كانت تلك المرة الأولى التي يُلاحق فيها أعلى مسؤول سياسي وديني في حركة طالبان بتهمة ارتكاب جريمة ضد الإنسانية؛ وهو قرار لم يضع المكانة القانونية لطالبان أمام تحدٍّ جدي فحسب، بل شكّل أيضاً نقطة تحول في تعامل المجتمع الدولي مع سياسات هذه الحركة ضد النساء وسائر مواطني أفغانستان.
والآن، بعد مرور عام على صدور المذكرة، تبدو أهميتها أكثر وضوحاً من ذي قبل. فهذه القضية لا تتعلق ببضعة أوامر محدودة أو انتهاكات متفرقة لحقوق الإنسان، بل بسياسة منظمة يرى المدعي العام وقضاة المحكمة أنها صُممت ونُفذت بهدف الإقصاء المنهجي للنساء من المجال العام، وقمع المعارضين، وفرض تمييز بنيوي.
الحكم المطلق لهبة الله
منذ عودة حركة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021، يتصدر ملا هبة الله آخوندزاده بنية يعود فيها كل قرار كبير، في نهاية المطاف، إلى إرادته الشخصية. ورغم أن لدى طالبان مجلس وزراء ووزارات ومؤسسات تنفيذية، فإن تجربة السنوات الماضية أظهرت أن هذه المؤسسات لا تتمتع باستقلال حقيقي، وأن الأوامر الصادرة من قندهار، مكتوبة كانت أم شفهية، هي التي تهيمن عليها جميعاً.
وفي هذه البنية، لا يُعد هبة الله زعيماً دينياً فحسب، بل المرجع النهائي للتشريع وصنع السياسات وتفسير الشريعة. فكثير من القرارات التي غيّرت حياة ملايين المواطنين في أفغانستان اتُّخذت بأمر مباشر منه؛ من حظر تعليم الفتيات وتقييد عمل النساء، إلى إغلاق صالونات التجميل النسائية، ومنع النساء من دخول الحدائق والملاعب والحمامات العامة، وفرض قيود شديدة على حرية تنقلهن.
وهذا التركّز غير المسبوق للسلطة هو ما دفع المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إلى القول إن المسؤولية الأساسية عن هذه السياسات تقع على عاتق هبة الله شخصياً؛ لأن هذه القيود لم تكن نتيجة تصرفات عشوائية لمسؤولين محليين، بل جزءاً من سياسة حكومية واحدة وشاملة.
الأساس القانوني لمذكرة الاعتقال
صاغت المحكمة الجنائية الدولية الاتهامات الموجهة إلى هبة الله آخوندزاده استناداً إلى المادة السابعة من نظام روما الأساسي.
وتعتبر هذه المادة "الاضطهاد" جريمة ضد الإنسانية عندما يُمارس على نحو واسع النطاق أو منهجي ضد المدنيين.
وفي قضية طالبان، قال المدعي العام إن إدارة هذه الحركة استهدفت، بصورة واعية ومستمرة ومنظمة، فئات محددة من المواطنين لمجرد جنسهم أو معتقدهم أو دعمهم حقوق النساء.
وبحسب تقييم المحكمة، فإن الحرمان المتعمد لملايين النساء والفتيات من أبسط حقوقهن الإنسانية ليس قراراً ثقافياً أو إدارياً، بل فعل إجرامي في إطار القانون الدولي.
وكتب مايلز جاكسون، الأستاذ المشارك في القانون الدولي بجامعة أكسفورد وعضو كلية جيسوس، في تحليل عن الأهمية الفنية لهذه المذكرات: "تكتسب هذه المذكرات أهميتها لأنها تُظهر أن القانون الجنائي الدولي يمكن أن يشمل أيضاً أشكال الضرر المنهجية والمؤسسية. إن إصدار هذه المذكرات يستلزم قبولاً أكبر لفكرة أن تجريم الأشكال المنهجية من التمييز، التي تدمر حرية الإنسان، له أهمية أساسية".
لماذا اعتُبرت سياسات طالبان "جريمة ضد الإنسانية"؟
النقطة الأساسية في هذه القضية أن المحكمة لم تنظر إلى مجموعة إجراءات طالبان باعتبارها خطوات متفرقة، بل رأت فيها أجزاء من سياسة حكومية واحدة.
فمن وجهة نظر القضاة، نُفذت قرارات حظر تعليم الفتيات، ومنع النساء من العمل، وتقييد حرية التنقل، وإقصاء النساء من المجال العام، وقمع الناشطين المدنيين واعتقال المحتجين، كلها في سياق هدف واحد مشترك: الإقصاء المنهجي للنساء من الحياة الاجتماعية وترسيخ النظام الأيديولوجي لطالبان.
ولهذا السبب، نظرت المحكمة في هذه الإجراءات ضمن إطار "الاضطهاد القائم على الجنس"، وهو مفهوم يعني في القانون الجنائي الدولي حرمان جماعة ما عمداً من حقوق أساسية بسبب سماتها الهوياتية.
أبرز محاور الاتهام
تشمل القضية ضد زعيم حركة طالبان مجموعة من الممارسات الواسعة والمستمرة، وأبرزها:
أولاً: حرمان الفتيات من التعليم الثانوي والجامعي، وهو إجراء حرم ملايين الفتيات الأفغانيات من حق التعليم.
ثانياً: حظر عمل النساء في القطاعات الحكومية والمنظمات غير الحكومية وجزء كبير من الأنشطة الاقتصادية.
ثالثاً: تقييد حرية تنقل النساء عبر إلزامهن بوجود محرم وفرض قيود شديدة على حضورهن في الأماكن العامة.
رابعاً: الإقصاء التدريجي للنساء من المجالات الثقافية والرياضية والاجتماعية عبر مجموعة من الأوامر التقييدية.
خامساً: قمع المحتجين والصحفيين والناشطين المدنيين وكل من عارض هذه السياسات.
سادساً: فرض عقوبات بدنية، واعتقالات تعسفية، وإخفاء قسري، وممارسات أخرى وصفها المدعي العام بأنها جزء من سياسة القمع التي تنتهجها سلطة طالبان.
كما أشارت المحكمة إلى مسألة التمييز ضد أشخاص استُهدفوا بسبب هويتهم أو تعبيرهم الجندري، وهو ما يجعل هذه القضية مهمة أيضاً من زاوية تطور القانون الجنائي الدولي.
سياسة واعية لا قراراً مؤقتاً
كان من بين العوامل المهمة في إصدار مذكرة الاعتقال، التصريحات المتكررة لهبة الله آخوندزاده نفسه.
فزعيم حركة طالبان أعلن مراراً، خلال السنوات الماضية، أنه لن يتراجع أمام الضغوط الدولية بشأن حقوق النساء، واعتبر أي مطلب بإعادة فتح مدارس الفتيات أو رفع القيود عن النساء "اتباعاً لرغبات الغرب".
وكانت لهذه المواقف أهمية قانونية خاصة؛ لأنها أظهرت أن القيود المفروضة لم تكن نتيجة ظروف طارئة أو قرارات مؤقتة، بل جزءاً من سياسة واعية ومستقرة ومخطط لها مسبقاً.
وفي القانون الجنائي الدولي، يُعد وجود هذه الإرادة وهذا الوعي أحد العناصر الأساسية لإثبات المسؤولية الجنائية للقادة السياسيين.
التصادم مع إجماع العالم الإسلامي
أحد الأبعاد اللافتة في هذه القضية هو تجاهل طالبان مواقف كثير من أبرز المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي.
فبعد عودة طالبان إلى السلطة، أعلن عدد كبير من العلماء والمفتين والمؤسسات الإسلامية، من بينها الأزهر في مصر ومنظمة التعاون الإسلامي، أن حرمان النساء من التعليم والعمل لا يستند إلى أساس في الشريعة الإسلامية.
كما طالبت وفود متعددة من علماء الدول الإسلامية، خلال لقاءاتها مع مسؤولي طالبان، بإعادة النظر في هذه السياسات، لكن زعيم طالبان لم يقبل أياً من هذه التوصيات.
وكان لهذا الأمر أهمية في ملف المحكمة أيضاً؛ إذ أظهر أن طالبان لا تستطيع أن تنسب قيودها الواسعة فقط إلى خلافات فقهية أو تقاليد دينية، لأن جزءاً كبيراً من العالم الإسلامي اعتبر هذه السياسات أيضاً بلا أساس شرعي.
الأهمية التاريخية لهذه القضية
لا تقتصر أهمية قضية هبة الله آخوندزاده على أفغانستان وحدها، بل باتت لها مكانة خاصة في تطور القانون الجنائي الدولي.
ففي العقود الماضية، ركزت كثير من قضايا المحكمة الجنائية الدولية على القتل أو الإبادة الجماعية أو التعذيب أو جرائم الحرب؛ غير أن هذه القضية تُظهر أن الحرمان الواسع والمنظم من الحقوق الأساسية يمكن أن يكون، مثل العنف الجسدي، موضوعاً للملاحقة الجنائية.
ولهذا السبب، يرى كثير من الحقوقيين في هذه القضية خطوة مهمة في تطوير مفهوم "الاضطهاد القائم على الجنس" ومواجهة التمييز المؤسسي.
كما تبعث هذه القضية برسالة مفادها أن الإقصاء المنهجي لجماعة اجتماعية من الحياة العامة، حتى من دون وقوع قتل جماعي واسع، يمكن أن يشكل مثالاً واضحاً على الجريمة ضد الإنسانية.
هل يمكن تنفيذ مذكرة الاعتقال؟
من الناحية العملية، يبدو تنفيذ مذكرة اعتقال هبة الله آخوندزاده صعباً في المدى القريب؛ إذ إنه نادراً ما يغادر قندهار، كما تسيطر طالبان بالكامل على أراضي أفغانستان.
مع ذلك، لا يعني إصدار مذكرة اعتقال في نظام القانون الدولي، بالضرورة، تنفيذ الاعتقال فوراً.
فهذه المذكرة تترتب عليها آثار قانونية وسياسية مهمة. فكل دولة عضو في المحكمة الجنائية الدولية تكون، من حيث المبدأ، ملزمة باعتقال المتهم وتسليمه إلى المحكمة إذا دخل أراضيها.
إضافة إلى ذلك، تؤثر مثل هذه المذكرات في الشرعية الدولية للسلطات، وتضع علاقاتها الدبلوماسية أمام قيود جدية.
لماذا لم تُنفذ المذكرة حتى الآن؟
بعد عام على صدور مذكرة الاعتقال، لم يُتخذ حتى الآن أي إجراء عملي لاعتقال قادة طالبان. ويجب البحث عن سبب ذلك في القيود التنفيذية للمحكمة الجنائية الدولية، وكذلك في التحولات السياسية في العالم.
وترى الناشطة في مجال حقوق النساء، وعضو البرلمان السابقة، فوزية كوفي، في حديثها إلى "أفغانستان إنترناشيونال"، أن مسار متابعة هذه القضية تأثر، قبل أي شيء، بالضغوط السياسية. وبحسب قولها، واجهت المحكمة الجنائية الدولية في الأشهر الأخيرة ضغوطاً غير مسبوقة، وهو ما أدى إلى إبطاء مسار النظر في ملف أفغانستان.
وتقول كوفي إن إصدار مذكرة الاعتقال وضع طالبان في موقف قانوني وسياسي ضعيف، وجعل تعامل الدول رسمياً مع هذه الحركة أكثر صعوبة.
وترى أنه رغم استمرار بعض الحكومات في التواصل مع طالبان تحت عنوان "المحادثات الفنية" أو "التعاملات العملية"، فإن وجود مذكرة اعتقال بحق زعيم هذه الحركة يضع مشروعية مثل هذه التعاملات أمام أسئلة قانونية جدية.
وتعتقد أيضاً أن الحرب بين إيران وإسرائيل والضغوط السياسية الناجمة عن ملف مذكرة اعتقال بنيامين نتنياهو استحوذت على جزء من طاقة المحكمة الجنائية الدولية وتركيزها، ونتيجة لذلك، واجه مسار متابعة ملف أفغانستان تباطؤاً.
مفارقة التعامل السياسي مع طالبان
رغم صدور مذكرة الاعتقال، لا تزال حكومات كثيرة، لأسباب أمنية وهجرية وإنسانية، تحافظ على قنوات التواصل مع طالبان؛ وهو وضع تحول إلى إحدى المفارقات الكبرى في السياسة الدولية تجاه أفغانستان.
وترى فوزية كوفي أن طالبان تستخدم قضية اللاجئين الأفغان أداة ضغط على الحكومات الأوروبية.
وتقول إن ألمانيا، التي كانت في المراحل الأولى من الدول السباقة في دعم المسارات القانونية الدولية ضد طالبان، خففت من حدة متابعتها لهذه القضية بسبب المخاوف المرتبطة بالهجرة وإدارة أزمة طالبي اللجوء.
ومع ذلك، لا تغيّر هذه التطورات السياسية شيئاً في الاعتبار القانوني لمذكرة المحكمة. فمذكرة الاعتقال الصادرة لا تزال سارية، وستبقى محتفظة بمكانتها القانونية إلى حين تنفيذها أو صدور قرار جديد من المحكمة.
وفي القانون الدولي، لا يمكن للمصالح السياسية للدول أن تلغي المسؤولية الجنائية للمتهمين.
وكان من المقرر، إضافة إلى إصدار مذكرة اعتقال بحق هبة الله، أن تصدر مذكرات بحق عدد من الشخصيات الأخرى في طالبان، مثل وزراء الأمر بالمعروف والتعليم العالي والمعارف في هذه الحركة. لكن كوفي ترى أن ملفات هؤلاء توقفت بسبب الضغوط السياسية على محكمة لاهاي. وقالت إن توقف هذه الملفات يدل على ضغط طالبان على الدول الأوروبية.
إن مذكرة اعتقال ملا هبة الله آخوندزاده ليست مجرد ملاحقة لشخص واحد، بل تقييم قانوني لنمط حكم يقوم على الإقصاء والتمييز والقمع المنهجي.
وبهذا القرار، أعلنت المحكمة الجنائية الدولية أن حرمان ملايين النساء من التعليم والعمل وحرية التنقل والحضور في المجتمع ليس مجرد سياسة داخلية أو خلاف ثقافي، بل قد يشكل، إذا اتسم بالتنظيم والاستمرارية، جريمة ضد الإنسانية.
وهذه المذكرة، رغم أنها قد لا تؤدي في المدى القريب إلى اعتقال زعيم طالبان، سجلت مكانته ومكانة إدارة طالبان في ذاكرة القانون الدولي.