً لا يزال ملف أفغانستان مفتوحاً أمام المحكمة الجنائية الدولية، ويواصل المدعون العامون في المحكمة جمع الأدلة والوثائق المتعلقة بمسؤولين آخرين في حركة طالبان، تمهيداً لاستكمال مسارات قانونية مماثلة بحقهم وتقديمها إلى المحكمة عند الحاجة.
كيف تجري إجراءات النظر في المحكمة الجنائية الدولية؟ تبدأ إجراءات النظر في المحكمة الجنائية الدولية بتلقي تقرير أو شكوى أو معلومات بشأن وقوع جريمة. وقد تقدم هذه المعلومات دولة عضو في نظام روما الأساسي، أو يحيلها مجلس الأمن الدولي إلى المحكمة، أو يبدأ المدعي العام في المحكمة التحقيق في الموضوع من تلقاء نفسه استناداً إلى معلومات وأدلة موثوقة. بعد ذلك، يجري المدعي العام تقييماً أولياً. ويبحث في ما إذا كانت الوقائع المدعى بها تدخل ضمن اختصاص المحكمة أم لا، أي ما إذا كانت تندرج في إطار جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو الإبادة الجماعية أو جريمة العدوان. كما يقيّم ما إذا كانت محاكم الدولة المعنية قادرة وراغبة في النظر في هذا الملف ومحاكمة المتهمين فيه. وإذا خلص المدعي العام إلى وجود أساس كافٍ لفتح تحقيقات رسمية، فإنه يطلب في بعض الحالات إذن الدائرة التمهيدية في المحكمة. وبعد موافقة القضاة، تبدأ التحقيقات الرسمية. وفي مرحلة التحقيقات، يجمع المدعي العام وفريقه الأدلة، ويجرون مقابلات مع الشهود والضحايا، ويفحصون الوثائق والصور ومقاطع الفيديو وسائر الأدلة، ويسعون إلى تحديد المسؤولين الرئيسيين عن ارتكاب الجريمة. وإذا أظهرت الأدلة التي جُمعت وجود أسباب معقولة لنسبة الجريمة إلى شخص أو أكثر، يطلب المدعي العام من القضاة إصدار مذكرة اعتقال أو أمر حضور بحقهم. وبعد صدور مذكرة الاعتقال، لا يكون تنفيذها من مسؤولية المحكمة نفسها. وتقع هذه المسؤولية على عاتق الدول الأعضاء في نظام روما الأساسي. وإذا جرى اعتقال المتهم ونقله إلى لاهاي، تبدأ الإجراءات القضائية داخل المحكمة. وفي الجلسة الأولى، يدرس القضاة ما إذا كانت الأدلة كافية لبدء المحاكمة أم لا. وإذا كانت الأدلة كافية، تبدأ المحاكمة الرسمية. وخلال المحاكمة، يقدم المدعي العام أدلته، ويدافع محامو الدفاع عن المتهم، ويدلي الشهود بشهاداتهم، ويستمع القضاة إلى مرافعات الطرفين. وبعد انتهاء المرافعات، يصدر القضاة حكمهم. وإذا ثبتت التهم، يُدان المتهم وتحدد العقوبة بحقه. أما إذا لم تكن الأدلة كافية، فيصدر حكم بالبراءة. وتتمثل المرحلة الأخيرة في الطعن أو الاستئناف. ويستطيع كل من المدعي العام ومحامي الدفاع الطعن في حكم المحكمة. ويدرس قضاة دائرة الاستئناف الملف مرة أخرى، ثم يصدرون الحكم النهائي.
ملف طالبان الثقيل على طاولة الادعاء العام في المحكمة الجنائية الدولية تنظر الشعبة الثانية للدائرة التمهيدية في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي في ملف أفغانستان على مراحل عدة. في المرحلة الأولى، يقيّم القضاة ما إذا كانت الشروط القانونية لبدء التحقيقات الرسمية متوافرة أم لا. وفي هذه المرحلة، تُدرس المعايير القانونية ومصداقية الأدلة واختصاص المحكمة بالنظر في الملف. ومع انتقال الملف إلى المرحلة الثانية، تتجاوز الإجراءات مجرد دراسة الوثائق. إذ يجري المدعون العامون ومحققو المحكمة مقابلات مباشرة مع الشهود والضحايا والمتضررين. ويشمل هؤلاء مواطنين أفغان تعرضوا للسجن أو القيود أو التمييز أو العنف. وتُسجل إفاداتهم وتُحلل وتُستخدم جزءاً من الملف القانوني. ومن أبرز سمات هذا المسار حماية أمن الشهود. ونظراً إلى المخاطر المحتملة، تُحفظ هوية كثير منهم بسرية. وتسعى المحكمة إلى تسجيل الشهادات مع ضمان أمن الشهود في الوقت نفسه. ولهذا السبب، تُجرى بعض المقابلات في ظروف سرية أو بموجب تدابير حماية خاصة. وفي بعض الحالات، يحدد محققو المحكمة هوية أشخاص تعرضوا للتعذيب في السجون أو تضرروا بسبب قيود طالبان، ويدعونهم إلى الإدلاء بشهاداتهم. وإذا تعذر حضورهم إلى لاهاي، يسافر المدعون العامون إلى الدول الأعضاء في المحكمة حيث يقيم هؤلاء الأشخاص. وتسجل فرق التحقيق في المحكمة روايات الشهود بدقة، وتطرح أسئلة تكميلية، وتقيم مدى الاتساق أو التناقض بين الإجابات من الناحيتين القانونية والواقعية. كما تُوقع اتفاقات مع الشهود لتقديم تجاربهم، علناً أو بسرية، بصدق كامل إلى المحكمة. ولا تقتصر إجراءات المحكمة على شهادة شخص أو أكثر. فالقضاة والمدعون العامون يستخدمون مصادر أخرى للتحقق من المعلومات. وتشكل التقارير الإعلامية والتحقيقات المستقلة ووثائق المؤسسات المدنية جزءاً من مسار جمع الأدلة، وتُضاف إلى الملف بعد التحقق منها. وفي بعض الحالات، تُطلب تقارير تتعلق بحرمان الفتيات من التعليم، والقيود الدراسية، وانتهاك الحريات المدنية، باعتبارها وثائق أساسية من الصحفيين ووسائل الإعلام. وبعد التحقق من صحة هذه الوثائق، تُدرج في ملفات المحكمة. ومع مرور الوقت، تُقيّم الشهادات مرة أخرى، ويخضع بعض الشهود لمقابلات جديدة لتقديم إيضاحات إضافية، بما يضمن دقة المعلومات وقيمتها القانونية. ولا تكتفي المحكمة بالروايات الفردية، بل تدرس أيضاً القوانين والأوامر والوثائق الرسمية لحركة طالبان، لتحديد السياسات والأوامر والقوانين والأحكام والإجراءات الصادرة على مستوى الحكم، والتي تتعارض مع معايير حقوق الإنسان والقانون الدولي. واستناداً إلى هذه المجموعة الواسعة من الأدلة، يقرر القضاة ما إذا كانت الشروط القانونية لإصدار مذكرة اعتقال قد توافرت أم لا. وقد صدرت مذكرة اعتقال زعيم حركة طالبان، هبة الله آخوندزاده، ورئيس المحكمة العليا في الحركة، عبد الحكيم حقاني، استناداً إلى هذا المسار نفسه. وعلى الرغم من أن المحكمة الجنائية الدولية لا تملك صلاحية تنفيذية خاصة بها لاعتقال المتهمين، فإن الدول الأعضاء في نظام روما الأساسي ملزمة، في حال دخول هؤلاء الأشخاص إلى أراضيها، بتنفيذ مذكرة المحكمة.
هل ستصدر مذكرات اعتقال بحق مسؤولين آخرين في طالبان؟ لهذا السبب، لا يزال ملف أفغانستان مفتوحاً، وتتواصل التحقيقات بشأن مسؤولين آخرين في حركة طالبان. وبحسب المعلومات المتاحة، لا يزال المدعون العامون في المحكمة، بعد إصدار مذكرتي اعتقال بحق هبة الله آخوندزاده وعبد الحكيم حقاني، يجمعون الأدلة والوثائق المتعلقة بمسؤولين آخرين في حركة طالبان. ومن بين الأسماء التي وردت في التقارير بوصفها موضع تدقيق، وزير الداخلية في حركة طالبان، سراج الدين حقاني، ووزير التعليم العالي، ندا محمد نديم، ووزير المعارف، حبيب الله آغا، ووزير العدل، عبد الحكيم شرعي، ووزير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، خالد حنفي، ورئيس استخبارات طالبان، عبد الحق وثيق، ونائبه تاج مير جواد، ورئيس الإدارة 08 في استخبارات طالبان، خليل همراز. ويقال إن هؤلاء الأشخاص يقع تحت دائرة اهتمام تحقيقات المحكمة بسبب دورهم المحتمل في حرمان النساء والفتيات من حق التعليم والعمل، وانتهاك الحريات الفردية والاجتماعية، وارتكاب حالات من التعذيب وانتهاكات جسيمة أخرى لحقوق الإنسان.
في مثل هذا اليوم من العام الماضي، 8 يوليو، اتخذت المحكمة الجنائية الدولية، بإصدارها مذكرة اعتقال بحق زعيم حركة طالبان، ملا هبة الله آخوندزاده، أحد أهم قراراتها في التاريخ المعاصر للقانون الجنائي الدولي بشأن أفغانستان.
كانت تلك المرة الأولى التي يُلاحق فيها أعلى مسؤول سياسي وديني في حركة طالبان بتهمة ارتكاب جريمة ضد الإنسانية؛ وهو قرار لم يضع المكانة القانونية لطالبان أمام تحدٍّ جدي فحسب، بل شكّل أيضاً نقطة تحول في تعامل المجتمع الدولي مع سياسات هذه الحركة ضد النساء وسائر مواطني أفغانستان. والآن، بعد مرور عام على صدور المذكرة، تبدو أهميتها أكثر وضوحاً من ذي قبل. فهذه القضية لا تتعلق ببضعة أوامر محدودة أو انتهاكات متفرقة لحقوق الإنسان، بل بسياسة منظمة يرى المدعي العام وقضاة المحكمة أنها صُممت ونُفذت بهدف الإقصاء المنهجي للنساء من المجال العام، وقمع المعارضين، وفرض تمييز بنيوي.
الحكم المطلق لهبة الله منذ عودة حركة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021، يتصدر ملا هبة الله آخوندزاده بنية يعود فيها كل قرار كبير، في نهاية المطاف، إلى إرادته الشخصية. ورغم أن لدى طالبان مجلس وزراء ووزارات ومؤسسات تنفيذية، فإن تجربة السنوات الماضية أظهرت أن هذه المؤسسات لا تتمتع باستقلال حقيقي، وأن الأوامر الصادرة من قندهار، مكتوبة كانت أم شفهية، هي التي تهيمن عليها جميعاً. وفي هذه البنية، لا يُعد هبة الله زعيماً دينياً فحسب، بل المرجع النهائي للتشريع وصنع السياسات وتفسير الشريعة. فكثير من القرارات التي غيّرت حياة ملايين المواطنين في أفغانستان اتُّخذت بأمر مباشر منه؛ من حظر تعليم الفتيات وتقييد عمل النساء، إلى إغلاق صالونات التجميل النسائية، ومنع النساء من دخول الحدائق والملاعب والحمامات العامة، وفرض قيود شديدة على حرية تنقلهن. وهذا التركّز غير المسبوق للسلطة هو ما دفع المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إلى القول إن المسؤولية الأساسية عن هذه السياسات تقع على عاتق هبة الله شخصياً؛ لأن هذه القيود لم تكن نتيجة تصرفات عشوائية لمسؤولين محليين، بل جزءاً من سياسة حكومية واحدة وشاملة.
الأساس القانوني لمذكرة الاعتقال صاغت المحكمة الجنائية الدولية الاتهامات الموجهة إلى هبة الله آخوندزاده استناداً إلى المادة السابعة من نظام روما الأساسي. وتعتبر هذه المادة "الاضطهاد" جريمة ضد الإنسانية عندما يُمارس على نحو واسع النطاق أو منهجي ضد المدنيين. وفي قضية طالبان، قال المدعي العام إن إدارة هذه الحركة استهدفت، بصورة واعية ومستمرة ومنظمة، فئات محددة من المواطنين لمجرد جنسهم أو معتقدهم أو دعمهم حقوق النساء. وبحسب تقييم المحكمة، فإن الحرمان المتعمد لملايين النساء والفتيات من أبسط حقوقهن الإنسانية ليس قراراً ثقافياً أو إدارياً، بل فعل إجرامي في إطار القانون الدولي. وكتب مايلز جاكسون، الأستاذ المشارك في القانون الدولي بجامعة أكسفورد وعضو كلية جيسوس، في تحليل عن الأهمية الفنية لهذه المذكرات: "تكتسب هذه المذكرات أهميتها لأنها تُظهر أن القانون الجنائي الدولي يمكن أن يشمل أيضاً أشكال الضرر المنهجية والمؤسسية. إن إصدار هذه المذكرات يستلزم قبولاً أكبر لفكرة أن تجريم الأشكال المنهجية من التمييز، التي تدمر حرية الإنسان، له أهمية أساسية".
لماذا اعتُبرت سياسات طالبان "جريمة ضد الإنسانية"؟ النقطة الأساسية في هذه القضية أن المحكمة لم تنظر إلى مجموعة إجراءات طالبان باعتبارها خطوات متفرقة، بل رأت فيها أجزاء من سياسة حكومية واحدة. فمن وجهة نظر القضاة، نُفذت قرارات حظر تعليم الفتيات، ومنع النساء من العمل، وتقييد حرية التنقل، وإقصاء النساء من المجال العام، وقمع الناشطين المدنيين واعتقال المحتجين، كلها في سياق هدف واحد مشترك: الإقصاء المنهجي للنساء من الحياة الاجتماعية وترسيخ النظام الأيديولوجي لطالبان. ولهذا السبب، نظرت المحكمة في هذه الإجراءات ضمن إطار "الاضطهاد القائم على الجنس"، وهو مفهوم يعني في القانون الجنائي الدولي حرمان جماعة ما عمداً من حقوق أساسية بسبب سماتها الهوياتية.
أبرز محاور الاتهام تشمل القضية ضد زعيم حركة طالبان مجموعة من الممارسات الواسعة والمستمرة، وأبرزها: أولاً: حرمان الفتيات من التعليم الثانوي والجامعي، وهو إجراء حرم ملايين الفتيات الأفغانيات من حق التعليم. ثانياً: حظر عمل النساء في القطاعات الحكومية والمنظمات غير الحكومية وجزء كبير من الأنشطة الاقتصادية. ثالثاً: تقييد حرية تنقل النساء عبر إلزامهن بوجود محرم وفرض قيود شديدة على حضورهن في الأماكن العامة. رابعاً: الإقصاء التدريجي للنساء من المجالات الثقافية والرياضية والاجتماعية عبر مجموعة من الأوامر التقييدية. خامساً: قمع المحتجين والصحفيين والناشطين المدنيين وكل من عارض هذه السياسات. سادساً: فرض عقوبات بدنية، واعتقالات تعسفية، وإخفاء قسري، وممارسات أخرى وصفها المدعي العام بأنها جزء من سياسة القمع التي تنتهجها سلطة طالبان. كما أشارت المحكمة إلى مسألة التمييز ضد أشخاص استُهدفوا بسبب هويتهم أو تعبيرهم الجندري، وهو ما يجعل هذه القضية مهمة أيضاً من زاوية تطور القانون الجنائي الدولي.
سياسة واعية لا قراراً مؤقتاً كان من بين العوامل المهمة في إصدار مذكرة الاعتقال، التصريحات المتكررة لهبة الله آخوندزاده نفسه. فزعيم حركة طالبان أعلن مراراً، خلال السنوات الماضية، أنه لن يتراجع أمام الضغوط الدولية بشأن حقوق النساء، واعتبر أي مطلب بإعادة فتح مدارس الفتيات أو رفع القيود عن النساء "اتباعاً لرغبات الغرب". وكانت لهذه المواقف أهمية قانونية خاصة؛ لأنها أظهرت أن القيود المفروضة لم تكن نتيجة ظروف طارئة أو قرارات مؤقتة، بل جزءاً من سياسة واعية ومستقرة ومخطط لها مسبقاً. وفي القانون الجنائي الدولي، يُعد وجود هذه الإرادة وهذا الوعي أحد العناصر الأساسية لإثبات المسؤولية الجنائية للقادة السياسيين.
التصادم مع إجماع العالم الإسلامي أحد الأبعاد اللافتة في هذه القضية هو تجاهل طالبان مواقف كثير من أبرز المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي. فبعد عودة طالبان إلى السلطة، أعلن عدد كبير من العلماء والمفتين والمؤسسات الإسلامية، من بينها الأزهر في مصر ومنظمة التعاون الإسلامي، أن حرمان النساء من التعليم والعمل لا يستند إلى أساس في الشريعة الإسلامية. كما طالبت وفود متعددة من علماء الدول الإسلامية، خلال لقاءاتها مع مسؤولي طالبان، بإعادة النظر في هذه السياسات، لكن زعيم طالبان لم يقبل أياً من هذه التوصيات. وكان لهذا الأمر أهمية في ملف المحكمة أيضاً؛ إذ أظهر أن طالبان لا تستطيع أن تنسب قيودها الواسعة فقط إلى خلافات فقهية أو تقاليد دينية، لأن جزءاً كبيراً من العالم الإسلامي اعتبر هذه السياسات أيضاً بلا أساس شرعي.
الأهمية التاريخية لهذه القضية لا تقتصر أهمية قضية هبة الله آخوندزاده على أفغانستان وحدها، بل باتت لها مكانة خاصة في تطور القانون الجنائي الدولي. ففي العقود الماضية، ركزت كثير من قضايا المحكمة الجنائية الدولية على القتل أو الإبادة الجماعية أو التعذيب أو جرائم الحرب؛ غير أن هذه القضية تُظهر أن الحرمان الواسع والمنظم من الحقوق الأساسية يمكن أن يكون، مثل العنف الجسدي، موضوعاً للملاحقة الجنائية. ولهذا السبب، يرى كثير من الحقوقيين في هذه القضية خطوة مهمة في تطوير مفهوم "الاضطهاد القائم على الجنس" ومواجهة التمييز المؤسسي. كما تبعث هذه القضية برسالة مفادها أن الإقصاء المنهجي لجماعة اجتماعية من الحياة العامة، حتى من دون وقوع قتل جماعي واسع، يمكن أن يشكل مثالاً واضحاً على الجريمة ضد الإنسانية.
هل يمكن تنفيذ مذكرة الاعتقال؟ من الناحية العملية، يبدو تنفيذ مذكرة اعتقال هبة الله آخوندزاده صعباً في المدى القريب؛ إذ إنه نادراً ما يغادر قندهار، كما تسيطر طالبان بالكامل على أراضي أفغانستان. مع ذلك، لا يعني إصدار مذكرة اعتقال في نظام القانون الدولي، بالضرورة، تنفيذ الاعتقال فوراً. فهذه المذكرة تترتب عليها آثار قانونية وسياسية مهمة. فكل دولة عضو في المحكمة الجنائية الدولية تكون، من حيث المبدأ، ملزمة باعتقال المتهم وتسليمه إلى المحكمة إذا دخل أراضيها. إضافة إلى ذلك، تؤثر مثل هذه المذكرات في الشرعية الدولية للسلطات، وتضع علاقاتها الدبلوماسية أمام قيود جدية.
لماذا لم تُنفذ المذكرة حتى الآن؟ بعد عام على صدور مذكرة الاعتقال، لم يُتخذ حتى الآن أي إجراء عملي لاعتقال قادة طالبان. ويجب البحث عن سبب ذلك في القيود التنفيذية للمحكمة الجنائية الدولية، وكذلك في التحولات السياسية في العالم. وترى الناشطة في مجال حقوق النساء، وعضو البرلمان السابقة، فوزية كوفي، في حديثها إلى "أفغانستان إنترناشيونال"، أن مسار متابعة هذه القضية تأثر، قبل أي شيء، بالضغوط السياسية. وبحسب قولها، واجهت المحكمة الجنائية الدولية في الأشهر الأخيرة ضغوطاً غير مسبوقة، وهو ما أدى إلى إبطاء مسار النظر في ملف أفغانستان. وتقول كوفي إن إصدار مذكرة الاعتقال وضع طالبان في موقف قانوني وسياسي ضعيف، وجعل تعامل الدول رسمياً مع هذه الحركة أكثر صعوبة. وترى أنه رغم استمرار بعض الحكومات في التواصل مع طالبان تحت عنوان "المحادثات الفنية" أو "التعاملات العملية"، فإن وجود مذكرة اعتقال بحق زعيم هذه الحركة يضع مشروعية مثل هذه التعاملات أمام أسئلة قانونية جدية. وتعتقد أيضاً أن الحرب بين إيران وإسرائيل والضغوط السياسية الناجمة عن ملف مذكرة اعتقال بنيامين نتنياهو استحوذت على جزء من طاقة المحكمة الجنائية الدولية وتركيزها، ونتيجة لذلك، واجه مسار متابعة ملف أفغانستان تباطؤاً.
مفارقة التعامل السياسي مع طالبان رغم صدور مذكرة الاعتقال، لا تزال حكومات كثيرة، لأسباب أمنية وهجرية وإنسانية، تحافظ على قنوات التواصل مع طالبان؛ وهو وضع تحول إلى إحدى المفارقات الكبرى في السياسة الدولية تجاه أفغانستان. وترى فوزية كوفي أن طالبان تستخدم قضية اللاجئين الأفغان أداة ضغط على الحكومات الأوروبية. وتقول إن ألمانيا، التي كانت في المراحل الأولى من الدول السباقة في دعم المسارات القانونية الدولية ضد طالبان، خففت من حدة متابعتها لهذه القضية بسبب المخاوف المرتبطة بالهجرة وإدارة أزمة طالبي اللجوء. ومع ذلك، لا تغيّر هذه التطورات السياسية شيئاً في الاعتبار القانوني لمذكرة المحكمة. فمذكرة الاعتقال الصادرة لا تزال سارية، وستبقى محتفظة بمكانتها القانونية إلى حين تنفيذها أو صدور قرار جديد من المحكمة. وفي القانون الدولي، لا يمكن للمصالح السياسية للدول أن تلغي المسؤولية الجنائية للمتهمين. وكان من المقرر، إضافة إلى إصدار مذكرة اعتقال بحق هبة الله، أن تصدر مذكرات بحق عدد من الشخصيات الأخرى في طالبان، مثل وزراء الأمر بالمعروف والتعليم العالي والمعارف في هذه الحركة. لكن كوفي ترى أن ملفات هؤلاء توقفت بسبب الضغوط السياسية على محكمة لاهاي. وقالت إن توقف هذه الملفات يدل على ضغط طالبان على الدول الأوروبية. إن مذكرة اعتقال ملا هبة الله آخوندزاده ليست مجرد ملاحقة لشخص واحد، بل تقييم قانوني لنمط حكم يقوم على الإقصاء والتمييز والقمع المنهجي. وبهذا القرار، أعلنت المحكمة الجنائية الدولية أن حرمان ملايين النساء من التعليم والعمل وحرية التنقل والحضور في المجتمع ليس مجرد سياسة داخلية أو خلاف ثقافي، بل قد يشكل، إذا اتسم بالتنظيم والاستمرارية، جريمة ضد الإنسانية. وهذه المذكرة، رغم أنها قد لا تؤدي في المدى القريب إلى اعتقال زعيم طالبان، سجلت مكانته ومكانة إدارة طالبان في ذاكرة القانون الدولي.
يصادف اليوم، ٨ يوليو ٢٠٢٦، مرور عام على إصدار المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي مذكرتي اعتقال بحق هبة الله آخند زاده، زعيم طالبان، وعبد الحكيم حقاني، رئيس المحكمة العليا في حكومة طالبان، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
وقالت المحكمة، في ٨ يوليو ٢٠٢٥، إن المسؤولين يواجهان اتهامات تتعلق بدورهما في ممارسة اضطهاد ممنهج قائم على النوع الاجتماعي والانتماء السياسي، استهدف النساء والفتيات وغيرهن من الأشخاص في أفغانستان.
واستندت مذكرتا الاعتقال إلى أدلة واسعة تتعلق بسياسات وصفتها المحكمة بأنها ممنهجة في اضطهاد النساء والفتيات والمعارضين.
وأوضحت المحكمة أن هناك أسبابًا معقولة للاعتقاد بأن هبة الله آخند زاده وعبد الحكيم حقاني اضطلعا، منذ ١٥ أغسطس ٢٠٢١، من خلال المراسيم والقرارات والسياسات الرسمية، بدور رئيسي في الحرمان المنهجي للنساء والفتيات من حقوقهن الأساسية، بما في ذلك التعليم والعمل وحرية التنقل وحرية التعبير والرأي، معتبرة أن هذه الأفعال ترقى إلى الاضطهاد القائم على النوع الاجتماعي بوصفه جريمة ضد الإنسانية.
واعتمد الادعاء في بناء الملف على تقارير منظمات حقوق الإنسان، وإفادات شهود وضحايا، ووثائق إعلامية، إضافة إلى المراسيم الرسمية الصادرة عن طالبان.
ورأى المدعي العام أن الإجراءات التي اتخذتها طالبان لا تمثل قرارات فردية أو محلية، بل تعكس سياسة منظمة ومتعمدة لإقصاء النساء بصورة ممنهجة من الحياة العامة، شملت حظر تعليم الفتيات، وتقييد عمل النساء، وفرض قيود مشددة على تنقلهن، وقمع الاحتجاجات والنشطاء المدنيين.
واعتبرت المحكمة أن هبة الله آخند زاده، بصفته صاحب السلطة العليا في هيكل طالبان، يتحمل المسؤولية الرئيسية عن هذه السياسات.
ورفضت طالبان فور صدور القرار، معلنة أنها لا تعترف بالمحكمة الجنائية الدولية.
في المقابل، رحب عدد من الشخصيات والمنظمات الحقوقية بالقرار، بينهم المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في أفغانستان، ريتشارد بينيت، ومسؤولة قسم حقوق المرأة في منظمة هيومن رايتس ووتش، هذر بار، والحائزة على جائزة نوبل للسلام ملالا يوسفزاي، إلى جانب ناشطين أفغان، معتبرين أنه يمثل خطوة مهمة على طريق تحقيق العدالة.
ورغم صدور مذكرتي الاعتقال، فإن المحكمة الجنائية الدولية لا تملك جهازًا تنفيذيًا، ويقع تنفيذ أوامرها على عاتق الدول الأطراف في نظام روما الأساسي. وحتى الآن، لم تُنفذ المذكرتان، في ظل بقاء قادة طالبان داخل أفغانستان وسيطرة الحركة على مدينة قندهار.
وبعد مرور عام على صدور القرار، لم يُعتقل أي من المطلوبين، إلا أن مذكرتي الاعتقال ما زالتا نافذتين، وتواصلان إلقاء ظلالهما القانونية والسياسية على علاقات طالبان بالمجتمع الدولي.
أمر واحد يضع زعيم طالبان ونتنياهو وبوتين في الخانة نفسها: مذكرات اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية صدرت بحقهم، لكنهم لم يمثّلوا أمامها.
تقرير يشرح كيف تعطّل السلطة وحسابات الدول تنفيذ العدالة الدولية.
أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في 8 يوليو العام الماضي، مذكرتي اعتقال بحق زعيم حركة طالبان، هبة الله آخوندزاده، ورئيس المحكمة العليا في الحركة، عبد الحكيم حقاني، بتهمة ارتكاب جريمة ضد الإنسانية في إطار الاضطهاد القائم على النوع الاجتماعي.
لكن السؤال الأبرز هو كيف تُنفَّذ مذكرات اعتقال المحكمة عندما يكون المتهمون أنفسهم على رأس السلطة، ويمتلكون أجهزة الدولة والقوة التنفيذية داخل بلدانهم؟
ولا تقتصر هذه الإشكالية على آخوندزاده وحقاني، فهناك قادة آخرون ظلوا بمنأى عن الاعتقال، إما بسبب وجودهم في رأس السلطة، أو بفعل دعم دول لهم، أو نتيجة غياب تعاون الدول مع المحكمة.
يستعرض هذا التقرير ملفات قادة ومسؤولين أصدرت المحكمة الجنائية الدولية بحقهم مذكرات اعتقال، لكن السلطة السياسية أو الحماية الحكومية أو حسابات الدول حالت دون وصولهم إلى لاهاي.
عمر البشير.. الرئيس الذي سافر ولم يُعتقل
يُعد الرئيس السوداني السابق، عمر البشير، من أبرز الشخصيات التي أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحقها، من دون أن يُسلَّم إلى لاهاي.
ففي 4 مارس 2009، أصدرت المحكمة أول مذكرة اعتقال بحقه بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، ثم أضافت في 12 يوليو 2010 مذكرة ثانية بتهمة الإبادة الجماعية.
ويقول الائتلاف من أجل المحكمة الجنائية الدولية إن البشير كان أول رئيس في السلطة تصدر المحكمة بحقه مذكرة اعتقال.
ظلّ البشير محمياً بسلطة الدولة السودانية طوال سنوات حكمه، إذ كانت أجهزة الدولة والجيش والأمن تحول دون اعتقاله. وسافر إلى عدة دول من دون أن يُعتقل.
وكتبت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، بشأن زيارته إلى الأردن، أن المحكمة الجنائية الدولية قضت بأن الأردن كانت ملزمة باعتقاله، لكنها لم تفعل.
وفي 11 أبريل 2019، أطاحت به احتجاجات شعبية، واعتقله الجيش السوداني، غير أن هذا الاعتقال لم يكن تنفيذاً لمذكرة المحكمة، ولم تسلّمه السلطات السودانية إلى لاهاي.
معمر القذافي.. مذكرة اعتقال أغلقتها الوفاة
أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في 27 يونيو 2011 مذكرات اعتقال بحق الزعيم الليبي آنذاك، معمر القذافي، ونجله سيف الإسلام القذافي، ورئيس الاستخبارات العسكرية الليبية عبدالله السنوسي. وتمثلت الاتهامات الرئيسية في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية عبر قتل المدنيين واضطهادهم خلال قمع الاحتجاجات في البلاد عام 2011. وكتبت "هيومن رايتس ووتش" أن صدور هذه المذكرات أظهر أن القانون يمكن أن يصل حتى إلى قادة كانوا يعتقدون أنهم خارج متناول العدالة.
لكن القذافي لم يُعتقل أبداً. فقد حال انهيار الدولة والحرب الأهلية دون وجود سلطة منظمة قادرة على التعاون مع المحكمة وتسليم المتهم حياً إلى لاهاي.
وفي 20 أكتوبر 2011، وبعد فراره من طرابلس، أُسر القذافي في مدينة "سرت" على أيدي قوات معارضة له قبل أن يُقتل. وفي 22 نوفمبر 2011، أنهت المحكمة الجنائية الدولية الإجراءات ضده بسبب وفاته.
بوتين.. رئيس تلاحقه مذكرة اعتقال وبلاده ليست عضواً في المحكمة
لا يؤدي عدم عضوية دولة ما في نظام روما الأساسي وحده إلى إبطال مذكرات المحكمة الجنائية الدولية. فإذا كانت الدولة عضواً في النظام، فهي ملزمة بالتعاون مع المحكمة. وتنص المادة 86 من نظام روما الأساسي على أن الدول الأعضاء يجب أن تتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية "تعاوناً كاملاً"، بينما تنص المادة 89 على وجوب تنفيذ طلبات الاعتقال والتسليم. غير أن روسيا، خلافاً لأفغانستان، ليست عضواً في نظام روما الأساسي.
في هذه الحالة، يمكن للدول الأخرى اعتقال المتهم، بل يتعين عليها ذلك في بعض الحالات. فإذا غادر المتهم دولة غير عضو ودخل أراضي دولة عضو في نظام روما الأساسي، تكون الدولة المستضيفة ملزمة بتنفيذ طلب المحكمة باعتقاله وتسليمه. وتنص المادة 89 على أن المحكمة يمكن أن توجه طلب الاعتقال والتسليم إلى أي دولة يتواجد المتهم على أراضيها، وعلى الدول الأعضاء تنفيذ الطلب وفقاً للنظام الأساسي وقوانينها الداخلية.
في 17 مارس 2023، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحق الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وماريا لفوفا بيلوفا، مفوضة حقوق الطفل في مكتب الرئاسة الروسية. واتهمتهما المحكمة بارتكاب جريمة حرب مرتبطة بالنقل غير القانوني للأطفال من المناطق الأوكرانية المحتلة إلى روسيا. وتشير بيانات ملف المتهمين لدى المحكمة الجنائية الدولية إلى أن بوتين متهم بمسؤوليته عن النقل غير القانوني لأطفال أوكرانيين.
لكن العائق الرئيسي أمام اعتقال بوتين هو قوة الدولة الروسية. فروسيا ليست عضواً في نظام روما الأساسي، ولا تعترف بمذكرة المحكمة، ولا تمتلك آلية داخلية لتنفيذها.
وما دام بوتين داخل روسيا أو في دول غير مستعدة للتعاون مع المحكمة، فإن الأخيرة لا تملك قوة تنفيذ مباشرة. ومع ذلك، قيّدت المذكرة تحركاته الخارجية. فقد زار منغوليا في سبتمبر 2024، وهي دولة عضو في المحكمة الجنائية الدولية، لكنها لم تعتقله. وقالت المحكمة لاحقاً إن منغوليا امتنعت عن التعاون معها بعدم اعتقال بوتين وعدم تسليمه.
وأظهرت قضية بوتين أن عضوية دولة ما في المحكمة الجنائية الدولية لا تؤدي دائماً إلى تنفيذ مذكرات الاعتقال. فالضغط السياسي والاعتماد الاقتصادي والعلاقات الأمنية والخشية من رد فعل قوة كبرى قد تدفع دولاً إلى تجاهل التزاماتها القانونية. وفي حالة بوتين، لا يقف العائق عند الجانب القانوني، بل يمتد إلى الوزن السياسي والعسكري لروسيا.
سيرغي شويغو وفاليري غيراسيموف.. قيادة الحرب وعائق القوة العسكرية الروسية
كما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في 24 يونيو 2024 مذكرتي اعتقال بحق وزير الدفاع الروسي السابق، سيرغي شويغو، ورئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية، فاليري غيراسيموف، على خلفية الهجمات الصاروخية الروسية على البنية التحتية للكهرباء في أوكرانيا. واتهمتهما المحكمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وذكرت المحكمة في بيانها أن هناك أسباباً معقولة للاعتقاد بأن المسؤولين الروسيين يتحملان مسؤولية هجمات على أهداف مدنية، وإلحاق أضرار مفرطة بالمدنيين، وارتكاب جريمة ضد الإنسانية في إطار أعمال غير إنسانية.
أما العائق أمام اعتقال شويغو وغيراسيموف فيشبه حالة بوتين، وهو غياب التعاون الروسي وبقاء المتهمين داخل بنية السلطة العسكرية والأمنية في دولة لا تعترف بالمحكمة. ولا يصبح اعتقال شخصيات من هذا النوع ممكناً إلا إذا سافرت إلى دولة عضو في المحكمة وقررت تلك الدولة تنفيذ المذكرة. غير أن تجربة بوتين في منغوليا أظهرت أن هذا الاحتمال لا ينتهي دائماً بالاعتقال.
بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت.. مذكرة اعتقال في ظل دعم سياسي من الحلفاء
أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في 21 نوفمبر 2024 مذكرتي اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع السابق، يوآف غالانت. وتقول المحكمة إن هناك أسباباً معقولة للاعتقاد بأنهما مسؤولان عن جريمة حرب تتمثل في استخدام التجويع كأسلوب من أساليب الحرب، وعن جرائم ضد الإنسانية، من بينها القتل والاضطهاد وأعمال غير إنسانية أخرى في غزة. وترد الاتهامات ذاتها في ملف قضية فلسطين لدى المحكمة الجنائية الدولية.
لكن العائق الرئيسي أمام اعتقالهما هو مزيج من عوامل عدة. فإسرائيل ليست عضواً في المحكمة الجنائية الدولية، وترفض اختصاصها، كما أن الولايات المتحدة ليست عضواً في المحكمة، وهي من أقرب حلفاء إسرائيل. وإلى جانب ذلك، أبدت بعض الدول الأعضاء في المحكمة حذراً سياسياً في التعامل مع تنفيذ المذكرة.
وكان المثال الأبرز زيارة نتنياهو إلى المجر. فقد أفادت وكالة أنباء "رويترز" بأن نتنياهو توجه في أبريل 2025 إلى بودابست، بالتزامن مع إعلان الحكومة المجرية قرارها الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية. وقالت المحكمة لاحقاً إن المجر امتنعت عن التعاون معها بعدم اعتقال نتنياهو.
وتكشف قضية نتنياهو وغالانت أن تنفيذ مذكرات الاعتقال يصبح أكثر تعقيداً عندما يستند المتهمون إلى دولة قوية وشبكة دعم سياسي واسعة. فالمحكمة تُصدر المذكرة، لكن الاعتقال يتم في ميدان السياسة الدولية. وقد رفضت الولايات المتحدة مراراً إجراءات المحكمة المتعلقة بإسرائيل، وأفادت "رويترز" بأن مجلس النواب الأميركي ذهب إلى حد التصويت على فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية. وقد يدفع هذا النوع من الضغوط دولاً أخرى إلى مزيد من الحذر في تنفيذ المذكرات.
محمد الضيف.. قائد حماس الذي أنهت وفاته ملف مذكرة اعتقاله
أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في 21 نوفمبر 2024 مذكرة اعتقال بحق محمد دياب إبراهيم المصري، المعروف بمحمد الضيف، قائد الجناح العسكري لحركة حماس. واتهمته المحكمة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب خلال هجمات 7 أكتوبر 2023. وشملت الاتهامات القتل والإبادة والتعذيب والاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي وأخذ الرهائن والمعاملة القاسية.
كان العائق الأول أمام اعتقال الضيف هو الوضع الحربي وطبيعة البنية العسكرية السرية لحماس. فقد كان لسنوات من أكثر شخصيات الحركة اختفاءً. لكن العائق النهائي كان وفاته. ففي 26 فبراير 2025، أنهت المحكمة الإجراءات في ملفه بعد تلقي معلومات كافية وموثوقة بشأن مقتله.
وتُظهر القضية أنه في الحروب النشطة قد يُقتل المتهم قبل أن تتاح إمكانية اعتقاله، فتصبح مذكرة المحكمة بلا أثر عملي.
هبة الله آخوندزاده وعبد الحكيم حقاني.. حين يكون المتهم في رأس السلطة
أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في 8 يوليو 2025 مذكرتي اعتقال بحق زعيم حركة طالبان، هبة الله آخوندزاده، ورئيس المحكمة العليا في الحركة، عبد الحكيم حقاني. وتقول المحكمة إن هناك أسباباً معقولة للاعتقاد بأن المسؤولين في طالبان شاركا في جريمة ضد الإنسانية تتمثل في الاضطهاد القائم على النوع الاجتماعي، وذلك عبر الأمر أو التحريض أو تسهيل ارتكابها. وترتبط هذه الاتهامات بقيود طالبان وسلوكها تجاه النساء والفتيات، وكذلك تجاه أشخاص ترى المحكمة أنهم استُهدفوا بسبب هويتهم أو آرائهم المتعلقة بالنوع الاجتماعي.
وفي الواقع، تعد هذه المرة الأولى التي يصبح فيها اثنان من كبار مسؤولي طالبان هدفاً لمذكرتي اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية على خلفية السياسات الرسمية للحركة تجاه النساء والفتيات. وتقول المحكمة إن هذه السياسات نُفذت بصورة منظمة منذ عودة طالبان إلى السلطة في 15 أغسطس 2021، وحرمت النساء والفتيات من كثير من حقوقهن الأساسية. كما قال خبراء في الأمم المتحدة، بعد صدور المذكرتين، إن هذه الخطوة تمثل إجراءً مهماً لمساءلة كبار مسؤولي طالبان عن الاضطهاد القائم على النوع الاجتماعي.
العائق الرئيسي أمام اعتقال هبة الله آخوندزاده وعبد الحكيم حقاني هو أن المتهمين أنفسهم في قمة السلطة. فطالبان هي القوة الحاكمة في أفغانستان، وتسيطر على الشرطة والاستخبارات والمحاكم والسجون والمعابر الرسمية. لذلك لا توجد داخل أفغانستان قوة تنفيذية مستقلة قادرة على تنفيذ مذكرتي الاعتقال الصادرتين عن المحكمة الجنائية الدولية بحق زعيم طالبان ورئيس المحكمة العليا في الحركة.
ومن الناحية القانونية، تُعد أفغانستان عضواً في نظام روما الأساسي. فقد أودعت وثيقة انضمامها إلى النظام في 10 فبراير 2003، وبدأ اختصاص المحكمة الجنائية الدولية في أفغانستان في 1 مايو 2003. كما تُدرج القائمة الرسمية لجمعية الدول الأطراف أفغانستان بين الدول الأعضاء. غير أن العضوية القانونية لا تؤدي إلى تنفيذ المذكرات إلا إذا كانت السلطة الحاكمة في البلاد مستعدة للتعاون مع المحكمة، وهو ما لا يتوافر في الوضع الراهن.
ورفضت حركة طالبان اختصاص المحكمة الجنائية الدولية. فقد وصفت وزارة خارجية طالبان، بعد الطلب الأولي للمدعي العام بإصدار مذكرتي الاعتقال، هذا المسار بأنه سياسي وباطل. كما رفض المتحدث باسم الحركة، ذبيح الله مجاهد، اختصاص المحكمة، واعتبر قرار المحكمة الجنائية منحازاً. ويظهر هذا الموقف أن طالبان لا ترفض تنفيذ المذكرة فحسب، بل لا تعترف أصلاً باختصاص المحكمة.
في ظل هذه المعطيات، يبدو تنفيذ مذكرتي الاعتقال داخل أفغانستان مستحيلاً عملياً، ما لم يتغير ميزان القوة أو تقرر جهة تمتلك السيطرة الفعلية على المتهمين التعاون مع المحكمة. وتُظهر تجارب عمر البشير ولوران غباغبو ورودريغو دوتيرتي أن الطريق إلى الاعتقال غالباً لا يُفتح إلا بعد خروج المتهم من السلطة، أو استعداد سلطة جديدة للتعاون، أو وجود المتهم في أراضي دولة تنفذ طلب المحكمة.
ويبقى الاحتمال الآخر هو سفر المتهمين إلى خارج أفغانستان. فإذا دخل هبة الله آخوندزاده أو عبد الحكيم حقاني أراضي دولة عضو في نظام روما الأساسي، وقررت تلك الدولة الالتزام بتعهداتها، فإن الأساس القانوني لاعتقالهما وتسليمهما إلى المحكمة سيكون قائماً. غير أن تجربتي بوتين في منغوليا ونتنياهو في المجر أظهرتا أن السفر إلى دولة عضو لا يؤدي دائماً إلى الاعتقال، لأن الدول قد تمتنع عن تنفيذ التزاماتها تحت ضغط سياسي أو أمني أو دبلوماسي.