من تحطيم التماثيل إلى جني الأموال.. طالبان تكسب ملايين من آثار باميان التاريخي

أظهرت مراجعة أجرتها "أفغانستان إنترناشيونال"، إلى جانب تقارير صادرة عن مؤسسات دولية، أن التجاويف الفارغة التي كانت تضم تمثالي بوذا في باميان تحولت إلى مصدر دخل لطالبان.

أظهرت مراجعة أجرتها "أفغانستان إنترناشيونال"، إلى جانب تقارير صادرة عن مؤسسات دولية، أن التجاويف الفارغة التي كانت تضم تمثالي بوذا في باميان تحولت إلى مصدر دخل لطالبان.
كانت باميان في الماضي أحد المحاور الرئيسية للتبادل الثقافي على طريق الحرير، ومركزاً لامتزاج فن غندهارا "اليوناني-البوذي"، لكنها أصبحت اليوم شاهدة على مفارقة مؤلمة في التاريخ المعاصر.
وتظهر تقارير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "يونسكو" أنه بعد تدمير تمثالي بوذا في باميان عام 2001، لم يتبق سوى 10 في المئة من بقايا تمثال "صلصال"، و30 في المئة من بقايا تمثال "شهمامة". ويقول علماء آثار إن ذلك يجعل إعادة بناء التمثالين بالكامل أمراً مستحيلاً من الناحية التقنية.
وكان تمثال شهمامة، الذي يبلغ ارتفاعه 38 متراً، وتمثال صلصال، البالغ ارتفاعه 55 متراً، ينتصبان في الجبل وسط باميان، فيما تُعد أطلالهما اليوم رمزاً لإحدى أخطر الجرائم المرتكبة بحق التراث الثقافي الإنساني.
رواية مباشرة للتدمير.. اعتراف بلا ندم
قال عبد الله سرحدي، الحاكم السابق لطالبان في ولاية باميان، مؤخراً في مقابلة مع "بي بي سي"، إنه شارك بشكل مباشر في تدمير تمثالي بوذا.
كان سرحدي المعتقل السابق في غوانتانامو، قائداً عسكرياً لطالبان في باميان وقت تفجير التمثالين.
وقال سرحدي صراحة: "لقد دمرتهما بيدي... نحن محطمون للأصنام ولسنا بائعي أصنام. كل ما فعلناه كان استناداً إلى الأحكام الإلهية، ولا أشعر بأي ندم".
لكن، وعلى خلاف موقف حاكم طالبان السابق، قال مقاتلون شباب في الحركة في باميان لصحيفة "واشنطن بوست" عام 2023 إن تمثالي بوذا يحظيان بأهمية تاريخية، ويمكن أن يشكلا مصدراً للدخل من خلال السياحة.
واعتبر عدد من الشخصيات الثقافية والسياسية تصريحات سرحدي انعكاساً للنظرة الأيديولوجية التي حكمت عملية تدمير التراث التاريخي.
وطالبان، التي كانت مسؤولة عن تدمير هذا العمل الفني الإنساني، تجني اليوم ملايين الأفغاني من الفراغ الذي خلفه التمثالان.
وخلال فترة حكمها الأولى، فجرت طالبان تمثالي بوذا في مارس 2001، بعد دخولها باميان، تنفيذاً لفتوى أصدرها زعيم الحركة آنذاك الملا محمد عمر.
تجارة من التجاويف الفارغة.. إيرادات من آثار التدمير
تجني وزارة الإعلام والثقافة التابعة لطالبان يومياً مبالغ مالية من التجاويف الفارغة لتمثالي بوذا، من خلال فرض رسوم دخول على الزوار المحليين والأجانب.
وتتقاضى الإدارة المحلية لطالبان ما بين 40 و50 أفغانياً من كل زائر محلي، و300 أفغاني من كل سائح أجنبي لمشاهدة أطلال تمثالي بوذا.
وتقول طالبان إن النشاط السياحي في البلاد، بما في ذلك زيارة تمثالي بوذا في باميان، شهد ارتفاعاً.
وبحسب الإحصاءات الرسمية، يزور المواقع التاريخية في باميان سنوياً آلاف الزوار المحليين، إضافة إلى ما بين ألفين وثلاثة آلاف سائح أجنبي.
وتظهر نتائج أفغانستان إنترناشيونال أن إجمالي إيرادات طالبان من التجاويف الفارغة لتمثالي بوذا والمواقع التاريخية الأخرى في باميان يتراوح سنوياً بين 15 و25 مليون أفغاني.
وإلى جانب بيع التذاكر، كشفت تقارير مجلة "The Art Newspaper" الدولية أن طالبان بدأت، من دون تنسيق مع اليونسكو، تنفيذ خطط لإعادة بناء السوق القديم داخل المنطقة الأثرية المصنفة من الدرجة الأولى، وإنشاء بنى تحتية تجارية أسفل جرف بوذا.
ويقول سكان باميان إن عائدات السياحة تذهب مباشرة إلى خزينة الجماعة نفسها التي كانت في الماضي تزرع الديناميت والمتفجرات داخل صخور الموقع.
وقال أحد المثقفين في باميان، طالباً عدم الكشف عن هويته: "هذا السلوك المزدوج، أي التفاخر بتحطيم الأصنام قولاً، والاستفادة مالياً من آثار ذلك فعلاً، يكشف أبعاداً جديدة من التناقض في التعامل مع التراث الإنساني".
ثمانية مواقع أثرية تابعة لليونسكو مهددة بالخطر
في عام 2003، أدرجت اليونسكو مساحة تبلغ 158.9 هكتاراً من وادي باميان ضمن قائمة التراث العالمي، كما أدرجتها في الوقت نفسه ضمن قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر.
وتشمل المواقع الأثرية الثمانية:
تجاويف بوذا ومجمع الكهوف: مركز للمعابد وموقع اكتشاف أقدم نماذج معروفة للرسم الزيتي في التاريخ، والتي تعود إلى القرن السابع الميلادي.
مدينة غلغلة التاريخية: قلعة دفاعية تعود إلى الفترة بين القرنين السادس والثالث عشر الميلاديين، وترتبط بذكرى هجوم جنكيز خان المغولي عام 1221.
مدينة ضحاك "المدينة الحمراء": قلعة استراتيجية تقع عند المدخل الشرقي لوادي باميان.
كهوف وادي ككرَك: تضم بقايا تمثال محطم يبلغ ارتفاعه 10 أمتار، ورسومات فريدة لما يعرف بـ"ملك الشمس".
وادي أزدر "التنين": مشهد طبيعي وأسطوري في ضواحي باميان.
قلعتا كافري "أ" و"ب": أبراج وتحصينات دفاعية تعود إلى الحقبة البوذية.
وادي غمي: مجموعة من أبراج المراقبة والمنشآت التاريخية المستخدمة للرصد.
كهوف قول أكرم: مجموعة من الكهوف ضمن مشهد طبيعي مميز.
وتحذر دراسات لجامعة هارفارد ومؤسسات رقابية دولية من أن هذه المواقع الأثرية الثمانية باتت معرضة للخطر، بسبب الحفريات غير القانونية داخل الكهوف، وإنشاء مخازن للفحم أمام التجاويف الصخرية، وغياب الرعاية العلمية المتخصصة.
تحذيرات ودعوات إلى تحرك دولي
بحسب التقارير، لم تعد باميان اليوم شاهدة فقط على الصخور المدمرة، بل أصبحت أيضاً ضحية للتطوير غير المنظم والاستغلال المالي.
وأدى غياب كبار خبراء اليونسكو عن الموقع، إلى جانب تجاهل الإرشادات الخاصة بحماية المنطقة الصادرة عام 2007، إلى وضع وادي باميان أمام خطر فقدان قيمته وتصنيفه، وصولاً إلى احتمال شطبه بالكامل من قائمة التراث العالمي.
ويواجه المجتمع الدولي واقعاً يتمثل في أن ما لم تُكمله متفجرات عام 2001، بات اليوم مهدداً بالزوال الكامل تحت وطأة الإهمال المنهجي والحفريات والتهريب والاستغلال المالي الذي تمارسه طالبان للتجاويف الفارغة لتمثالي صلصال وشهمامة.