صحيفة "تاز": مهاجرون أفغان بلا سوابق جنائية يواجهون خطر الترحيل من ألمانيا

تعتزم الحكومة الألمانية، للمرة الأولى منذ سنوات، ترحيل مواطنين أفغان لا يملكون سوابق جنائية إلى أفغانستان، في تحول لافت في سياسة برلين تجاه طالبي اللجوء الأفغان.

تعتزم الحكومة الألمانية، للمرة الأولى منذ سنوات، ترحيل مواطنين أفغان لا يملكون سوابق جنائية إلى أفغانستان، في تحول لافت في سياسة برلين تجاه طالبي اللجوء الأفغان.
وذكرت صحيفة «تاز» الألمانية أن خمسة أفغان على الأقل، لا يواجه أي منهم إدانات جنائية، ينتظرون الترحيل، استناداً إلى معلومات حصلت عليها من مجالس شؤون اللاجئين في عدد من الولايات الألمانية.
وأشارت الصحيفة إلى أن وزارات الداخلية في الولايات امتنعت عن الكشف عن العدد الفعلي للأفغان الذين يواجهون المصير نفسه.
وكانت ألمانيا قد علقت عمليات الترحيل إلى أفغانستان بعد عودة طالبان إلى السلطة في أغسطس/آب 2021، بسبب الأوضاع الإنسانية والمخاوف المتعلقة بحقوق الإنسان، قبل أن تستأنفها في خريف عام 2024، مقتصرة على المدانين بجرائم والأشخاص الذين تصنفهم السلطات تهديداً أمنياً.
وبحسب التقرير، فإن الحكومة الحالية التزمت حتى الآن بهذه السياسة، إلا أن اتفاق الائتلاف الحاكم ينص على توسيع نطاق الترحيل ليشمل مستقبلاً أشخاصاً لا يملكون سوابق جنائية أو لا يشكلون تهديداً أمنياً.
وأضافت «تاز» أن وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت توصل في الأسابيع الأخيرة إلى تفاهم مع طالبان بشأن ترحيل المواطنين الأفغان، مقابل موافقة برلين على زيادة عدد الدبلوماسيين التابعين لطالبان في ألمانيا.
وأوضحت الصحيفة أن أربعة من الأفغان الخمسة المحتجزين بانتظار الترحيل يقبعون في ولاية بافاريا، فيما يوجد الخامس في ولاية هيسن. كما أُفرج الثلاثاء عن مواطن أفغاني آخر كان محتجزاً في مركز مخصص للترحيل بولاية سكسونيا السفلى، بعد أن تبين وجود خطأ إجرائي من المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين في تبليغه بقرار رسمي.
وذكرت الصحيفة أن القضايا الخمس تتشابه إلى حد كبير، إذ خضع أصحابها لمراقبة الشرطة الاتحادية عقب عودتهم من رحلات خارج ألمانيا. كما تحدثت عن تغير في آلية تعامل الشرطة الاتحادية مع المواطنين الأفغان خلال الأسابيع الأخيرة، وهو ما نفته وزارة الداخلية الألمانية.
وفي سياق متصل، ردت الحكومة الألمانية، الأربعاء، على استفسارات النائبة البرلمانية كلارا بونغر بشأن التعاون مع طالبان، إلا أن صحيفة «تاز» قالت إن الحكومة امتنعت عن الإجابة عن عدد من الأسئلة، مبررة ذلك بـ«مصلحة الدولة».
واتهمت بونغر السلطات الألمانية بإخفاء معلومات تتعلق بطبيعة التعاون بين المؤسسات الألمانية وطالبان عن الرأي العام.
وأعلنت الحكومة الألمانية أنها رحّلت 87 مواطناً أفغانياً إلى أفغانستان خلال الفترة الممتدة من 1 يناير/كانون الثاني إلى 19 يونيو/حزيران 2026، بينهم 77 شخصاً عبر ثلاث رحلات جوية مستأجرة، و10 آخرون على متن رحلات تجارية. وبلغت تكلفة رحلات الترحيل الثلاث أكثر من مليون و60 ألف يورو.





بحث وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي مع نظيره الروسي فلاديمير كولوكولتسيف سبل تعزيز التعاون الأمني في مواجهة التهديدات المرتبطة بأفغانستان، وذلك على هامش الاجتماع الخامس لرؤساء أجهزة الشرطة الذي تنظمه الأمم المتحدة في نيويورك.
وقالت وزارة الداخلية الباكستانية إن الجانبين شددا على أهمية توطيد العلاقات الثنائية، وبحثا توسيع التعاون في مجالات مكافحة الإرهاب، وتهريب المخدرات، والجرائم الإلكترونية، إضافة إلى تنظيم تدريبات مشتركة بين أجهزة الشرطة.
وخلال اللقاء، أعرب نقوي عن قلق بلاده إزاء الوضع الأمني في أفغانستان، مدعياً أن أكثر من 25 تنظيماً وجماعة مسلحة تنشط داخل البلاد، مؤكداً أن التصدي لهذه الجماعات يمثل "مسؤولية مشتركة" تقع على عاتق دول المنطقة والمجتمع الدولي.
وأضافت الوزارة أن الجانبين اتفقا على إعداد استراتيجية مشتركة لمواجهة الشبكات المسلحة الناشطة في المنطقة، ولا سيما الجماعات التي تقول إسلام آباد إنها تتخذ من أفغانستان مقراً لها.
كما اتفق المسؤولان على توقيع مذكرة تفاهم خلال الفترة المقبلة لتعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي، فيما وجه الوزير الباكستاني دعوة رسمية إلى نظيره الروسي لزيارة باكستان.
وفي لقاء منفصل عقده في مقر الأمم المتحدة، بحث نقوي مع نائب وزير الأمن العام الصيني لينغ تشي فنغ سبل توسيع التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب.
وأكد الجانبان أهمية تعزيز التعاون في إدارة الحدود، ومكافحة الهجرة غير النظامية، وتهريب المخدرات، إضافة إلى مواجهة تمويل الإرهاب، وحماية المواطنين الصينيين في باكستان، وتسهيل إجراءات إصدار التأشيرات، وتوسيع التعاون الأمني بين البلدين.
وتأتي هذه المشاورات في وقت تواصل فيه روسيا والصين وباكستان التعبير عن قلقها من نشاط جماعات مثل تنظيم داعش-خراسان، وحركة طالبان الباكستانية، والحركة الإسلامية لتركستان الشرقية داخل أفغانستان.
في المقابل، ترفض سلطات طالبان هذه الاتهامات، وتؤكد باستمرار أنها لن تسمح باستخدام الأراضي الأفغانية لشن هجمات ضد أي دولة أخرى.
قال المتحدث باسم الجيش الباكستاني، إن الاشتباكات التي شهدتها باكستان خلال الأيام الأربعة الماضية أسفرت عن مقتل 42 عنصراً من قوات الأمن و54 مسلحاً، متهماً طالبان الأفغانية بتوفير الملاذ والدعم المالي للجماعات المسلحة المناهضة لإسلام آباد.
وأوضح الفريق أحمد شريف شودري، خلال مؤتمر صحفي الأربعاء، أن البلاد شهدت خلال الأيام الماضية ثلاث هجمات رئيسية في إقليم بلوشستان ومدينة كراتشي، محملاً حركة طالبان الباكستانية مسؤولية الهجوم الذي استهدف مقر قوات «الرينجرز» في كراتشي.
وأضاف أن أربعة مهاجمين شاركوا في الهجوم، ثلاثة منهم يحملون الجنسية الأفغانية.
وجدد المسؤول العسكري الباكستاني اتهام طالبان الأفغانية بدعم الجماعات المسلحة، وهي اتهامات سبق أن نفتها الحركة مراراً.
وقال إن أولى الهجمات وقعت مساء السبت 4 يوليو/تموز في منطقة ببرائي بإقليم بلوشستان، مدعياً أن مسلحي حركة طالبان الباكستانية هاجموا سكاناً محليين، ما أدى إلى مقتل أربعة مسلحين وإصابة ستة آخرين خلال الاشتباكات.
وأضاف أن الهجوم الثاني وقع يوم الاثنين 6 يوليو/تموز، واستهدف نقطة تفتيش للشرطة في منطقة زيارت، وأسفر، بحسب الجيش الباكستاني، عن مقتل تسعة من عناصر الشرطة و15 مسلحاً.
وأشار إلى أن المهاجمين احتجزوا خلال انسحابهم 18 من أفراد الشرطة المحلية رهائن، قبل أن يقتلوهم بعد تطويقهم من قبل قوات الأمن. وأضاف أن العمليات اللاحقة أسفرت عن مقتل 27 شرطياً و26 مسلحاً.
وتابع شودري أن الهجوم الثالث وقع الأربعاء 8 يوليو/تموز في منطقة بيلا بندر، حيث هاجم مسلحو «جيش تحرير بلوشستان» قافلة أمنية، ما أدى إلى مقتل 11 جندياً باكستانياً و14 مسلحاً، وفق قوله.
وأكد المتحدث باسم الجيش الباكستاني أن الهجمات الأخيرة في كراتشي وبلوشستان ومناطق أخرى ليست حوادث منفصلة، بل تمثل جزءاً من حملة منسقة تعتمد على قيادة وشبكة لوجستية مشتركة.
كما دافع عن سياسة ترحيل اللاجئين الأفغان غير الحاصلين على وثائق إقامة قانونية، معتبراً أن الجماعات المسلحة تعارض هذه السياسة لأنها تضعف شبكات الدعم والإسناد التي تعتمد عليها.
بعد عام على مذكرتي اعتقال بحق زعيم طالبان هبة الله آخوندزاده ورئيس المحكمة العليا عبد الحكيم حقاني، يراجع هذا التقرير مصائر قادة ومسؤولين لاحقتهم المحكمة الجنائية الدولية، بعضهم نُقل إلى لاهاي وآخرين ظلوا خارج قبضتها. فهل تُنفّذ أم تبقى حبراً على ورق؟
أصدرت المحكمة الجنائية الدولية، في 8 يوليو 2025، مذكرتي اعتقال بحق زعيم حركة طالبان، هبة الله آخوندزاده، ورئيس المحكمة العليا في الحركة، عبد الحكيم حقاني، بتهمة ارتكاب جريمة ضد الإنسانية في إطار الاضطهاد على أساس النوع الاجتماعي. وبعد مرور عام على صدور هاتين المذكرتين، تكرر طرح سؤال أساسي: هل تملك مذكرات المحكمة الجنائية الدولية قوة تنفيذية، أم أنها تبقى حبراً على ورق؟
في هذا التقرير، تقدم مراجعة ملفات قادة ومسؤولين وقادة عسكريين سبق أن صدرت بحقهم مذكرات اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية صورة عن التجربة السابقة لهذه المحكمة.
القوة التنفيذية للمحكمة
تقول المحكمة الجنائية الدولية، في وصفها الرسمي المعنون "كيف تعمل المحكمة"، إنها لا تملك قوة شرطة مستقلة، وإنها تعتمد في تنفيذ مذكرات الاعتقال على تعاون الدول.
وينص نظام روما الأساسي أيضاً على أن الدول الأعضاء ملزمة بالتعاون الكامل مع المحكمة، وبإمكان المحكمة أن تطلب من الدول اعتقال المتهمين وتسليمهم.
ولهذا السبب، لم يكن مصير المتهمين أمام هذه المحكمة واحداً. فمراجعة الملفات السابقة تظهر أن بعضهم لم يُعتقل إلا بعد خروجه من السلطة، وأن بعضهم حوكم أمام محاكم داخلية، فيما سُلّم آخرون إلى لاهاي بناء على مذكرات صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية.
أبرز الشخصيات التي اعتُقلت
خلال العقدين الماضيين، اعتُقل في نهاية المطاف عدد من الرؤساء السابقين والمسؤولين الرفيعي المستوى وقادة الحرب بعد صدور مذكرات عن المحكمة الجنائية الدولية بحقهم. وهذا يعني أن بعض مذكرات المحكمة، على الأقل، لم تبق دائماً حبراً على ورق.
أُنشئت المحكمة الجنائية الدولية بموجب نظام روما الأساسي، وهو الوثيقة التي اعتُمدت في 17 يوليو 1998 ودخلت حيز التنفيذ في 1 يوليو 2002.
وبحسب أحدث إحصاءات رسمية للمحكمة، أصدرت المحكمة، منذ بدء عملها، 66 مذكرة اعتقال، نُفذت 23 مذكرة منها. وفي هذا التقرير نستعرض مصير ملفات عدد من الشخصيات البارزة.
توماس لوبانغا
كان توماس لوبانغا دييلو، زعيم "اتحاد الوطنيين الكونغوليين" في منطقة إيتوري، أول شخص يُعتقل بناء على مذكرة من المحكمة الجنائية الدولية ويُنقل إلى لاهاي. وكان زعيماً لجماعة إرهابية.
وكتبت منظمة "هيومن رايتس ووتش" أن القوات التابعة لـ"اتحاد الوطنيين الكونغوليين" في إيتوري اتُّهمت أيضاً بارتكاب مجازر عرقية، وإعدامات تعسفية، وتعذيب، واغتصاب، وخطف، واستخدام الأطفال في الحرب، والنهب.
وصدرت مذكرة اعتقاله في 10 فبراير 2006، واعتقلته سلطات جمهورية الكونغو الديمقراطية في 17 مارس من العام نفسه وسلمته إلى المحكمة. واتُّهم لوبانغا بتجنيد أطفال دون سن الخامسة عشرة وإلحاقهم بالقوات واستخدامهم في القتال. وحُكم عليه بالسجن 14 عاماً.
وبعد إدانته بالسجن 14 عاماً، قضى توماس لوبانغا جزءاً من مدة عقوبته في احتجاز المحكمة الجنائية الدولية.
جان بيير بيمبا
كان جان بيير بيمبا غومبو، زعيم "حركة تحرير الكونغو" والنائب السابق لرئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية، من أبرز الشخصيات الرفيعة التي اعتُقلت بموجب مذكرة صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية. واعتُقل في بلجيكا في 24 مايو 2008، وسُلّم إلى المحكمة في 3 يوليو من العام نفسه.
وتعلق ملفه بالجرائم التي ارتكبتها قوات "حركة تحرير الكونغو" في جمهورية أفريقيا الوسطى خلال عامي 2002 و2003. واتهمه الادعاء، بصفته قائداً لقوات الحركة، بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، بينها القتل والاغتصاب والنهب. وأدانته المحكمة في 21 مارس 2016، ثم حكمت عليه في 21 يونيو من العام نفسه بالسجن 18 عاماً، غير أن محكمة الاستئناف ألغت الحكم في 8 يونيو 2018 وبرّأت بيمبا من التهم الرئيسية.
وتقول المحكمة الجنائية الدولية، في الصفحة الرسمية لقضية بيمبا، إنه بُرئ في 8 يونيو 2018 من تهم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
اعتقال أول رئيس سابق.. لوران غباغبو
كان لوران غباغبو، الرئيس السابق لساحل العاج، أول رئيس دولة يُنقل إلى مركز احتجاز المحكمة الجنائية الدولية. فبعد رفضه قبول نتائج الانتخابات، اعتُقل في أبيدجان في 11 أبريل 2011 على يد قوات موالية للحسن واتارا، منافسه في الانتخابات، بدعم من القوات الفرنسية والأمم المتحدة. وبعد أشهر، وتحديداً في 23 نوفمبر 2011، صدرت مذكرة اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية بحقه بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال أعمال العنف التي أعقبت الانتخابات. وسلمته حكومة ساحل العاج إلى المحكمة في 30 نوفمبر 2011.
واتهم الادعاء غباغبو بالقتل والاغتصاب والاضطهاد السياسي وأفعال لا إنسانية أخرى، وقال إن هذه الجرائم كانت جزءاً من هجوم منظم استهدف أنصار الحسن واتارا. ومع ذلك، برأته المحكمة في 15 يناير 2019، وأيدت دائرة الاستئناف هذا الحكم في 31 مارس 2021. وأظهر ملف غباغبو أن اعتقال زعيم سياسي يصبح ممكناً عندما يفقد السلطة التنفيذية داخل بلاده، وتبدي الحكومة الجديدة استعدادها للتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية.
اعتقال وزير.. شارل بليه غوديه
لاحقت المحكمة الجنائية الدولية شارل بليه غوديه، وزير الشباب السابق وأحد أبرز الشخصيات المؤثرة في معسكر لوران غباغبو في ساحل العاج. وصدرت مذكرة اعتقاله في 21 ديسمبر 2011 بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال أعمال العنف التي أعقبت انتخابات عامي 2010 و2011. واعتُقل في غانا في 17 يناير 2013، وبعد نقله إلى ساحل العاج، سلمته سلطات البلاد إلى المحكمة في 22 مارس 2014.
وذكرت المحكمة الجنائية الدولية، في بيانها الرسمي، أن غوديه نُقل إلى مركز احتجاز المحكمة على يد سلطات ساحل العاج.
واتهمه الادعاء بالقتل والاغتصاب والاضطهاد السياسي وأفعال لا إنسانية أخرى، وقال إنه اضطلع بدور في تعبئة أنصار غباغبو ضد خصومه السياسيين.
ونُفذت مذكرة المحكمة عندما أصبح غوديه خارج دائرة السلطة، واعتُقل في دولة أخرى، ثم وافقت حكومة ساحل العاج على تسليمه إلى لاهاي.
رودريغو دوتيرتي
يمثل رودريغو دوتيرتي، الرئيس الفلبيني السابق، أحدث نموذج بارز لزعماء سياسيين اعتُقلوا بعد صدور مذكرة من المحكمة الجنائية الدولية ونُقلوا إلى لاهاي. فقد صدرت مذكرة اعتقاله في 7 مارس 2025 وأُعلنت في 11 مارس من العام نفسه.
وفي اليوم نفسه، اعتُقل في العاصمة الفلبينية مانيلا، بناء على طلب المحكمة وعلى يد السلطات الفلبينية، ثم سُلّم في 12 مارس 2025 إلى مركز احتجاز المحكمة في لاهاي. وتقول المحكمة الجنائية الدولية، في الصفحة الرسمية لقضية دوتيرتي، إنه سُلّم إليها بعد اعتقاله من قبل السلطات في الفلبين.
وترتبط التهم الموجهة إلى دوتيرتي بحرب المخدرات الدموية في الفلبين.
ويتهمه الادعاء بارتكاب جريمة ضد الإنسانية، بما في ذلك القتل، ويقول إن هذه الجرائم وقعت خلال فترة توليه منصب عمدة مدينة دافاو ورئاسته للفلبين.
وفي 23 أبريل 2026، ثبّتت المحكمة الجنائية الدولية التهم الموجهة إليه وأحالت الملف إلى مرحلة المحاكمة.
وقالت وكالة "رويترز" إن المحكمة وجدت أسباباً جدية للاعتقاد بأن دوتيرتي اضطلع بدور مركزي في قتل 76 شخصاً ومحاولة قتل شخصين آخرين خلال حملة مكافحة المخدرات.
عمر البشير
يعد الرئيس السوداني السابق عمر البشير، أبرز نموذج لزعيم صدرت بحقه مذكرة اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية، لكنه لم يُنقل إلى لاهاي. فقد أصدرت المحكمة في 4 مارس 2009 أول مذكرة اعتقال بحقه بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، ثم أضافت في 12 يوليو 2010 مذكرة ثانية بتهمة الإبادة الجماعية. وكتب "الائتلاف من أجل المحكمة الجنائية الدولية" أن البشير كان أول رئيس في السلطة تصدر المحكمة بحقه مذكرة اعتقال.
وعلى مدى سنوات، سافر البشير رغم هذه المذكرات ولم يُعتقل. وكتبت منظمة "هيومن رايتس ووتش" أن المحكمة الجنائية الدولية قضت في ما يتعلق بزيارته إلى الأردن، بأن عمّان كانت ملزمة باعتقاله، لكن ذلك لم يحدث. وفي النهاية، أُطيح بالبشير من السلطة في 11 أبريل 2019، بعد أشهر من الاحتجاجات الشعبية، واعتقله الجيش السوداني، غير أن هذا الاعتقال لم يكن نتيجة تنفيذ مذكرة المحكمة الجنائية الدولية، كما لم تسلمه السلطات السودانية إلى لاهاي.
وما زالت المحكمة الجنائية الدولية تسجل البشير، في الصفحة الرسمية لقضيته، على أنه "ليس في عهدة المحكمة"، وتقول إن مذكرتي الاعتقال الصادرتين بحقه لا تزالان غير منفذتين.
أحمد هارون وعبد الرحيم محمد حسين
وفي السودان أيضاً، كان وزير الداخلية أحمد محمد هارون، ووزير الدفاع السابق عبد الرحيم محمد حسين، من كبار مسؤولي حكومة عمر البشير الذين صدرت بحقهم مذكرات اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية في ملف دارفور. وصدرت مذكرة اعتقال هارون في 27 أبريل 2007، فيما صدرت مذكرة اعتقال عبد الرحيم محمد حسين في 1 مارس 2012، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وما زالت المحكمة الجنائية الدولية تسجلهما، في الصفحات الرسمية لقضيتيهما، على أنهما "خارج عهدة المحكمة"، وتقول إن الملفين سيبقيان في المرحلة التمهيدية إلى حين اعتقالهما أو مثولهما طوعاً أمام المحكمة.
وقد سُجن الاثنان في السودان بعد سقوط حكم البشير عام 2019، لكنهما لم يُسلّما إلى لاهاي.
وتظهر مراجعة ملفات مذكرات المحكمة الجنائية الدولية أنه حتى الشخصيات التي لم تُعتقل فعلياً لا تغيب ظلال المحكمة عن حياتها السياسية والدبلوماسية.
فطريق الاعتقال فُتح أمام كثير من هؤلاء عندما فقد المتهمون سلطتهم التنفيذية، ومع السقوط أو العزل أو تراجع القوة، يمكن لمذكرة بقيت سنوات على الورق أن تتحول إلى أداة فعلية للاعتقال والنقل إلى المحكمة.
أصدرت الشعبة الثانية للدائرة التمهيدية في المحكمة الجنائية الدولية، في يوليو 2025، بمدينة لاهاي الهولندية، مذكرتي اعتقال بحق زعيم حركة طالبان، هبة الله آخوندزاده، ورئيس المحكمة العليا في الحركة، عبد الحكيم حقاني.
وخلف صدور هاتين المذكرتين مسار قانوني طويل، استند إلى دراسة إفادات الشهود، وروايات الضحايا، وتقارير المؤسسات الحقوقية، والوثائق الإعلامية الموثقة، والأوامر والتعليمات الرسمية الصادرة عن حركة طالبان.
وقالت المحكمة الجنائية الدولية في قرارها إن هناك أسباباً معقولة تشير إلى أن هبة الله آخوندزاده وعبد الحكيم حقاني، منذ 15 أغسطس 2021، شاركا عبر الأوامر والأحكام والسياسات الرسمية في ارتكاب جريمة الاضطهاد الممنهج على أساس الجنس ضد النساء والفتيات والأشخاص الذين عارضوا السياسات الجندرية لطالبان. واعتبرت المحكمة هذه الأفعال مصداقاً لجريمة ضد الإنسانية.
وبحسب المحكمة، حُرمت النساء والفتيات في أفغانستان من حقوقهن الأساسية، بما في ذلك الحق في التعليم والعمل والتنقل والحياة الشخصية، وحرية التعبير والفكر والمعتقد.
كما استُهدف أشخاص دعموا حقوق النساء والفتيات أو أبدوا معارضة لسياسات طالبان.
ورغم صدور مذكرتي الاعتقال، لا تملك المحكمة الجنائية الدولية قوة تنفيذية خاصة بها لاعتقال الأفراد. وتُلزم الدول الأعضاء في نظام روما الأساسي، في حال دخول هؤلاء الأشخاص إلى أراضيها، بالتحرك لتنفيذ مذكرة المحكمة.
وعقب صدور القرار، أعلن المتحدث باسم حركة طالبان ذبيح الله مجاهد، أن الحركة لا تعترف بالمحكمة الجنائية الدولية، واعتبر القرار مخالفاً لـ"الشريعة الإسلامية".
في المقابل، رحبت شخصيات حقوقية بارزة، من بينها مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في أفغانستان، ريتشارد بينيت، ومسؤولة قسم حقوق المرأة في منظمة هيومن رايتس ووتش، هيذر بار، والحائزة جائزة نوبل للسلام، ملالا يوسفزي، وعدد من الشخصيات السياسية والمدنية الأفغانية، بهذا القرار، واعتبروه خطوة مهمة على طريق العدالة والمساءلة.
ملف أفغانستان لا يزال مفتوحاً
لا يزال ملف أفغانستان مفتوحاً أمام المحكمة الجنائية الدولية، ويواصل المدعون العامون في المحكمة جمع الأدلة والوثائق المتعلقة بمسؤولين آخرين في حركة طالبان، تمهيداً لاستكمال مسارات قانونية مماثلة بحقهم وتقديمها إلى المحكمة عند الحاجة.
كيف تجري إجراءات النظر في المحكمة الجنائية الدولية؟
تبدأ إجراءات النظر في المحكمة الجنائية الدولية بتلقي تقرير أو شكوى أو معلومات بشأن وقوع جريمة.
وقد تقدم هذه المعلومات دولة عضو في نظام روما الأساسي، أو يحيلها مجلس الأمن الدولي إلى المحكمة، أو يبدأ المدعي العام في المحكمة التحقيق في الموضوع من تلقاء نفسه استناداً إلى معلومات وأدلة موثوقة.
بعد ذلك، يجري المدعي العام تقييماً أولياً.
ويبحث في ما إذا كانت الوقائع المدعى بها تدخل ضمن اختصاص المحكمة أم لا، أي ما إذا كانت تندرج في إطار جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو الإبادة الجماعية أو جريمة العدوان.
كما يقيّم ما إذا كانت محاكم الدولة المعنية قادرة وراغبة في النظر في هذا الملف ومحاكمة المتهمين فيه.
وإذا خلص المدعي العام إلى وجود أساس كافٍ لفتح تحقيقات رسمية، فإنه يطلب في بعض الحالات إذن الدائرة التمهيدية في المحكمة. وبعد موافقة القضاة، تبدأ التحقيقات الرسمية.
وفي مرحلة التحقيقات، يجمع المدعي العام وفريقه الأدلة، ويجرون مقابلات مع الشهود والضحايا، ويفحصون الوثائق والصور ومقاطع الفيديو وسائر الأدلة، ويسعون إلى تحديد المسؤولين الرئيسيين عن ارتكاب الجريمة.
وإذا أظهرت الأدلة التي جُمعت وجود أسباب معقولة لنسبة الجريمة إلى شخص أو أكثر، يطلب المدعي العام من القضاة إصدار مذكرة اعتقال أو أمر حضور بحقهم.
وبعد صدور مذكرة الاعتقال، لا يكون تنفيذها من مسؤولية المحكمة نفسها.
وتقع هذه المسؤولية على عاتق الدول الأعضاء في نظام روما الأساسي. وإذا جرى اعتقال المتهم ونقله إلى لاهاي، تبدأ الإجراءات القضائية داخل المحكمة.
وفي الجلسة الأولى، يدرس القضاة ما إذا كانت الأدلة كافية لبدء المحاكمة أم لا.
وإذا كانت الأدلة كافية، تبدأ المحاكمة الرسمية. وخلال المحاكمة، يقدم المدعي العام أدلته، ويدافع محامو الدفاع عن المتهم، ويدلي الشهود بشهاداتهم، ويستمع القضاة إلى مرافعات الطرفين.
وبعد انتهاء المرافعات، يصدر القضاة حكمهم. وإذا ثبتت التهم، يُدان المتهم وتحدد العقوبة بحقه. أما إذا لم تكن الأدلة كافية، فيصدر حكم بالبراءة. وتتمثل المرحلة الأخيرة في الطعن أو الاستئناف.
ويستطيع كل من المدعي العام ومحامي الدفاع الطعن في حكم المحكمة. ويدرس قضاة دائرة الاستئناف الملف مرة أخرى، ثم يصدرون الحكم النهائي.
ملف طالبان الثقيل على طاولة الادعاء العام في المحكمة الجنائية الدولية
تنظر الشعبة الثانية للدائرة التمهيدية في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي في ملف أفغانستان على مراحل عدة.
في المرحلة الأولى، يقيّم القضاة ما إذا كانت الشروط القانونية لبدء التحقيقات الرسمية متوافرة أم لا. وفي هذه المرحلة، تُدرس المعايير القانونية ومصداقية الأدلة واختصاص المحكمة بالنظر في الملف.
ومع انتقال الملف إلى المرحلة الثانية، تتجاوز الإجراءات مجرد دراسة الوثائق. إذ يجري المدعون العامون ومحققو المحكمة مقابلات مباشرة مع الشهود والضحايا والمتضررين. ويشمل هؤلاء مواطنين أفغان تعرضوا للسجن أو القيود أو التمييز أو العنف. وتُسجل إفاداتهم وتُحلل وتُستخدم جزءاً من الملف القانوني.
ومن أبرز سمات هذا المسار حماية أمن الشهود.
ونظراً إلى المخاطر المحتملة، تُحفظ هوية كثير منهم بسرية. وتسعى المحكمة إلى تسجيل الشهادات مع ضمان أمن الشهود في الوقت نفسه. ولهذا السبب، تُجرى بعض المقابلات في ظروف سرية أو بموجب تدابير حماية خاصة.
وفي بعض الحالات، يحدد محققو المحكمة هوية أشخاص تعرضوا للتعذيب في السجون أو تضرروا بسبب قيود طالبان، ويدعونهم إلى الإدلاء بشهاداتهم. وإذا تعذر حضورهم إلى لاهاي، يسافر المدعون العامون إلى الدول الأعضاء في المحكمة حيث يقيم هؤلاء الأشخاص.
وتسجل فرق التحقيق في المحكمة روايات الشهود بدقة، وتطرح أسئلة تكميلية، وتقيم مدى الاتساق أو التناقض بين الإجابات من الناحيتين القانونية والواقعية. كما تُوقع اتفاقات مع الشهود لتقديم تجاربهم، علناً أو بسرية، بصدق كامل إلى المحكمة.
ولا تقتصر إجراءات المحكمة على شهادة شخص أو أكثر. فالقضاة والمدعون العامون يستخدمون مصادر أخرى للتحقق من المعلومات. وتشكل التقارير الإعلامية والتحقيقات المستقلة ووثائق المؤسسات المدنية جزءاً من مسار جمع الأدلة، وتُضاف إلى الملف بعد التحقق منها.
وفي بعض الحالات، تُطلب تقارير تتعلق بحرمان الفتيات من التعليم، والقيود الدراسية، وانتهاك الحريات المدنية، باعتبارها وثائق أساسية من الصحفيين ووسائل الإعلام. وبعد التحقق من صحة هذه الوثائق، تُدرج في ملفات المحكمة.
ومع مرور الوقت، تُقيّم الشهادات مرة أخرى، ويخضع بعض الشهود لمقابلات جديدة لتقديم إيضاحات إضافية، بما يضمن دقة المعلومات وقيمتها القانونية.
ولا تكتفي المحكمة بالروايات الفردية، بل تدرس أيضاً القوانين والأوامر والوثائق الرسمية لحركة طالبان، لتحديد السياسات والأوامر والقوانين والأحكام والإجراءات الصادرة على مستوى الحكم، والتي تتعارض مع معايير حقوق الإنسان والقانون الدولي.
واستناداً إلى هذه المجموعة الواسعة من الأدلة، يقرر القضاة ما إذا كانت الشروط القانونية لإصدار مذكرة اعتقال قد توافرت أم لا.
وقد صدرت مذكرة اعتقال زعيم حركة طالبان، هبة الله آخوندزاده، ورئيس المحكمة العليا في الحركة، عبد الحكيم حقاني، استناداً إلى هذا المسار نفسه.
وعلى الرغم من أن المحكمة الجنائية الدولية لا تملك صلاحية تنفيذية خاصة بها لاعتقال المتهمين، فإن الدول الأعضاء في نظام روما الأساسي ملزمة، في حال دخول هؤلاء الأشخاص إلى أراضيها، بتنفيذ مذكرة المحكمة.
هل ستصدر مذكرات اعتقال بحق مسؤولين آخرين في طالبان؟
لهذا السبب، لا يزال ملف أفغانستان مفتوحاً، وتتواصل التحقيقات بشأن مسؤولين آخرين في حركة طالبان.
وبحسب المعلومات المتاحة، لا يزال المدعون العامون في المحكمة، بعد إصدار مذكرتي اعتقال بحق هبة الله آخوندزاده وعبد الحكيم حقاني، يجمعون الأدلة والوثائق المتعلقة بمسؤولين آخرين في حركة طالبان.
ومن بين الأسماء التي وردت في التقارير بوصفها موضع تدقيق، وزير الداخلية في حركة طالبان، سراج الدين حقاني، ووزير التعليم العالي، ندا محمد نديم، ووزير المعارف، حبيب الله آغا، ووزير العدل، عبد الحكيم شرعي، ووزير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، خالد حنفي، ورئيس استخبارات طالبان، عبد الحق وثيق، ونائبه تاج مير جواد، ورئيس الإدارة 08 في استخبارات طالبان، خليل همراز.
ويقال إن هؤلاء الأشخاص يقع تحت دائرة اهتمام تحقيقات المحكمة بسبب دورهم المحتمل في حرمان النساء والفتيات من حق التعليم والعمل، وانتهاك الحريات الفردية والاجتماعية، وارتكاب حالات من التعذيب وانتهاكات جسيمة أخرى لحقوق الإنسان.
في مثل هذا اليوم من العام الماضي، 8 يوليو، اتخذت المحكمة الجنائية الدولية، بإصدارها مذكرة اعتقال بحق زعيم حركة طالبان، ملا هبة الله آخوندزاده، أحد أهم قراراتها في التاريخ المعاصر للقانون الجنائي الدولي بشأن أفغانستان.
كانت تلك المرة الأولى التي يُلاحق فيها أعلى مسؤول سياسي وديني في حركة طالبان بتهمة ارتكاب جريمة ضد الإنسانية؛ وهو قرار لم يضع المكانة القانونية لطالبان أمام تحدٍّ جدي فحسب، بل شكّل أيضاً نقطة تحول في تعامل المجتمع الدولي مع سياسات هذه الحركة ضد النساء وسائر مواطني أفغانستان.
والآن، بعد مرور عام على صدور المذكرة، تبدو أهميتها أكثر وضوحاً من ذي قبل. فهذه القضية لا تتعلق ببضعة أوامر محدودة أو انتهاكات متفرقة لحقوق الإنسان، بل بسياسة منظمة يرى المدعي العام وقضاة المحكمة أنها صُممت ونُفذت بهدف الإقصاء المنهجي للنساء من المجال العام، وقمع المعارضين، وفرض تمييز بنيوي.
الحكم المطلق لهبة الله
منذ عودة حركة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021، يتصدر ملا هبة الله آخوندزاده بنية يعود فيها كل قرار كبير، في نهاية المطاف، إلى إرادته الشخصية. ورغم أن لدى طالبان مجلس وزراء ووزارات ومؤسسات تنفيذية، فإن تجربة السنوات الماضية أظهرت أن هذه المؤسسات لا تتمتع باستقلال حقيقي، وأن الأوامر الصادرة من قندهار، مكتوبة كانت أم شفهية، هي التي تهيمن عليها جميعاً.
وفي هذه البنية، لا يُعد هبة الله زعيماً دينياً فحسب، بل المرجع النهائي للتشريع وصنع السياسات وتفسير الشريعة. فكثير من القرارات التي غيّرت حياة ملايين المواطنين في أفغانستان اتُّخذت بأمر مباشر منه؛ من حظر تعليم الفتيات وتقييد عمل النساء، إلى إغلاق صالونات التجميل النسائية، ومنع النساء من دخول الحدائق والملاعب والحمامات العامة، وفرض قيود شديدة على حرية تنقلهن.
وهذا التركّز غير المسبوق للسلطة هو ما دفع المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إلى القول إن المسؤولية الأساسية عن هذه السياسات تقع على عاتق هبة الله شخصياً؛ لأن هذه القيود لم تكن نتيجة تصرفات عشوائية لمسؤولين محليين، بل جزءاً من سياسة حكومية واحدة وشاملة.
الأساس القانوني لمذكرة الاعتقال
صاغت المحكمة الجنائية الدولية الاتهامات الموجهة إلى هبة الله آخوندزاده استناداً إلى المادة السابعة من نظام روما الأساسي.
وتعتبر هذه المادة "الاضطهاد" جريمة ضد الإنسانية عندما يُمارس على نحو واسع النطاق أو منهجي ضد المدنيين.
وفي قضية طالبان، قال المدعي العام إن إدارة هذه الحركة استهدفت، بصورة واعية ومستمرة ومنظمة، فئات محددة من المواطنين لمجرد جنسهم أو معتقدهم أو دعمهم حقوق النساء.
وبحسب تقييم المحكمة، فإن الحرمان المتعمد لملايين النساء والفتيات من أبسط حقوقهن الإنسانية ليس قراراً ثقافياً أو إدارياً، بل فعل إجرامي في إطار القانون الدولي.
وكتب مايلز جاكسون، الأستاذ المشارك في القانون الدولي بجامعة أكسفورد وعضو كلية جيسوس، في تحليل عن الأهمية الفنية لهذه المذكرات: "تكتسب هذه المذكرات أهميتها لأنها تُظهر أن القانون الجنائي الدولي يمكن أن يشمل أيضاً أشكال الضرر المنهجية والمؤسسية. إن إصدار هذه المذكرات يستلزم قبولاً أكبر لفكرة أن تجريم الأشكال المنهجية من التمييز، التي تدمر حرية الإنسان، له أهمية أساسية".
لماذا اعتُبرت سياسات طالبان "جريمة ضد الإنسانية"؟
النقطة الأساسية في هذه القضية أن المحكمة لم تنظر إلى مجموعة إجراءات طالبان باعتبارها خطوات متفرقة، بل رأت فيها أجزاء من سياسة حكومية واحدة.
فمن وجهة نظر القضاة، نُفذت قرارات حظر تعليم الفتيات، ومنع النساء من العمل، وتقييد حرية التنقل، وإقصاء النساء من المجال العام، وقمع الناشطين المدنيين واعتقال المحتجين، كلها في سياق هدف واحد مشترك: الإقصاء المنهجي للنساء من الحياة الاجتماعية وترسيخ النظام الأيديولوجي لطالبان.
ولهذا السبب، نظرت المحكمة في هذه الإجراءات ضمن إطار "الاضطهاد القائم على الجنس"، وهو مفهوم يعني في القانون الجنائي الدولي حرمان جماعة ما عمداً من حقوق أساسية بسبب سماتها الهوياتية.
أبرز محاور الاتهام
تشمل القضية ضد زعيم حركة طالبان مجموعة من الممارسات الواسعة والمستمرة، وأبرزها:
أولاً: حرمان الفتيات من التعليم الثانوي والجامعي، وهو إجراء حرم ملايين الفتيات الأفغانيات من حق التعليم.
ثانياً: حظر عمل النساء في القطاعات الحكومية والمنظمات غير الحكومية وجزء كبير من الأنشطة الاقتصادية.
ثالثاً: تقييد حرية تنقل النساء عبر إلزامهن بوجود محرم وفرض قيود شديدة على حضورهن في الأماكن العامة.
رابعاً: الإقصاء التدريجي للنساء من المجالات الثقافية والرياضية والاجتماعية عبر مجموعة من الأوامر التقييدية.
خامساً: قمع المحتجين والصحفيين والناشطين المدنيين وكل من عارض هذه السياسات.
سادساً: فرض عقوبات بدنية، واعتقالات تعسفية، وإخفاء قسري، وممارسات أخرى وصفها المدعي العام بأنها جزء من سياسة القمع التي تنتهجها سلطة طالبان.
كما أشارت المحكمة إلى مسألة التمييز ضد أشخاص استُهدفوا بسبب هويتهم أو تعبيرهم الجندري، وهو ما يجعل هذه القضية مهمة أيضاً من زاوية تطور القانون الجنائي الدولي.
سياسة واعية لا قراراً مؤقتاً
كان من بين العوامل المهمة في إصدار مذكرة الاعتقال، التصريحات المتكررة لهبة الله آخوندزاده نفسه.
فزعيم حركة طالبان أعلن مراراً، خلال السنوات الماضية، أنه لن يتراجع أمام الضغوط الدولية بشأن حقوق النساء، واعتبر أي مطلب بإعادة فتح مدارس الفتيات أو رفع القيود عن النساء "اتباعاً لرغبات الغرب".
وكانت لهذه المواقف أهمية قانونية خاصة؛ لأنها أظهرت أن القيود المفروضة لم تكن نتيجة ظروف طارئة أو قرارات مؤقتة، بل جزءاً من سياسة واعية ومستقرة ومخطط لها مسبقاً.
وفي القانون الجنائي الدولي، يُعد وجود هذه الإرادة وهذا الوعي أحد العناصر الأساسية لإثبات المسؤولية الجنائية للقادة السياسيين.
التصادم مع إجماع العالم الإسلامي
أحد الأبعاد اللافتة في هذه القضية هو تجاهل طالبان مواقف كثير من أبرز المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي.
فبعد عودة طالبان إلى السلطة، أعلن عدد كبير من العلماء والمفتين والمؤسسات الإسلامية، من بينها الأزهر في مصر ومنظمة التعاون الإسلامي، أن حرمان النساء من التعليم والعمل لا يستند إلى أساس في الشريعة الإسلامية.
كما طالبت وفود متعددة من علماء الدول الإسلامية، خلال لقاءاتها مع مسؤولي طالبان، بإعادة النظر في هذه السياسات، لكن زعيم طالبان لم يقبل أياً من هذه التوصيات.
وكان لهذا الأمر أهمية في ملف المحكمة أيضاً؛ إذ أظهر أن طالبان لا تستطيع أن تنسب قيودها الواسعة فقط إلى خلافات فقهية أو تقاليد دينية، لأن جزءاً كبيراً من العالم الإسلامي اعتبر هذه السياسات أيضاً بلا أساس شرعي.
الأهمية التاريخية لهذه القضية
لا تقتصر أهمية قضية هبة الله آخوندزاده على أفغانستان وحدها، بل باتت لها مكانة خاصة في تطور القانون الجنائي الدولي.
ففي العقود الماضية، ركزت كثير من قضايا المحكمة الجنائية الدولية على القتل أو الإبادة الجماعية أو التعذيب أو جرائم الحرب؛ غير أن هذه القضية تُظهر أن الحرمان الواسع والمنظم من الحقوق الأساسية يمكن أن يكون، مثل العنف الجسدي، موضوعاً للملاحقة الجنائية.
ولهذا السبب، يرى كثير من الحقوقيين في هذه القضية خطوة مهمة في تطوير مفهوم "الاضطهاد القائم على الجنس" ومواجهة التمييز المؤسسي.
كما تبعث هذه القضية برسالة مفادها أن الإقصاء المنهجي لجماعة اجتماعية من الحياة العامة، حتى من دون وقوع قتل جماعي واسع، يمكن أن يشكل مثالاً واضحاً على الجريمة ضد الإنسانية.
هل يمكن تنفيذ مذكرة الاعتقال؟
من الناحية العملية، يبدو تنفيذ مذكرة اعتقال هبة الله آخوندزاده صعباً في المدى القريب؛ إذ إنه نادراً ما يغادر قندهار، كما تسيطر طالبان بالكامل على أراضي أفغانستان.
مع ذلك، لا يعني إصدار مذكرة اعتقال في نظام القانون الدولي، بالضرورة، تنفيذ الاعتقال فوراً.
فهذه المذكرة تترتب عليها آثار قانونية وسياسية مهمة. فكل دولة عضو في المحكمة الجنائية الدولية تكون، من حيث المبدأ، ملزمة باعتقال المتهم وتسليمه إلى المحكمة إذا دخل أراضيها.
إضافة إلى ذلك، تؤثر مثل هذه المذكرات في الشرعية الدولية للسلطات، وتضع علاقاتها الدبلوماسية أمام قيود جدية.
لماذا لم تُنفذ المذكرة حتى الآن؟
بعد عام على صدور مذكرة الاعتقال، لم يُتخذ حتى الآن أي إجراء عملي لاعتقال قادة طالبان. ويجب البحث عن سبب ذلك في القيود التنفيذية للمحكمة الجنائية الدولية، وكذلك في التحولات السياسية في العالم.
وترى الناشطة في مجال حقوق النساء، وعضو البرلمان السابقة، فوزية كوفي، في حديثها إلى "أفغانستان إنترناشيونال"، أن مسار متابعة هذه القضية تأثر، قبل أي شيء، بالضغوط السياسية. وبحسب قولها، واجهت المحكمة الجنائية الدولية في الأشهر الأخيرة ضغوطاً غير مسبوقة، وهو ما أدى إلى إبطاء مسار النظر في ملف أفغانستان.
وتقول كوفي إن إصدار مذكرة الاعتقال وضع طالبان في موقف قانوني وسياسي ضعيف، وجعل تعامل الدول رسمياً مع هذه الحركة أكثر صعوبة.
وترى أنه رغم استمرار بعض الحكومات في التواصل مع طالبان تحت عنوان "المحادثات الفنية" أو "التعاملات العملية"، فإن وجود مذكرة اعتقال بحق زعيم هذه الحركة يضع مشروعية مثل هذه التعاملات أمام أسئلة قانونية جدية.
وتعتقد أيضاً أن الحرب بين إيران وإسرائيل والضغوط السياسية الناجمة عن ملف مذكرة اعتقال بنيامين نتنياهو استحوذت على جزء من طاقة المحكمة الجنائية الدولية وتركيزها، ونتيجة لذلك، واجه مسار متابعة ملف أفغانستان تباطؤاً.
مفارقة التعامل السياسي مع طالبان
رغم صدور مذكرة الاعتقال، لا تزال حكومات كثيرة، لأسباب أمنية وهجرية وإنسانية، تحافظ على قنوات التواصل مع طالبان؛ وهو وضع تحول إلى إحدى المفارقات الكبرى في السياسة الدولية تجاه أفغانستان.
وترى فوزية كوفي أن طالبان تستخدم قضية اللاجئين الأفغان أداة ضغط على الحكومات الأوروبية.
وتقول إن ألمانيا، التي كانت في المراحل الأولى من الدول السباقة في دعم المسارات القانونية الدولية ضد طالبان، خففت من حدة متابعتها لهذه القضية بسبب المخاوف المرتبطة بالهجرة وإدارة أزمة طالبي اللجوء.
ومع ذلك، لا تغيّر هذه التطورات السياسية شيئاً في الاعتبار القانوني لمذكرة المحكمة. فمذكرة الاعتقال الصادرة لا تزال سارية، وستبقى محتفظة بمكانتها القانونية إلى حين تنفيذها أو صدور قرار جديد من المحكمة.
وفي القانون الدولي، لا يمكن للمصالح السياسية للدول أن تلغي المسؤولية الجنائية للمتهمين.
وكان من المقرر، إضافة إلى إصدار مذكرة اعتقال بحق هبة الله، أن تصدر مذكرات بحق عدد من الشخصيات الأخرى في طالبان، مثل وزراء الأمر بالمعروف والتعليم العالي والمعارف في هذه الحركة. لكن كوفي ترى أن ملفات هؤلاء توقفت بسبب الضغوط السياسية على محكمة لاهاي. وقالت إن توقف هذه الملفات يدل على ضغط طالبان على الدول الأوروبية.
إن مذكرة اعتقال ملا هبة الله آخوندزاده ليست مجرد ملاحقة لشخص واحد، بل تقييم قانوني لنمط حكم يقوم على الإقصاء والتمييز والقمع المنهجي.
وبهذا القرار، أعلنت المحكمة الجنائية الدولية أن حرمان ملايين النساء من التعليم والعمل وحرية التنقل والحضور في المجتمع ليس مجرد سياسة داخلية أو خلاف ثقافي، بل قد يشكل، إذا اتسم بالتنظيم والاستمرارية، جريمة ضد الإنسانية.
وهذه المذكرة، رغم أنها قد لا تؤدي في المدى القريب إلى اعتقال زعيم طالبان، سجلت مكانته ومكانة إدارة طالبان في ذاكرة القانون الدولي.