ومع اقتراب الذكرى الخامسة لعودة طالبان إلى السلطة، كثّفت الجبهات المسلحة المناهضة للحركة هجماتها أيضاً. وتقول طالبان إنها بسطت الأمن في أنحاء البلاد، بينما يرى معارضوها أن حكمها لم يُنهِ الحرب، بل شكّل بداية صراع جديد.
وبهذه المناسبة، أجرت أفغانستان إنترناشيونال مقابلتين مع ياسين ضياء، قائد جبهة الحرية الأفغانية، وسميع سادات، قائد الجبهة المتحدة لأفغانستان، وسألتهما عن خططهما لأفغانستان ما بعد طالبان، ومستقبل النظام السياسي، والسبل الممكنة لإنهاء أزمة البلاد.
«الحرب لم تنتهِ»
يرفض سميع سادات ادعاء طالبان بأن الحرب في أفغانستان انتهت، ويقول إن عودة الحركة إلى السلطة لم تعنِ نهاية الصراع.
ويقول إن طالبان لم تُنهِ الحرب، بل نقلتها «إلى كل زقاق في كابل وكل بيت أفغاني». وبحسب سادات، فإن الشباب والنساء وشيوخ القبائل في أفغانستان يقاومون طالبان بطرق مختلفة.
ويضيف سادات أن قيادة الجبهة المتحدة لأفغانستان حاولت في السابق دفع طالبان إلى المصالحة مع الشعب، أو على الأقل ثنيها عما يصفه بـ«الظلم»، لكنه يرى أن النتيجة جاءت عكسية وأن الأوضاع ازدادت سوءاً.
ويقول: «الآن أصبح القتال طريق الخلاص والحرية، وقد انتهى وقت المرحلة السياسية».
بدوره، لا يعتبر ياسين ضياء، قائد جبهة الحرية الأفغانية، الوضع الراهن في أفغانستان تحت حكم طالبان حالة سلام. وقد نفذت جبهته خلال الأشهر الأخيرة هجمات ضد طالبان في عدد من الولايات.
ويقول ضياء إن طالبان حافظت على سلطتها من خلال القوة والقمع الواسع، وإن ما تقدمه الحركة على أنه «أمن» ليس، بحسب تعبيره، «أقل من حالة حرب وصراع».
وبحسب ضياء، لم تُظهر طالبان خلال العقود الثلاثة الماضية إرادة حقيقية للتوصل إلى تفاهم سياسي مع الشعب الأفغاني. ويرى أن الهدوء النسبي وتراجع حدة المواجهات الواسعة لا يعنيان تحقيق سلام وأمن مستدامين.
نقاط الاتفاق أكثر من الخلافات
على الرغم من وجود اختلافات بشأن شكل النظام المستقبلي، تتقارب رؤى سميع سادات وياسين ضياء في العديد من القضايا. فكلاهما يدعو إلى إنهاء حكم طالبان، وإقامة نظام ديمقراطي، وضمان المشاركة السياسية للشعب، وتحديد مستقبل أفغانستان من خلال الإرادة الشعبية.
ويؤكد الاثنان أن شكل النظام السياسي يجب ألا يفرضه فرد أو تيار سياسي على الشعب، وأن الأفغان ينبغي أن يؤدوا الدور الرئيسي في تحديد مستقبل بلادهم. كما يشددان على ضرورة إطلاق عملية سياسية شاملة وإقامة نظام يعكس التنوع العرقي والاجتماعي والثقافي في أفغانستان.
ومع ذلك، توجد خلافات بشأن كيفية تحقيق هذه الأهداف والشكل النهائي للنظام. فسادات يؤكد ضرورة إحياء الجمهورية ودستور عام 2004، فيما لا ينكر ضياء أيضاً الحاجة إلى هذا الدستور، لكنه يدعو إلى مراجعة بنية النظام والحد من مركزية السلطة، تاركاً تحديد الشكل النهائي للنظام للشعب.
ومع ذلك، يؤكد الجنرالان أن القرار النهائي يجب أن يتخذه المواطنون عبر عملية ديمقراطية.
روايتان لسقوط الجمهورية: من اتفاق الدوحة إلى أزمة بناء الدولة
عاش الجنرالان سقوط الجمهورية عن قرب، لكنهما لا يركزان على العوامل ذاتها في تفسير أسباب انهيارها. ومع ذلك، يتفقان على أن النظام المستقبلي يجب ألا يكرر أخطاء الجمهورية.
يرى سميع سادات، الذي كان من كبار قادة الجيش الأفغاني في الأيام الأخيرة للجمهورية، أن سقوطها كان قبل كل شيء فشلاً سياسياً. ويقول إن الجيش الأفغاني لم يكن قادراً على تحمل الضغوط الناجمة عن الفشل السياسي وانسحاب القوات الأميركية وانقطاع الدعم اللوجستي في الوقت نفسه.
ويقول إن الجيش قاوم في ساحات القتال، لكن «بيته السياسي» لم يكن متماسكاً.
وفي تفسيره لأسباب سقوط الجمهورية، يمنح سادات اتفاق الدوحة دوراً محورياً. وإلى جانب تراجع معنويات الجيش وتماسك صفوفه، يشير إلى نقص الذخيرة والمشكلات اللوجستية والتدخلات السياسية وأزمة القيادة بوصفها عوامل أخرى مؤثرة، لكنه يصف اتفاق الدوحة بأنه «السبب الأكبر» لسقوط الجمهورية. ويرى أن الاتفاق أضعف مكانة الحكومة الأفغانية وشرعيتها وأدخل القيادة السياسية للبلاد في أزمة.
ويضيف أنه مع انسحاب القوات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي «الناتو»، لم يغادر الجنود الأجانب أفغانستان فحسب، بل اختفى أيضاً جزء أساسي من الدعم اللوجستي للجيش الأفغاني.
وعن سقوط كابل، يقول سادات إن الدفاع عن المدينة ظل ممكناً حتى الأيام الأخيرة، لكن بحسب روايته، عندما غادر الرئيس آنذاك أشرف غني البلاد، انهارت قيادة قوات الأمن وتنسيقها، ما أدى إلى انهيار منظومة القيادة والسيطرة في الجيش.
أما ياسين ضياء، فينظر إلى انهيار الجمهورية بدرجة أكبر من زاوية الأزمة السياسية والاجتماعية والفشل في بناء الدولة. ويعتبر الفساد والتمييز والخلافات العرقية وتسييس المؤسسات الأمنية والدفاعية من أبرز أسباب هذا الفشل.
وبحسب ضياء، أدى تسييس المؤسسات الأمنية وفقدان العمليات الوطنية والديمقراطية، بما فيها الانتخابات، مصداقيتها إلى تراجع ثقة جزء من المواطنين بالنظام.
ويقول: «إن تسييس الملف الأمني، ولا سيما تسييس التعيينات في المؤسسات الأمنية والدفاعية خلال السنوات الأخيرة من النظام الجمهوري، كان من بين العوامل التي أسهمت في فشل عملية بناء الدولة والأمة في أفغانستان».
ورغم اختلاف تحليلهما، لا يرى الجنرالان أن مرحلة الجمهورية بأكملها كانت فشلاً. ويقر سادات بوجود فساد خلال تلك المرحلة، لكنه يقول إن حجمه لم يكن بالقدر الذي تصوره بعض الجهات اليوم. ويؤكد أنه لن يكون هناك مكان للفساد في النظام الذي يتطلع إليه، وأن الفاسدين سيحاسبون.
أما ضياء، فإلى جانب إشارته إلى أوجه القصور في عهد الجمهورية، يشدد أيضاً على إنجازات تلك المرحلة.
وفي نهاية المطاف، تبدو نقطة الاتفاق بين الجنرالين واضحة: إذا كان لأفغانستان ما بعد طالبان أن تقيم نظاماً مستقراً، فعليها ألا تكرر الأخطاء السياسية والإدارية والهيكلية للماضي.
هل تتسع رقعة المواجهات؟
تقول الجبهة المتحدة إنها بدأت عملياتها الأولى في قندهار وهلمند، قبل أن توسع نطاق أنشطتها خلال فترة قصيرة إلى بدخشان.
ويقول سميع سادات إن العمليات العسكرية للجبهة ستنفذ على مراحل عدة، وإن «المرحلة الأولى» منها جارية حالياً.
في المقابل، يقول ياسين ضياء إن جبهة الحرية لديها وجود عملياتي في 21 ولاية، وإن نشر قواتها مستمر في تسع ولايات أخرى، فيما وصلت عملية إنشاء الخلايا الأولية للجبهة في أربع ولايات إلى مراحلها النهائية. وفي جزء آخر من المقابلة، يقول إن الجبهة تتمتع بحضور محتمل في 31 ولاية إجمالاً. وفي بدخشان، على سبيل المثال، تدعي جبهة الحرية أنها دخلت في مواجهات مباشرة مع طالبان.
ووفقاً للأرقام التي تقدمها جبهة الحرية، نفذت الجبهة منذ تأسيسها في مارس/آذار 2022 وحتى يوليو/تموز 2026، 407 عمليات، وتدعي أن هذه الهجمات أسفرت عن مقتل 1015 من عناصر طالبان وإصابة 1040 آخرين. وبحسب ضياء، قُتل خلال الفترة نفسها 12 من عناصر جبهة الحرية.
وهذه الأرقام صادرة عن جبهة الحرية ولم تؤكدها طالبان، كما لا تستطيع أفغانستان إنترناشيونال التحقق بشكل مستقل من الأرقام والمعلومات التي تقدمها الجبهتان.
معارضو طالبان يتحاورون مع دول أجنبية لكنهم «ليسوا تابعين لها»
لطالما كان مدى ارتباط الجماعات المسلحة المعارضة في أفغانستان بالحكومات الأجنبية أحد الأسئلة المطروحة بشأنها. وتظهر تجربة عقود من الحرب في أفغانستان أن دعم القوى الإقليمية والدولية للجماعات المسلحة كان دائماً جزءاً من معادلات الصراع. ولذلك، مع الإعلان عن ظهور أي جبهة جديدة ضد طالبان، تُطرح أيضاً تساؤلات بشأن مصادر تمويلها ودعمها العسكري واللوجستي.
ويقول كل من ياسين ضياء وسميع سادات إن جبهتيهما مستقلتان ولا تعملان تحت نفوذ أو أوامر أي حكومة أجنبية.
ويقول ضياء إن مواقع ومراكز جبهة الحرية تقع داخل أفغانستان، لكنه لا يقدم مزيداً من التفاصيل بشأن أماكن انتشار قواتها أو مراكز التدريب أو تفاصيل عملياتها. ويعتبر المزاعم المتعلقة بدعم دول أجنبية دعاية لطالبان، مؤكداً أن جبهة الحرية «لا تتبع لأي دولة».
ومع ذلك، يقول ضياء إن جبهة الحرية تحتفظ بحقها في الحوار والتواصل مع جميع الدول التي لها دور في الملف الأفغاني. كما يدعو من يصفهم بـ«أنصار الحرية» إلى دعم نضال الشعب الأفغاني ضد طالبان.
بدوره، يصف سادات الجبهة المتحدة بأنها حركة مستقلة أنشأها ويقودها أفغان. وهو لا يرفض الدعم الخارجي من حيث المبدأ، لكنه يقول إن أي مساعدة يجب أن تنسجم مع مبادئ الجبهة ومصالح أفغانستان.
وبصورة عامة، يرفض الزعيمان اتهامات التبعية للحكومات الأجنبية، لكنهما في الوقت نفسه لا يغلقان تماماً باب التواصل مع الدول الأخرى أو احتمال تلقي الدعم منها.
لماذا لا تتوحد الجبهات المعارضة تحت مظلة واحدة؟
من أبرز الأسئلة المطروحة بشأن معارضي طالبان المسلحين: لماذا لم يتمكنوا، رغم هدفهم المشترك، من الوصول حتى الآن إلى هيكل سياسي وعسكري موحد؟
يعزو ياسين ضياء هذا الوضع جزئياً إلى تنوع المجتمع الأفغاني. ويقول إن أفغانستان بلد متنوع عرقياً ولغوياً وثقافياً وفكرياً، وإن حكم طالبان أدى، بحسب قوله، إلى تعميق الانقسامات الاجتماعية.
ويقول ضياء إن جبهة الحرية تتمتع بعلاقات جيدة مع التيارات السياسية والعسكرية الأخرى المعارضة لطالبان. وعن علاقتها بجبهة المقاومة الوطنية بقيادة أحمد مسعود، يقول إن الطرفين يعملان بشكل مستقل، لكنهما تبنيا خلال السنوات الثلاث الماضية مواقف مشتركة بشأن بعض القضايا السياسية، كما نسقا في مجالات تبادل المعلومات والعمليات ومواجهة دعاية طالبان.
ويقول سادات أيضاً إنه يتفق مع أحمد مسعود والجبهات المعارضة الأخرى في الهدف العام، لكنه لا يرى أن إنشاء هيكل مشترك والعمل تحت مظلة واحدة أمر ضروري.
ورغم هذه الاختلافات، يؤكد الجنرالان أهمية التفاهم السياسي، وإن كانا يريان أن فرص التفاوض مع طالبان في الظروف الراهنة محدودة.
ويقول سادات إن مرحلة التفاوض مع طالبان انتهت، وإن الجبهة المتحدة لا تعتزم الدخول في محادثات مع الحركة. كما يقول ضياء إن طالبان لم تقدم حتى الآن عرضاً رسمياً للتفاوض، وإنه لا يرى في الوضع الراهن سبباً لبدء الحوار. ومع ذلك، يدعو إلى دور أكثر فاعلية للمجتمع الدولي، ولا سيما الأمم المتحدة، في الجهود الرامية إلى إيجاد حل سياسي لأفغانستان.
ماذا سيحدث بعد سقوط طالبان؟
أحد أبرز الأسئلة الموجهة إلى الجنرالين هو: إذا خرجت طالبان من السلطة، فما الذي سيحل محلها؟ وكيف يمكن منع حدوث فراغ في السلطة وتكرار الحروب الداخلية؟
يقول سميع سادات إن الجبهة المتحدة لديها خريطة طريق واضحة لمرحلة ما بعد طالبان: أولاً إنهاء الحرب، ثم مرحلة انتقالية وعقد اللويا جيرغا، وصولاً إلى التحرك نحو الاستقرار السياسي.
أما ياسين ضياء، فيركز بصورة أكبر على تشكيل هيكل انتقالي من خلال تفاهم سياسي. ويقول إنه بعد خروج طالبان من السلطة، ينبغي أن تتفق مختلف التيارات السياسية والعسكرية الأفغانية على صيغة قادرة على توفير الشرعية للنظام المستقبلي.
ويعتبر الجنرالان الدعم الشعبي أحد الركائز الأساسية لنضالهما. ويقول ضياء إن غالبية عناصر جبهة الحرية من الشباب، وإن نساء ورجالاً من مختلف القوميات الأفغانية يشاركون فيها أيضاً.
ويقول سادات إن الجنرالات السابقين والجيل الجديد من القادة الأفغان ما زالوا يمثلون طاقات مهمة للبلاد، ويمكنهم أداء دور في بناء مستقبلها السياسي.
ومع ذلك، لا تتطابق رؤيتهما لشكل النظام المستقبلي. فسادات يشدد على إعادة العلم الوطني والجيش الوطني والدستور وإقامة نظام ديمقراطي. أما ضياء، فيدعم أيضاً نظاماً يستند إلى أصوات الشعب، لكنه يدعو في الوقت نفسه إلى بنية غير مركزية ونظام يعكس التنوع العرقي والثقافي والاجتماعي في أفغانستان.
وإلى جانب هذه الاختلافات، يبرز سؤال مهم آخر: هل ستتمكن الجبهات المختلفة المعارضة لطالبان من الاتفاق على خريطة سياسية مشتركة لمستقبل أفغانستان؟ فقد عززت تجربة الحروب السابقة المخاوف من عودة البلاد إلى دورة جديدة من الصراعات الداخلية.
ولا يقدم الجنرالان إجابة متطابقة عن هذا السؤال. فسادات يقول إن هناك تفاهماً وتنسيقاً فكرياً بين الجبهات المعارضة، لكنه لا يرى ضرورة لإنشاء مظلة مشتركة. أما ضياء، فيؤكد استقلال جبهته، لكنه يترك الباب مفتوحاً أمام التنسيق السياسي وتبني مواقف مشتركة مع التيارات الأخرى.
وفي نهاية المطاف، يقول كلاهما إن لديهما خطة لمرحلة ما بعد طالبان، لكن تنفيذها سيعتمد على نتائج المواجهة العسكرية، وتشكيل إجماع سياسي، والتوصل إلى اتفاق بشأن هيكل النظام المستقبلي في أفغانستان.
وحتى ذلك الحين، تؤكد الجبهتان استمرار نضالهما. ويلخص سادات رسالته بالقول: «الحرية تستحق القتال من أجلها، فقاتلوا». أما ضياء، فيقول إن هدف جبهة الحرية هو إنهاء حكم طالبان وإعادة نظام يستند إلى أصوات الشعب الأفغاني وإرادته.