خمس سنوات من حكم طالبان.. من يدير أفغانستان؟

بعد خمس سنوات من عودة حركة طالبان إلى السلطة، شهد الهيكل الإداري في أفغانستان تغييرات واسعة، شملت تركيبة موظفي الدولة، وصولاً إلى إعادة تعريف مفاهيم التعليم والتخصص والكفاءة.

بعد خمس سنوات من عودة حركة طالبان إلى السلطة، شهد الهيكل الإداري في أفغانستان تغييرات واسعة، شملت تركيبة موظفي الدولة، وصولاً إلى إعادة تعريف مفاهيم التعليم والتخصص والكفاءة.
في الأشهر الأولى التي أعقبت سقوط الحكومة السابقة في أفغانستان، غادر عدد كبير من الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات والاقتصاديين والمحامين والموظفين الفنيين أفغانستان، أو أُبعدوا عن وظائفهم الحكومية، فيما تقلص وجود النساء تدريجياً في جزء كبير من المؤسسات الحكومية أو فُرضت عليه قيود.
ومع ذلك، تقدم الإحصاءات الرسمية لطالبان صورة مختلفة عن المستوى التعليمي لموظفي الدولة. فبحسب هذه الأرقام، ارتفعت بصورة ملحوظة نسبة الموظفين الحاصلين على شهادة البكالوريوس وما فوق مقارنة بالسنوات الأخيرة من الحكومة.
لكن وراء هذا الارتفاع يبرز سؤال آخر: هل تعني زيادة عدد الشهادات ارتفاع عدد المتخصصين العاملين في إدارة أفغانستان؟
قفزة بنسبة 19٪ في أعداد الموظفين المتعلمين
بحسب الإحصاءات الرسمية لطالبان، يبلغ إجمالي موظفي الخدمة المدنية 415 ألفاً و879 موظفاً، يحمل 186 ألفاً و740 منهم شهادة البكالوريوس، و15 ألفاً و88 شهادة الماجستير، و588 شهادة الدكتوراه. وبذلك يتجاوز عدد الحاصلين على هذه المؤهلات الثلاثة 202 ألف شخص، أي نحو 49٪ من الموظفين.
وفي عام 2020، خلال الفترة الأخيرة من عمر الحكومة الأفغانية السابقة، كان نحو 98 ألفاً من أصل قرابة 325 ألف موظف في الخدمة المدنية يحملون مؤهلات جامعية، أي ما يعادل نحو 30٪ من إجمالي الموظفين.
وتشير الأرقام الرسمية بذلك إلى زيادة كبيرة، إذ تضاعف عدد الحاصلين على شهادة البكالوريوس وما فوق، فيما ارتفعت نسبتهم من نحو 30٪ إلى قرابة 49٪.
لكن هذه الأرقام لا توضح التخصصات التي درسها هؤلاء الموظفون، ولا الجهات أو المسارات التي حصلوا من خلالها على شهاداتهم، ولا مدى ارتباط دراستهم بالمهام التي يتولونها.
معادلة شهادات المدارس الدينية بالشهادات الجامعية
يُعد توسيع نطاق معادلة شهادات المدارس الدينية بالشهادات الجامعية في عهد طالبان أحد التحولات التي قد تفسر جانباً من هذه الزيادة.
وبموجب هذا النظام، يستطيع خريجو المدارس الدينية، من دون الدراسة في الجامعات وبعد اجتياز اختبارات محددة، الحصول على شهادات معادلة للبكالوريوس والماجستير، إذ تُعادل مرحلة "العالية" شهادة البكالوريوس، فيما تُعادل مرحلة "العالمية" شهادة الماجستير.
وبحسب إحصاءات وزارة التعليم العالي التابعة لطالبان، مُنح خلال عام 2024 وحده 15 ألف عالم دين وطالب في المدارس الدينية شهادات معادلة للماجستير، فيما حصل 11 ألفاً آخرون على شهادات معادلة للبكالوريوس، بإجمالي 26 ألف شهادة معادلة للشهادات الجامعية خلال عام واحد.
واستمرت هذه العملية، إذ شارك 28 ألف عالم دين وطالب في المدارس الدينية من مختلف أنحاء أفغانستان في الاختبار السنوي لمرحلتي "العالية" و"العالمية"، الذي بدأ في ديسمبر 2025، للحصول على شهادات معادلة للبكالوريوس والماجستير في حال اجتيازهم الاختبار.
ويمكن لهذه الأرقام أن تفسر جانباً من الزيادة في أعداد حاملي الشهادات ضمن إحصاءات طالبان. إلا أن الحركة لم توضح في بياناتها المنشورة عدد خريجي الجامعات من بين أكثر من 202 ألف موظف يحملون البكالوريوس وما فوق، وعدد الحاصلين على شهادات معادلة من المدارس الدينية.
وبذلك قد يندرج مهندس وخريج اقتصاد وحامل شهادة معادلة من مدرسة دينية ضمن الفئة الإحصائية نفسها.
وزارات تخصصية بأيدي شخصيات غير متخصصة
تُظهر مراجعة السير الذاتية الرسمية لأعضاء مجلس وزراء طالبان أنه من بين 25 وزارة، هناك ما لا يقل عن 10 وزارات ذات طبيعة فنية تتطلب معرفة متخصصة وخبرة مهنية، لا تتضمن السير الذاتية لوزرائها شهادات جامعية أو خبرات مهنية مرتبطة بمجالات مسؤولياتهم.
ولا يعني ذلك أن وزراء الوزارات الـ15 الأخرى متخصصون في المجالات التي يديرونها، إذ ركزت المراجعة تحديداً على الوزارات التي تعتمد إدارتها مباشرة على المعرفة المتخصصة في مجالات مثل الاقتصاد والمالية والصحة والطاقة والتعدين والزراعة والبنية التحتية والاتصالات والتعليم العالي.
وتقتصر المؤهلات التعليمية لعدد من الوزراء في سيرهم الذاتية بصورة أساسية على الدراسة في المدارس الدينية، فيما تشكل الأنشطة العسكرية والسياسية والتنظيمية داخل طالبان جانباً مهماً من خبراتهم السابقة.
وفي بعض السير الذاتية الرسمية، تُذكر حتى مهارات من قبيل "إتقان اللغة الدَرية" ضمن مؤهلات الوزير، في حين لا تظهر شهادة جامعية أو خبرة مهنية مرتبطة بالوزارة التي يتولى إدارتها.
وبذلك، يتولى أشخاص تتركز دراستهم على العلوم الدينية وخبراتهم على العمل العسكري والتنظيمي اتخاذ قرارات تتعلق ببعض أكثر قطاعات إدارة الدولة تعقيداً.
ولا تقتصر المسألة على ألقاب الوزراء وشهاداتهم، إذ تؤثر القرارات المتخذة على رأس الوزارات في الميزانية والتوظيف ومشاريع البنية التحتية والخدمات العامة، وفي نهاية المطاف في حياة ملايين المواطنين.
حين تدخل المعايير الأيديولوجية إلى النظام الإداري
لا تقتصر مسألة التخصص على اختيار الوزراء، إذ تظهر أوامر جديدة صادرة عن زعيم طالبان أن المعايير الدينية والسلوكية، بما فيها إطلاق اللحية وارتداء العمامة، يمكن أن تؤثر مباشرة في استمرار موظفي الدولة في أعمالهم ومواقعهم الوظيفية.
وفي كتاب منسوب إلى زعيم طالبان ملا هبة الله آخوندزاده بشأن تطبيق قانون الأمر بالمعروف في الدوائر الحكومية، حُددت عقوبات بحق الموظفين الذين لا يلتزمون بالمعايير المفروضة، تتراوح بين خصم الراتب وخفض الرتبة والنقل الوظيفي وصولاً إلى الفصل من العمل.
وبذلك أصبحت المعايير الأيديولوجية عاملاً يمكن أن يحدد استمرار موظفي الدولة في وظائفهم أو إبعادهم عنها.
إقصاء النساء من الهيكل الإداري
بالتزامن مع هذه التغييرات، جعلت القيود التي فرضتها طالبان النساء من أكبر الفئات التي أُقصيت من الهيكل الإداري في أفغانستان.
وبحسب تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، انخفضت نسبة النساء في الخدمة المدنية من 21٪ إلى 17.7٪. وحذرت المنظمة من أن استمرار القيود قد يؤدي إلى فقدان أفغانستان بحلول عام 2030 نحو 20 ألف معلمة و5400 موظفة في القطاع الصحي.
ولا تقتصر تداعيات هذا المسار على حذف آلاف النساء من قوائم موظفي الدولة. ففي مجتمع جعلت فيه قيود طالبان التواصل المباشر بين النساء والرجال من غير المحارم أكثر صعوبة، يمكن أن يؤدي تراجع أعداد المعلمات والطبيبات والقابلات والمحاميات والموظفات إلى زيادة القيود على وصول النساء والفتيات إلى الخدمات الأساسية.
وفي دراسة للأمم المتحدة، قالت 14٪ فقط من النساء إنهن يستطعن الوصول إلى نظام العدالة الرسمي.
كما تترتب على إقصاء النساء من التعليم والعمل تداعيات اقتصادية، إذ قدرت يونيسف الخسائر الناجمة عن القيود المفروضة على تعليم الفتيات وعمل النساء بما لا يقل عن 84 مليون دولار سنوياً.
جيل يفقد فرصة أن يصبح متخصصاً
لا تقتصر أزمة الكوادر المتخصصة في أفغانستان على من غادروا البلاد بعد أغسطس 2021 أو أُبعدوا عن وظائفهم.
فحظر تعليم الفتيات بعد الصف السادس ومنع النساء من الدراسة في الجامعات أغلق أيضاً الطريق أمام تأهيل جزء كبير من الكوادر المتخصصة التي تحتاج إليها أفغانستان مستقبلاً.
وبذلك تواجه البلاد مشكلتين في الوقت نفسه: متخصصون يغادرون اليوم النظام الإداري والمهني، وجيل من المتخصصين المحتملين لن يحصل في السنوات المقبلة أساساً على فرصة التعليم أو الانضمام إلى هذا النظام.
وقد تمتد تداعيات هذا المسار إلى ما بعد فترة حكم طالبان الحالية. فإعادة فتح أبواب جامعة أو مدرسة قد تكون ممكنة بقرار واحد، لكن تعويض أساتذة الجامعات والأطباء والمهندسين والمديرين وغيرهم من أصحاب التخصصات الذين هاجروا أو حُرموا من فرص التعليم قد يستغرق سنوات.
وبعد خمس سنوات من عودة طالبان إلى السلطة، تبدو مؤسساتها على الورق أكثر تعليماً، لكن تعريف التعليم الجامعي تغير عملياً، وأصبحت المعايير الأيديولوجية أكثر حضوراً في المؤسسات الحكومية، فيما لا تزال هناك فجوة كبيرة في القطاعات الفنية بين تخصص الأفراد والمسؤوليات المسندة إليهم.
وفي مثل هذا الهيكل، قد تسهم زيادة عدد الشهادات في تضخيم الأرقام، لكن المعيار الحقيقي يظل مقدار التغيير الذي تحدثه في جودة الإدارة وحياة الناس.