بالنظر إلى أهمية هذا التحالف وإلى العلاقات المتوترة بين طالبان وباكستان.
ووقّع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، وولي العهد السعودي ورئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، يوم الجمعة 16 أسد، اتفاقية دفاعية ثلاثية في مكة المكرمة. وتنص الاتفاقية على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث سيُعد هجوماً على الدول الثلاث مجتمعة، كما تلزم الأطراف بتعزيز التعاون الدفاعي والأمني فيما بينها.
ولا تقتصر أهمية هذا الاتفاق على العلاقات بين الدول الثلاث فحسب؛ فالمملكة العربية السعودية تُعد إحدى أبرز القوى السياسية والاقتصادية في العالم العربي، فيما تُعتبر تركيا قوة عسكرية مهمة وعضواً في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أما باكستان فهي الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك سلاحاً نووياً. ولهذا، وصف بعض المحللين الاتفاق بأنه خطوة نحو إنشاء هيكل أمني جديد في المنطقة، بل وشبّهه بعضهم بآلية الدفاع الجماعي المعتمدة في حلف الناتو.
ومع ذلك، فإن ما يجعل الاتفاق أكثر أهمية بالنسبة لأفغانستان هو تزامنه مع التدهور غير المسبوق في العلاقات بين طالبان وباكستان.
واتهمت إسلام آباد مراراً حركة طالبان بالسماح لحركة طالبان الباكستانية بالعمل انطلاقاً من الأراضي الأفغانية، وبأن الهجمات التي تنفذها الحركة ضد باكستان تُخطط أو تُدار من داخل أفغانستان. كما اتهمت السلطات الباكستانية طالبان بالتعاون مع الهند في دعم الجماعات المناوئة لها. وفي بياناتها الرسمية، اعتبرت إسلام آباد الهجمات المنسوبة إلى الجماعات المسلحة المتمركزة في أفغانستان أحد مبررات عملياتها العسكرية داخل الأراضي الأفغانية.
السعودية وباكستان وتركيا توقع اتفاقية دفاع مشترك
من جانبها، رفضت طالبان هذه الاتهامات، واتهمت باكستان، في المقابل، بتوفير الملاذ والدعم للجماعات المعارضة لها، بما في ذلك الجبهات المسلحة المناوئة. وبذلك، لم يعد الخلاف بين الطرفين مجرد نزاع حدودي أو سياسي، بل تحول إلى مواجهة أمنية وعسكرية.
وفي ظل هذه الظروف، يمكن لاتفاق مكة أن يشكل تحولاً إقليمياً مهماً بالنسبة لطالبان، وأن يعيد رسم حساباتها تجاه باكستان.
ورغم أن نص الاتفاق لا يذكر أفغانستان أو طالبان بوصفهما طرفاً مهدداً بشكل مباشر، ولا يمكن الجزم بأن السعودية وتركيا ستنخرطان تلقائياً في أي مواجهة محتملة بين باكستان وطالبان، فإن انضمام إسلام آباد إلى مثل هذا التحالف قد يزيد، من الناحية الاستراتيجية، من كلفة أي تصعيد مع باكستان.
وبعبارة أخرى، تجد طالبان نفسها اليوم أمام باكستان تعمل على تعزيز شراكاتها الدفاعية مع دولتين مؤثرتين في المنطقة، تربطهما بأفغانستان علاقات تاريخية ودينية عميقة، كما أنهما تحتلان مكانة مهمة في الحسابات السياسية لكابول.
ومنذ عودة طالبان إلى السلطة، سعت عدة دول إقليمية إلى الحفاظ على علاقاتها مع الحكومة التي تقودها الحركة؛ فبعضها يسعى إلى الحفاظ على نفوذه داخل أفغانستان، وبعضها الآخر يهدف إلى تأمين مصالحه الاقتصادية، فيما تحاول أطراف أخرى منع تحول أفغانستان إلى ساحة للصراع بين القوى الإقليمية. غير أن اتفاق مكة قد يغيّر جانباً من هذه المعادلة.
وتُعد تركيا والمملكة العربية السعودية من أبرز الفاعلين الإقليميين بفضل نفوذهما السياسي والاقتصادي والديني، وقد يتيح تقاربهما الاستراتيجي مع باكستان لإسلام آباد فرصة طرح خلافها مع طالبان في إطار أوسع يتعلق بأمن المنطقة.
ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة بالنسبة لطالبان، إذ تسعى باكستان إلى تصوير الهجمات المسلحة المنطلقة من الأراضي الأفغانية على أنها ليست مجرد خلاف ثنائي، بل جزء من تهديد أمني أوسع نطاقاً، وهو ما تؤكد عليه إسلام آباد باستمرار في مواقفها الرسمية.
ومن هذا المنظور، يمكن لاتفاق مكة أن يمثل رسالة سياسية تحذيرية لطالبان؛ إذ قد لا تعتمد باكستان مستقبلاً على الأدوات الثنائية والعسكرية وحدها في تعاملها مع كابول، بل قد تستفيد أيضاً من شبكة علاقاتها الأمنية والدفاعية مع القوى الإقليمية.
لكن، هل ستقف السعودية وتركيا إلى جانب باكستان في مواجهة طالبان؟
لا تزال الإجابة عن هذا السؤال غير واضحة، ولا يمكن الجزم بأن تركيا أو السعودية ستدخلان تلقائياً في أي حرب محتملة بين باكستان وطالبان. غير أن المشهد السياسي يبدو مختلفاً؛ فتموضع أنقرة والرياض إلى جانب إسلام آباد قد يعكس، في حد ذاته، نشوء تقارب أمني جديد يمنح باكستان موقعاً أقوى على المستويين الدبلوماسي والاستراتيجي.
وإذا تطور هذا التعاون خلال السنوات المقبلة ليشمل مناورات عسكرية مشتركة، وتبادل المعلومات، وتوسيع مجالات التعاون الدفاعي والتنسيق السياسي، فقد تتمكن باكستان من توظيف هذه الشراكة لزيادة الضغوط على طالبان.
وفي هذا السياق، يبدو صمت طالبان إزاء اتفاق مكة أمراً لافتاً. فالحركة تعلن عادة مواقف رسمية تجاه كثير من التطورات الإقليمية، ولا سيما تلك التي تؤثر بشكل مباشر في أفغانستان، إلا أنها لم تصدر حتى الآن أي موقف علني بشأن الاتفاق الثلاثي.
وبالنسبة لطالبان، قد يعني هذا التطور تقلص هامش المناورة في مواجهة باكستان. وربما يعكس صمت كابول هذه المخاوف تحديداً؛ فالاتفاق الذي يبدو ظاهرياً معاهدة للدفاع المشترك بين ثلاث دول، قد تتجاوز تداعياته، في ظل الظروف الراهنة بين أفغانستان وباكستان، حدود مكة والرياض وإسلام آباد بكثير.