تمرد طالبان خلال 11 عاماً انتهت بعودتها إلى السلطة "أودى بحياة 40 ألف مدني"
نشرت بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى أفغانستان (يوناما) تقريرها البحثي بشأن ضحايا النزاعات المسلحة في أفغانستان. وقالت الأمم المتحدة إنها وثقت، من يناير 2009 وحتى عودة حركة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021، مقتل 40 ألف مدني
وإصابة أكثر من 77 ألفاً آخرين. وقالت يوناما إن التقرير يعرض نتائج بحث أجراه قسم حقوق الإنسان في البعثة خلال عامي 2024 و2025 للتعرف على تجارب ضحايا النزاعات المسلحة في أفغانستان واحتياجاتهم. ويركز التقرير بصورة رئيسية على الفترة الممتدة من التدخل العسكري بقيادة الولايات المتحدة عام 2001 وحتى سيطرة حركة طالبان على أفغانستان في 15 أغسطس 2021. واستند التقرير إلى مقابلات مع 195 من ضحايا النزاعات المسلحة وأقاربهم، و23 منظمة غير حكومية تعمل على تلبية احتياجات ضحايا النزاعات المسلحة، و23 مسؤولاً في إدارات حركة طالبان. ويقدم تقرير يوناما الجديد، الذي يتناول أوضاع ضحايا الحروب التي شهدتها أفغانستان خلال العقود الماضية، صورة عن الأطراف الرئيسية المشاركة في النزاعات المسلحة في البلاد. وبحسب التقرير، شهدت أفغانستان بين عامي 2001 و2021 عدة نزاعات مسلحة شاركت فيها القوات الحكومية وحركة طالبان وتنظيم داعش خراسان وجماعات مسلحة محلية وقوات دولية. وقالت يوناما إن ضحايا هذه الحروب تضرروا من ممارسات جميع أطراف النزاع، وإن رواياتهم تعكس جانباً من الواقع المعقد للحرب التي خيمت على أفغانستان لأكثر من عقدين. ولم تقدم يوناما في التقرير أرقاماً مفصلة لعدد المدنيين الذين قُتلوا أو أُصيبوا على يد كل طرف من أطراف النزاع. ويركز التقرير بصورة أكبر على روايات الضحايا وتجاربهم واحتياجاتهم، وينسب مسؤولية الحوادث التي تناولها إلى أطراف مختلفة، بينها حركة طالبان وقوات الحكومة السابقة وتنظيم داعش والقوات الدولية. واكتفت يوناما في تقريرها الجديد بالتأكيد أن جميع أطراف الحرب في أفغانستان أسهمت في إلحاق الأذى بالمدنيين. وكان تقرير مرحلي ليوناما صدر عام 2021 قد صنف حركة طالبان باعتبارها أكبر متسبب في الخسائر بين المدنيين. وبحسب التقرير، قُتل أو أُصيب 2044 مدنياً في حوادث نُسبت إلى حركة طالبان خلال الفترة من الأول من يناير وحتى 30 يونيو 2021، بينهم 699 قتيلاً و1345 مصاباً. وقالت يوناما آنذاك إن هذا العدد مثّل 39٪ من إجمالي الخسائر بين المدنيين المسجلة خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2021. وبعد شهرين من صدور التقرير، عادت حركة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021 وسقطت الحكومة الأفغانية السابقة. وقالت يوناما في تقريرها السنوي "حماية المدنيين في النزاعات المسلحة في أفغانستان"، الصادر عام 2020، إن حركة طالبان كانت مسؤولة عن أكبر عدد من الخسائر بين المدنيين مقارنة بجميع أطراف النزاع. وبحسب التقرير، قُتل أو أُصيب ما لا يقل عن 3960 مدنياً في هجمات نُسبت إلى حركة طالبان خلال الفترة من الأول من يناير وحتى 31 ديسمبر 2020، بينهم 1470 قتيلاً و2490 مصاباً. ونُسب نحو 45٪ من إجمالي الخسائر بين المدنيين إلى الجماعات المناهضة للحكومة. وقالت يوناما في تقاريرها إن جانباً كبيراً من هذه الخسائر نجم عن الألغام المزروعة على جوانب الطرق والعبوات الناسفة والهجمات المستهدفة والاشتباكات البرية. ولم توضح يوناما سبب عدم ذكرها في تقريرها الجديد نسبة مسؤولية كل طرف من أطراف النزاع. ويبدو أن بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان أغفلت، تحت ضغط حركة طالبان، دور الحركة في الخسائر بين المدنيين. ووصف تقرير يوناما الجديد حركة طالبان بأنها القوة الرئيسية المناهضة للحكومة خلال الفترة من 2001 إلى 2021. وقالت يوناما إن الحركة أعادت تنظيم صفوفها بعد سقوط نظام طالبان الأول عام 2001، بصفتها جماعة متمردة تقاتل حكومة الجمهورية والقوات الدولية. ومع الانسحاب التدريجي للقوات الأجنبية، وسعت حركة طالبان نفوذها وأنشأت هياكل إدارية موازية، قبل أن تسيطر فعلياً على أفغانستان في 15 أغسطس 2021. وكانت قوات الأمن التابعة لحكومة جمهورية أفغانستان الإسلامية السابقة تضم الجيش الوطني الأفغاني والقوات الجوية والقوات الخاصة والمديرية العامة للأمن الوطني والشرطة الوطنية والشرطة المحلية وقوات النظام العام وقوات حرس الحدود الأفغانية. وكانت هذه القوات تقاتل حركة طالبان وتنظيم داعش والجماعات المسلحة الأخرى المناهضة للحكومة بدعم من الحكومات الغربية والقوات الدولية. وانتهى عمل هذه المؤسسات بعد سقوط الجمهورية ودخول حركة طالبان إلى كابل في 15 أغسطس 2021. وحظيت الحكومة الأفغانية السابقة بدعم عسكري من الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي ودول التحالف الدولي. وبدأ التدخل العسكري الأميركي وحلفائه في 7 أكتوبر 2001، كما انتشرت في أفغانستان قوات المساعدة الدولية لإرساء الأمن (إيساف)، ثم بعثة الدعم الحازم التابعة لحلف الناتو. وعملت هذه القوات إلى جانب القوات الحكومية الأفغانية ضد حركة طالبان وغيرها من الجماعات المتمردة، وانتهى وجودها العسكري بانسحاب القوات الأجنبية وسقوط الجمهورية. وإلى جانب القوات الحكومية الرسمية، عمل عدد من الجماعات المسلحة المحلية وشبه العسكرية دعماً للحكومة. وشملت هذه الجماعات قوات الانتفاضة الشعبية وبعض الجماعات المسلحة المحلية الأخرى التي شاركت في القتال ضد حركة طالبان وغيرها من الجماعات المناهضة للحكومة. وقال تقرير يوناما إن هذه الجماعات لم تكن جزءاً من الهيكل الرسمي للدولة، لكنها شاركت بصورة نشطة في الحرب. وأعلن تنظيم داعش خراسان رسمياً ظهوره في أفغانستان في يناير 2015. ونشط التنظيم بصورة رئيسية في شرق البلاد، وحُمّل مسؤولية عدد من أكثر الهجمات دموية ضد المدنيين ودور العبادة والتجمعات العامة والمراكز التعليمية. وبحسب يوناما، فعلى الرغم من خسارة التنظيم جزءاً من المناطق التي كان يسيطر عليها، فإنه واصل تنفيذ هجمات دامية أوقعت أعداداً كبيرة من الضحايا في كابل ومناطق أخرى حتى عام 2020 وما بعده. وإلى جانب حركة طالبان وتنظيم داعش، نشطت جماعات مسلحة أخرى مناهضة للحكومة في مناطق مختلفة من أفغانستان. وشاركت هذه الجماعات في القتال المسلح ضد حكومة الجمهورية، وفي بعض الحالات ضد بعضها البعض، وشكلت جزءاً من النزاعات المسلحة غير الدولية في أفغانستان. وأشارت يوناما أيضاً إلى أن بعض الضحايا الذين شملتهم المقابلات تضرروا من أحداث الحرب الأهلية الأفغانية بين عامي 1992 و1996. وخلال تلك الفترة، خاضت جماعات مختلفة من المجاهدين حرباً فيما بينها للسيطرة على الحكم في أفغانستان. وظهرت حركة طالبان أيضاً خلال تلك المرحلة، قبل أن تسيطر لاحقاً على مساحات واسعة من البلاد.
أفادت تقارير نُشرت خلال اليومين الماضيين بتزويج طفلتين من ولاية هلمند، تبلغان 6 و8 سنوات، قسراً من رجلين يبلغان من العمر 60 و80 عاماً. ومنذ عودة حركة طالبان إلى السلطة وتفاقم الفقر وحظر التعليم، أعربت مؤسسات دولية مراراً عن قلقها
إزاء تزايد زواج الأطفال في أفغانستان. وقال مسؤولون في المكتب الإعلامي لطالبان في هلمند، السبت 29 أغسطس، إن أسرة فتاة تبلغ 8 سنوات في مديرية ناد علي بالولاية زوّجتها من رجل يبلغ 80 عاماً. وذكر المكتب في بيان أنه "نتيجة جهود" إدارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المديرية، جرى منع الزواج القسري للطفلة. كما ذكر المكتب الإعلامي لطالبان في هلمند، الأحد، في بيان منفصل، أن فتاة تبلغ 6 سنوات في مديرية غرمسير بالولاية زُوّجت من رجل يبلغ 60 عاماً مقابل 200 ألف روبية باكستانية. وبحسب طالبان، فإن والد الطفلة مدمن على المخدرات، وقد زوّج ابنته برضاه من الرجل المسن مقابل هذا المبلغ. وجاء في بيان طالبان: "أُحيلت القضية إلى المحكمة الابتدائية للنظر فيها قانونياً. وبعد المراجعة، فسخت المحكمة عقد الزواج".
تزايد زواج الأطفال بعد عودة طالبان يقول مراقبون إن هاتين ليستا سوى حالتين وقعتا في ولاية هلمند، المجاورة لقندهار مقر زعيم طالبان، ووصلتا إلى وسائل الإعلام، فيما يرون أن زواج الأطفال أصبح ظاهرة متزايدة في أفغانستان تحت حكم طالبان. ويعتبرون اتساع رقعة الفقر وحرمان الفتيات من التعليم من أسباب تفشي زواج الأطفال في البلاد. ويقول خبراء إن كثيراً من الأسر، بسبب الفقر والبطالة، تزوّج أطفالها من رجال مسنين مقابل المال لتغطية تكاليف المعيشة. وحظرت حركة طالبان في سبتمبر 2021، بعد نحو شهر من عودتها إلى السلطة، تعليم الفتيات فوق الصف السادس. وبعد نحو عام، في ديسمبر 2022، حظرت أيضاً تعليم الفتيات في الجامعات. وأعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أن أكثر من 2.4 مليون فتاة في أفغانستان محرومات حالياً من مواصلة التعليم، وأن العدد سيرتفع إلى 4 ملايين بحلول عام 2030. وأعربت يونيسف عن قلقها من أن استمرار هذا الوضع، إلى جانب حالات الزواج القسري، يهيئ الظروف لزواج الفتيات دون السن القانونية، محذرة كذلك من تأثيراته الخطيرة على صحتهن النفسية. وبحسب تقديرات المنظمة، فإن هذه القيود ستؤدي سنوياً إلى وفاة 1600 أم أثناء الولادة وأكثر من 3500 مولود. وقالت المديرة التنفيذية ليونيسف كاثرين راسل: "التعليم لا يوفر فرص التعلم فحسب، بل يحمي الفتيات أيضاً من زواج الأطفال وسوء التغذية ومشكلات أخرى". وأعلنت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن زواج الأطفال والفتيات دون السن القانونية في أفغانستان ارتفع بصورة غير مسبوقة منذ عودة طالبان إلى السلطة. وقالت إن هذا الاتجاه يزيد حالات الحمل بين الفتيات صغيرات السن، ما قد يؤدي إلى وفاة الأمهات. وبحسب الهيئة، ترى كثير من الأسر، بسبب الفقر وانعدام فرص التعليم والعمل، أن تزويج بناتها دون السن القانونية وسيلة لمواصلة الحياة. وقالت الأمم المتحدة إن هذا الوضع خلّف تداعيات شديدة الخطورة على صحة النساء والأطفال. ووفق تقديرات الهيئة، سترتفع في عام 2026 حالات الحمل بين الأمهات دون السن القانونية في أفغانستان بنسبة 45٪، كما سيزداد خطر وفاة الأمهات بأكثر من 50٪. وتقول هذه المؤسسات إن الفتيات المحرومات من التعليم يواجهن بدرجة أكبر خطر الزواج القسري والحمل في سن الطفولة. وجاء في التقرير أن حظر تعليم الفتيات في تخصصي الطب والقبالة في ديسمبر 2024 قضى أيضاً على آخر أمل لتدريب الكوادر النسائية في القطاع الصحي. وتقول هيئة الأمم المتحدة للمرأة إن استمرار هذا المسار سيترك جيلاً من النساء في أفغانستان بلا تعليم، تزوجن في سن الطفولة ويواجهن مخاطر جدية على حياتهن. وأضافت أنه إذا لم تُعطَ حقوق النساء والتعليم والصحة أولوية في أفغانستان، فإن البلاد ستواجه خطر خسارة جيلها الشاب والتخلف عن مسار التنمية. وبحسب تقارير، لجأ عدد كبير من مسؤولي طالبان خلال السنوات الخمس الماضية، بعد عودة الحركة إلى السلطة، إلى الزواج للمرة الثانية والثالثة والرابعة. ورغم توجيه زعيم طالبان ملا هبة الله آخوندزاده أعضاء الحركة إلى تجنب تعدد الزوجات، خالف كثير من مسؤولي طالبان هذا التوجيه، فيما تزوج بعضهم فتيات بالقوة ومن دون رضاهن. وأصبح تعدد الزوجات أمراً شائعاً في صفوف طالبان.
إضفاء الطابع الرسمي على زواج الأطفال أقرت حركة طالبان في مايو الماضي قانون من 31 صفحة تحت عنوان "أصول التفريق بين الزوجين"، اعترفت من خلاله رسمياً بزواج الأطفال في إطار أحكام الأسرة. وتتضمن لائحة القانون تفاصيل موسعة بشأن زواج القاصرين وشروط فسخ النكاح والأحكام المتعلقة بحضانة الأطفال. وصادق زعيم طالبان مؤخراً على القانون المؤلف من مقدمة وبابين و31 مادة و12 فصلاً. وتعتبر اللوائح زواج الأطفال قابلاً للفسخ في ظروف محددة، من بينها الزواج في سن الطفولة، والرضاعة التي تنشئ الحرمة، والتفريق القسري، وفقدان الزوج، والردة، والاتهام بالزنا. ويتعلق أحد أبرز بنود الوثيقة بمبدأ "خيار البلوغ"، وهو مبدأ في الفقه الإسلامي يتيح للشخص فسخ الزواج الذي عُقد له في طفولته بعد بلوغه. وبموجب المادة الخامسة من اللوائح، إذا عُقد زواج الطفل بواسطة أقارب غير الأب أو الجد من جهة الأب، فيُعتبر الزواج صحيحاً إذا كان الزوج "كفؤاً" من الناحية الاجتماعية وحدد مهر مناسب. ومع ذلك، يحق للشخص بعد بلوغه التقدم إلى المحكمة بطلب فسخ الزواج. كما تمنح اللوائح أولياء الأسرة صلاحيات واسعة فيما يتعلق بزواج الأطفال، لكنها تنص على بطلان عقد الزواج إذا ثبت أن ولي الطفل مسيء أو مختل الصحة العقلية أو فاسد الأخلاق.
بعد خمس سنوات على الانسحاب الأميركي من أفغانستان، أصبحت الصورة القاتمة ذات اللون الأخضر للجنرال كريستوفر دوناهو، آخر عسكري أميركي، وهو يصعد إلى آخر طائرة عسكرية أميركية على الأراضي الأفغانية، أحد أبرز الرموز الباقية لهذا الحدث
التاريخي. وقبل ذلك بـ32 عاماً، كان الجنرال بوريس غروموف آخر قائد في الجيش السوفياتي يغادر أفغانستان، لتبقى صورتان راسختان لنهاية الوجود العسكري لقوتين عظميين في أفغانستان. قبل خمس سنوات، وفي الدقائق الأخيرة من 30 أغسطس 2021، صعد الجنرال كريستوفر دوناهو من مؤخرة طائرة من طراز "C-17"، في صورة التقطها الجيش الأميركي بكاميرا للرؤية الليلية، وظهر فيها رجل بكامل عتاده العسكري يدخل الطائرة وسط الظلام الدامس في مطار كابل. وبعد ساعات، تصدرت الصورة وسائل الإعلام العالمية وأصبحت أحد رموز نهاية الوجود الأميركي الذي استمر 20 عاماً في أفغانستان. وبعد عامين من إدارته العمليات في مطار كابل، منحه الرئيس الأميركي السابق جو بايدن رتبة جنرال بأربع نجوم تقديراً لخدماته. وقبل ذلك بـ32 عاماً، في 15 فبراير 1989، عبر الجنرال بوريس غروموف جسر الصداقة في ميناء حيرتان. ونزل قائد الجيش السوفياتي الأربعين في أفغانستان من آخر ناقلة جند مدرعة وتوجه نحو الحدود. وعلى الضفة الأخرى من نهر آمو كانت تقع مدينة ترمذ في جمهورية أوزبكستان السوفياتية، حيث كان ابنه ماكسيم، البالغ من العمر 14 عاماً، ينتظره حاملاً باقة من الزهور. وذكرت صحيفة "واشنطن بوست" أن غروموف عبر الحدود عند الساعة 11:55 صباحاً، ووصفتْه بأنه "آخر جندي سوفياتي".
ليلة الإجلاء المضطربة في مطار كابل كان الجنرال الأميركي في أغسطس قائداً للفرقة 82 المحمولة جواً والمسؤول العام عن القوات البرية في مطار كابل. وفي الأيام التي أعقبت سقوط كابل في 15 أغسطس، تحول المطار إلى مركز لعملية إجلاء ضخمة، واستمرت مسؤوليته حتى لحظة مغادرة آخر جندي. وأجلت الولايات المتحدة وحلفاؤها خلال نحو أسبوعين أكثر من 120 ألف شخص من أفغانستان، بينهم مواطنون أميركيون وحاملو ملفات الهجرة الخاصة وعدد كبير من الأفغان الذين كانوا يواجهون خطراً مباشراً على حياتهم بعد عودة طالبان إلى السلطة. وفي المرحلة الأخيرة من العملية، كانت خمس طائرات من طراز C-17 جاهزة لإجلاء القوات المتبقية، فيما كان نحو 500 إلى 600 جندي أميركي لا يزالون داخل المطار. وشددت الأوامر النهائية على تجميع القوات سريعاً والصعود فوراً إلى الطائرات. وكان على دوناهو أن يتأكد شخصياً من عدم بقاء أي جندي أميركي على الأرض. وكان القائم بأعمال السفارة الأميركية في كابل روس ويلسون أيضاً على متن الطائرة الأخيرة. وغادرت الرحلة مدرج مطار كابل عند الساعة 11:59 ليلاً، قبل دقيقة واحدة فقط من انتهاء المهلة المحددة.
نهاية عقد من حرب الجيش الأحمر في أفغانستان وفي ميناء حيرتان، أشرف الجنرال غروموف بنفسه على المرحلة الأخيرة من الانسحاب. وكان الجيش السوفياتي قد دخل أفغانستان في ديسمبر 1979، ووصل عدد قواته خلال عقد من الوجود العسكري في بعض الفترات إلى أكثر من 100 ألف جندي. وقُتل في الحرب نحو 15 ألف جندي سوفياتي وأصيب نحو 37 ألفاً آخرين. وخلال الأشهر التسعة التي سبقت الانسحاب النهائي، كان نحو 105 آلاف جندي من الجيش الأحمر قد غادروا أفغانستان. وفي اليوم الأخير، عبر جسر الصداقة رتل يضم نحو 50 ناقلة جند مدرعة و400 جندي، وكان غروموف آخر شخصية عسكرية تطأ قدمه الأراضي السوفياتية. وسأل الصحفيون الجنرال غروموف لحظة عبوره عن شعوره، فأجاب باختصار: "لم أنظر إلى الخلف". وبعد أن احتضن ابنه، ألقى كلمة أمام الجنود العائدين خلال مراسم رسمية في ترمذ، وقال إن الجيش السوفياتي أنهى "واجبه الدولي"، لكن "حزن أولئك الذين لم يعودوا لن يُنسى أبداً".
مأساة دامية وعملية إجلاء ولم تتح لدوناهو في كابل فرصة لمثل تلك المراسم. فقبل أيام من الانسحاب النهائي، في 26 أغسطس، أدى هجوم انتحاري لتنظيم داعش قرب "بوابة آبي" في مطار كابل إلى مقتل 13 عسكرياً أميركياً وأكثر من 170 مدنياً أفغانياً. ورغم هذه المأساة الدامية، استمرت عملية الإجلاء، وكان على القوات الأميركية في الوقت نفسه تأمين محيط المطار ومواصلة عملية انسحابها. وعندما أقلعت طائرة C-17، لم يعد هناك أي جندي أميركي في المطار. وقال القائد الأميركي لجنوده بعد صعوده إلى الطائرة: "أُنجز العمل بشكل جيد؛ أنا فخور بكم جميعاً". وكانت هذه من بين العبارات القليلة التي سُجلت له في تلك الدقائق الأخيرة.
نهاية وجود الجيوش واستمرار نيران الحرب لم يكن خروج الجنرال غروموف من أفغانستان يعني نهاية الحرب، إذ ظلت حكومة نجيب الله في السلطة في كابل، وواصلت موسكو تقديم الدعم المالي والعسكري لها. وكتبت "واشنطن بوست" يوم الانسحاب أن أزمة أفغانستان لم تنته بخروج القوات السوفياتية، بل دخلت البلاد فصلاً جديداً من إراقة الدماء. فقد غادر الجيش الأحمر، لكن نيران الحرب بين حكومة كابل والمجاهدين استمرت. وبعد سنوات، في سبتمبر 2001، وقبيل التدخل العسكري الأميركي في أفغانستان، قال الجنرال غروموف في حديث لـ"واشنطن بوست" عن ذلك اليوم التاريخي: "شعرت بأن حملاً ثقيلاً جداً قد أزيح عن كتفي". وكان القائد السوفياتي المخضرم قد خاض حرباً استمرت عشر سنوات، قبل أن يرى الأرض نفسها التي انسحب منها الجيش الأحمر تستقبل وجوداً عسكرياً لقوة أخرى. وفي كابل، شكل خروج دوناهو نهاية أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة عقب هجمات 11 سبتمبر. وبعد سقوط العاصمة في 15 أغسطس، أصبح المطار الدولي المنفذ الوحيد للهروب من عودة طالبان إلى الحكم، وبمجرد إقلاع آخر رحلة من طراز C-17، أصبح المطار تحت السيطرة الكاملة لمقاتلي طالبان.
سقوط كابل مجدداً وعودة طالبان إلى السلطة وبالتزامن مع الذكرى الخامسة لهذا الحدث، وصف المتحدث باسم طالبان ذبيح الله مجاهد 31 أغسطس بأنه "يوم هزيمة أميركا وحلفائها الغربيين" وأحد الأحداث "المشرفة" في تاريخ أفغانستان. وزعم في حديث لوسائل إعلام تابعة لطالبان أن الأفغان أنهوا في ذلك اليوم "احتلالاً دام 20 عاماً"، وأن البلاد، بعد رحيل القوات الأجنبية، حققت، بحسب قوله، الاستقرار وأقامت حكومة مركزية قوية، وهو ادعاء يقول خبراء إنه يتناقض بوضوح مع واقع الأزمات السياسية والحقوقية العميقة والعزلة الدولية التي تعاني منها أفغانستان.
صورتان مختلفتان لمصير متشابه في حيرتان، عبر الجنرال السوفياتي الجسر في وضح النهار أمام الكاميرات وكان ابنه في استقباله، بينما صعد القائد الأميركي في كابل إلى الطائرة وسط ظلام الليل وتحت عدسة خضراء لكاميرا الرؤية الليلية. تفصل بين الصورتين 32 عاماً. دخلت القوتان العظميان أفغانستان لأسباب مختلفة، واضطرتا في النهاية إلى مغادرتها، لكن رحيل آخر جندي في الحالتين لم يكن نهاية لمعاناة أفغانستان وأزماتها؛ أحدهما عبر الجسر سيراً على الأقدام عام 1989، والآخر صعد سلم طائرة عام 2021، لتُسجل صورتان مختلفتان لنهاية متشابهة في التاريخ.
كتبت صحيفة «نيويورك تايمز» في تحليل عن حرب أفغانستان أن أهداف الولايات المتحدة بدأت تتغير تدريجياً بعد مقتل أسامة بن لادن عام، إذ لم تعد واشنطن ترى مساراً واضحاً لهزيمة طالبان، فتحول التركيز من الانتصار في الحرب إلى منع انهيار الحكومة الأفغانية.
وكتب غريغ جافي، صاحب التحليل الذي نُشر في الذكرى الخامسة لانتهاء الحرب، أن مقتل بن لادن في مايو/أيار 2011 كان يمثل أفضل فرصة للولايات المتحدة للانسحاب من أفغانستان. فقد قُتل العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر/أيلول، وأدت عشر سنوات من العمليات الأميركية إلى إضعاف تنظيم القاعدة بشكل كبير، فيما أصبح واضحاً أن القضاء على طالبان مهمة بالغة الصعوبة.
وكتب كارتر مالكاسيان، المستشار السابق لقائد قوات الناتو في أفغانستان، في مجلة «فورين أفيرز» أنه لو كان المسؤولون الأميركيون آنذاك يعرفون ما يعرفونه اليوم، لكان كثير منهم قد أيدوا بصورة أكثر جدية الانسحاب المبكر. ومع ذلك، استمرت الحرب عشر سنوات أخرى.
وترى «نيويورك تايمز» أن تجربة أفغانستان تطرح اليوم أسئلة مهمة أمام واشنطن بشأن حربها مع إيران، أبرزها: لماذا يكون إنهاء الحروب بالنسبة إلى الولايات المتحدة أحياناً أصعب من بدئها؟ وهل دخلت واشنطن مجدداً حرباً تصبح مغادرتها أكثر صعوبة كلما طال أمدها؟
وبحسب جافي، لم يكن قرار الرؤساء الأميركيين والبنتاغون مواصلة الحرب في أفغانستان قائماً على الحسابات العسكرية وحدها. فقد لعبت المخاوف من تضرر مصداقية الولايات المتحدة دولياً، والشعور بالمسؤولية تجاه الحلفاء الأفغان، والخشية من أن يجعل الاعتراف بالهزيمة تضحيات الجنود القتلى والجرحى تبدو بلا جدوى، دوراً في استمرار الحرب.
كما كان الانسحاب من دون تحقيق النصر صعباً على كثير من القادة العسكريين الأميركيين الذين فقد بعضهم أصدقاء وزملاء في الحرب، وأمضوا سنوات من حياتهم المهنية وهم يتدربون على القتال من أجل تحقيق النصر.
وكتب مالكاسيان أن أحد أسباب عدم مغادرة الأميركيين أفغانستان في وقت أبكر هو أن «الجيش الأميركي يقاتل من أجل الانتصار».
استراتيجية طالبان: البقاء أطول من الأميركيين
في المقابل، توصلت طالبان إلى حساب مختلف. وبحسب الصحيفة، أدركت الحركة أنها لا تحتاج إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً لتحقيق النصر، بل يكفي أن تصمد فترة أطول من القوات الأميركية والرأي العام الأميركي الذي أنهكته الحرب.
وبحلول عام 2011، كان عدد القوات الأميركية في أفغانستان يتجه نحو الانخفاض، فيما تراجعت رغبة الأميركيين في تحمل المزيد من تكاليف الحرب.
ومع تراجع الآمال الأميركية في هزيمة طالبان، تغيرت أهداف واشنطن أيضاً. وبدلاً من السعي إلى تحقيق انتصار عسكري، ركز القادة الأميركيون تدريجياً على خفض الخسائر والتكاليف والحفاظ على الحكومة الأفغانية ومنع انهيارها.
وفي هذه المرحلة، لم يعد السؤال الأساسي هو كيفية هزيمة طالبان، بل كيفية منع سقوط الحكومة الأفغانية وتأجيل نهاية الحرب.
وشبّهت روزماري كيلانيك، مديرة برنامج الشرق الأوسط في معهد «ديفنس برايوريتز»، موقف صناع القرار الأميركيين بطبيب يعرف أن مريضاً في العناية المركزة سيموت، لكنه يأمل أن يحدث ذلك بعد انتهاء نوبته.
وقالت للصحيفة إن المسؤولين «لا يريدون أن يحدث ذلك خلال فترة مسؤوليتهم».
وبحسب التحليل، لم يعد لدى المسؤولين الأميركيين أمل كبير في تحقيق النصر، لكن الانسحاب كان بدوره قراراً سياسياً صعباً، إذ لم يرغب أي رئيس أو سياسي أو قائد عسكري في أن يرتبط اسمه بنهاية الحرب والاعتراف بالهزيمة. وهكذا انتقل القرار النهائي من إدارة أميركية إلى أخرى.
واستمرت الحرب عشر سنوات بعد مقتل بن لادن، قُتل خلالها 868 عسكرياً أميركياً إضافياً.
وانتهت الحرب في أغسطس/آب 2021 بانسحاب القوات الأميركية وعودة طالبان إلى السلطة.
هل كان استمرار الحرب ضرورياً؟
وتقول «نيويورك تايمز» إن أحد المخاوف التي دفعت ثلاثة رؤساء أميركيين إلى تأجيل الانسحاب كان احتمال تحول أفغانستان مجدداً إلى قاعدة لشن هجمات إرهابية على الأراضي الأميركية.
لكن الصحيفة تقول إن هذا السيناريو لم يتحقق بعد خمس سنوات من الانسحاب، وإن أفغانستان لم تتحول حتى الآن إلى قاعدة لشن هجمات على الولايات المتحدة.
ويثير ذلك، بحسب التحليل، سؤالاً بشأن العقد الأخير من الحرب: هل كانت تكلفة استمرار الوجود الأميركي في أفغانستان متناسبة مع حجم الخطر الذي كانت واشنطن تسعى إلى منعه؟
من أفغانستان إلى حرب إيران
وتقارن «نيويورك تايمز» تجربة أفغانستان بالحرب الأميركية الحالية مع إيران.
وكان وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث قد تعهد في بداية الحرب بأن الصراع لن يتحول إلى حرب طويلة على غرار أفغانستان والعراق، واصفاً العملية بأنها سريعة ومركزة وحاسمة، ومؤكداً أنها «ليست حرباً بلا نهاية».
لكن الصحيفة تقول إن خطاب المسؤولين الأميركيين بدأ يتغير تدريجياً.
فبعد الضربات الأميركية، أغلقت إيران مضيق هرمز، فيما أقر الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، بأن القنابل والصواريخ وحدها قد لا تكون كافية لهزيمة إيران أو حتى إعادة فتح هذا الممر التجاري الحيوي بالكامل، مشيراً إلى أن «للقوة الجوية حدوداً».
واتجهت إدارة ترامب لاحقاً إلى الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية، فيما أصبح المسؤولون العسكريون أقل حديثاً عن نصر سريع وأكثر إشارة إلى حملة قد تستمر أشهراً أو فترة أطول.
وقال هيغسيث، رداً على سؤال بشأن مدة استمرار الحصار البحري، إن الولايات المتحدة تستطيع مواصلته «طالما كان ذلك ضرورياً».
وترى «نيويورك تايمز» أن هنا تكمن إحدى أوجه الشبه الأساسية مع أفغانستان: فقد كانت طالبان تقاتل من أجل بقائها، فيما تربط القيادة الإيرانية اليوم الحرب ببقائها أيضاً، بينما لا يمثل الصراع بالنسبة إلى الولايات المتحدة قضية وجودية بالدرجة نفسها.
وفي مثل هذه الحروب، قد يكون الطرف الذي يعتبر الصراع مسألة بقاء أكثر استعداداً لتحمل الخسائر ومواصلة القتال على المدى الطويل.
وهذا ما حدث في أفغانستان، وفق التحليل. فلم تكن طالبان بحاجة إلى التفوق عسكرياً على الولايات المتحدة، بل كان عليها الانتظار إلى أن تصبح تكلفة استمرار الحرب بالنسبة إلى واشنطن أكبر من المكاسب التي تتوقع تحقيقها.
وتخلص الصحيفة إلى أن المعضلة الأميركية أصبحت أكثر تعقيداً عندما بدا تحقيق النصر بعيد المنال، في الوقت الذي ظل فيه الاعتراف بالهزيمة مكلفاً سياسياً.
قال الجنرال هبة الله عليزي، آخر رئيس لأركان الجيش الأفغاني في عهد الحكومة السابقة، إنه لم تكن لدى وزارة الدفاع خطة جاهزة للدفاع عن كابل في مواجهة طالبان عشية سقوط العاصمة في أغسطس/آب 2021.
وفي مقابلة مع شبكة «سي بي إس» الأميركية، بثت الأحد بالتزامن مع ذكرى مغادرة آخر جندي أميركي أفغانستان، قال عليزي إن الرئيس السابق أشرف غني عيّنه رئيساً لأركان الجيش خلال الأيام الأخيرة من حكمه، وبعد أربعة أيام فقط من توليه المنصب طلب منه إعداد خطة للدفاع عن العاصمة.
وقال عليزي: «كان ذلك في 14 أغسطس. كنت أتوقع أن تكون لدى وزارة الدفاع مسبقاً خطة لتأمين كابل أو الدفاع عنها».
وأضاف أنه فوجئ بعدم وجود خطة للدفاع عن العاصمة في تلك المرحلة الحرجة، بينما كانت طالبان تتقدم بسرعة في مختلف أنحاء البلاد. وبعد يوم واحد، في 15 أغسطس/آب 2021، دخلت الحركة كابل.
وأوضح عليزي أنه كان قد أعد في يوليو/تموز 2021 خطة لمواجهة تقدم طالبان وأرسلها إلى وزارة الدفاع، لكن عملية اتخاذ القرار داخل الحكومة كانت بطيئة للغاية.
وقال: «كانت لدينا خيارات، لكن الوقت لم يكن في صالحنا. كل شيء كان يتحرك بسرعة كبيرة».
«كان بإمكاننا مواصلة المقاومة»
وقال عليزي إنه حتى بعد مغادرة أشرف غني وكبار مسؤولي الحكومة البلاد في 15 أغسطس/آب، كان لا يزال يعتقد أن مواصلة المقاومة العسكرية ضد طالبان ممكنة.
وعن رد فعله لدى علمه بمغادرة الرئيس، قال: «ابتسمت فقط وقلت إن مهمتنا أصبحت الآن أسهل. يمكننا إعلان الأحكام العرفية. كان ذلك من حقنا، لأن قواتنا كانت لا تزال تقاتل في مناطق مختلفة من أفغانستان».
وأوضح أن وحدات من الجيش كانت لا تزال موجودة في محيط كابل وهلمند وعدد من الولايات القريبة من العاصمة، معتبراً أن مغادرة الرئيس لم تكن تعني بالضرورة انتهاء القدرة على مواصلة القتال.
«الجيش الأفغاني قاتل»
ورفض رئيس الأركان السابق الرواية القائلة إن الجيش الأفغاني لم يقاتل وإن الحكومة انهارت بسبب إحجام الجنود عن مواجهة طالبان.
وقال إن عشرات الآلاف من أفراد القوات الأفغانية قاتلوا وقُتلوا خلال سنوات الحرب، فيما ارتكب السياسيون أخطاء أسهمت في الانهيار.
وكان الرئيس الأميركي آنذاك جو بايدن قد قال في 16 أغسطس/آب 2021، بعد يوم من سقوط كابل، إن القادة السياسيين الأفغان «استسلموا وفروا من البلاد»، وإن الجيش الأفغاني انهار «أحياناً من دون حتى محاولة القتال».
وأضاف بايدن حينها أن الجنود الأميركيين لا ينبغي أن يقاتلوا ويموتوا في حرب «لا ترغب القوات الأفغانية في خوضها بنفسها»، مشيراً إلى أن واشنطن كان بإمكانها توفير المعدات، لكنها لم تكن قادرة على منح القوات الأفغانية «إرادة القتال».
ومن دون الإشارة مباشرة إلى بايدن أو مسؤولين أميركيين آخرين، قال عليزي: «لقد قاتلنا. وكما قلت، فقدنا مئة ألف جندي في الدفاع عن بلدنا والعالم في مواجهة الإرهابيين».
وأضاف أن «الانهيار لم يحدث لأن الجنود لم يقاتلوا»، مؤكداً أن طالبان لم تهزم قوات الجيش السابق في ساحة المعركة، وأن تلك القوات استخدمت قدراتها ما دام ذلك ممكناً.
تحذير من هجوم داعش في مطار كابل
وكشف عليزي أنه تلقى، قبل أيام من الهجوم الانتحاري الذي نفذه تنظيم داعش-خراسان قرب مطار كابل، معلومات استخباراتية بشأن مخطط لاستهداف القوات الأميركية.
وقال إن رئيس الاستخبارات، الذي كان برفقته، تلقى اتصالاً قرابة 23 أغسطس/آب 2021 يفيد بأن داعش-خراسان يخطط لمهاجمة القوات الأميركية.
وأضاف أنه نقل المعلومات إلى الجانب الأميركي، مشيراً إلى أنه كان يعتبرها ذات مصداقية.
وفي 26 أغسطس/آب 2021، فجر انتحاري من داعش-خراسان نفسه قرب إحدى بوابات مطار كابل، ما أسفر عن مقتل نحو 170 أفغانياً و13 عسكرياً أميركياً. وكان عليزي قد غادر كابل قبل يوم من الهجوم.
ويعيش عليزي حالياً لاجئاً في الولايات المتحدة، في ضواحي واشنطن. وقال لـ«سي بي إس» إنه يعمل سائقاً عبر تطبيقي أوبر وليفت لتغطية نفقات معيشته، وإنه يقود أحياناً لمدة تتراوح بين 14 و15 ساعة يومياً.
وتقيم زوجته وأبناؤه الثلاثة في الهند، فيما يقول عليزي إن وضعه القانوني لا يسمح له بمغادرة الولايات المتحدة، ولا يعرف متى سيتمكن من الاجتماع بعائلته مجدداً.
وتحدث عليزي عن العبء الذي لا يزال يحمله منذ سقوط كابل، قائلاً إن أصعب ما يواجهه هو التفكير في الجنود الذين قُتلوا خلال سنوات الحرب وعائلاتهم التي قد تسأله، بصفته قائداً عسكرياً، لماذا فقدت أبناءها.
وقال: «هذا الأمر ينهشني من الداخل. لم يكن لدي جواب لتلك العائلات، ولم أكن أعرف كيف أواجهها».
بعد نحو أسبوعين من استسلام جمعة خان فاتح وانتهاء مرحلة من التوترات في بدخشان، تبدو الولاية الواقعة شمال شرقي أفغانستان أمام فصل جديد من الانقسامات الداخلية في صفوف طالبان، وسط مؤشرات على اتساع دائرة التمرد على قرارات قيادة الحركة في قندهار.
وفي وقت عيّن فيه زعيم طالبان هبة الله أخوند زاده مسؤولين جديدين لمنصبي الوالي وقائد شرطة بدخشان في محاولة لاحتواء التوتر، تشير المعطيات إلى تزايد عدد القيادات المحلية غير الراضية عن سياسات قيادة الحركة.
ويقول قادة محليون ومصادر تحدثت إلى أفغانستان إنترناشيونال إن ما يصفونه بـ«احتكار السلطة»، وتهميش القيادات الطاجيكية والمنحدرة من بدخشان، إلى جانب اتهامات بـ«نهب مناجم الذهب من قبل شخصيات وشركات من خارج الولاية»، دفعت عدداً من قادة طالبان المحليين، ولا سيما الشباب منهم، إلى تصعيد اعتراضاتهم.
وبدأت موجة الاحتجاج داخل صفوف طالبان في بدخشان بانتقادات حادة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن تتطور تدريجياً إلى مواجهات مسلحة. وبرز ذلك مع هجوم محفوظ الله، المسؤول السابق في استخبارات طالبان بمديرية بهارك، على مقر الجهاز، ثم المواجهات التي خاضها جمعة خان فاتح مع قوات الحركة في مديرية نسي خلال أغسطس/آب.
وتكشف تحقيقات أجرتها أفغانستان إنترناشيونال، إلى جانب مقابلات مع عدد من القادة المعترضين في مديريتي جرم ووردوج، وهما من أبرز معاقل طالبان المحلية في بدخشان، أبعاداً جديدة للأزمة داخل الحركة.
تعيينات جديدة تزيد التوتر
في 25 أغسطس/آب، عيّن هبة الله أخوند زاده رحمة الله نجيب والياً لبدخشان، وأحمد شاه دين دوست قائداً لشرطة الولاية.
لكن منتقدين داخل الحركة يقولون إن تعيين مسؤولين من البشتون وشخصيات مقربة من هبة الله في المناصب الرئيسية أدى إلى مزيد من تهميش طالبان المحلية.
وبحسب مصادر محلية، لم تنجح التغييرات الأخيرة في تهدئة حالة الغضب، إذ لا تزال المناصب الأكثر نفوذاً في أيدي شخصيات تحظى بثقة قيادة قندهار، بينما يقتصر تمثيل أبناء بدخشان، وفق المصادر، على مناصب محدودة التأثير.
ويقول قادة معترضون إن إقصاء شخصيات طاجيكية ومنح امتيازات مرتبطة باحتياطيات الذهب في بدخشان لشركات من قندهار وهلمند لم يؤد فقط إلى إبعادهم عن مراكز صنع القرار، بل أضعف أيضاً مكانتهم الاجتماعية بين السكان المحليين.
من الانتقاد إلى المواجهة المسلحة
كان صلاح الدين سالار، نائب مدير الاستخبارات في وزارة دفاع طالبان، من أوائل الشخصيات التي وجهت انتقادات علنية إلى إدارة الولاية، إذ بدأ قبل نحو ثلاثة أعوام الاعتراض على سياسات الوالي المنحدر من البشتون.
ومع مرور الوقت، اتسعت دائرة الاعتراض، وصولاً إلى المواجهة المسلحة التي خاضها جمعة خان فاتح ضد قوات طالبان، والتي قُتل خلالها عدد من عناصر الحركة القادمين من قندهار وهلمند.
وانتهت المواجهة باستسلام فاتح لقاري فصيح الدين، رئيس أركان جيش طالبان. ويقبع فاتح حالياً في كابل بانتظار محاكمته أمام محكمة عسكرية، وسط ترقب للقرار الذي قد يؤثر في مسار الاحتجاجات داخل صفوف الحركة في بدخشان.
وفي الأثناء، أطلقت طالبان حملة لجمع الشكاوى والأدلة ضد جمعة خان فاتح، في خطوة تشير إلى سعيها لبناء ملف قضائي واسع ضد قائدها السابق.
صلاح الدين سالار
ينحدر صلاح الدين سالار من منطقة خستك في مديرية جرم، وسبق أن انتقد مراراً عبر فيسبوك سياسات قيادة طالبان، حتى إنه وصف «مبايعة أمير لم يُرَ» بأنها خطأ.
وتقول مصادر إن علاقته الوثيقة بقاري فصيح الدين ساعدته حتى الآن على تجنب الملاحقة المباشرة.
لكن استمرار انتقاداته في مقابل عدم اتخاذ طالبان إجراءات ضده أثار تكهنات في أوساط عناصر الحركة المحليين بشأن طبيعة علاقته بجهاز الاستخبارات وقيادة طالبان.
صياد خستكي
يُعد صياد خستكي، المسؤول عن التجنيد في شرطة طالبان ببدخشان، من أبرز الشخصيات المنتقدة لسياسات الحركة في الولاية.
وعقب المواجهات المرتبطة بجمعة خان فاتح، كتب خستكي أن دماء مقاتلي الحركة «كانت لها قيمة قبل الفتح»، مضيفاً أنهم اليوم «يُقتلون ثم توصم جباههم بالتمرد».
وكان قائد شرطة طالبان قد اعتقل خستكي قبل عدة أشهر وأقاله من منصبه، إلا أن مصادر تقول إنه عاد لاحقاً إلى مقر عمله واستأنف مهامه رغم أوامر قيادة الشرطة في بدخشان.
قاري محفوظ
شغل قاري محفوظ سابقاً منصب مدير استخبارات طالبان في مديرية بهارك، ويُعد من المقربين من أمان الدين منصور، والي هلمند.
وبعد مشادة مع عناصر من طالبان البشتون في فيض آباد، هاجم محفوظ في الأول من أغسطس/آب مقر استخبارات طالبان مستخدماً رشاشاً من طراز «بي كا»، قبل أن يفر من المنطقة.
وتقول مصادر إنه أُقيل من منصبه عقب الحادثة.
محفوظ الله قتيبة
ينحدر محفوظ الله قتيبة من مديرية جرم، وهو الآخر من المنتقدين لسياسات قيادة طالبان، خصوصاً في ما يتعلق بإدارة بدخشان، ويعبر من حين إلى آخر عن اعتراضاته عبر صفحته على فيسبوك.
وبعد إقالة عبد المتين رحيم زي، المسؤول السابق عن قطاع المناجم في بدخشان، وهو من البشتون والمقربين من زعيم طالبان، نشر قتيبة صورة له وقال إن بعض الأشخاص يأتون إلى بدخشان تحت شعار الخدمة والإعمار، لكنهم «يلعبون دور اللص ثم يهربون».
دائرة الاعتراض تتسع
ولا تقتصر حالة الاستياء داخل طالبان في بدخشان على هذه الشخصيات. فقد امتدت الاعتراضات تدريجياً إلى عدد أكبر من القادة المحليين.
ومن بين هؤلاء إبراهيم بهاركي وجهان خان نوري، قائد شرطة طالبان في مديرية يفتل السفلى، اللذان عبّرا في تجمعات عامة عن اعتراضهما على سياسات القيادة المركزية.
وتتمحور أبرز شكاوى هؤلاء حول ما يعتبرونه إقصاءً لطالبان بدخشان من عملية صنع القرار في الولاية، وتزايد وجود القوات القادمة من خارجها، إضافة إلى استغلال احتياطيات الذهب.
ويتهم المعترضون شركات وشخصيات من قندهار وهلمند بالاستحواذ على ثروات بدخشان ونقل عائداتها إلى خارج الولاية، وهي اتهامات لم يتسنَّ التحقق منها بشكل مستقل.
وتشير المعطيات التي جمعتها أفغانستان إنترناشيونال إلى أن عدداً من القادة الذين يتصدرون اليوم الاعتراض على سياسات قندهار يُعدون مقربين من قاري فصيح الدين، رئيس أركان جيش طالبان، أو من مولوي أمان الدين، والي هلمند.
ويعكس اتساع دائرة هذه الاعتراضات تحوّل الخلافات داخل طالبان في بدخشان من انتقادات بشأن تقاسم السلطة والموارد إلى تحدٍ أكثر وضوحاً لقرارات القيادة المركزية في قندهار.