وكتب غريغ جافي، صاحب التحليل الذي نُشر في الذكرى الخامسة لانتهاء الحرب، أن مقتل بن لادن في مايو/أيار 2011 كان يمثل أفضل فرصة للولايات المتحدة للانسحاب من أفغانستان. فقد قُتل العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر/أيلول، وأدت عشر سنوات من العمليات الأميركية إلى إضعاف تنظيم القاعدة بشكل كبير، فيما أصبح واضحاً أن القضاء على طالبان مهمة بالغة الصعوبة.
وكتب كارتر مالكاسيان، المستشار السابق لقائد قوات الناتو في أفغانستان، في مجلة «فورين أفيرز» أنه لو كان المسؤولون الأميركيون آنذاك يعرفون ما يعرفونه اليوم، لكان كثير منهم قد أيدوا بصورة أكثر جدية الانسحاب المبكر. ومع ذلك، استمرت الحرب عشر سنوات أخرى.
وترى «نيويورك تايمز» أن تجربة أفغانستان تطرح اليوم أسئلة مهمة أمام واشنطن بشأن حربها مع إيران، أبرزها: لماذا يكون إنهاء الحروب بالنسبة إلى الولايات المتحدة أحياناً أصعب من بدئها؟ وهل دخلت واشنطن مجدداً حرباً تصبح مغادرتها أكثر صعوبة كلما طال أمدها؟
وبحسب جافي، لم يكن قرار الرؤساء الأميركيين والبنتاغون مواصلة الحرب في أفغانستان قائماً على الحسابات العسكرية وحدها. فقد لعبت المخاوف من تضرر مصداقية الولايات المتحدة دولياً، والشعور بالمسؤولية تجاه الحلفاء الأفغان، والخشية من أن يجعل الاعتراف بالهزيمة تضحيات الجنود القتلى والجرحى تبدو بلا جدوى، دوراً في استمرار الحرب.
كما كان الانسحاب من دون تحقيق النصر صعباً على كثير من القادة العسكريين الأميركيين الذين فقد بعضهم أصدقاء وزملاء في الحرب، وأمضوا سنوات من حياتهم المهنية وهم يتدربون على القتال من أجل تحقيق النصر.
وكتب مالكاسيان أن أحد أسباب عدم مغادرة الأميركيين أفغانستان في وقت أبكر هو أن «الجيش الأميركي يقاتل من أجل الانتصار».
استراتيجية طالبان: البقاء أطول من الأميركيين
في المقابل، توصلت طالبان إلى حساب مختلف. وبحسب الصحيفة، أدركت الحركة أنها لا تحتاج إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً لتحقيق النصر، بل يكفي أن تصمد فترة أطول من القوات الأميركية والرأي العام الأميركي الذي أنهكته الحرب.
وبحلول عام 2011، كان عدد القوات الأميركية في أفغانستان يتجه نحو الانخفاض، فيما تراجعت رغبة الأميركيين في تحمل المزيد من تكاليف الحرب.
ومع تراجع الآمال الأميركية في هزيمة طالبان، تغيرت أهداف واشنطن أيضاً. وبدلاً من السعي إلى تحقيق انتصار عسكري، ركز القادة الأميركيون تدريجياً على خفض الخسائر والتكاليف والحفاظ على الحكومة الأفغانية ومنع انهيارها.
وفي هذه المرحلة، لم يعد السؤال الأساسي هو كيفية هزيمة طالبان، بل كيفية منع سقوط الحكومة الأفغانية وتأجيل نهاية الحرب.
وشبّهت روزماري كيلانيك، مديرة برنامج الشرق الأوسط في معهد «ديفنس برايوريتز»، موقف صناع القرار الأميركيين بطبيب يعرف أن مريضاً في العناية المركزة سيموت، لكنه يأمل أن يحدث ذلك بعد انتهاء نوبته.
وقالت للصحيفة إن المسؤولين «لا يريدون أن يحدث ذلك خلال فترة مسؤوليتهم».
وبحسب التحليل، لم يعد لدى المسؤولين الأميركيين أمل كبير في تحقيق النصر، لكن الانسحاب كان بدوره قراراً سياسياً صعباً، إذ لم يرغب أي رئيس أو سياسي أو قائد عسكري في أن يرتبط اسمه بنهاية الحرب والاعتراف بالهزيمة. وهكذا انتقل القرار النهائي من إدارة أميركية إلى أخرى.
واستمرت الحرب عشر سنوات بعد مقتل بن لادن، قُتل خلالها 868 عسكرياً أميركياً إضافياً.
وانتهت الحرب في أغسطس/آب 2021 بانسحاب القوات الأميركية وعودة طالبان إلى السلطة.
هل كان استمرار الحرب ضرورياً؟
وتقول «نيويورك تايمز» إن أحد المخاوف التي دفعت ثلاثة رؤساء أميركيين إلى تأجيل الانسحاب كان احتمال تحول أفغانستان مجدداً إلى قاعدة لشن هجمات إرهابية على الأراضي الأميركية.
لكن الصحيفة تقول إن هذا السيناريو لم يتحقق بعد خمس سنوات من الانسحاب، وإن أفغانستان لم تتحول حتى الآن إلى قاعدة لشن هجمات على الولايات المتحدة.
ويثير ذلك، بحسب التحليل، سؤالاً بشأن العقد الأخير من الحرب: هل كانت تكلفة استمرار الوجود الأميركي في أفغانستان متناسبة مع حجم الخطر الذي كانت واشنطن تسعى إلى منعه؟
من أفغانستان إلى حرب إيران
وتقارن «نيويورك تايمز» تجربة أفغانستان بالحرب الأميركية الحالية مع إيران.
وكان وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث قد تعهد في بداية الحرب بأن الصراع لن يتحول إلى حرب طويلة على غرار أفغانستان والعراق، واصفاً العملية بأنها سريعة ومركزة وحاسمة، ومؤكداً أنها «ليست حرباً بلا نهاية».
لكن الصحيفة تقول إن خطاب المسؤولين الأميركيين بدأ يتغير تدريجياً.
فبعد الضربات الأميركية، أغلقت إيران مضيق هرمز، فيما أقر الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، بأن القنابل والصواريخ وحدها قد لا تكون كافية لهزيمة إيران أو حتى إعادة فتح هذا الممر التجاري الحيوي بالكامل، مشيراً إلى أن «للقوة الجوية حدوداً».
واتجهت إدارة ترامب لاحقاً إلى الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية، فيما أصبح المسؤولون العسكريون أقل حديثاً عن نصر سريع وأكثر إشارة إلى حملة قد تستمر أشهراً أو فترة أطول.
وقال هيغسيث، رداً على سؤال بشأن مدة استمرار الحصار البحري، إن الولايات المتحدة تستطيع مواصلته «طالما كان ذلك ضرورياً».
وترى «نيويورك تايمز» أن هنا تكمن إحدى أوجه الشبه الأساسية مع أفغانستان: فقد كانت طالبان تقاتل من أجل بقائها، فيما تربط القيادة الإيرانية اليوم الحرب ببقائها أيضاً، بينما لا يمثل الصراع بالنسبة إلى الولايات المتحدة قضية وجودية بالدرجة نفسها.
وفي مثل هذه الحروب، قد يكون الطرف الذي يعتبر الصراع مسألة بقاء أكثر استعداداً لتحمل الخسائر ومواصلة القتال على المدى الطويل.
وهذا ما حدث في أفغانستان، وفق التحليل. فلم تكن طالبان بحاجة إلى التفوق عسكرياً على الولايات المتحدة، بل كان عليها الانتظار إلى أن تصبح تكلفة استمرار الحرب بالنسبة إلى واشنطن أكبر من المكاسب التي تتوقع تحقيقها.
وتخلص الصحيفة إلى أن المعضلة الأميركية أصبحت أكثر تعقيداً عندما بدا تحقيق النصر بعيد المنال، في الوقت الذي ظل فيه الاعتراف بالهزيمة مكلفاً سياسياً.