وهو تناقض ينبغي البحث عن جذوره في المنطق الاقتصادي للجماعات المسلحة، ولا سيما في مفهوم "الغنيمة".
يتحدث محمد عابد الجابري، في كتابه "العقل السياسي العربي"، عند تحليله للبنى التي أسهمت في تشكيل السياسة في التاريخ العربي، عن ثلاثة عوامل هي: "العقيدة والقبيلة والغنيمة". ولا تعني الغنيمة في هذا التحليل مجرد الأموال التي يتم الاستيلاء عليها بعد الحرب، بل تشير أيضاً إلى الدور الذي تؤديه المصلحة المادية في تشكيل التحالفات والصراعات وعلاقات القوة.
وفي التاريخ العربي القديم، كانت الغنيمة أحد الدوافع المهمة للحرب، واستمر هذا التقليد في العهد الإسلامي. ففي فتوحات صدر الإسلام، وإلى جانب الدوافع الدينية، كان الحصول على الغنائم عاملاً مهماً أيضاً. وقد تحول هذا العامل لاحقاً إلى مصدر للخلاف والتنافس والانقسامات الداخلية، كما ارتبط جانب من الصراعات السياسية في صدر الإسلام، التي اتخذت لاحقاً طابعاً مذهبياً وطائفياً، بالصراع على السلطة والمصالح.
ولم يبق هذا المنطق محصوراً في العالم القديم. ففي كثير من الحروب المعاصرة، حتى تلك التي خيضت تحت عناوين أيديولوجية أو دينية وباسم «الجهاد»، أدى العامل الاقتصادي دوراً حاسماً.
وفي الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفياتي، لا يمكن افتراض أن جميع الذين التحقوا بجبهات القتال كانوا يتحركون بدافع واحد. فلا شك في أن بعضهم قاتل بدافع ديني، معتقداً أنه يجاهد في سبيل الله ويسعى إلى نيل الثواب الأخروي. لكن الحرب، إلى جانب ذلك، تحولت بالنسبة إلى أعداد كبيرة من الناس إلى وسيلة لتأمين سبل العيش والوصول إلى الموارد. وكان تشكيل الجبهات، والحصول على المساعدات الخارجية، والسيطرة على طرق الإمداد، يوفر إمكانات اقتصادية إلى جانب ما يمنحه من قوة عسكرية.
وقد برز المنطق نفسه، بأشكال مختلفة، خلال حرب طالبان ضد الحكومة الأفغانية السابقة. فالحرب لم تكن مجرد ساحة مواجهة بين رؤيتين سياسيتين أو دينيتين؛ إذ كانت السيطرة على الطرق، والجمارك غير الرسمية، والمناجم، وتجارة المخدرات، وعمليات الابتزاز وجباية الضرائب في مناطق النفوذ، توفر للجماعات المسلحة موارد اقتصادية تجعل استمرار الحرب ممكناً من الناحية المالية. ويعدّ عبد الحكيم حقاني، في كتابه «نظام الإمارة الإسلامية»، الغنائم والأموال المستولى عليها في الحرب أحد المصادر الرئيسية لإيرادات الدولة الإسلامیة.
لماذا بدخشان؟
من هذا المنظور، تكتسب حالة انعدام الأمن المزمنة في بدخشان، حتى خلال عهد الجمهورية، معنى آخر. فهذه الولاية، فضلاً عن موقعها الجغرافي الخاص، غنية باحتياطيات الذهب واللازورد وغيرها من الموارد الطبيعية. ولم يكن وجود طالبان والجماعات المسلحة الأخرى ونشاطها في مثل هذه المناطق ذا أهمية عسكرية فحسب؛ فالسيطرة على جزء من الجغرافيا كانت تتيح الوصول إلى موارد يمكن أن تجعل الجماعة المسلحة أقل اعتماداً على التمويل الخارجي، أو حتى على الدعم القادم من مركز سياسي بعينه. فالجماعة التي تستطيع تحقيق دخل من المناجم أو الطرق التجارية أو الموارد الطبيعية، تكتسب القدرة على مواصلة حربها بدرجة من الاستقلال المالي.
وهذه النقطة مهمة أيضاً لفهم الوضع الراهن في أفغانستان. ففي مناطق أخرى من البلاد توجد أسباب للنقمة، بل وروح مقاومة ضد طالبان، لكن تحويل حالة السخط إلى جبهة مسلحة مستدامة يحتاج إلى موارد مالية. وفي الظروف الحالية، حيث لا تبدي الدول الأجنبية ميلاً كبيراً إلى تمويل معارضي طالبان المسلحين، يمكن أن يكون الوصول إلى الموارد الداخلية عاملاً حاسماً في نشوء مثل هذه الجبهات واستمرارها.
ولهذا السبب، سعت الحكومات المركزية في أفغانستان دائماً إلى إحكام سيطرتها على الموارد الطبيعية ومصادر الدخل الرئيسية. فقد ظلت الدولة الأفغانية، خلال معظم مراحل التاريخ المعاصر، تعتمد على المساعدات الخارجية من أجل البقاء. ومن الطبيعي أن يؤدي الوصول إلى مصادر الإيرادات الداخلية إلى تعزيز قدرتها في مواجهة الفاعلين الداخليين والخارجيين.
غير أن المشكلة تكمن في أن أفغانستان ما زالت بعيدة جداً عن نموذج للحكم تُدار فيه الموارد الوطنية بصورة شفافة وقانونية وبما يخدم المصلحة العامة.
من الموارد الوطنية إلى الغنيمة السياسية
في كثير من الحالات، وقعت الموارد الطبيعية في أيدي شبكات مافيوية، أو أبرمت العقود المتعلقة بها تحت تأثير اعتبارات سياسية. وأحياناً، يكون منح الامتيازات للشركات الأجنبية، بدلاً من أن يشكل جزءاً من سياسة اقتصادية شفافة، أداة لبناء علاقة سياسية مع دولة أجنبية واستجلاب دعمها.
ويمكن ملاحظة مؤشرات إلى هذا النهج في علاقات طالبان مع عدد من الشركات الأجنبية، بما فيها شركات صينية، ضمن صفقات لا تتوفر للرأي العام معلومات كافية بشأن كثير من تفاصيلها.
وخلال عهد الجمهورية أيضاً، كان الفساد والشبكات المافيوية ومحاولات الاستغلال السياسي والشخصي للموارد موجودة، وأثيرت شكاوى كثيرة في هذا الشأن. لكن الفارق المهم تمثل في وجود آليات مثل البرلمان ووسائل الإعلام الحرة والمجتمع المدني وغيرها من المؤسسات الرقابية، التي كانت تتيح، على الأقل، مساءلة الحكومة وإجبارها على تقديم إجابات.
ولم تكن هذه الآليات ناجحة دائماً، لكنها كانت قادرة على رفع كلفة الصفقات السرية.
أما في البنية الحالية، فقد أُضعفت مثل هذه العوائق إلى حد بعيد أو أُزيلت. ونتيجة لذلك، يمكن أن يتحول التنافس على الموارد بسهولة إلى تنافس بين شبكات القوة داخل طالبان نفسها.
وما يجري اليوم في بدخشان قد يكون أحد أول التجليات الجدية لهذه المشكلة. فقد دخلت جماعات وقادة متنافسون في صراع على المناجم والموارد الطبيعية، فيما يضيف العاملان المناطقي واللغوي مزيداً من التعقيد إلى القضية.
ومن الصعب على السكان الأصليين في منطقة ما تقبل وقوع موارد مناطقهم في أيدي شبكات قادمة من ولايات أخرى، بينما يُحرمون هم من منافعها. وهذا الشعور لا يقتصر على السكان العاديين، إذ قد يجد عناصر طالبان المحليون أنفسهم أيضاً في مواجهة شبكات قادمة من المركز أو من مناطق أخرى تستحوذ على الموارد الاقتصادية المحلية.
الدولة بوصفها غنيمة
هنا تحديداً تظهر المشكلة الأساسية لطالبان. فالجماعة التي نشأت على مدى سنوات داخل بنية حربية، وتشكل جزء مهم من علاقاتها الداخلية حول توزيع الموارد والمكاسب الناتجة عن الحرب، تواجه بعد استيلائها على السلطة معضلة كبرى: كيف يمكن تحويل منطق "تقاسم الغنيمة" إلى منطق "إدارة الموارد العامة"؟
الدولة الحديثة، على الأقل وفق تعريفها النظري، ليست ملكاً للفاتحين. ومواردها ليست أموال المنتصرين في الحرب حتى توزع بين القادة وشبكات الموالين. الدولة جهاز لإدارة المصالح العامة، وينبغي استخدام الموارد الوطنية وفق القانون وبما يخدم مصالح المواطنين. لكن عندما يُنظر إلى الدولة نفسها بوصفها غنيمة حرب، تتحول الوزارة والولاية والميناء والمنجم والبلدية وغيرها من مصادر الإيرادات إلى أجزاء من الغنيمة نفسها.
ولا تقتصر مؤشرات هذه المشكلة على مناجم بدخشان. فالتفاوت في الوصول إلى إيرادات الموانئ التجارية والبلديات وغيرها من مصادر الدخل يمكن أن يؤدي أيضاً إلى نشوء شبكات مستفيدة وأخرى محرومة داخل بنية السلطة. ومن يحصلون على حصة أكبر يدافعون عن الوضع القائم، بينما يتراكم الغضب والاستياء تدريجياً لدى من يرون أنفسهم محرومين من هذه الموارد.
وإلى جانب الفساد، تهيئ هذه الأوضاع أرضية للتمييز المناطقي واللغوي، وتضعف قدرة الحكومة على تقديم الخدمات العامة وكسب رضا السكان.
بدخشان بداية القصة وليست نهايتها
من المرجح أن تحاول طالبان تصوير خلافات بدخشان على أنها محدودة وشخصية وقابلة للاحتواء. وكما تمكنت من إغلاق ملف مهدي البلخابي بسرعة وباستخدام القوة العسكرية، يبدو أن ملف جمعة خان فاتح قد ينتهي إلى المصير نفسه، مثلما قد تحاول احتواء قادة آخرين غير راضين عبر مزيج من التفاوض وتقديم الامتيازات والقمع.
وقد تنجح هذه السياسة على المدى القصير. لكن المشكلة التي انكشفت في بدخشان تتجاوز قضية قائد بعينه، لأنها مشكلة بنيوية.
فالجماعة التي اعتاد جزء مهم من عناصرها، خلال سنوات الحرب، منطق الفتح والامتياز والغنيمة، لا تتحرر فجأة من هذا المنطق بمجرد تحولها إلى حكومة. وعندما تكون الفرص الاقتصادية محدودة والموارد المدرة للدخل ثمينة، يصبح التنافس على توزيعها أمراً يكاد يكون حتمياً، ولا سيما في غياب آلية شفافة ومتفق عليها لتوزيع الموارد.
ومن هذه الزاوية، ينبغي النظر إلى بدخشان لا بوصفها نهاية خلاف، بل ربما بداية انكشاف جرح يمكن أن ينفتح في مناطق أخرى أيضاً. فالقمع العسكري قد يعمل كالمسكّن ويخمد الألم لبعض الوقت، لكنه لا يزيل سبب المرض.
وإذا لم يتحول منطق الحكم من "الغنيمة" إلى "المصلحة العامة"، فسوف يستمر الصراع على المناجم والموانئ والأراضي والإيرادات وغيرها من الموارد، وقد يظهر في كل مرة في منطقة جديدة ومع لاعبين جدد.
وما نشهده اليوم في بدخشان، من هذا المنظور، ليس مجرد نزاع على عدد من المناجم؛ بل هو تعبير عن صدام بين منطقين: منطق الغنيمة ومنطق الدولة. وما دام الأول يتغلب على الثاني، فإن قمع قائد أو إخماد تمرد لن يحل المشكلة، وإنما سيغير شكل الصراع ومكانه فحسب.
وفي مجتمع لم تلتئم فيه بعد جراح الحروب السابقة، يمكن لاستمرار هذا المنطق أن يعيد تحريك الدائرة القديمة نفسها: تنافس على الغنيمة، وصراع على المصلحة، وفي نهاية المطاف دم يُراق من أجل الغنيمة والمنفعة.
وتحتاج أفغانستان، للخروج من أزمتها الراهنة، إلى حكم حديث، وهو ما لا تمتلك طالبان القدرة عليه، ولا يمكن قيامه إلا من خلال توافق وطني بين مختلف القوى السياسية والاجتماعية.