وبات استخدام النساء في الهجمات الانتحارية، الذي كان نادراً بين الجماعات الانفصالية البلوشية حتى سنوات قليلة مضت، أحد الأبعاد الجديدة للصراع الأمني في الإقليم.
وأعلن الجيش الباكستاني، الأربعاء، اعتقال امرأتين انتحاريتين وأحد مساعديهما خلال عمليات أمنية في بلوشستان، في وقت نفذت فيه جماعات بلوشية مسلحة، ولا سيما جيش تحرير بلوشستان، خلال السنوات الأخيرة عدة هجمات انتحارية باستخدام النساء.
وتشهد بلوشستان، أكبر أقاليم باكستان من حيث المساحة، منذ سنوات مواجهات بين القوات الحكومية والجماعات البلوشية المسلحة. وتتهم الجماعات الانفصالية السلطات الباكستانية بممارسة التمييز السياسي والاقتصادي، وتقليص الصلاحيات المحلية، والاستغلال غير العادل للموارد الطبيعية في الإقليم.
في المقابل، تعد إسلام آباد هذه الجماعات تنظيمات مسلحة مدعومة من الهند، وتقول إن هجماتها العنيفة تهدد أمن البلاد واستقرارها.
جذور صراع مستمر منذ عقود
يعود تاريخ الصراع بين الحكومة الباكستانية والجماعات البلوشية إلى عدة عقود.
وخلال السنوات الأخيرة، حولت بعض الجماعات البلوشية المسلحة، ولا سيما جيش تحرير بلوشستان، تركيزها من المواجهة المباشرة مع قوات الأمن إلى استهداف البنى التحتية الحيوية والمشاريع الاقتصادية الصينية والقوات العسكرية وطرق المواصلات.
ويعد الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني من أبرز أهداف هذه الجماعات، التي ترى أن الوجود الصيني في بلوشستان واستغلال موارد المنطقة يشكلان جزءا من سياسة تتجاهل، بحسب اعتقادها، مصالح السكان المحليين.
تحول في التكتيكات من القتال التقليدي إلى الهجمات الانتحارية
ركزت الجماعات القومية البلوشية في السابق على الهجمات المسلحة التقليدية وحرب العصابات، بينما ارتبطت الهجمات الانتحارية بصورة أكبر بالجماعات الإسلامية المسلحة، مثل حركة طالبان باكستان.
لكن هذا النهج تغير خلال السنوات الأخيرة، إذ بدأ جيش تحرير بلوشستان، ولا سيما الوحدة المعروفة باسم "لواء مجيد"، استخدام النساء في الهجمات الانتحارية. ويرى خبراء أمنيون أن هذا التطور يمثل تحولاً هيكلياً في الأساليب العملياتية لهذه الجماعات.
انتحاريات أصبحن وجوهاً معروفة
وقعت أول حالة معروفة لاستخدام امرأة انتحارية بين الانفصاليين البلوش في أبريل ومايو 2022.
واستهدفت شاري بلوش، وهي معلمة تبلغ من العمر 31 عاماً، بسيارة مفخخة حافلة تقل مدرسين صينيين قرب جامعة كراتشي، ما أسفر عن مقتل أربعة أشخاص، بينهم ثلاثة مواطنين صينيين.
وفي يونيو ويوليو 2023، استهدفت سميعة قلندراني بلوش موكباً لقوات الأمن الباكستانية في منطقة تربت، وتبنى جيش تحرير بلوشستان الهجوم.
وفي أغسطس وسبتمبر 2024، نشرت تقارير عن استخدام امرأة انتحارية أخرى تدعى ماهل بلوش، قيل إنها نفذت هجوماً ضد قوات الأمن في منطقة بيلا.
كما نشرت تقارير في نوفمبر وديسمبر 2025 عن هجوم نفذته امرأة تدعى زرينة رفيق، المعروفة باسم "ترانغ ماهو"، استهدف مركزا لقوات حرس الحدود الباكستانية في منطقة نوكندي.
وخلال الهجمات المعروفة باسم "عملية هيروف-2" في ديسمبر 2025 ويناير وفبراير ومارس 2026، وردت أسماء نساء أخريات، بينهن آصفة منغل وحواء بلوش، في تقارير مرتبطة بهجمات انتحارية.
وتشير تقارير أمنية إلى أن ما بين خمس وثماني نساء شاركن حتى الآن في هذا النوع من العمليات أو جرى التعرف إليهن.
لماذا تستخدم الجماعات المسلحة النساء؟
يرى خبراء أمنيون أن استخدام النساء في الهجمات الانتحارية يحقق عدة أهداف تكتيكية ودعائية.
ويتمثل السبب الأول والأبرز في سهولة عبور النساء نقاط التفتيش، إذ تواجه إجراءات تفتيش النساء جسدياً قيوداً وحساسيات ثقافية شديدة في مجتمع بلوشستان التقليدي والمحافظ، ما يزيد من قدرتهن على الاقتراب من الأهداف الحساسة.
كما يجذب انخراط النساء، ولا سيما المتعلمات، في الهجمات الانتحارية اهتماماً إعلامياً واسعاً، وهو ما يمنح هذه الجماعات "قيمة دعائية" كبيرة. وتنشر بعض الجماعات قصص حياة هؤلاء النساء وسيرهن الذاتية عبر شبكات التواصل الاجتماعي بهدف إثارة الحماسة والتأثير في المجتمع واستقطاب مؤيدين جدد.
وخلافاً لبعض الجماعات الدينية المتطرفة التي تستقطب في كثير من الحالات أشخاصا محدودي التعليم أو من الفئات الضعيفة، كانت بعض النساء المرتبطات بالجماعات البلوشية ممن وردت أسماؤهن حاصلات على تعليم جامعي وينحدرن من بيئات حضرية ومن الطبقة المتوسطة، وهو ما يعده محللون دليلاً على تعقيد آليات التجنيد داخل هذه الجماعات.
تحديات أمنية ومستقبل الأزمة
أدى تصاعد دور النساء في العمليات المسلحة إلى زيادة تعقيد التحديات الأمنية التي تواجهها باكستان في إقليم بلوشستان. وبينما تستغل الجماعات المسلحة الفضاء الرقمي للدعاية والتجنيد، كثفت قوات الأمن الباكستانية الاعتقالات الوقائية والرقابة على التحركات المشبوهة.
ومع ذلك، يؤكد محللون أن حل أزمة بلوشستان لا يمكن أن يتحقق من خلال الإجراءات العسكرية والأمنية وحدها، بل يتطلب أيضا معالجة الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية للصراع.
ويرى خبراء أن أسباب السخط، بما فيها القضايا المتعلقة بالمشاركة السياسية والتنمية الاقتصادية وإدارة الموارد الطبيعية والحقوق المدنية، ستظل توفر أرضية لاستمرار العنف وتجنيد عناصر جديدة في الجماعات المسلحة، ما لم تعالج من خلال حلول سياسية.