منتقدون يتهمون طالبان بازدواجية التعامل في قضية "الأراضي الحكومية" ومؤسسات الشيعة في كابل

أعلنت حركة طالبان، منذ عودتها إلى السلطة، مساحات واسعة من الأراضي والبلدات السكنية في أنحاء أفغانستان "حكومية"، وأمرت في بعض الحالات السكان والمالكين بإخلائها،

أعلنت حركة طالبان، منذ عودتها إلى السلطة، مساحات واسعة من الأراضي والبلدات السكنية في أنحاء أفغانستان "حكومية"، وأمرت في بعض الحالات السكان والمالكين بإخلائها،
إلا أن سرعة وشدة إجراءاتها تجاه ممتلكات ومراكز تعليمية تابعة للشيعة أثارت تساؤلات لدى منتقدين بشأن معايير تطبيق هذه القرارات.
وتقول طالبان إن إعلان الأراضي والبلدات "حكومية" يستند إلى وثائق الملكية وعمليات المسح العقاري وقرارات المحاكم، إلا أن طريقة تنفيذ هذه القرارات والتعامل مع المالكين والسكان أثارت تساؤلات حول المعايير التي تعتمدها وزارة العدل في طالبان.
وبحسب بيانات الوزارة، أُعلنت عشرات الآلاف من الأراضي في عدد من البلدات السكنية في كابل وغزني وبلخ وميدان وردك وننغرهار "حكومية"، من بينها بلدتا "أميد سبز" و"نوآباد" في غزني، وحوزة خاتم النبيين الدينية في كابل.
وفي 28 نوفمبر 2024، أعلنت وزارة العدل في طالبان أن 155 جريباً من أصل نحو 400 جريب من أراضي منطقة "شيربور" في كابل ثبت أنها "حكومية".
وقال أستاذ جامعي وخبير قانوني في كابل، طلب استخدام الاسم المستعار شهيم أحمدي لأسباب أمنية، لـ"أفغانستان إنترناشيونال"، إن طريقة تعامل طالبان مع شيربور تختلف عن تعاملها مع بعض القضايا المرتبطة بالشيعة.
وأضاف: "في شيربور أعلنت طالبان 30٪ من أراضي البلدة السكنية حومية، رغم أن الجميع يعلم أن معظم مالكي شيربور كانوا من قيادات الحكومة السابقة، لكننا لم نشهد هناك الإجراءات الواسعة التي نراها في بعض المناطق، خصوصاً غرب كابل".
وتساءل أحمدي: "من اعتُقل في شيربور؟ وأي مؤسسة دينية أو مسجد أُغلق؟ حتى الآن لا تزال بعض منازل مسؤولي الحكومة السابقة قائمة".
وقال إن القضية إذا كانت تتعلق فقط بالأراضي ووثائق الملكية، فيجب تطبيق معيار موحد على جميع الملفات، معتبراً أن تعامل طالبان مع بعض المؤسسات والمناطق المرتبطة بالشيعة يمكن النظر إليه في إطار "تقييد المؤسسات الدينية والاجتماعية للشيعة".
وأضاف: "عندما تُستهدف في الوقت نفسه مؤسسة دينية ومدرسة ومسجد وحسينية ومؤسسة إعلامية تابعة لطائفة دينية، لا يمكن اعتبار جميع هذه الإجراءات مجرد نزاع عقاري".
من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي حسين ياسا إن وزارة العدل في طالبان تتعامل في تنفيذ قراراتها بصورة "متعصبة" وتمييزية.
وأضاف أن التعامل مع حوزة خاتم النبيين الدينية لا يمكن فصله عن هذا النهج، موضحاً أن الحوزة تأسست عام 2007 وفق القوانين النافذة آنذاك، وأن جزءاً من أرضها خُصص للمركز خلال رئاسة حامد كرزاي، بينما اشترى القائمون عليها جزءاً آخر من المواطنين.
وقال ياسا إن طالبان لا تعتبر الحكومات السابقة شرعية، ولا تعترف كذلك بالوثائق والقرارات الصادرة في عهدها.
وفي غرب كابل، أعلنت وزارة العدل في طالبان أكثر من 1507 جريبات من أراضي بلدة "أميد سبز" حكومية، ومنحت السكان مهلة للإخلاء. ويقول مالك البلدة إن الأرض اشتريت استناداً إلى وثائق شرعية وقانونية، مطالباً بإعادة النظر في القضية.
وفي غزني، أُعلن 1843 جريباً من أراضي بلدة "نوآباد" حكومية، ومنحت طالبان السكان في أغسطس الماضي أسبوعاً واحداً لإخلاء المنازل والأسواق.
وتعد البلدتان من أكبر المناطق المرتبطة بالشيعة في أفغانستان، كما يشكل الشيعة غالبية سكانهما، وقد صدرت في كلتا الحالتين أوامر سريعة بالإخلاء.
وقال ياسا إنه حتى في حال وجود نواقص في وثائق ملكية هذه الأراضي، ينبغي منح المالكين والسكان فرصة للدفاع عن حقوقهم واستكمال الوثائق.
ووصف طريقة تعامل طالبان مع هذه الملفات بأنها "قاسية للغاية" ومتسرعة، مضيفاً أنه كان ينبغي اتباع مسار قانوني واضح بدلاً من الاستيلاء الفوري على الممتلكات.
وتختلف قضية حوزة خاتم النبيين عن قضايا البلدات السكنية، إذ يقول خبراء إنها تتعلق بمركز ديني وتعليمي وثقافي وإعلامي تابع للشيعة.
وتقول وزارة العدل في طالبان إن أرض ومباني المجمع حكومية ومغتصبة، كما تتهم القائمين عليه بممارسة نشاط سياسي والارتباط بحزب الحركة الإسلامية.
ورفض مجلس أمناء خاتم النبيين هذه الاتهامات، مؤكداً أن المجمع يمتلك وثائق شرعية وقانونية ولا يرتبط بأي حزب سياسي. وقال إن قضية ملكية المجمع كانت منظورة أمام محكمة خاصة تابعة لطالبان، ولم يصدر حتى الإجراءات الأخيرة حكم نهائي بشأن ملكية الأرض.
ورغم ذلك، أغلقت طالبان خلال الأشهر الماضية المسجد والحسينية والمكتبة ومدارس الرجال والنساء التابعة للمجمع، كما أوقفت نشاط تلفزيون "تمدن".
وفي 5 سبتمبر، حاصرت قوات تابعة لوزارة العدل في طالبان الحوزة وبدأت إجراءات لإخلائها بالكامل، فيما أفادت تقارير باعتقال عدد من الأساتذة والطلاب.
وقال ياسا إن التعامل مع خاتم النبيين لا يمكن اعتباره مجرد نزاع عقاري، مضيفاً أنه في حال وجود نقص في الوثائق كان بإمكان وزارة العدل استدعاء مسؤولي المركز لاستكمالها ومتابعة القضية عبر المحكمة.
ووصف ياسا التعامل مع الحوزة بأنه "غير إنساني وغير شرعي"، قائلاً إن المركز لم يكن مخصصاً لتعليم الشيعة فقط، بل كان يضم أيضاً طلاباً وأتباعاً من أهل السنة، وأضاف: "حتى الشيوعيون لم يتعاملوا مع الشيعة بهذه الطريقة".
في المقابل، تقول وزارة العدل في طالبان إن قراراتها المتعلقة بالأراضي تستند إلى الوثائق وبيانات المسح العقاري وأحكام المحاكم، وإن قومية أو مذهب أو منطقة المالكين والسكان لا تؤثر فيها.
لكن منتقدين يقولون إن تقييم أداء الوزارة لا ينبغي أن يقتصر على نتائج القضايا، بل يجب أن يشمل أيضاً طريقة النظر فيها، وإتاحة فرصة الاعتراض، وتوقيت تنفيذ القرارات، وأسلوب التعامل مع المالكين والسكان.
وفي شيربور، أُعلن 155 جريباً من الأراضي حكومية، إلا أن تنفيذ القرار، بحسب مراقبين، لم يترافق مع الشدة والسرعة اللتين شوهدتا في قضايا أخرى. وفي "أميد سبز" أُعلن أكثر من 1500 جريب حكومية، وفي "نوآباد" 1843 جريباً، مع صدور أوامر بالإخلاء، بينما أدى النزاع بشأن أرض حوزة خاتم النبيين إلى إغلاق أجزاء من مجمع ديني وتعليمي ودخول قوات تابعة لوزارة العدل إليه.
وقال خبير مقيم في كابل، طلب عدم الكشف عن اسمه، لـ"أفغانستان إنترناشيونال": "إذا كانت القضية تتعلق فقط بالأرض ووثائق الملكية، فيجب أن يكون هناك معيار واحد للجميع، لكن عندما تُستهدف في الوقت نفسه المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية والاجتماعية المرتبطة بالشيعة، تصبح التساؤلات بشأن أهداف ودوافع هذه الإجراءات أكثر جدية".
وتبقى المسألة، وفق التقرير، مرتبطة بما إذا كانت وزارة العدل في طالبان تستعيد ما تصفه بالأراضي الحكومية وفق معيار موحد وإجراءات شفافة، أم أن طريقة تنفيذ قراراتها تتأثر بهوية المؤسسات والأشخاص المعنيين بهذه القضايا.