بعد خمس وعشرون عاماً على رحيل مسعود.. فراغ قيادي لم يُملأ

قبل 25 عاماً، في مثل هذا اليوم 9 سبتمبر 2001، قُتل أحمد شاه مسعود، القائد العام للمقاومة المناهضة لطالبان، في هجوم نفذه انتحاريان مرتبطان بتنظيم القاعدة.

قبل 25 عاماً، في مثل هذا اليوم 9 سبتمبر 2001، قُتل أحمد شاه مسعود، القائد العام للمقاومة المناهضة لطالبان، في هجوم نفذه انتحاريان مرتبطان بتنظيم القاعدة.
واتخذت شهرة مسعود بعد مقتله أبعاداً جديدة ووصلت إلى المستوى العالمي. واليوم، تضم مكتبات ومراكز بحثية في مناطق مختلفة من العالم، من إسلام آباد ونيودلهي إلى بكين وموسكو وباريس وواشنطن، العديد من الكتب والدراسات والمذكرات التي تتناول حياته وإرثه.
لكن أهمية مسعود لا تقتصر على عدد الكتب التي كُتبت عنه، إذ يبقى السؤال الأهم هو: ما مصير إرثه السياسي والنضالي خلال السنوات الـ25 الماضية؟
ترك مسعود وراءه نهجاً في النضال ونموذجاً عسكرياً وسياسياً كان نادراً في ظروف أفغانستان. وتمكن من تشكيل جبهة كبيرة وواسعة نسبياً في مواجهة طالبان، ضمت تيارات مختلفة حافظ كل منها على تنظيمه وهيكله، لكنها اجتمعت ضمن إطار المقاومة المناهضة لطالبان.
ويرى الباحث البارز بشير أحمد أنصاري أن إحدى أهم سمات مسعود كانت قدرته على تشكيل هذه الجبهة الموحدة. وقال إن مسعود كان يتمتع بعدة مصادر للشرعية، إذ كانت لديه "شرعية دينية"، وفي الوقت نفسه "شرعية وطنية"، لأنه، بحسب أنصاري، "لم يقبل قط أن يكون عبداً للخارج وعاش حراً".
وقال أنصاري لـ"أفغانستان إنترناشيونال" إنه في الوقت الذي كانت فيه طالبان، وفق تعبيره، تتكون من جماعة واحدة وقبيلة واحدة وفكر واحد، استطاع مسعود تشكيل جبهة واسعة ووطنية في مواجهتها، امتدت من ننغرهار إلى قندهار، ومن فارياب إلى باميان.
ولم يكن هذا الشمول بالنسبة إلى مسعود مجرد ضرورة عسكرية، بل كان ينظر إلى أفغانستان بما يتجاوز الحدود العرقية والجغرافية. وفي مرحلة كان خطر تقسيم البلاد فيها جدياً، عارض تقسيم أفغانستان إلى شمال وجنوب، ووقف في وجه المواجهة بين البشتون والطاجيك.
ومن هذا المنطلق، وصف أنصاري مسعود بأنه سياسي يتبنى "سياسة أخلاقية"، وقال إنه، بحسب رأيه، "لم يبع أفغانستان، لا أرضها ولا فضاءها". كما وصفه بأنه شخصية مستقلة، مشيراً إلى أن مثل هذا الاستقلال أصبح أقل حضوراً، ولا سيما بعد 20 عاماً من وجود حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة في أفغانستان.
وإلى جانب السياسة، امتلك مسعود سمات عسكرية ميزته عن كثير من قادة عصره. ويرى الصحافي فاضل سنجاركي أن مسعود أسس "أحدث تنظيم لحرب العصابات" في أفغانستان، وأن نضاله كان يقوم على استراتيجية واضحة وتكتيكات محددة.
وقال سنجاركي لـ"أفغانستان إنترناشيونال": "كان مسعود صاحب هدف، يؤمن بطريقه ويقاتل بدافع قوي. وكان يتمتع بموهبة عسكرية استثنائية، لكن قدراته لم تكن تقتصر على ساحة المعركة. كان عميقاً في السياسة أيضاً، ويتمتع بقدرة حادة على الفهم السياسي وسرعة في الرؤية، وكان قادراً على إدراك الضرورات والدقائق السياسية".
وقال سنجاركي إن مسعود خرج من صميم معتقدات وتقاليد وقناعات المجتمع الأفغاني، وكان هو نفسه تجسيداً للقيم الدينية والثقافية لجزء من هذا المجتمع. وأضاف أنه يمكن للمرء ألا يحب مسعود، لكنه لا يستطيع تجاهل ما تمتع به من كاريزما وثبات وشجاعة ووطنية وبساطة في العيش وإيمان بالشعب وإرادته.
ماذا فعلوا بإرث مسعود؟
لكن ربما يكون السؤال الأهم بعد 25 عاماً على مقتل مسعود هو: ماذا فعل الذين يعدون أنفسهم ورثة نهجه بهذا الإرث؟
بعد مسعود، واجه المعسكر المناهض لطالبان فراغاً قيادياً لم يُملأ خلال ربع القرن الماضي، ويبدو اليوم أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.
وسلك المقربون من مسعود ورفاقه في السلاح، خلال العقدين اللذين أعقبا مقتله، مسارات مختلفة. وتحولت المنافسة على زعامة أفغانستان وقيادتها تدريجياً إلى تنافس على المواقع والمكانة بين بعضهم بعضاً، فيما استنزفت محاولات إضعاف المنافسين الداخليين وإقصائهم وعزلهم جزءاً كبيراً من طاقة هذا التيار السياسية.
وفي الوقت الذي واجهت فيه أفغانستان، مع عودة طالبان، أزمة سياسية وأمنية كبيرة مرة أخرى، ظلت بعض القوى التي كانت تقف معاً في مواجهة طالبان غارقة في خلافاتها ومنافساتها الداخلية.
ومرت خمس سنوات على عودة طالبان، لكن الفراغ القيادي في الجبهة المناهضة لها لا يزال قائماً. فلم تظهر شخصية تتمتع بالمستوى نفسه من النفوذ والكاريزما، كما لم تتمكن القوى القريبة من مسعود من إنشاء جبهة سياسية واسعة ومستدامة.
وربما تكون هذه أكبر فجوة بين مسعود ومن يدعون وراثة إرثه.
مسعود.. استثناء أم نموذج؟
لم يكن مسعود مجرد قائد عسكري. كان يمتلك إرادة حديدية ولم يتزعزع في قناعاته، وكان لديه إحساس بالانتماء والمسؤولية تجاه بلاده. ولم يكن مغادرة البلاد أو الاستسلام خياراً بالنسبة إليه.
وتكتسب هذه السمات أهمية أكبر في الظروف الحالية لأفغانستان، التي تواجه مرة أخرى أزمة في القيادة والتمثيل السياسي، بعد عقدين من الوجود العسكري والسياسي الأجنبي، وسقوط الحكومة السابقة، وعودة طالبان.
ويرى بشير أحمد أنصاري أن إحدى السمات الأخرى لمسعود كانت "التفكير الكبير". وقال إن مسعود كان يرفض تقسيم أفغانستان ويفكر في البلاد كلها. وحتى في قضية خط ديورند دفع ثمناً باهظاً، وهو موقف يرى أنصاري أن كثيراً من خصومه لا يريدون حتى الاعتراف له بهذا الرصيد.
ويقول أنصار القائد العسكري إن المشكلة الأساسية ربما تكمن هنا، إذ لم يتمكن أتباع مسعود والمحيطون به من حمل الصخرة التي حملها هو.
وأظهرت أحداث السنوات الـ25 الماضية أن حمل اسم مسعود لا يعني بالضرورة السير على نهجه. فكثير ممن يعتبرون أنفسهم امتداداً لخطه لم يتمكنوا عملياً من إعادة إنتاج بعض أهم سماته السياسية، ومنها الاستقلال والشمول والرؤية الوطنية والتنظيم المتماسك والقدرة على تشكيل جبهة موحدة.
ومع ذلك، لا يزال مسعود حاضراً في الذاكرة السياسية لأفغانستان. ولا تزال المقاومة تتنفس باسمه، فيما يواصل عدد كبير من الناس اتباع نهجه الفكري وطريقه في النضال. ويظهر هذا الحضور المستمر أن مسعود، بالنسبة إلى جزء من المجتمع الأفغاني، ليس مجرد قائد ينتمي إلى الماضي، بل رمز للصمود والاستقلال والمقاومة.
ومن هذا المنطلق، قال فاضل سنجاركي: "لم يكن مسعود حاجة الأمس فقط، بل هو حاجة اليوم أيضاً، وغداً ودائماً سنكون بحاجة إلى بطل مثله"، ممن يستطيعون إبقاء "الراية الوطنية" مرفوعة.
وطالما كان مسعود على قيد الحياة، لم تتمكن طالبان من السيطرة على بنجشير. لكن بعد 20 عاماً على مقتله، وصلت طالبان إلى قبره ورقص عناصرها هناك.
وهذه الصورة، أكثر من كونها مجرد حدث رمزي، قد تعكس بشكل مؤلم المسافة بين إرث مسعود وأداء كثير ممن يدعون وراثة هذا الإرث.
وقاتل مسعود تنظيم القاعدة وطالبان وجماعات إرهابية أخرى في وقت لم يكن فيه كثيرون قد أدركوا بعد حجم هذه التهديدات على نحو صحيح. ولا يزال نهجه الفكري يحتفظ بمشروعيته، فالتهديدات التي حذر منها قبل ثلاثة عقود لا تزال قائمة اليوم في أفغانستان والمنطقة. وقد قاتل القاعدة وطالبان، وواجه أيضاً جماعات إرهابية إقليمية أخرى في أفغانستان.