ويرصد هذا التقرير التحول في خطاب وسائل إعلام طالبان تجاه فاتح قبل استسلامه وبعده.
وقال ذبيح الله مجاهد، المتحدث باسم طالبان، لأفغانستان إنترناشيونال، السبت 22 أغسطس/آب، إن جمعة خان فاتح سيُحاكم، موضحًا أنه يتعين أولًا إعداد ملفه وتحديد الاتهامات الموجهة إليه، قبل إحالته إلى الجهات العدلية والقضائية.
وكان فاتح قد استسلم قبل ذلك بأسبوع، عقب اشتباكات استمرت عدة أيام في مديرية نُسي بولاية بدخشان، قبل نقله إلى كابل. وأرسلت طالبان لاحقًا وفدًا إلى نُسي، طلب من السكان تقديم شكاواهم ضده خطيًا.
وبحسب مصادر محلية، اتهم الوفد فاتح بالاستيلاء على أراضي السكان وممتلكاتهم وممارسة الظلم بحقهم.
كما نشرت وسائل إعلام مقربة من طالبان صورًا لأسلحة وذخائر قالت إنها صودرت من رجال فاتح. وحتى ذلك الحين، لم تكن السلطات قد أعلنت رسميًا قائمة الاتهامات الموجهة إليه.
وكان فاتح جزءًا من الهيكل العسكري والإداري لطالبان خلال السنوات الخمس الماضية، إذ تولى منصب مسؤول مديرية نُسي، ثم عُيّن نائبًا لوالي زابل.
وحتى خلال أيام المواجهات، أبلغ رئيس أركان جيش طالبان بأنه لا يعارض النظام، وإنما لديه خلاف مع الوحدة العسكرية التي أُرسلت إلى المنطقة. وبذلك، لم يتحول خلاف فاتح مع طالبان إلى قطيعة سياسية أو فكرية واضحة مع الحركة.
وبدأت المواجهات بعدما تصدى فاتح للقوات التي أرسلتها طالبان إلى المنطقة.
من «قائد بارز» إلى «خمس سنوات في ظل الخوف»
كانت إذاعة «حريت»، المقربة من طالبان، قد وصفت فاتح، قبل اندلاع المواجهات علنًا، بأنه «أحد أبرز قادة المجاهدين في شمال البلاد».
وفي برنامج آخر، نقلت الإذاعة تصريحات والي طالبان في بدخشان تحت عنوان يفيد بأن «جمعة خان فاتح عضو ملتزم ومخلص للنظام».
وفي 4 يوليو/تموز، نشرت «حريت» تسجيلًا صوتيًا لفاتح قال فيه إنه لم يرتكب خطأ يستوجب التعامل معه بالقوة، ونفى التقارير التي تحدثت عن نزع سلاح قواته.
وجاء نشر التسجيل في وقت كانت تتزايد فيه التقارير عن خلافات بين فاتح وقيادة طالبان، وساهم نشر تصريحاته حينها في تعزيز الرواية التي تؤكد ولاءه للحركة.
كما نشرت النسخة البشتوية من «حريت» مادة بعنوان «الحرب الدعائية للشائعات»، نسبت فيها التقارير المتعلقة بتمرد فاتح إلى ما وصفتها بوسائل إعلام «مغرضة واستخباراتية»، مستندة إلى تصريحاته التي أكد فيها ولاءه لنظام طالبان.
وفي 11 يوليو/تموز، قال محمد إسماعيل غزنوي، والي طالبان في بدخشان، للإذاعة نفسها إن فاتح لا يشكل تهديدًا للنظام.
ووصفه بأنه مسؤول سابق لإحدى المديريات و«شخص من داخل هذا النظام»، معتبرًا أن الخلاف قد انتهى. وأضاف أن الإدارة المحلية لا تضمر نيات سيئة تجاه فاتح، وأن الأخير بدوره لا يمثل تهديدًا للنظام.
وبدا أن المسؤول المحلي في طالبان كان يسعى، في ذلك الوقت، إلى تصوير التوتر على أنه خلاف عابر.
تحول في الرواية
لكن بعد استسلام جمعة خان فاتح، تغير خطاب مسؤولي طالبان ووسائل الإعلام المقربة منها تجاهه.
فإذاعة «حريت»، التي سبق أن نشرت مواد تصفه بصورة إيجابية، أصدرت تقريرًا بعنوان «خمس سنوات في ظل الخوف»، تساءلت فيه عن الانتهاكات التي ارتكبها فاتح بحق سكان بدخشان.
وخلال فترة وجيزة، تحولت صورة «القائد البارز» و«العضو المخلص» إلى شخص تقول الوسيلة الإعلامية ذاتها إن سكان بدخشان عاشوا خمس سنوات في خوف منه.
«حجاز» تنتقل من نفي الخلاف إلى اتهامات بالابتزاز
بدورها، اتهمت صفحة «حجاز نيوز»، المنسوبة إلى استخبارات طالبان، فاتح بابتزاز العاملين في مناجم الذهب، بعدما كانت قد أكدت في السابق ولاءه للنظام.
ونشرت الصفحة لاحقًا تسجيلًا صوتيًا، زعمت أنه يوثق حديثًا بين فاتح وشخص من «جبهة الحرية»، يطلب فيه أسلحة وأموالًا.
لكن جبهة الحرية نفت هذه الرواية، وقالت إن الطرف الآخر في التسجيل عنصر في استخبارات طالبان. ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من صحة التسجيل أو توقيت تسجيله أو هوية طرفي المحادثة.
كما وجهت صفحات مقربة من طالبان اتهامات أخرى إلى فاتح، من بينها تهريب المخدرات، ونقل متشددين، وتحصيل أموال من المناجم، وقتل عناصر من طالبان، والتواصل مع أجهزة استخبارات أجنبية.
وحتى إعداد هذا التقرير، لم تُنشر أدلة علنية قابلة للتحقق تثبت هذه الادعاءات.
كما أعادت «حجاز» نشر مقال لشخص يدعى هاتف مختار، قال فيه إن «الغرور الزائف والدعاية الكاذبة» قادا فاتح إلى مصيره الحالي.
وأثار التحول في الخطاب تساؤلات بين مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي بشأن سبب عدم تحرك سلطات طالبان ضد فاتح خلال السنوات الخمس الماضية. وتكرر سؤال في عدد من المنشورات: إذا كان فاتح قد ارتكب كل هذه الجرائم، فلماذا لم تتخذ طالبان إجراءات بحقه طوال السنوات الماضية؟
وكتبت «زاوية نيوز»، وهي وسيلة إعلام إلكترونية ناطقة بالبشتوية، في تقرير عن الأسلحة المنسوبة إلى فاتح، أن الرجل الذي يوصف اليوم بأنه خارج عن القانون وأحد أمراء الحرب، كان حتى قبل أسبوع فقط قائدًا وبطلًا وحليفًا لطالبان.
ونقلت الوسيلة عن سكان محليين قولهم إن طالبان كانت، خلال سنوات نفوذ فاتح، شريكة في الانتهاكات والسرقات وعمليات التهريب المنسوبة إليه.
من جانبه، كتب مجيب الرحمن رحيمي، الكاتب والباحث الأفغاني، على منصة إكس أن الشبكات الدعائية لطالبان تحاول، بعد استسلام فاتح، تصويره على أنه قاتل ومستولٍ على ممتلكات الآخرين وشخص «غير إنساني».
ويرى رحيمي أن الهدف هو أولًا شيطنة فاتح أمام الرأي العام، ثم تبرير التعامل معه ومعاقبته أو محاكمته بتهمة التمرد.
وأكد أن فاتح كان نتاجًا للنظام نفسه وجزءًا من بنيته، متسائلًا عن الجهة التي كانت تدير البلاد والنظام الذي وقعت في إطاره التجاوزات والاستيلاء على الممتلكات والحكم المسلح المنسوبة إليه.
كما تساءل مستخدم على فيسبوك عن سبب عدم اعتقال فاتح من قبل استخبارات طالبان ومسؤوليها خلال السنوات الماضية، أو منع الانتهاكات المنسوبة إليه. وأشار إلى التحول المفاجئ في الخطاب، قائلًا إن فاتح أصبح، بمجرد تمرده، يوصف بأنه «غاصب ولص ومهرب وداعشي».
ولا يزال من غير الواضح ما هي الاتهامات المحددة التي سيُحاكم جمعة خان فاتح على أساسها، وما إذا كان ملفه سيستند إلى شكاوى السكان، أم أن عصيانه ومواجهته المسلحة مع قوات طالبان سيكونان محور القضية.