ومع ذلك، وجدت بعض الفتيات والنساء في أفغانستان سبلاً سرية لمواصلة التعليم والعمل، رغم ما ينطوي عليه ذلك من خطر الاعتقال والعقاب.
ويجري جزء من هذا التحدي بعيداً عن أعين طالبان، داخل المنازل والفصول الدراسية السرية، فيما يظهر جزء آخر منه في الفضاء العام. وتمكن صحفيو شبكة «PBS» الأميركية من دخول إحدى هذه المدارس السرية في كابل، والتحدث مع فتيات يواصلن دراستهن خفية.
ثم توجه الصحفيون إلى هرات، حيث قالت نساء إنهن، رغم ضغوط طالبان وممارساتها، ما زلن يخرجن من منازلهن من أجل التعليم والعمل.
مع بزوغ الفجر، تدخل عشرات الفتيات المراهقات بهدوء من باب بلا لافتة إلى منزل يقع في أحد الأزقة الجانبية في كابل. وتنزل الفتيات عبر سلالم مظلمة إلى قبو حار وخانق، مخفي خلف ستائر سميكة.
وفي هذا القبو تدرس فتيات حرمتهم طالبان منذ نحو خمس سنوات من مواصلة التعليم بعد الصف السادس.
وبحسب تقرير «PBS»، تقول فريما، وهو اسم مستعار لمؤسسة المدرسة وإحدى معلماتها، إنها شعرت بعد حظر تعليم الفتيات بأنها فقدت عملها، وأن حياتها أصبحت بلا هدف. وبعد ذلك قررت تحويل منزلها إلى فصل دراسي وجمع الفتيات لتعليمهن كل ما تعرفه.
وتقول فريما: «منذ البداية، جاء بشكل غير متوقع مئات الطالبات. كن جميعاً سعيدات جداً، لأن نافذة أمل فُتحت أمامهن للمرة الأولى منذ فترة طويلة».
ولا تعلن هذه المدرسة عن نفسها لاستقطاب الطالبات. وتتعرف الفتيات على مكانها عبر الأصدقاء والمعارف، كما يحافظ سكان الحي على سرية الموقع حتى لا تتمكن طالبان من التعرف على المعلمات والطالبات.
وتقول فريما إن شغف الفتيات بالتعلم يشجع المعلمات على مواصلة عملهن، مضيفة أن عائلاتهن تدعم أيضاً تعليمهن رغم المخاطر.
نيلوفر، البالغة من العمر 13 عاماً، إحدى طالبات هذه المدرسة. وعندما كانت في الثانية عشرة، كانت تعيش في خوف من اليوم الذي لن يُسمح لها فيه بالذهاب إلى المدرسة. وبعد ذلك، أبلغ أصدقاء للعائلة أسرتها عن مكان يمكن لنيلوفر أن تواصل فيه دراستها سراً.
وتقول نيلوفر: «الآن، بعدما أصبح بإمكاننا الدراسة هنا ونحظى بالدعم، أشعر بسعادة وأمل كبيرين. وعندما أنهي دراستي، أريد أن أعلّم فتيات أخريات حتى تتاح لهن أيضاً فرصة التعليم».
أما نوشا ومريم، وهما طالبتان تبلغان من العمر 18 عاماً، فقد ظلتا بعيدتين عن المدرسة لنحو خمس سنوات، ولم تعرفا بوجود هذه المدرسة إلا قبل بضعة أشهر.
وتقول نوشا إن سنوات الحرمان من التعليم دفعتها إلى حالة من اليأس العميق، فلم تكن تستطيع النوم وكانت تبكي ليلاً.
وتقول: «كنت أشعر بأنني أختنق، وكأنني محاصرة في سجن صغير جداً».
وتضيف: «عندما جئت إلى هذه المدرسة واكتشفت أن مكاناً كهذا موجود، قررت بيني وبين نفسي أن عليّ أن أدرس وأن أنجح. يجب أن أصبح شخصاً يستطيع بناء مستقبل أفضل لنفسه وللجيل القادم».
وتقول مريم أيضاً إن إغلاق أبواب التعليم أمامها دمّر أملها وثقتها بالمستقبل.
وتضيف: «في أفغانستان، تشعر الفتاة أو المرأة وكأن كونها أنثى جريمة. طالبان جعلت حياتنا أكثر صعوبة. بعض الفتيات الصغيرات يُجبرن على الزواج، لأن جميع أبواب التعليم أُغلقت أمامهن».
وتقول مريم إن الناس يسألونها كلما ذهبت إلى مكان أو زار شخص منزل عائلتها عما إذا كان لديها خاطب أم لا، وإن هذه الأسئلة تجعلها تخشى من إجبارها على الزواج.
وتضيف: «منذ أن جئت إلى هنا أدركت أنه حتى لو تعلمت كلمة واحدة فقط في يوم واحد، فإن تلك الكلمة تساوي بالنسبة لي العالم كله. أحياناً لا تدرك قيمة شيء إلا عندما يُسلب منك».
وتدرك فريما وزميلاتها أن اكتشاف أمرهن قد يؤدي إلى سجنهن أو تعرضهن لعقوبات أشد.
وتقول فريما رداً على سؤال من مراسل «PBS»: «ما نقوم به ينطوي على خطر كبير جداً. ومع ذلك، نريد الصمود، لأن أفغانستان تحتاج إلى نساء يقفن ويقاومن. نريد أن نظهر للعالم أن ما حدث ليس نهاية طريقنا».
لكن ليس جميع الفتيات قادرات على الوصول إلى مثل هذه المدارس.
كانت مايا في الصف الحادي عشر عندما عادت طالبان إلى السلطة. وبعد ذلك سُلب منها حلم الالتحاق بالجامعة والحصول على وظيفة، وزوجتها عائلتها من رجل لم تكن قد رأته من قبل.
وأجرى صحفيو «PBS» مقابلة هاتفية مع مايا حتى لا تعرف عائلة زوجها بأمر المقابلة وتعاقبها.
وتقول مايا: «عندما تدرك أنك لا تستطيع تحقيق أحلامك، وأن عليك البقاء في المنزل والتركيز على زوجك، تشعر بأنك لا تملك أي سلطة على اختياراتك».
وحملت مايا بعد وقت قصير من الزواج. وبحسب «PBS»، كانت ضعيفة جسدياً بالنسبة للحمل، وصغيرة جداً على تحمل مسؤولية العناية بنفسها. وفي الشهر الثالث من الحمل فقدت جنينها.
وتقول مايا: «عندما أخبروني أنني فقدت طفلي، عدت إلى المنزل وبكيت كثيراً. كان الناس يقولون إنني صغيرة جداً وربما لن أتمكن من الحمل مجدداً. كان ذلك أسوأ يوم في حياتي».
ويقول ناشطون تحدثوا إلى «PBS» إن زواج الفتيات في سن مبكرة ازداد أيضاً في المدن الأفغانية خلال السنوات الخمس الماضية، وإن فتيات في سن الرابعة عشرة يُجبرن أحياناً على الزواج من رجال أكبر منهن بكثير.
وتخشى مايا من أن يؤدي استمرار إغلاق المدارس إلى دفع مزيد من الفتيات نحو مصير مشابه لمصيرها.
وتقول: «الفتيات لا يستطعن حتى القول إنهن لا يردن الزواج. قد يُجبرن على الزواج من رجل لا يعرفن إطلاقاً كيف سيعاملهن. الحياة هنا صعبة جداً بالنسبة للمرأة. في الواقع، لم يعد لدي أمل كبير في المستقبل».
ويجري الجزء الثاني من رحلة صحفيي «PBS» في هرات، حيث التقوا نساء خرجن إلى الشوارع احتجاجاً على سياسات طالبان.
وتقول إحدى النساء إنه قبل عودة طالبان، كانت النساء في هرات يستطعن ارتداء الملابس التي يفضلنها والتمتع بحرياتهن، لكن معظم أوامر طالبان اليوم تفرض قيوداً على حياة النساء.
وتجوب عناصر وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التابعة لطالبان شوارع هرات. وتقول إحدى النساء إن اللواتي لا يرتدين البرقع عادة يضطررن إلى حمله داخل كيس بلاستيكي، حتى يتمكنّ من ارتدائه سريعاً عند مواجهة عناصر طالبان.
وتقول إن كثيراً من النساء لم يعدن يخرجن من منازلهن خوفاً من الاعتقال. كما تقول إنها شاهدت مرة عناصر من طالبان يضربون امرأة أمام زوجها.
ومع تشديد القيود على اللباس، خرجت مجموعة من النساء والفتيات في هرات إلى الشوارع، ورددن شعار «التعليم، العمل، الحرية»، وطالبن بوقف الاعتقالات التعسفية بحق النساء.
وقالت المحتجات لـ«PBS» إن عناصر طالبان انتشروا في أنحاء مختلفة من المدينة بمدرعات وأسلحة، وأطلقوا النار بعد وقت قصير من بدء الاحتجاج.
وتقول ديما، إحدى المشاركات في الاحتجاج: «جاءت قوات طالبان نحونا بالسلاح وأطلقت النار. كانت تجربة مرعبة. في تلك اللحظة شعرنا بأننا قد نفقد حياتنا».
وتقول «PBS» إن المحتجين فروا عبر الأزقة هرباً من إطلاق النار. وبحسب الشبكة، قُتل شخصان على الأقل، فيما أُصيب أو اعتُقل عدد غير معلوم من الأشخاص.
وتقول ديما إن قوات طالبان داهمت بعد الاحتجاج منازل ومستشفيات بحثاً عن المحتجين، وإن عدداً من الجرحى اعتُقلوا أيضاً من المستشفيات، بينما استمرت الاعتقالات بصورة شبه يومية.
وتضيف أن الفتيات اللواتي أُفرج عنهن من السجن كن في حالة نفسية وجسدية سيئة إلى درجة أنهن لم يستطعن الحديث عما تعرضن له.
وتقول ديما: «عندما عدن إلى منازلهن، كانت أجسادهن كلها ترتجف، وأيديهن ترتعش، ولم يستطعن التحدث عما حدث لهن».
ولا تزال ديما تشعر بانعدام الأمان كلما خرجت من منزلها، لكنها تقول إنها ستعود إلى الشارع إذا نُظم احتجاج آخر.
وتضيف: «أعلم أنني قد أُقتل أو أُصاب برصاصة. لكن إذا كان ما أقوم به يمكن أن يساعد جيلاً على أن يعيش بحرية، وأن يحصل على حق التعليم والعمل، فسأشارك في الاحتجاج مرة أخرى».
ولم تحصر النساء اللواتي التقى بهن صحفيو «PBS» في هرات مقاومتهن في الشارع، بل يعملن أيضاً في مدرسة إلكترونية سرية تقدم التعليم لمئات الفتيات المراهقات في مختلف أنحاء أفغانستان.
وأسست هذه المدرسة امرأة عُرفت في التقرير باسم مستعار هو «مبارز». وتقول إنها تبدأ كل يوم بالخوف، ومواجهة مشكلات كثيرة وتحدٍ جديد، لكنها تذكّر نفسها دائماً بأنها يجب أن تبقى شجاعة.
وتعيش هؤلاء المعلمات يومياً في انتظار صوت طرق الباب. والخطر الذي يلاحقهن سببه تدريسهن لفتيات ما زلن يرغبن في القراءة والتعلم واتخاذ قراراتهن بشأن مستقبلهن.