سلسلة سقوط الولايات.. اليوم الذي سقطت فيه جوزجان بيد طالبان

قبل خمس سنوات، في مثل هذا اليوم، 7 أغسطس 2021، سقطت ولاية جوزجان ودخلت حركة طالبان مدينة شبرغان، عاصمة ولاي جوزجان، التي أصبحت ثاني ولاية تسقط بيد الحركة بعد نيمروز.

قبل خمس سنوات، في مثل هذا اليوم، 7 أغسطس 2021، سقطت ولاية جوزجان ودخلت حركة طالبان مدينة شبرغان، عاصمة ولاي جوزجان، التي أصبحت ثاني ولاية تسقط بيد الحركة بعد نيمروز.
وكانت شبرغان، منطقة نفوذ المارشال عبد الرشيد دوستم، زعيم حزب الحركة الوطنية الإسلامية في أفغانستان، من أبرز مراكز المقاومة ضد حركة طالبان.
وفي الأيام التي سبقت سقوط شبرغان، تولى يار محمد دوستم، نجل عبد الرشيد دوستم، قيادة قوات الانتفاضة الشعبية، وقاوم إلى جانب القوات الأمنية التابعة للحكومة السابقة تقدم حركة طالبان.
ويوم الجمعة 7 أغسطس، وبالتزامن مع اقتراب الذكرى الخامسة لعودتها إلى السلطة، استذكرت حركة طالبان عبر صفحاتها الرسمية على منصات التواصل الاجتماعي سقوط شبرغان، عاصمة ولاية جوزجان.
وعند سقوط المدينة، كان نائب حاكم جوزجان عبدالقادر، قد أعلن أن قوات الانتفاضة الشعبية التابعة لدوستم غادرت شبرغان أيضاً، وأن عناصر حركة طالبان دخلوا "قصر 500" الذي يملكه عبد الرشيد دوستم.
وسيطر عناصر حركة طالبان آنذاك على مكتب حاكم الولاية وقيادة الشرطة ومديرية الاستخبارات ومؤسسات حكومية مهمة أخرى، فيما انسحبت القوات الحكومية والمسؤولون المحليون إلى مطار شبرغان. وكانت شبرغان، بعد زرنج عاصمة ولاية نيمروز، ثاني عاصمة ولاية تسقط بيد حركة طالبان.
وبعد سقوط نيمروز وجوزجان، تواصل تقدم حركة طالبان سريعاً نحو ولايات أخرى، وبالتزامن مع انسحاب القوات الأميركية وقوات حلف الناتو، فقدت الحكومة السابقة السيطرة على عواصم الولايات الواحدة تلو الأخرى.
وسيطر عناصر حركة طالبان بين 6 و15 أغسطس 2021 على 33 ولاية من أصل 34 ولاية في أفغانستان، وفي 15 أغسطس سقطت كابل أيضاً، في حدث أنهى الحكومة السابقة وأعاد حركة طالبان إلى السلطة.
ومهّدت اتفاقية الدوحة، التي وقعتها الولايات المتحدة وحركة طالبان في قطر يوم 29 فبراير 2020، الطريق أمام انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان.
ووقع الاتفاقية نائب رئيس الوزراء في حركة طالبان عبد الغني برادر، ممثلاً للحركة، والمبعوث الأميركي الخاص السابق زلمي خليل زاد، ممثلاً للولايات المتحدة. وتضمنت أبرز بنودها انسحاب القوات الأجنبية، وتعهد حركة طالبان بقطع علاقاتها مع الجماعات الإرهابية، وبدء محادثات بين الأفغان، والعمل على خفض العنف. ولم تشارك الحكومة الأفغانية في تلك المفاوضات.
ورغم مرور خمس سنوات على عودة حركة طالبان إلى السلطة، لا تزال الحركة تواجه عزلة دولية ومشكلات اقتصادية ومعارضة داخلية.





قال ممثل الصين في اجتماع مجلس الأمن الدولي إن الجماعات الإرهابية المتمركزة في أفغانستان لا تزال تشكل تهديداً خطيراً لأفغانستان والدول المجاورة لها، مؤكداً أن جماعات مثل تنظيم داعش خراسان تواصل تعزيز دوافعها وقدراتها على تنفيذ
هجمات عابرة للحدود.
وعقد مجلس الأمن الدولي الاجتماع تحت عنوان "التهديدات الناجمة عن الأعمال الإرهابية ضد السلم والأمن الدوليين".
وألقى القائم بالأعمال بالإنابة لبعثة الصين الدائمة لدى الأمم المتحدة سون لي، كلمة خلال الاجتماع، قال فيها إن الصين تدعو سلطات أفغانستان إلى الوفاء بالتزاماتها في مجال مكافحة الإرهاب، واتخاذ إجراءات حازمة ضد جميع الجماعات الإرهابية المتمركزة في أفغانستان، بما في ذلك الأشخاص والكيانات المدرجة على قائمة لجنة مجلس الأمن المنشأة بموجب القرار 1267، لمنع تحول أفغانستان مجدداً إلى ملاذ للإرهاب.
وأضاف الدبلوماسي الصيني أن المجتمع الدولي ينبغي أن يساعد أفغانستان على إنعاش اقتصادها وتحسين الأوضاع المعيشية للسكان، للقضاء على الأسباب الجذرية لنشوء الإرهاب.
وقال إن الصين تدعم تعاون دول آسيا الوسطى والمنظمات الإقليمية، مثل منظمة شنغهاي للتعاون، مع أفغانستان لمواجهة التهديدات الإرهابية العابرة للحدود بصورة مشتركة.
وأضاف سون لي أن الجماعات الإرهابية تستخدم بصورة متزايدة الإنترنت والذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة وغيرها من التقنيات الناشئة للتحريض والتجنيد وجمع التمويل وتنفيذ الهجمات، الأمر الذي أوجد تحديات جديدة أمام الجهود العالمية لمكافحة الإرهاب.
وأكد أن الصين تدعم جهود الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لتعزيز حوكمة التقنيات الناشئة، وتطوير أنظمة تقييم المخاطر والأطر التنظيمية، داعياً إلى منع استغلال "القوى الثلاث"، وهي الإرهاب العنيف والانفصالية العرقية والتطرف الديني، لهذه التقنيات من أجل توسيع نفوذها.
وقال إنه ينبغي تقديم مزيد من الدعم للدول النامية من خلال نقل التكنولوجيا وتوفير المعدات والمساعدات الفنية والتدريب وتبادل المعلومات، لتعزيز قدراتها على مكافحة الإرهاب.
وأضاف ممثل الصين أن على مجلس الأمن الاستفادة الكاملة من آليات العقوبات المنشأة بموجب القرارين 1267 و2713، وإدراج "جيش تحرير بلوشستان" وفرعه "لواء مجيد" على قائمة العقوبات في أسرع وقت ممكن، دعماً للجهود الدولية لمكافحة الإرهاب.
وقال إن هجوماً انتحارياً وقع أخيراً في باكستان وأسفر عن مقتل وإصابة مدنيين، مضيفاً أن الصين تدين بشدة هذا الهجوم الإرهابي، وتدعو المجتمع الدولي إلى تقديم دعم حازم لجهود باكستان في مكافحة الإرهاب.
وأكد ممثل الصين أن تهديد الإرهاب الدولي لا يزال معقداً وخطيراً، موضحاً أن الهجمات الإرهابية مستمرة، وأن التنظيمات الإرهابية تواصل تعزيز قدراتها العملياتية وتستغل النزاعات الإقليمية لتوسيع نفوذها، بما يشكل تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين.
وقال إن على المجتمع الدولي الالتزام بمفهوم أمني جديد يقوم على الأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام، والتمسك بسياسة عدم التسامح مطلقاً مع الإرهاب، وتجنب تسييس مكافحة الإرهاب أو استخدامها أداةً، وتعزيز فاعلية الجهود العالمية لمكافحة الإرهاب من خلال التضامن والتعاون.
قال مندوب باكستان لدى الأمم المتحدة عاصم افتخار، إن على الدول الأعضاء في المنظمة الدولية التصدي بفاعلية للتهديد المتزايد للإرهاب الخطير المنطلق من أفغانستان، وأضاف أنه منذ عودة حركة طالبان إلى السلطة، تهيأت بصورة متزايدة
بيئة مواتية لنشاط جماعات إرهابية متعددة في أفغانستان.
وحذر عاصم افتخار، يوم الأربعاء، خلال جلسة لمجلس الأمن، من أن الوضع في أفغانستان يثير قلقاً بالغاً. وأضاف أن أفغانستان توفر حالياً ملاذات آمنة لجماعات إرهابية، من بينها حركة طالبان باكستان، وجيش تحرير بلوشستان، وتنظيم داعش خراسان، والحركة الإسلامية لتركستان الشرقية، وتنظيم القاعدة.
وعُقدت جلسة مجلس الأمن الدولي تحت عنوان "التهديدات التي تواجه السلام والأمن الدوليين من جراء الأعمال الإرهابية".
وأكد مندوب باكستان أن العديد من هذه الجماعات الإرهابية تجند عناصر وتتلقى تدريبات داخل أفغانستان، وتخطط "بحصانة كاملة" لتنفيذ هجمات إرهابية في باكستان. وزعم أن عدداً من هذه الجماعات يتلقى دعماً مالياً من الجارة الشرقية لباكستان، في إشارة إلى الهند.
وقال عاصم افتخار، إن على مجلس الأمن مساءلة حركة طالبان عن التزامها بعدم السماح باستخدام الأراضي الأفغانية من جانب الجماعات الإرهابية لتنفيذ هجمات عابرة للحدود.
وأضاف أن الداعمين الخارجيين للجماعات الإرهابية يجب أن يخضعوا أيضاً للمساءلة بسبب دعمهم لهذه الجماعات وتمويلها وتسليحها.
وأكد الدبلوماسي الباكستاني أن تقرير فريق الرصد التابع للأمم المتحدة أوضح أنه رغم إضعاف قدرات تنظيم داعش نتيجة الجهود المستمرة لمكافحة الإرهاب، فإن التهديد الإرهابي لا يزال يتوسع في أفريقيا والشرق الأوسط وأفغانستان.
واقترح على أعضاء مجلس الأمن أن تشمل الاستجابة الدولية الشاملة للإرهاب جميع أشكاله ومظاهره، بما في ذلك إرهاب الدولة.
وقال مندوب باكستان إن الجهود الدولية وإجراءات مكافحة الإرهاب التي اتخذتها بلاده ألحقت انتكاسات بتنظيم داعش خراسان، إلا أن أنشطة فرع التنظيم في أفغانستان لا تزال مثيرةً للقلق.
وأكد أنه لا يمكن لأي دولة بمفردها مواجهة تهديد الإرهاب العابر للحدود، داعياً إلى تعزيز التعاون الدولي لمكافحة الأنشطة المتزايدة للجماعات الإرهابية.
وأعرب عاصم افتخار عن قلقه إزاء استخدام الجماعات الإرهابية للتقنيات الناشئة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، والآليات الاستخباراتية، وشبكات التواصل الاجتماعي، والذكاء الاصطناعي.
وشدد على أن تعزيز إدارة الحدود، ورفع قدرات أجهزة إنفاذ القانون، وتحسين التعاون بين الدول الأعضاء، لا تزال أموراً ضروريةً لمواجهة التهديدات الإرهابية العابرة للحدود.
قالت نساء من مدينة هرات لأفغانستان إنترناشيونال إن تشديد طالبان القيود المتعلقة بملابس النساء عطّل حياتهن اليومية، ودفع كثيرات إلى ملازمة منازلهن خوفاً من الاعتقال، مؤكدات أن شوارع المدينة وأسواقها باتت أقل ازدحاماً.
وتعد هرات من الولايات التي تقول نساؤها إن إجراءات وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر زادت الضغوط المفروضة على حياتهن اليومية بصورة ملحوظة.
وأكدت نساء تحدثن إلى أفغانستان إنترناشيونال أن إلزامهن بارتداء العباءة مع الكمامة أو تغطية الوجه بالكامل غيّر تفاصيل حياتهن، إذ أصبح الذهاب إلى الأسواق أو زيارة الأقارب والأصدقاء أو حتى التنقل بشكل طبيعي أمراً محفوفاً بالمخاطر.
كما دفعت المخاوف من دوريات الأمر بالمعروف كثيراً من النساء والفتيات إلى البقاء في المنازل، والاعتماد بشكل أكبر على الرجال في الأسرة لإنجاز الأعمال اليومية، بما في ذلك شراء الاحتياجات الأساسية.
واستخدم التقرير أسماء مستعارة لحماية هويات النساء.
ناهيد: حُرمنا من أبسط حقوقنا
تقول ناهيد، وهي من سكان هرات، إن القيود الجديدة شلت حياة الفتيات، مضيفة أنها كانت تخرج سابقاً مع صديقاتها إلى المطاعم والأماكن العامة، لكن التنقل اليوم أصبح بالغ الصعوبة.
وأضافت: «منذ فرض العباءة والكمامة فقدت حريتي في الحركة، وأصبح والدي وشقيقي يتوليان شراء احتياجاتي اليومية».
وتابعت: «حُرمنا من أبسط حقوقنا، وإذا استمر هذا الوضع فلن يبقى أي أمل لحياة النساء في هذا البلد».
أديبة: لم أغادر المنزل شهراً كاملاً
بدورها، قالت أديبة إنها لم تغادر منزلها طوال شهر خوفاً من التعامل مع عناصر الأمر بالمعروف.
وأضافت: «بعد تطبيق هذه التعليمات، شُلّت حياتنا بالكامل. شعرت وكأنني سجينة داخل منزلي».
وأشارت إلى أن النساء يعشن في حالة خوف وقلق دائمين، مؤكدة أنهن لا يشعرن بالأمان حتى مع ارتداء العباءة والنقاب، خشية أن يفسر عناصر طالبان لباسهن وفق تقديراتهم الخاصة.
زهرة: الأسواق خلت والحركة التجارية تراجعت
أما زهرة، فقالت إن آثار القيود لم تقتصر على النساء، بل امتدت إلى الحياة العامة والاقتصاد المحلي.
وأضافت أنها لم تعد تغادر منزلها إلا أحياناً برفقة زوجها ليلاً، مشيرة إلى أن شوارع هرات التي كانت تعج بالمارة حتى ساعات متأخرة أصبحت شبه خالية.
وقالت: «الطريق الذي كان يستغرق ساعة يُقطع الآن في عشر دقائق، والمتاجر التي كانت تبقى مفتوحة حتى منتصف الليل تغلق أبوابها عند الساعة التاسعة مساءً».
وأضافت أن التجار وسائقي سيارات الأجرة وعربات الريكشا يشكون من انخفاض عدد الزبائن وتراجع الإيرادات بسبب تراجع خروج النساء.
رواية عن اعتقال نساء
وقالت زهرة إن حملات الاعتقال التي تنفذها وزارة الأمر بالمعروف أثارت موجة من الخوف بين النساء، مؤكدة أن بعض المعتقلات كن يرتدين عباءات طويلة أو ملابس تغطي أجسادهن بالكامل.
وروت حادثة وقعت في حيها قبل نحو شهر، قائلة إن زوجة أحد جيرانها اعتُقلت مع امرأتين أخريين أثناء التسوق، ونُقلن إلى سجن النساء في هرات، قبل أن تضطر عائلاتهن إلى دفع 13 ألف أفغاني للإفراج عن كل واحدة منهن.
سوق ليلامي يشهد تراجعاً في المبيعات
كما أكدت امرأة أخرى من هرات تراجع حضور النساء في الأسواق، مشيرة إلى أنها شاهدت مرات عدة اعتقال نساء في شارع ليلامي، أحد أكثر شوارع المدينة ازدحاماً.
ونقلت عن أحد أصحاب المحال قوله: «تمر أيام كاملة من دون أي مبيعات، لأن عدد النساء اللواتي يزرن السوق تراجع بشكل كبير».
وتقول نساء هرات إن الخوف المستمر والضغوط النفسية أثرا بشكل كبير في صحتهن النفسية، وأديا إلى تقليص وجودهن في الحياة العامة إلى أدنى مستوياته.
بعد ساعات من صلاة الفجر، يجلس رئيس وزراء حركة طالبان ملا محمد حسن آخند، على فراش في جناح خاص لسكنه داخل القصر الرئاسي في كابل، ويسمى جناح "حرم سراي"، تُعرض عليه الوثائق والملفات الإدارية، ثم يعود إلى الغرفة نفسها
التي تجمع بين منزله ومكتبه.
وفي هذا القصر التاريخي، الذي كان يوماً رمزاً للقوة والسلطة السياسية في أفغانستان، حلّت حياة رجل نقل أسلوب معيشته التقليدي والريفي إلى أهم قصور البلاد محل المراسم الرسمية والاجتماعات الحكومية والنظام الإداري.
ومنذ عودة حركة طالبان إلى السلطة، شهدت المساحات الداخلية لجناح "حرم سراي" تغييرات جوهرية، إذ أزيلت المكاتب والكراسي وكثير من التجهيزات الحديثة، ووُضعت مكانها سجادات وفرش ووسائد تتناسب بصورة أكبر مع نمط حياة ملا محمد حسن آخند التقليدي، الذي نشأ في إحدى قرى قندهار.
ويُعد جناح "حرم سراي"، المؤلف من طابقين، أحد المباني التاريخية في أفغانستان، وقد شُيّد في عهد الأمير عبد الرحمن خان لإقامة أسرته، ثم سكنه عدد من ملوك أفغانستان. وفي السنوات الأولى من النظام الجمهوري، أقام فيه مجدداً آخر ملوك أفغانستان محمد ظاهر شاه، بعد عودته إلى البلاد.
وتعيش أسرة ملا محمد حسن آخند حالياً، ولا سيما النساء، في جناح "حرم سراي" نفسه، وسط إجراءات أمنية مشددة وبعيداً عن الأنظار، كما اتخذ رئيس وزراء حركة طالبان مكاتبه في هذا الجزء من القصر.
وتقول مصادر في القصر الرئاسي إن ملا محمد حسن آخند أزال الحدود الفاصلة بين المنزل ومكان العمل، وأصبح يدير معظم شؤون السلطة من محيطه الشخصي.
ويفضّل رئيس وزراء حركة طالبان الأجواء التقليدية لمجلس أحد علماء الدين على المكاتب الحكومية الحديثة. فالفراش يحل محل الطاولة الرسمية، والمنزل محل المكتب الإداري، والأوامر الشفهية محل المراسلات الرسمية، وهي أبرز السمات التي تطبع أسلوب إدارته.
لكن التغييرات في القصر الرئاسي لا تقتصر على جدران جناح "حرم سراي"، إذ تغير في عهد حركة طالبان تقليد تاريخي آخر كان يقضي بأن تظل القصور الرئيسية داخل المجمع مقراً حصرياً للملك أو رئيس الجمهورية وأسرته. ويعيش حالياً عدد من كبار مسؤولي حركة طالبان، برفقة عائلاتهم، في أجزاء مختلفة من القصر الرئاسي.
القصر الرئاسي المقسّم بين عائلات طالبان
ويقيم نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية ملا عبد الغني برادر في قصر "صدارت"، ونائب رئيس الوزراء للشؤون الإدارية مولوي عبد السلام حنفي في قصر "قلخانة"، ووزير الدفاع ملا محمد يعقوب مجاهد في القصر رقم واحد، وشقيق مؤسس حركة طالبان ملا عبد المنان عمري في مبنى منفصل داخل المجمع، ورئيس النقل والطيران المدني ملا محمد فاضل مظلوم في قصر آخر، فيما يقيم نائب رئيس الوزراء للشؤون السياسية المولوي عبد الكبير في قصر "سبيدار".
ومع ذلك، لا تتشابه أنماط حياة جميع قادة حركة طالبان المقيمين داخل القصر الرئاسي. فعلى الرغم من ظهور ملامح الحياة الدينية التقليدية في أسلوب معيشة هؤلاء المسؤولين، توجد بينهم اختلافات ملحوظة.
وقد طرأت تدريجياً تغييرات على أسلوب حياة نائب رئيس الوزراء ملا عبد الغني برادر، ونائب رئيس الوزراء مولوي عبد السلام حنفي، ووزير الدفاع ملا محمد يعقوب مجاهد، وعلى ملابسهم وعلاقاتهم وطريقة إدارتهم للأمور، وأصبحوا أكثر تأقلماً مع الحياة الحضرية.
كما يقيم هؤلاء المسؤولون علاقات أوسع مع الممثلين الأجانب ورجال الأعمال والأوساط السياسية، لكن مصادر من داخل القصر الرئاسي تقدم صورة مختلفة عن ملا محمد حسن آخند.
وبحسب المصادر، لا تكاد تظهر مؤشرات تذكر على حدوث تغييرات في حياته، إذ لا يزال يعيش على طريقة عالم دين تقليدي، ويتعامل معه كثير من مسؤولي حركة طالبان المحيطين به بوصفه كبيراً في السن ومرشداً روحياً وجاراً، أكثر من تعاملهم معه بصفته مسؤولاً رسمياً.
إصابة رئيس وزراء حركة طالبان بالبواسير
وتقول مصادر مقربة من رئيس وزراء حركة طالبان داخل القصر الرئاسي إن تقدمه في السن وقلة خروجه من المنزل يمثلان أحد أسباب استخدامه منزله مكتباً للعمل.
ويربط مصدر يتابع علاجه عن قرب استخدامه الفراش بدلاً من الكرسي بحالته الصحية، قائلاً: "الملا مصاب بمرض البواسير".
وتضيف المصادر نفسها أن زعيم حركة طالبان ملا هبة الله آخوندزاده قيّد إلى حد بعيد صلاحيات قادة الحركة المقيمين في كابل، فيما لا يزال الجزء الأكبر من النفوذ المتبقي داخل القصر الرئاسي في يد نائب رئيس الوزراء ملا عبد الغني برادر.
ويمتلك عبد الغني برادر، مقارنة بمنافسيه من مسؤولي الحركة، مستشارين وموظفين أكثر حداثة، ويسيطر إلى حد كبير على القطاع الاقتصادي في سلطة حركة طالبان.
من مسجد "بشمل" إلى القتال مع هبة الله
وعلى امتداد الطريق السريع الرابط بين كابل وهرات، وعلى مسافة نحو 30 كيلومتراً غرب مدينة قندهار، تقع قرية تشبه كثيراً من القرى الأفغانية، وتشتهر بالعنب والمنازل الطينية وملامح الحياة الريفية.
وتُعرف هذه القرية باسم "بشمل"، وهي المكان الذي شهد الفصول الأولى من حياة بعض مؤسسي حركة طالبان وأعضائها.
وقبل أكثر من 70 عاماً، وُلد محمد حسن في قرية بشمل لأسرة ملا محمد تقي، الذي كان إمام مسجد القرية، لكنه لم يكن يمتلك، على خلاف بعض سكان المنطقة، مساحات واسعة من الأراضي أو العنب أو مواقع لتجفيف الزبيب.
وبحسب سكان بشمل، كان محمد حسن يتردد منذ طفولته على المسجد برفقة والده، ولم يكن يشارك كثيراً، خلافاً لعدد كبير من أقرانه، في الألعاب والمنافسات الريفية، إذ كانت حياته اليومية موزعة بين التعليم الديني والمسجد والدروس الشرعية.
وتلقى تعليمه الديني الأولي على يد والده، وبدأ منذ عام 1961 يتردد على مدارس دينية مختلفة في مدينة "كويته" الباكستانية على الحدود مع أفغانستان، لمواصلة دراسته.
وتُعد كويته منذ عقود أحد أبرز مراكز التعليم الديني للطلاب الأفغان. ودرس محمد حسن في مدارسها الفقه والحديث والعلوم الدينية وغيرها من الفنون الإسلامية، وقضى نحو 10 أعوام في الدراسة، وحصل في نهايتها على لقب ودرجة "آخند"، لكن مسيرته لم تبق محصورة في المدارس الدينية.
وبعد اجتياح قوات الاتحاد السوفياتي أفغانستان عام 1979 واندلاع الحرب، انضم ملا محمد حسن آخند، شأنه شأن كثير من علماء الدين من جيله، إلى صفوف المعارضين للسلطة الأفغانية آنذاك.
وقاتل إلى جانب زعيم حركة طالبان الحالي ملا هبة الله آخوندزاده، في جبهة القائد في حركة الانقلاب الإسلامي ملا حاجي محمد آخند، ضد السلطة الأفغانية. وكانت حركة الانقلاب الإسلامي بقيادة مولوي محمد نبي محمدي.
وكان زعيم حركة طالبان السابق ملا أختر محمد منصور وعدد من قادة الحركة اللاحقين موجودين في الجبهة نفسها، التي انضمت لاحقاً إلى الحزب الإسلامي بزعامة مولوي يونس خالص.
وفي منتصف تسعينيات القرن الماضي، وبعد سنوات من الحرب الأهلية والفوضى والاقتتال بين فصائل المجاهدين، انضم محمد حسن آخند إلى صفوف حركة طالبان عند تأسيسها.
وخلال الفترة الأولى من حكم حركة طالبان بقيادة مؤسسها الملا عمر، تولى محمد حسن آخند مناصب عدة، بينها حاكم ولاية قندهار، ووزير الخارجية، والنائب الأول لرئيس وزراء الحركة آنذاك ملا محمد رباني.
ويُروى عن ملا حسن أنه كان يسأل المتقدمين للعمل في وزارة الخارجية أو للالتحاق بمعهد الدبلوماسية التابع للوزارة، خلال الفترة الأولى من حكم حركة طالبان، عن تحصيلهم الديني، وأن من كان يجيد تلاوة آيات القرآن الكريم كان يحظى بالأولوية في التوظيف.
كما اشتهر بأنه عيّن قارئاً حسن الصوت رئيساً لأحد الأقسام السياسية في وزارة الخارجية.
وكان يعارض إقامة علاقات مع روسيا، بسبب اجتياح الاتحاد السوفياتي أفغانستان، كما كان ينظر بريبة إلى المساعدات الأجنبية ويعدها سبباً للفتنة والانحراف.
وكان يعتبر مشاهدة وسائل الإعلام وقراءة الصحف مضيعةً للوقت، ويؤكد ضرورة تلاوة القرآن بدلاً من ذلك.
وبعد أشهر من عودة حركة طالبان إلى السلطة عام 2021، قال ملا محمد حسن آخند في كلمة مسجلة إن "النظام الإسلامي" قد أُقيم، وإن إدارته يجب أن تكون في أيدي المتخصصين في العلوم الدينية، ودعا الناس إلى اللجوء إلى الله لحل مشكلاتهم و"الدعاء والتضرع إليه"، بحسب تعبيره.
وبعد سقوط الحكم الأول لحركة طالبان، انتقل ملا حسن آخند إلى باكستان، شأنه شأن بقية قادة الحركة. وبعد إعادة تنظيم طالبان في مدينة كويته، أصبح عضواً رئيسياً في مجلس شورى كويته، وهو مجلس قيادة الحركة، وأدى دوراً في الحرب ضد القوات الأجنبية والحكومة السابقة في أفغانستان.
وقال عضو سابق في اللجنة الثقافية لحركة طالبان، طلب عدم الكشف عن هويته، لـ"أفغانستان إنترناشيونال" إن ملا محمد حسن آخند لم يكن يمتلك في تلك السنوات قوة عسكرية مستقلة، وكان يُعرف بصورة أكبر بوصفه أحد المقربين من ملا محمد عمر وشخصية دينية وتشريفية.
وإلى جانب إدارته مدرسة دينية وإمامته أحد المساجد، أدى دور الوسيط في حل الخلافات والنزاعات بين قادة حركة طالبان.
كما ألّف ملا محمد حسن آخند عدداً من الكتب في المسائل الدينية، كانت تُدرّس في المدارس التابعة للحركة.
وفي نهاية هذه المسيرة الطويلة، وجد الرجل الذي ظل سنوات يحظى داخل حركة طالبان بمكانة شخصية روحية وتشريفية نفسه فجأة على أعلى منصب تنفيذي في سلطة الحركة، وكان اختياره بعد سقوط كابل في أغسطس 2021 مفاجئاً لكثيرين.
لكن على الرغم من حالة الجمود التي اتسم بها أداؤه، كان ملا محمد حسن آخند هو من تحدى قرار زعيم حركة طالبان ملا هبة الله آخوندزاده قطع خدمة الإنترنت، وأصدر أمراً إلى وزارة الاتصالات بإعادة تشغيلها. وكان هذا القرار أوضح تحرك معارض للسياسة التي يفرضها مركز السلطة في قندهار.
لماذا لم يصبح ملا برادر رئيساً للوزراء؟
ويثير تعيين ملا محمد حسن آخند سؤالاً بشأن الأسباب التي حالت دون تولي نائب رئيس الوزراء ملا عبد الغني برادر، أبرز الشخصيات السياسية في حركة طالبان، رئاسة الوزراء.
ويتعين البحث عن الإجابة في مساعي حركة طالبان للحفاظ على تماسكها الداخلي، إذ يبدو أن الحركة فضّلت اختيار شخصية "غير خطرة" على الأجنحة المتنافسة.
وعندما دخلت حركة طالبان كابل في أغسطس 2021، تركزت معظم التوقعات بشأن رئاسة وزراء السلطة الجديدة على ملا عبد الغني برادر.
وكان برادر الشخصية الرئيسية في مفاوضات الدوحة، وأجرى محادثات مع ممثلي الولايات المتحدة، ووقّع اتفاق السلام، وكان قبل عودة حركة طالبان إلى السلطة أشهر شخصياتها السياسية.
لكن عندما أُعلنت تشكيلة السلطة الجديدة، اختار زعيم حركة طالبان ملا هبة الله آخوندزاده رفيقه القديم في القتال ملا محمد حسن آخند لهذا المنصب.
وبعد عودة حركة طالبان إلى السلطة، كانت ثلاثة أجنحة رئيسية داخل الحركة تتنافس على النفوذ، هي الجناح السياسي في الدوحة بقيادة ملا عبد الغني برادر، وشبكة حقاني بقيادة وزير الداخلية سراج الدين حقاني، وجناح قندهار الخاضع مباشرة لنفوذ زعيم الحركة ملا هبة الله آخوندزاده.
ولم يكن تحقيق توازن في القوة بين هذه الأجنحة الثلاثة أمراً سهلاً.
وكان عبد الغني برادر يتمتع بمكانة قوية بسبب دوره البارز في العلاقات الخارجية والمفاوضات والسعي إلى اكتساب الشرعية السياسية. كما كان من المقربين من مؤسس حركة طالبان ملا محمد عمر، ويمتلك خبرة طويلة في الحرب، وكان يُنظر إليه في أوساط كثيرة على أنه الشخصية الأنسب داخل الحركة للحوار مع المجتمع الدولي.
لكن هذه الشهرة كانت مصدر قلق للجناح التقليدي والمتشدد في قندهار.
وكان المقربون من ملا هبة الله آخوندزاده في قندهار يعتقدون أن جناح الدوحة اكتسب قدراً مفرطاً من القوة والاعتبار من خلال علاقاته بالدول الأجنبية واتصالاته الدبلوماسية ودوره السياسي المستقل. ولذلك، كان لا بد من اختيار شخص يحظى بقبول جميع الأجنحة ولا يرتبط بصورة واضحة بأي من الشبكات المتنافسة لتولي رئاسة الوزراء.
وكان ملا محمد حسن آخند ينطبق تماماً على هذه المواصفات، إذ كان من المقربين من ملا محمد عمر ومن قادة الجيل الأول لحركة طالبان، ويتمتع بمكانة دينية، لكنه لم يكن يمتلك قوة عسكرية أو قاعدة مستقلة للنفوذ.
وتزامن تعيينه مع بدء تراجع نفوذ ملا عبد الغني برادر.
وصمم قادة حركة طالبان هيكلاً يحول دون وصول برادر إلى أعلى منصب تنفيذي في السلطة، ويبقيه في منصب نائب رئيس الوزراء.
كما كانت باكستان قلقة من تزايد نفوذ ملا عبد الغني برادر، الذي لم يكن يحمل ذكريات طيبة عن فترة اعتقاله في باكستان، وسبق له أن سعى إلى إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع السلطة الأفغانية بقيادة الرئيس الأسبق حامد كرزي.
ورغم إسناد منصب رئيس الوزراء إلى ملا محمد حسن آخند، طُرح منذ الأيام الأولى لتشكيل سلطة حركة طالبان سؤال بشأن ما إذا كان المنصب والصلاحيات يحملان المعنى نفسه.
وتقول مصادر في القصر الرئاسي إنه اتضح مع مرور الوقت أن المركز الرئيسي لاتخاذ القرارات الاستراتيجية لحركة طالبان يوجد في قندهار، وتحديداً في يد زعيم الحركة هبة الله آخوندزاده.
وتصدر جميع القرارات النهائية المتعلقة بتعليم الفتيات وعمل النساء والمراسيم المهمة والسياسات العامة من قندهار، فيما يؤدي محمد حسن آخند في كابل دور منفذ هذه القرارات في الغالب.
ومع ذلك، لا يزال الجزء الأهم من النفوذ داخل القصر الرئاسي في يد عبد الغني برادر.
ورغم منصبه الرسمي، حافظ ملا حسن على حياة بسيطة تشبه حياة عالم دين تقليدي. وعلى خلاف كثير من رؤساء الوزراء، لم يجرِ زيارات داخلية وخارجية واسعة، ولم يعقد اجتماعات عامة كبيرة، ولم يسعَ إلى الظهور بوصفه الوجه الرئيسي للسلطة.
ولم يقم خلال السنوات الماضية إلا برحلات محدودة داخل أفغانستان، كما عقد لقاءات قليلةً مع ممثلين أجانب. وهو مدرج، مثل عدد من كبار قادة حركة طالبان، على قائمة عقوبات الأمم المتحدة.
ويختلف عن غيره من قادة الحركة في أنه على خلاف بعض رفاقه لا يرغب ولا يبدو أنه قادر على أداء دور نشط لكسر العزلة والعقوبات المفروضة عليه.
وكان نائباً لوزير الخارجية خلال الفترة الأولى من حكم حركة طالبان، وكان من المتوقع أن يكون أكثر نشاطاً وتأثيراً من غيره في المجال الدبلوماسي الخارجي، لكن يبدو أن نظرته التقليدية وتقدمه في السن ومشكلاته الصحية جعلته لا يبدي اهتماماً أو استعداداً كبيراً للقاء الشخصيات الأجنبية أو الشخصيات الأفغانية البارزة.
وتُظهر البيانات الرسمية لحركة طالبان أن كثيراً من الوفود الأجنبية والسفراء ورجال الأعمال وممثلي الأمم المتحدة الذين يطلبون لقاء ملا محمد حسن آخند ينتهون، بسبب حالته الصحية أو لأسباب أخرى، إلى الاجتماع برئيس مكتبه.
وخلال السنوات الماضية، لم يزر ملا محمد حسن آخند أي ولاية أفغانية باستثناء قندهار، ولم يسافر إلى أي دولة أجنبية باستثناء باكستان.
ويتمثل حضوره شبه المنتظم الوحيد في إدارة السلطة في مشاركته باجتماعات مجلس وزراء حركة طالبان الأسبوعية.
لكن بعدما استدعى زعيم حركة طالبان ملا هبة الله آخوندزاده مراراً عدداً من الوزراء البارزين إلى قندهار للتشاور، اكتسبت اجتماعات مجلس الوزراء برئاسة ملا محمد حسن آخند طابعاً تشريفياً إلى حد بعيد، وأصبح كثير من الوزراء يرسلون نوابهم إلى هذه الاجتماعات بدلاً من الحضور شخصياً.
وبحسب الهيكل الإداري في أفغانستان، يفترض أن يكون مكتب رئيس الوزراء مركز تنسيق الشؤون التنفيذية للسلطة، لكن مصادر في القصر الرئاسي تقول إن المقربين من ملا محمد حسن آخند يتولون الجزء الأكبر من المهام العملية لهذا المكتب.
ويؤدي رئيس مكتبه الدكتور ملا عبد الواسع خادم دوراً محورياً في إدارة الوثائق والمقترحات والمراسلات الرسمية.
وتمر وثائق المؤسسات الداخلية والخارجية أولاً عبر مكتب رئيس الوزراء قبل أن تصل إلى ملا محمد حسن آخند.
وقال أحد موظفي هذه الإدارة لـ"أفغانستان إنترناشيونال" إن رئيس الإدارة العامة لشؤون سلطة حركة طالبان شيخ نور الحق أنور، تقدم لهذا السبب بشكاوى مكتوبة وشفهية عدة إلى ملا محمد حسن آخند وإلى مكتب زعيم الحركة هبة الله آخوندزاده بشأن أداء رئيس مكتب رئيس الوزراء، وطالب بمنعه من التدخل في أعمال الإدارة العامة للشؤون.
ويقول مصدر في الإدارة العامة للشؤون إن هذه الشكاوى ظلت بلا رد، لأن رئيس مكتب ملا محمد حسن آخند، الدكتور ملا عبد الواسع خادم، ينحدر من ولاية قندهار ويرتبط بعلاقات وثيقة بمكتب ملا هبة الله آخوندزاده.
ويتوجه ملا محمد حسن آخند، بعد تناول الشاي في الصباح، إلى مكتبه لبضع ساعات، وينقل توجيهاته المتعلقة بالشؤون الجارية شفهياً إلى رئيس مكتبه عبد الواسع خادم.
وقبل عدة أعوام، غاب ملا محمد حسن آخند عن القصر الرئاسي عدة أشهر متواصلة بسبب مرض شديد. وفي أثناء غيابه، عيّن زعيم حركة طالبان ملا هبة الله آخوندزاده نائب رئيس الوزراء للشؤون السياسية آنذاك مولوي عبد الكبير قائماً بأعمال رئيس الوزراء.
وأثيرت داخل القصر الرئاسي في ذلك الوقت تكهنات بشأن إقالة ملا حسن آخند من منصبه، لكنه عاد إلى القصر بعد غياب استمر عدة أشهر.
وبينما زعمت المصادر الرسمية أنه توجه إلى قندهار للراحة، قالت مصادر أخرى إنه سافر إلى باكستان لتلقي العلاج.
نغار مجتهدي صحفية وصانعة أفلام وثائقية إيرانية كندية "اعتنوا بأبنائي". كان هذا جزءاً من الرسالة الأخيرة التي سجلها المهاجر الأفغاني حياة الله بهاتفه المحمول في اللحظات الأخيرة من حياته وسط صحاري نيمروز الحارقة،
وكان حياة الله قد تاه في الصحراء برفقة مجموعة من المهاجرين خلال محاولتهم الوصول إلى إيران.
وفي فيديو قام بتسجيله قبل وفاته وسط الصحراء، قال بصوت متقطع: "ادعوا لي. أمي، إنني أموت"، ثم طلب من أسرته الاعتناء بأبنائه، ولا سيما "هيبتي".
وكان حياة الله واحداً من 14 مهاجراً توفوا بسبب العطش والحرارة الشديدة، بعد تعطل السيارة التي كانت تقلهم وضياعهم في الصحراء.
لكن لماذا لا يزال آلاف الأفغان، رغم هذه المصائر، يخاطرون بعبور هذا الطريق القاتل؟
تواجه إيران حالياً مشكلات اقتصادية وقيوداً اجتماعية وعمليات ترحيل واسعة للمهاجرين الأفغان. فالحصول على إقامة دائمة في هذا البلد ليس سهلاً، كما لا يلوح مستقبل واضح أمام معظم المهاجرين.
ومع ذلك، لا تزال إيران بالنسبة إلى كثير من الأفغان وجهة تستحق المخاطرة.
يقول الباحث في شؤون الحكم والتنمية في أفغانستان ياسين صميم، إن المسألة بالنسبة إلى كثير من الأفغان ليست الاختيار بين الأمن وانعدام الأمن، بل الاختيار بين وضعين صعبين.
وأضاف أن الضغوط الاقتصادية والبطالة والفقر والقيود الواسعة في أفغانستان أصبحت شديدة إلى درجة تدفع كثيراً من السكان إلى مغادرة البلاد، رغم معرفتهم بمخاطر الطريق وصعوبات الحياة في إيران.
وقال صميم: "إن استمرار استعداد الناس لتحمل مثل هذه المخاطر من أجل الوصول إلى إيران، يوضح مدى صعوبة ظروف الحياة في أفغانستان. فالأسباب التي تدفع الناس إلى الهجرة لا تزال قائمة".
وبعد عودة حركة طالبان إلى السلطة، أصبح الحصول على تأشيرة إيرانية أكثر صعوبة من السابق بالنسبة إلى كثير من الأفغان. ونتيجة لذلك، يلجأ الأشخاص الذين لا يستطيعون تحمل التكاليف الباهظة للتأشيرات إلى شبكات تهريب البشر.
وقال صميم إن التأشيرة تحولت عملياً إلى سلعة في السوق السوداء، ووصل سعرها، وفقاً للتقارير، إلى ما بين ألف و1200 دولار. ولا تستطيع كثير من الأسر الأفغانية دفع هذا المبلغ.
وأضاف أن الفقر والبطالة والضغوط السياسية دفعت كثيراً من السكان إلى مرحلة لا يرون فيها خياراً آخر سوى تسليم أنفسهم للمهربين.
ويختار معظم المهاجرين الذين يدخلون إيران بطرق غير قانونية طريق نيمروز. وتعد هذه الولاية واحدة من أبرز معابر تهريب البشر إلى إيران، وفي الوقت نفسه أحد أكثر طرق الهجرة فتكاً.
ويضطر المهاجرون إلى قطع مسافات طويلة عبر صحارى تتجاوز درجة الحرارة فيها أحياناً 45 درجة مئوية.
وفي مثل هذه الظروف، إذا تخلى المهربون عن المهاجرين أو تعطلت سيارتهم، تصبح فرص بقائهم على قيد الحياة ضئيلة للغاية، إذ يمكن أن يؤدي العطش والحرارة الشديدة إلى وفاة الإنسان خلال ساعات.
وحتى الذين ينجون من الصحراء يواجهون في بقية الطريق مخاطر الاعتقال والترحيل والسرقة أو الاستغلال من جانب المهربين.
استضافت إيران على مدى عقود ملايين المهاجرين الأفغان. وقبل بدء موجة الترحيل الواسعة للمهاجرين عام 2025، كان نحو أربعة ملايين أفغاني يعيشون في إيران، بينهم لاجئون مسجلون ومهاجرون يحملون وثائق وآخرون لا يملكون وثائق إقامة.
ورغم ذلك، لا يزال كثير منهم، بعد سنوات من العيش في إيران، يفتقرون إلى وضع قانوني واضح. كما لا يحصل أبناء المهاجرين الأفغان المولودون في إيران على الجنسية الإيرانية تلقائياً، ولا يوجد مسار واضح أمام معظم الأفغان للحصول على الجنسية.
يقول كبير محللي الشؤون الإيرانية في منظمة داون، آميد معماريان، إن إيران شددت خلال السنوات الأخيرة القيود على طرق الدخول القانونية أمام الأفغان.
وأضاف أنه كلما أغلقت هذه الطرق، اضطر عدد أكبر من السكان إلى دخول إيران عبر مسارات التهريب، حيث ترتفع مخاطر الاستغلال وانتهاك حقوق المهاجرين بدرجة كبيرة.
ويرى خبراء أن سياسات الهجرة الصارمة وعمليات الترحيل الواسعة لم تنجح في تقليل أعداد المهاجرين الأفغان، بل دفعتهم فقط إلى سلوك طرق أكثر خطورة.
وقال معماريان: "بالنسبة إلى كثير من هؤلاء الأشخاص، لا تتعلق المسألة بالعثور على أفضل بلد للعيش، بل إنهم يريدون فقط النجاة من الظروف التي وجدوا أنفسهم عالقين فيها. وهذا القرار يتعلق، قبل كل شيء، بالبقاء على قيد الحياة".
وحذرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في بيان أصدرته الشهر الماضي، من أن أفغانستان غير مستعدة لاستقبال هذا العدد الكبير من العائدين.
وقالت المفوضية إن أكثر من ستة ملايين أفغاني عادوا إلى بلادهم منذ عام 2023، في حين يعتمد نحو نصف سكان أفغانستان على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم الأساسية.
وأكدت الأمم المتحدة أن عودة المهاجرين يجب أن تكون طوعية وآمنة، وأن تتم مع الحفاظ على الكرامة الإنسانية، محذرة من أن استمرار عمليات الترحيل الواسعة سيؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في أفغانستان.