ووفقاً للتقرير، ظلت التهديدات الإرهابية المنطلقة من أفغانستان في مجملها من دون تغيير يُذكر، فيما تواصل جماعات مختلفة تنشط في البلاد تهديد أمن باكستان والصين ودول آسيا الوسطى.
ويشير التقرير الثامن والثلاثون لفريق رصد العقوبات التابع لمجلس الأمن، والمُعد في إطار القرارات 1267 و1989 و2253، إلى أن جماعات مثل حركة طالبان باكستان وتنظيم القاعدة والحركة الإسلامية لتركستان الشرقية لا تزال موجودة في أفغانستان، وتستخدم أراضيها للتدريب والتسلح وتطوير قدراتها.
وفي الوقت نفسه، تواصل إدارة طالبان عملياتها ضد تنظيم داعش-خراسان، الذي تعتبره الأمم المتحدة أكبر تهديد إرهابي لطالبان والمنطقة.
داعش-خراسان.. أكبر تهديد
بحسب تقرير الأمم المتحدة، أدت عمليات طالبان في كابول وشمال أفغانستان إلى إضعاف قدرات تنظيم داعش-خراسان، إلا أن التنظيم لم يُقضَ عليه، بل دخل مرحلة لإعادة بناء قدراته.
وتراجعت هجمات داعش-خراسان داخل أفغانستان، في حين ازدادت أنشطته في باكستان. ولا يزال التنظيم يحتفظ بالقدرة على تنفيذ هجمات واسعة النطاق توقع أعداداً كبيرة من الضحايا، وإن بصورة متفرقة، كما أنه لم يتخل عن طموحه لتنفيذ عمليات خارج أفغانستان.
وقالت دول أعضاء في الأمم المتحدة إن داعش-خراسان يمتلك معدات متطورة، من بينها طائرات مسيّرة وأجهزة للرؤية الليلية. كما تلقى عناصر التنظيم تدريبات على حرب المدن واستخدام الطائرات المسيّرة.
وأفادت إحدى الدول الأعضاء بأن داعش-خراسان وجيش تحرير بلوشستان يستخدمان بعض الشبكات المشتركة لتسهيل أنشطتهما وتوفير الدعم اللوجستي.
تغيّر جغرافية نشاط داعش-خراسان
يتحدث تقرير الأمم المتحدة أيضاً عن تغير في جغرافية نشاط تنظيم داعش-خراسان.
ووفقاً لهذا التقييم، نقل التنظيم جزءاً من أنشطته إلى شمال أفغانستان، ويجري تدريبات في المناطق الحدودية بين أفغانستان وباكستان، بما في ذلك خيبر بختونخوا.
وفي الوقت نفسه، لا يزال داعش-خراسان يحتفظ بوجود له في محيط كابول.
ويأتي هذا التطور رغم إعلان طالبان مراراً خلال السنوات الماضية تنفيذ عمليات واسعة ضد داعش-خراسان، وادعائها أنها نجحت في قمع التنظيم داخل أفغانستان.
غير أن تقرير الأمم المتحدة يؤكد أن تراجع هجمات داعش-خراسان لا يعني القضاء عليه، وأن التنظيم لا يزال يمتلك القدرة على إعادة بناء نفسه وتنفيذ هجمات دامية.
نقل عناصر حركة طالبان باكستان
يخصص أحد أبرز أقسام تقرير الأمم المتحدة للعلاقة بين طالبان أفغانستان وحركة طالبان باكستان.
ووفقاً للتقرير، ازدادت هجمات حركة طالبان باكستان ضد باكستان، ولا تزال الحركة تستخدم الأراضي الأفغانية في أنشطتها. وقد أعربت دول أعضاء في الأمم المتحدة عن قلقها من استمرار هذا الوضع وتداعياته على أمن المنطقة.
ويقول التقرير إن طالبان نقلت نحو ألفي مقاتل من حركة طالبان باكستان وأفراد عائلاتهم من المناطق الحدودية مع باكستان إلى داخل أفغانستان. وكان الهدف المعلن من هذه الخطوة احتواء نشاط الحركة وخفض التوتر مع باكستان.
كما يشير التقرير إلى أن هبت الله أخوندزاده، زعيم طالبان، حذر قادة حركة طالبان باكستان من مواصلة الهجمات ضد باكستان، وإلا فقد يفقدون دعم طالبان.
لكن استمرار هجمات حركة طالبان باكستان يشير إلى أن هذه الجهود لم تنجح حتى الآن في وقف أنشطة الحركة.
القدرات الجوية لحركة طالبان باكستان
يكشف تقرير الأمم المتحدة كذلك عن تغييرات في الهيكل التنظيمي لحركة طالبان باكستان.
ووفقاً للتقرير، أعلن مجلس قيادة الحركة في 25 ديسمبر/كانون الأول 2025 هيكلاً جديداً تضمن، إلى جانب الأقسام الخاصة ببلوشستان وكشمير وغيلغيت، قسماً تحت اسم «القوة الجوية لحركة طالبان باكستان».
وفي مطلع مارس/آذار 2026، أعلنت الحركة عمليتها الربيعية تحت اسم «خيبر»، ودعت إلى تكثيف الهجمات ضد قوات الأمن والمدنيين في باكستان.
ويقول التقرير إن إحدى الهجمات الدامية للحركة وقعت في 16 فبراير/شباط في منطقة باجور، حيث أسفرت سيارة مفخخة عن مقتل 11 عنصراً من قوات الأمن وطفل. ووفق تقييم التقرير، جرى توجيه الهجوم من داخل الأراضي الأفغانية.
تعاون القاعدة مع حركة طالبان باكستان
إلى جانب داعش-خراسان وحركة طالبان باكستان، لا يزال تنظيم القاعدة موجوداً في أفغانستان.
وتقول الأمم المتحدة إن وضع القاعدة وقدراتها داخل أفغانستان لم يشهدا تغيراً جوهرياً. ولا يزال التنظيم يستخدم الأراضي الأفغانية في أنشطته، كما توجد صلات بين القاعدة وحركة طالبان باكستان.
وفي 28 أبريل/نيسان 2026، نشرت مؤسسة السحاب، الذراع الإعلامية الرسمية لتنظيم القاعدة، بياناً أعربت فيه عن دعمها لطالبان أفغانستان، كما أعلنت للمرة الأولى بصورة مباشرة دعمها لعمليات حركة طالبان باكستان ضد باكستان.
ويعتبر تقرير الأمم المتحدة هذه المسألة مهمة، إذ إن دور القاعدة لا يقتصر على الدعم الأيديولوجي، بل يشمل أيضاً تدريب حركة طالبان باكستان ودعمها.
وأبلغت إحدى الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لجنة العقوبات بأن مقاتلين من جيش تحرير بلوشستان تلقوا أيضاً، إلى جانب عناصر حركة طالبان باكستان، تدريبات على أيدي مدربين من تنظيم القاعدة داخل أفغانستان.
كما يتحدث التقرير عن وجود قيادة فرع القاعدة في شبه القارة الهندية في كابول، ويقول إن بطاقات هوية أفغانية صدرت لبعض أعضاء التنظيم.
الحركة الإسلامية لتركستان الشرقية في بدخشان وقندوز
تُعد الحركة الإسلامية لتركستان الشرقية من الجماعات الأخرى التي أعربت الأمم المتحدة عن قلقها من أنشطتها في أفغانستان. وقد عززت الحركة وجودها في شمال البلاد، ولا سيما في بدخشان وممر واخان.
كما وردت تقارير عن إنشاء مواقع جديدة للحركة في قندوز.
وأصدرت قيادة الحركة تعليمات برفع مستوى الاستعداد القتالي وشراء الأسلحة والمعدات العسكرية. وقالت إحدى الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إن عناصر من الحركة يتلقون تدريبات في مركز جديد تابع لتنظيم القاعدة في برغ متال بولاية نورستان.
كما تركز الحركة على تطوير الطائرات المسيّرة واستخدامها.
ويضيف التقرير أن الحركة الإسلامية لتركستان الشرقية تشجع أعضاءها الموجودين في سوريا على الانتقال إلى أفغانستان، وأن عدداً من عناصرها وصلوا بالفعل إلى البلاد.
وتكتسب أنشطة الحركة في شمال وشمال شرق أفغانستان، ولا سيما في بدخشان وممر واخان، أهمية خاصة بالنسبة إلى الصين.
فقد ظلت هذه الجماعة لسنوات من أبرز مصادر القلق الأمني لبكين. ويثير تزايد وجودها في المناطق القريبة من الحدود الصينية، إلى جانب مساعيها للحصول على معدات وتقنيات جديدة، مخاوف متزايدة من احتمال استخدام الأراضي الأفغانية لتنفيذ أنشطة ضد الصين.
ويُظهر تقرير الأمم المتحدة أن التهديد الإرهابي المنطلق من أفغانستان لم يعد محصوراً داخل حدود البلاد، وأن أنشطة الشبكات المختلفة يمكن أن تؤثر في أمن باكستان والصين ودول آسيا الوسطى.
وصول الجماعات الإرهابية إلى الأسلحة
يشكل حصول الجماعات الإرهابية على الأسلحة والمعدات المتطورة مصدر قلق رئيسياً آخر ورد في تقرير فريق رصد العقوبات التابع للأمم المتحدة.
فبعد خمس سنوات على عودة طالبان إلى السلطة، لا يزال جزء من المعدات العسكرية التي خلفتها قوات الأمن التابعة للحكومة الأفغانية السابقة والقوات الدولية موجوداً داخل البلاد.
ووفقاً للتقرير، وصلت بعض هذه المعدات، بما فيها الأسلحة الآلية وأجهزة الاتصالات ومعدات الرؤية الليلية، إلى أيدي جماعات إرهابية.
وتحذر الأمم المتحدة من أن وصول الجماعات المسلحة إلى مثل هذه المعدات يمكن أن يعزز قدراتها العملياتية ويرفع خطر تنفيذ هجمات أكثر تعقيداً داخل أفغانستان وفي دول المنطقة.
الخطف لتمويل الجماعات الإرهابية
يتناول تقرير الأمم المتحدة أيضاً أساليب تمويل الجماعات الإرهابية.
وبحسب التقرير، يستخدم داعش-خراسان عمليات الخطف على نطاق واسع للحصول على الفدية. ويشكل العمال والشركات الأجنبية، ولا سيما في المناطق الشمالية من أفغانستان، أهدافاً لهذه الجماعة.
ولا تسهم هذه الوسيلة في تعزيز الموارد المالية للجماعات الإرهابية فحسب، بل يمكن أن تزيد أيضاً المخاطر التي تواجه الشركات الأجنبية والمواطنين الأجانب في أفغانستان.
تجنيد المراهقين عبر الفضاء الإلكتروني
حذرت الأمم المتحدة في جزء آخر من التقرير من استخدام الجماعات الإرهابية للفضاء الإلكتروني في تجنيد عناصر جديدة.
ووفقاً للتقرير، تستخدم جماعات مثل داعش والقاعدة شبكات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة المشفرة وحتى منصات ألعاب الفيديو للوصول إلى المراهقين.
وتحاول هذه الجماعات دفع صغار السن نحو التطرف عبر الإنترنت، وتوجيههم نحو العنف والانخراط في أنشطة إرهابية.
وبذلك، لم يعد خطر الإرهاب محصوراً في ساحات القتال ومعسكرات التدريب، بل انتقل أيضاً إلى الفضاء الإلكتروني، وهو مجال تزداد صعوبة مواجهته بالنسبة إلى الحكومات.
ويقدم التقرير الثامن والثلاثون لفريق الدعم التحليلي ورصد العقوبات التابع للأمم المتحدة صورة معقدة للعلاقات بين الجماعات الإرهابية في أفغانستان.
فمن جهة، تقاتل طالبان تنظيم داعش-خراسان وتسعى إلى إضعاف قدراته العملياتية. ومن جهة أخرى، لا تزال جماعات مثل القاعدة وحركة طالبان باكستان والحركة الإسلامية لتركستان الشرقية موجودة في أفغانستان.
ووفقاً للتقرير، ترتبط بعض هذه الجماعات بعلاقات فيما بينها، وتتعاون في مجالات التدريب ونقل العناصر والدعم اللوجستي.
وقد جعل هذا الوضع أفغانستان بيئة تستطيع فيها جماعات إرهابية مختلفة، رغم تباين أهدافها وأعدائها، الاستفادة من الظروف القائمة لإعادة بناء قدراتها ومواصلة أنشطتها.
ويُعد تصاعد نشاط حركة طالبان باكستان أحد أبرز تداعيات هذا الوضع على دول المنطقة.
وقد اتهمت إسلام آباد طالبان مراراً بالسماح لحركة طالبان باكستان باستخدام الأراضي الأفغانية لتنفيذ أنشطة ضد باكستان.
وترفض طالبان هذه الاتهامات، وتقول إنها لا تسمح باستخدام الأراضي الأفغانية ضد أي دولة.
لكن تقرير الأمم المتحدة يقدم تقييماً مختلفاً، إذ يقول إن حركة طالبان باكستان لا تزال تنشط انطلاقاً من أفغانستان، وإن طالبان توفر لها الدعم والمأوى.
وأدى استمرار هذا الوضع إلى تجاوز الخلاف بين طالبان وباكستان حدود النزاع السياسي والحدودي، وتحوله إلى أزمة أمنية إقليمية.