فأرسله إلى المشنقة تزلّفاً لأعداء الإسلام.
هذه الصورة الثنائية المبسطة، التي تستسيغها العقول الميالة إلى الأحكام السهلة، تختزل حدثاً معقداً في حكاية أيديولوجية. والحقيقة الأساسية في تلك الحكاية هي أن سيد قطب حوكم في عهد عبد الناصر وأُعدم بأمر من نظامه؛ غير أن كثيراً من العناصر المحيطة بهذه الحقيقة جُمعت من غير التفات كافٍ إلى الصراع على السلطة، وأجواء الحرب الباردة، والتحول الفكري الذي شهده سيد قطب، وطبيعة النظام السلطوي الذي أقامه عبد الناصر، بل إن بعض تلك العناصر يُروى بصورة محرّفة.
وقد كنتُ أنا أيضاً، في شبابي، أتعامل مع هذه الرواية بوصفها حقيقة لا تقبل الشك، وظللت أكررها سنوات طويلة. لكن إقامتي في مصر واطلاعي على مزيد من المصادر المكتوبة كشفا لي، شيئاً فشيئاً، أبعاداً أخرى للقضية. وما يأتي محاولة للنظر في جوانب أغفلتها الرواية السائدة في بيئتنا. وليس المقصود تبرئة عبد الناصر ولا الحط من شأن سيد قطب، بل تجاوز صناعة الأساطير والاقتراب من واقع تتشابك فيه الأفكار والسلطة والطموح والقمع والأحقاد والظروف الدولية.
ابنان من صعيد مصر
ينحدر كل من سيد قطب وجمال عبد الناصر من جذور عائلية في محافظة أسيوط بصعيد مصر. وفي الثقافة الشعبية المصرية، يُعرف أبناء الصعيد بالاعتزاز بالنفس والصلابة والغيرة والوفاء والتمسك بالروابط الشخصية. وبالطبع، لا يصح تحويل هذه الصور الثقافية النمطية إلى قوانين نفسية، أو تفسير السلوك السياسي للأفراد بالجغرافيا وحدها. ومع ذلك، فإن الروايات التي تناولت العلاقة بين سيد قطب وعبد الناصر تكشف لدى كليهما حساسية شديدة تجاه المكانة الشخصية، واستقلال الرأي، ورفض التراجع؛ وهي خصال يمكن أن توصف، في التعبير الدارج، بنوع من العناد أو "صلابة الرأس"
ومع أن جوهر النزاع دار حول السلطة والاتجاه الذي ينبغي أن تسلكه مصر، فإن الطباع الشخصية ربما زادت الصراع حدة وجعلت المصالحة أكثر عسراً. كان كلا الرجلين طموحاً، وكان كل منهما يعتقد أنه يحمل رسالة كبرى. وهذا الشعور بالرسالة، والرغبة في أداء دور تاريخي، مهّدا في مرحلة لتقاربهما، ثم أسهما في مرحلة أخرى في تعميق افتراقهما.
عبد الناصر وحلم التحرر الوطني
دخل عبد الناصر الجيش في مرحلة كان فيها النفوذ البريطاني، وعجز النظام الملكي، والتفاوت الاجتماعي، وهزيمة العرب في حرب 1948، قد ولّدت إحباطاً عميقاً لدى الجيل المصري الشاب. فأنشأ مع عدد من الضباط القوميين تنظيماً سرياً عُرف باسم "الضباط الأحرار"، وتمكنوا في يوليو/تموز 1952 من إسقاط النظام الملكي. وأُسندت رئاسة الدولة، بصورة رمزية أولاً ثم رسمية، إلى اللواء محمد نجيب، غير أن عبد الناصر أصبح تدريجياً صاحب السلطة الفعلية.
كان مشروعه يقوم على بُعدين أساسيين: داخلي تمثل في الإصلاح الزراعي، والحد من نفوذ كبار الملاك، وإنهاء ما كان يسمى بالنظام الإقطاعي، وتوسيع نطاق التعليم، وإتاحة نصيب أكبر للفئات المحرومة من الثروة الوطنية؛ وخارجي تمثل في إنهاء الوجود الاستعماري البريطاني، وتعزيز التضامن العربي، وفتح طريق أمام دول العالم الثالث مستقل عن المعسكرين الغربي والسوفيتي.
جعل تأميم قناة السويس سنة 1956 عبد الناصر رمزاً للاستقلال العربي. وقد ألحق الهجوم المتزامن الذي شنته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ــ والمعروف عربياً باسم "العدوان الثلاثي" ــ أضراراً عسكرية بمصر، إلا أن ضغوط الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والأمم المتحدة أجبرت المعتدين على الانسحاب، فخرج عبد الناصر منتصراً من الناحية السياسية. وأصبح لاحقاً، إلى جانب نهرو وتيتو وسوكارنو ونكروما، من أبرز وجوه حركة عدم الانحياز، وتحول إلى إحدى أساطير مقاومة القوى الكبرى.
غير أن لهذه المسيرة وجهاً آخر أيضاً؛ فقد حل عبد الناصر الأحزاب، ووضع وسائل الإعلام تحت سيطرة الدولة، وسجن خصومه وعذبهم، وأقام دولة أمنية. وهكذا اقترنت ضخامة طموحاته ونبل جانب من أهدافه بالاستبداد السياسي.
المسار المختلف لسيد قطب
بدأ سيد قطب مسيرته من الأدب؛ فكتب الشعر والقصة ومارس النقد الأدبي. وقد أبدى لفترة اهتماماً بطه حسين، إلا أن عباس محمود العقاد أصبح لاحقاً أستاذه ومرجعيته الأدبية الأهم في شبابه، ووقف قطب مدة في صف العقاد في معاركه الأدبية. وخلال هذه المرحلة تقلبت ميوله الفكرية بين مواقف شديدة الليبرالية وأخرى ذات نزعة يسارية.
ويروي محمود عبد الحليم، أحد قيادات الإخوان، أن سيد قطب كتب في شبابه مقالاً بالغ فيه في الدعوة إلى الاقتداء بالغرب، فأراد عبد الحليم الرد عليه، لكن حسن البنا لم يأذن له، قائلاً إن الدخول في سجال معه قد يزيده تشبثاً بموقفه.
وفي ثلاثينيات القرن العشرين وأربعينياته، اتجه عدد من كبار الأدباء المصريين، من محمد حسين هيكل والعقاد وطه حسين إلى خالد محمد خالد وعبد الحميد جودة السحار وعبد الرحمن الشرقاوي، نحو إعادة قراءة التاريخ والشخصيات الإسلامية. وكانت هذه الموجة شبيهة بما عُرف في إيران بالعودة إلى الذات، وهو الاتجاه الذي نظّر له لاحقاً، بدرجات مختلفة، علي شريعتي وداريوش شايغان وجلال آل أحمد.
وبتأثير الموجة التي اجتاحت العالم العربي، ابتعد سيد قطب تدريجياً عن النقد الأدبي الخالص واتجه إلى القضايا الاجتماعية والإسلامية. وكانت كتب "التصوير الفني في القرآن"، و"مشاهد القيامة في القرآن"، و"العدالة الاجتماعية في الإسلام"، إلى جانب كتاباته المناهضة للرأسمالية، ثمرة مراحل مختلفة من هذا التحول.
وقد تجاوزت شهرة "العدالة الاجتماعية في الإسلام" مصر والعالم العربي، حتى إن المفكر الهندي أبا الحسن الندوي طلب من قطب كتابة مقدمة للطبعة الثانية من كتابه المعروف "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين". كما عمّقت رحلته إلى الولايات المتحدة بين عامي 1948 و1950 نظرته السلبية إلى الحضارة الغربية. ومع أن كتابه "أمريكا التي رأيت" ضاع قبل أن يُطبع، فإن ما جُمع من آرائه حول تجربته الأمريكية يكشف بوضوح عن تلك النظرة المتشائمة.
وحين عاد إلى مصر كان حسن البنا قد اغتيل، وكانت جماعة الإخوان تعاني أزمة قيادة. فتقرب قطب منها، وانضم إليها رسمياً في مطلع الخمسينيات. وسرعان ما منحته قدرته الأدبية وشهرته الثقافية وموهبته في التنظير مكانة مهمة داخل التنظيم. وبتكليف من حسن الهضيبي، المرشد الثاني للإخوان، تولى إدارة مجلة الجماعة. ويضم كتابه "دراسات إسلامية" في معظمه افتتاحيات ومقالات كتبها لهذه المجلة.
من التحالف إلى الصراع على السلطة
كان للإخوان المسلمين والضباط الأحرار، قبل ثورة 1952، خصوم مشتركون: النظام الملكي، والنفوذ البريطاني، والنظام الاجتماعي القديم. وكانت هناك اتصالات وتعاون بين أفراد التيارين. وتشير بعض الروايات إلى أن جمال عبد الناصر وأنور السادات شاركا، في حياة حسن البنا، في تدريب عناصر من الجهاز العسكري للإخوان. وبعد سقوط الملكية ظلت العلاقات ودية لفترة؛ فحل النظام الجديد جميع الأحزاب، لكنه استثنى الإخوان في البداية باعتبارهم جماعة دينية.
وفي تلك المرحلة أيد قطب الثورة وحظي باحترام كبير في أوساط الضباط الأحرار، بل ساد اعتقاد بأنه قد يصبح، بعد أفول الأحزاب السياسية ورموزها الفكرية، منظّر الثورة. وتذكر بعض الروايات أن الضباط الأحرار كانوا يجلسون بين يديه كتلاميذ، وأنهم أظهروا له تقديراً استثنائياً. وقيل كذلك إن عبد الناصر كان يتصل به هاتفياً في كثير من الليالي خلال الأشهر الستة الأولى، ليتبادلا الرأي في الأوضاع الجديدة وطموحات النظام الناشئ.
لكن ذلك لم يدم طويلاً. فبعد زوال الخصوم المشتركين طُرح سؤال اقتسام السلطة: مَن يحدد وجهة البلاد؟ كانت جماعة الإخوان ترى نفسها حركة شاملة تمثل الفهم الأصيل للإسلام، وتستحق قيادة الدولة بأكملها، ولم تكن مستعدة للاكتفاء بتولي عدد من الوزارات التي عرضها عبد الناصر. وفي المقابل، كان الضباط الأحرار يرون أنفسهم قادة الثورة والدولة المصرية الجديدة، ويحملون مشروعاً طموحاً للبلاد، ولم يكونوا مستعدين للخضوع لإشراف جماعة دينية أو القبول بمرجعية تعلو على الدولة؛ على غرار ما حدث بعد الثورة الإيرانية، حين تموضع الخميني فوق الحكومة وتحولت أجهزة الدولة إلى أدوات في يد القيادة الأيديولوجية. وهكذا كانت المواجهة تنافساً على السلطة وصداماً بين مشروعين مختلفين لمستقبل البلاد في آن واحد.
تصاعد التوتر عام 1954، واتخذ في البداية صورة صدامات في الشوارع. ثم، بعد إطلاق أحد أعضاء الإخوان النار على عبد الناصر في ميدان المنشية ــ وهي الحادثة التي لم تتحمل الجماعة مسؤوليتها ــ شرع النظام في حملة قمع واسعة ضدها. فاعتُقل الآلاف، وأُعدم ستة من أبرز أعضائها، بينهم عبد القادر عودة، وحُكم على حسن الهضيبي بالسجن. كما اعتُقل سيد قطب وحُكم عليه سنة 1955 بالسجن خمس عشرة سنة مع الأشغال الشاقة.
انقض جهاز عبد الناصر على الإخوان بأسلوب استبدادي وقمعي؛ لكن الجماعة لم تكن مجرد جمعية ثقافية أو دعوية. فقد كان لها "النظام الخاص"، أي جناحها المسلح السري، الذي ارتبط بالاغتيالات السياسية في الأربعينيات، ولا سيما اغتيال رئيس الوزراء الأسبق محمود فهمي النقراشي، كما أنها دخلت في منافسة حادة للسيطرة على السلطة. وكانت هذه الخلفية من العوامل التي دفعت النظام إلى التعامل معها بمنتهى العنف ومن دون مراعاة.
السجن وولادة أيديولوجيا جديدة
يقول أنصار عبد الناصر إن سيد قطب حظي في السجن بمعاملة خاصة ولم يتعرض للتعذيب، ويزعمون أن عبد الناصر راعى انتماءه إلى الصعيد، وأوصى مسؤولي السجن بتوفير الكتب والمواد التي يحتاج إليها في نشاطه الفكري. في المقابل، يقول أنصار قطب إنه تعرض، ولا سيما في السنوات الأولى، للعنف والتعذيب، وشهد عن قرب عام 1957 مقتل عدد من سجناء الإخوان في سجن طرة. وقد اضطره المرض إلى قضاء قسم من محكوميته في مستشفى السجن. وأياً تكن التفاصيل، فقد أُتيحت له في السنوات اللاحقة فرص أوسع للقراءة والكتابة، وكان عدد من مؤلفاته، ومنها أجزاء من تفسير "في ظلال القرآن"، ثمرة تلك المرحلة.
وفي هذه السنوات نفسها شهد فكره تحولاً عميقاً؛ إذ رأى نفسه، في أداء الرسالة التي يعتقد أنه يحملها، أمام تحد جديد هو تحدي الشرعية الخطابية. كان قطب قد تحدث من قبل عن العدالة الاجتماعية، ومقاومة الاستعمار، وتفوق النظام الأخلاقي الإسلامي؛ غير أن هذه المفاهيم لم تعد كافية لمواجهة جمال عبد الناصر أو لإثبات امتلاكه رسالة متميزة. فقد كان نظام عبد الناصر يمارس بالفعل سياسات مناهضة للاستعمار والإقطاع، ويرفع راية العدالة الاجتماعية والدفاع عن فلسطين، ودخل الميدان ودفع ثمناً لذلك. ومن ثم كان قطب يحتاج، لنقد عبد الناصر ونزع الشرعية عن نظامه، إلى أسس فكرية وأيديولوجية أخرى تصلح لتلك المعركة.
هنا جاءت كتابات أبي الأعلى المودودي لتعين سيد قطب، وبخاصة تفسيره لمفاهيم الحاكمية والألوهية والربوبية والعبادة والدين. وبناء على هذا الإطار النظري، وضع قطب "حاكمية الله" في مواجهة حاكمية الإنسان، وعدّ المجتمعات التي تستمد قوانينها وقيمها من غير الشريعة غارقة في "الجاهلية»". وكان طريق الخروج من هذا الوضع، في تصوره، تشكيل "الطليعة المؤمنة": جماعة رائدة تنفصل عن المجتمع الجاهلي، على الأقل في شعورها الداخلي، من خلال "العزلة الشعورية"، ثم تتحرك ــ بعد تربية إيمانية خالصة ــ لإعادة بناء المجتمع على أساس الإسلام.
كان "معالم في الطريق" الصياغة الأكثر تكثيفاً لهذا المشروع، فيما جاءت الطبعة الثانية من "في ظلال القرآن"، التي أعاد كتابتها على ضوء هذه النظرية، شرحاً أوسع له. ولم يعد قطب في هذه المرحلة ينظر إلى الجهاد على أنه دفاع عن أرض المسلمين فحسب، بل رآه وسيلة لإزالة العقبات التي تحول دون تحرر الإنسان لعبادة الله.
وقد أثّر هذا المزيج من مفاهيم الجاهلية المعاصرة، والحاكمية الإلهية، والطليعة المؤمنة، والجهاد بهذا المعنى الخاص، في قسم من التيارات الإسلامية الراديكالية اللاحقة، ومهّد فكرياً لظهور جماعات مثل "التكفير والهجرة"، و"الجهاد الإسلامي"، و"الجماعة الإسلامية"، ثم تنظيم القاعدة في مرحلة تالية.
وأصبح تراث قطب موضع خلاف داخل الإخوان أنفسهم. فقد شدد حسن الهضيبي في كتابه "دعاة لا قضاة" على تجنب تكفير المجتمع؛ وهو كتاب يُنظر إليه عادة بوصفه رداً على النزعات التكفيرية التي نشأت في بيئة السجون. ومنذ ذلك الحين ظلت علاقة الجماعة بـ"القطبيين" ملتبسة: استفادت من الرأسمال الرمزي لسيد قطب ومن مكانته بوصفه ضحية للنظام، لكنها حاولت في الوقت نفسه التنصل من النتائج المتطرفة لأفكاره.
حرية قصيرة ومحاكمة ثانية
أُفرج عن قطب سنة 1964 بوساطة الرئيس العراقي عبد السلام عارف، لكن حريته لم تدم طويلاً؛ إذ اعتُقل مجدداً في أغسطس/آب 1965. وأعلن النظام أن تنظيماً سرياً يقوده قطب فكرياً كان يخطط لإسقاط الحكم واغتيال مسؤولين وتدمير منشآت حيوية. وقد أقر أعضاء في التنظيم، بصيغ مختلفة، بالاستعداد للمواجهة وجمع السلاح، لكن المصادر تختلف بشأن ما إذا كانت هناك خطة عملية ووشيكة لتنفيذ تلك العمليات، أم أن أجهزة الأمن حولت أفكاراً متفرقة وافتراضية إلى مؤامرة مكتملة الأركان.
وزعم فؤاد علام، الضابط الذي كان مسؤولاً عن نقل سيد قطب إلى مكان الإعدام، في كتاب مذكراته لاحقاً، أن قطب اضطرب حين أيقن أن الحكم سينفذ بالفعل، وأنه قال داخل السيارة، وهو في طريقه إلى المشنقة، إنه نادم على عدم تفجير القناطر الخيرية قبل اعتقالهم؛ وهي منشأة مائية تقع شمال القاهرة وكان تفجيرها، وفق هذه الرواية، سيؤدي إلى إغراق العاصمة. ولا سبيل اليوم إلى إثبات هذه الرواية أو نفيها.
جرت المحاكمة الثانية أيضاً في ظل هيمنة الأجهزة الأمنية. وحُكم على قطب واثنين من رفاقه بالإعدام، ونُفذ الحكم شنقاً في 29 أغسطس/آب 1966. ومع ذلك، وحتى إذا سلمنا بوجود التنظيم السري وبفكرة المواجهة المسلحة، فإن إعدامه لا يمكن الدفاع عنه أخلاقياً، ولا ينسجم مع معايير المحاكمة العادلة والتناسب بين الجريمة والعقوبة. لقد صنع نظام عبد الناصر، بقتل قطب، من خصم سياسي وأيديولوجي شهيداً تضاعف نفوذه بعد موته.
الحرب الباردة والتنافس بين المعسكرين
لم يكن الصراع بين عبد الناصر والإخوان نزاعاً داخلياً فحسب. ففي أجواء الحرب الباردة، دخل عبد الناصر في مواجهة مع القوى الغربية بتأميم قناة السويس، ودعم حركات التحرر، والمشاركة في حركة عدم الانحياز؛ مع أنه كان يناور عملياً بين واشنطن وموسكو، قبل أن تقترب مصر تدريجياً من الاتحاد السوفيتي. وفي المقابل، استعان الغرب في مراحل مختلفة بالقوى المحافظة في المنطقة وبعض الشبكات الإسلامية للحد من صعود القومية العربية.
استقر عدد من أعضاء الإخوان الفارين من مصر في السعودية وأوروبا وأمريكا الشمالية، وأنشؤوا شبكات جديدة. وتتحدث دراسات تاريخية عن اتصالات وتقاطعات في المصالح بين بعض الإسلاميين وحكومات أو مؤسسات غربية. وقد ازدادت أهمية هذه الجماعات لدى المعسكر الغربي مع احتدام الحرب الباردة، ولذلك أُتيحت لقيادات الإخوان المنفية في تلك البلدان فرص اللجوء ومواصلة النشاط. بل إن التنظيم الدولي للإخوان، المعروف بـ"التنظيم العالمي"، تأسس في ميونيخ بألمانيا بعلم أجهزة استخبارات غربية، وفق بعض الروايات.
ومن وجهة نظر تلك الدول، كان في وسع الأصولية الإسلامية أن تحد من نمو التيارات اليسارية والأحزاب القريبة من الاتحاد السوفيتي، ولا سيما في الخليج والشرق الأوسط. وكان ذلك من أسباب تسهيل وصول الموارد المالية إلى هذه التنظيمات وانتشار أفكار مفكرين مثل سيد قطب.
وحين شاع خبر إعدام قطب، كان آية الله محمود طالقاني وعدد من الشخصيات الإيرانية ذات التوجه الوطني الديني في السجن. وقد أراد بعضهم إقامة مجلس عزاء له، لكن طالقاني، بحسب الرواية المتداولة، لم يسمح بذلك، وقال إن قطب، بمواجهته جمال عبد الناصر، وقع في خدمة المشروع الاستعماري.
لا مَلَك ولا شيطان
لا يزال لكل من الرجلين أتباع حتى اليوم. ففي أفغانستان وعدد من البلدان الإسلامية الأخرى، يحظى سيد قطب بمعرفة وشعبية أوسع؛ أما في قسم كبير من العالم العربي، فما زال عبد الناصر يُعد إحدى أساطير العصر التي تركت بصمتها في التاريخ. يمثل الأول لدى أنصاره الإيمان والثبات في مواجهة الاستبداد، فيما يمثل الثاني الكرامة العربية والعدالة الاجتماعية والتحرر من الاستعمار.
غير أن التاريخ لا يُفهم بالولاء لإحدى هاتين الأسطورتين. كان عبد الناصر قائداً بارزاً في مقاومة الاستعمار، وكان في الوقت نفسه مؤسساً لنظام سلطوي. وكان سيد قطب كاتباً قديراً وضحية للتعذيب ومحاكمة غير عادلة، لكنه كان أيضاً صاحب صياغة فكرية زادت حدة رسم الحدود الأيديولوجية داخل المجتمعات المسلمة، ووفرت شرعية نظرية لطليعة مستعدة للجهاد.
ومن زاوية معينة، يمكن النظر إلى صراع الرجلين بوصفه جزءاً من نزاع أوسع بين القومية العربية والإسلام السياسي؛ مشروعان ادعى كل منهما إنقاذ المجتمع وتمثيل الشعب وصناعة المستقبل، وكان كلاهما، حين رأى السلطة واحدة والحقيقة حكراً عليه، مستعداً لإقصاء منافسه. كما أسهمت الصفات الشخصية، والكبرياء، وآلام السجن، والأحقاد المتراكمة، في صب الزيت على نار ذلك الصراع.
إن اختزال هذه المواجهة في بيئتنا إلى معركة بين الإسلام والكفر تحريف لحقيقة تاريخية. ونقد هذا التحريف لا يعني تجاهل استبداد عبد الناصر أو تبرير إعدام سيد قطب، بل يعني الامتناع عن تصوير أحدهما ملاكاً والآخر شيطاناً. فالناس، بأحلامهم ونقائصهم، يتولون في سياقات التاريخ أدواراً تؤثر في حياة الملايين. ولا يمكن فهم تلك الأدوار إلا إذا أخذنا أفكارهم على محمل الجد، ودرسنا في الوقت نفسه بُنى السلطة، وذلك الجانب المظلم من الشخصية الإنسانية الذي يحول أحياناً حلم التحرر إلى نزوع نحو الهيمنة.