وكتب الباحث الكندي روبرت كاتلر، الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود في دراسة شؤون آسيا الوسطى وتقديم الاستشارات بشأنها، أن اتساع الاضطرابات في شمال أفغانستان قد يهدد المصالح التجارية ومشاريع النقل والترانزيت التي تنفذها أوزبكستان في البلاد.
وقال كاتلر في مقال نشره، الثلاثاء، موقع «تايمز أوف سنترال آسيا» إن الاشتباكات الأخيرة بين طالبان والقوات التابعة لجمعة خان فاتح في مديرية نسي ببدخشان انتهت باستسلام فاتح، لكنها تعكس مؤشرات على تنامي حالة عدم الاستقرار في شمال شرقي أفغانستان.
وبحسب كاتلر، سُجلت 22 حادثة مرتبطة بالجماعات المسلحة المناهضة لطالبان بين ديسمبر/كانون الأول 2025 وأغسطس/آب 2026 في بدخشان، مقارنة بأربع حوادث فقط خلال النصف الثاني من عام 2025.
واندلعت المواجهات بين طالبان وقوات جمعة خان فاتح في مديرية نسي في 11 أغسطس/آب 2026، بعدما حاولت طالبان مصادرة معدات عسكرية ومركبات من قوات فاتح.
لكن الخلافات بشأن نزع سلاح القوات المحلية، وحدود صلاحيات قادة طالبان والسيطرة على مناجم الذهب، كانت قائمة منذ فترة طويلة.
ومنذ عودة طالبان إلى السلطة، أدت الخلافات بشأن مناجم الذهب في بدخشان في عدة مناسبات إلى مواجهات بين قادة محليين وقوات الحركة.
وبعد نحو أسبوع من الاشتباكات، سلّم جمعة خان فاتح نفسه لطالبان في 17 أغسطس/آب 2026. وبعد أيام، قال ذبيح الله مجاهد، المتحدث باسم الحركة، إن ملفه يجري إعداده للمحاكمة.
امتداد العنف إلى طاجيكستان
تقع مديرية نسي على الحدود مع منطقة درواز في طاجيكستان. وفي 13 أغسطس/آب 2026، أدى إطلاق نار من الأراضي الأفغانية عبر الحدود إلى مقتل امرأة تبلغ 21 عاماً داخل منزلها، كما لحقت أضرار بعدد من المنازل السكنية.
وعقب الحادث، قدمت وزارة الخارجية الطاجيكية مذكرة احتجاج رسمية إلى سلطات طالبان، مطالبة باحترام حدود البلاد واتخاذ إجراءات لمنع تكرار مثل هذه الحوادث.
وأكدت وزارة خارجية طالبان مقتل المرأة وأعربت عن أسفها، لكنها حملت مسؤولية الحادث لمن وصفتهم بـ«العناصر المخربة والانتهازية».
وكتب كاتلر أن الحادث لا يعني أن الصراع امتد بصورة مستمرة إلى الأراضي الطاجيكية، لكنه أظهر أن خطر انتقال العنف من بدخشان عبر الحدود لم يعد مجرد احتمال نظري.
وأشار أيضاً إلى تقرير لمجلس الأمن الدولي بشأن نشاط تنظيم داعش-خراسان في شمال أفغانستان، ولا سيما بدخشان.
وبحسب التقرير، أعربت طاجيكستان وأوزبكستان عن قلقهما من احتمال إنشاء خلايا سرية تابعة لداعش-خراسان، فضلاً عن وجود مواطنين من البلدين في صفوف التنظيم.
المخاطر على أوزبكستان اقتصادية بالدرجة الأولى
ولم تتأثر أوزبكستان حتى الآن بشكل مباشر باشتباكات بدخشان، كما لم ترد تقارير عن اضطراب حركة التجارة أو الجمارك أو السكك الحديدية أو صادرات الكهرباء بين البلدين.
لكن اتساع رقعة الاضطرابات الأمنية في شمال أفغانستان قد يشكل تهديداً للمصالح الاقتصادية ومشاريع النقل والترانزيت التي تراهن عليها طشقند.
وتعد أفغانستان ثالث أكبر سوق لصادرات أوزبكستان، إذ بلغت قيمة الصادرات الأوزبكية إليها خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 نحو 817.8 مليون دولار. كما احتلت أفغانستان خلال الفترة نفسها المرتبة الخامسة بين أكبر الشركاء التجاريين لأوزبكستان.
ومن أبرز المصالح الاقتصادية لطشقند في أفغانستان خط السكك الحديدية حيرتان–مزار شريف، الذي يربط الحدود الأوزبكية بالمركز التجاري لولاية بلخ.
واستمر الاستثمار في هذا الخط خلال العام الجاري، إذ أُنجز في مارس/آذار 2026 خط فرعي بطول ألف متر في نايب آباد بهدف زيادة قدرة نقل البضائع والحد من الازدحام.
ولا توجد حتى الآن مؤشرات على تأثر حركة هذا الخط بالاضطرابات في بدخشان. لكن اعتماد أوزبكستان المتزايد على طرق التجارة عبر شمال أفغانستان يجعل استقرار المنطقة أكثر أهمية بالنسبة لطشقند.
مشروع السكك الحديدية العابر لأفغانستان
وتسعى أوزبكستان أيضاً إلى تنفيذ مشروع أكبر يهدف إلى ربط أراضيها بباكستان وموانئ جنوب آسيا عبر أفغانستان.
ولا يزال مشروع السكك الحديدية العابر لأفغانستان في مرحلة التخطيط والدراسة ولم يدخل حيز التشغيل بعد.
ويرى كاتلر أن امتداد الاضطرابات من بدخشان إلى مناطق أخرى في شمال أفغانستان قد يهدد ليس فقط خط حيرتان–مزار شريف، بل أيضاً خطط أوزبكستان الأوسع للوصول إلى أسواق وموانئ جنوب آسيا.
وخلص كاتلر إلى أن المعطيات الحالية لا تزال تشير إلى أن الاشتباكات في بدخشان ذات طابع محلي. إلا أن الولاية أصبحت مصدر قلق مباشر لأمن الحدود الطاجيكية، فيما قد تتعرض المصالح التجارية ومشاريع الترانزيت الأوزبكية لمخاطر متزايدة إذا اتسعت رقعة الاضطرابات في شمال أفغانستان.