مستقبلاً غامضاً وفرصاً ضائعة.
في خريف عام 2001، كانت أصوات الطائرات والقصف تتردد في جبال تورا بورا بولاية ننغرهار. وقلّما كان سكان المنطقة يخرجون من منازلهم للاستمتاع بأشعة الشمس، لكن بعضهم كان يجتمع أحياناً في ساحة المسجد للاطمئنان على أحوال بعضهم بعضاً وتبادل الأخبار بشأن عمليات القصف.
وإلى جانب أخبار الموت والدمار، كانت بعض المنازل تشهد ولادة أطفال جدد. ففي ننغرهار ومناطق أخرى من أفغانستان، وُلد أطفال ربما سمعوا دوي القنابل قبل أن يسمعوا صوت الأذان أو أصوات أمهاتهم.
لم يكن هؤلاء الأطفال يعلمون أن عام ولادتهم سيرتبط ببداية مرحلة سياسية جديدة في أفغانستان، وأنهم سيُعرفون لاحقاً باسم "جيل 2001".
ومع بداية تلك المرحلة، وعلى بعد آلاف الكيلومترات من أفغانستان، مهّد مؤتمر بون في ألمانيا، في ديسمبر 2001، لتشكيل إدارة مؤقتة برئاسة حامد كرزي. وخلال السنوات التالية، أصبح لأفغانستان دستور جديد وانتخابات وجامعات خاصة ووسائل إعلام واسعة الانتشار وعلاقات دولية وإمكانات كان من الصعب تصورها خلال سنوات الحرب.
واليوم، كبر أطفال تلك المرحلة. وأكمل بعضهم تعليمهم العالي داخل أفغانستان وخارجها، وعمل آخرون مع مؤسسات دولية، فيما برز عدد منهم في تخصصاتهم. وفي المقابل، يسلك بعضهم طرق الهجرة المحفوفة بالمخاطر، بينما يحاول آخرون تأمين سبل عيشهم من خلال مشاريع تجارية صغيرة.
لقد ارتبطت حياة هذا الجيل بكثير من التحولات التي شهدتها أفغانستان خلال السنوات الـ25 الماضية.
"كانت كابل مليئة بالمعجزات"
وُلد بشير، وهو اسم مستعار لأحد هؤلاء الشباب، في ديسمبر 2001 بمدينة قندهار، لكنه أمضى طفولته في كابل بسبب الحروب الأهلية.
وعندما أُقر الدستور الجديد وأُجريت أول انتخابات رئاسية عام 2004، كان بشير في الثالثة من عمره. وفي ذلك الوقت، كانت السياسة بالنسبة إليه ترتبط أساساً بأحاديث الكبار وذكريات الحرب.
ومع مرور الوقت وتغير ملامح كابل، تغيرت أيضاً تصورات بشير بشأن مستقبل أفغانستان. فقد شاهد المدينة تخرج تدريجياً من تحت الأنقاض، وأصبحت المدارس الخاصة ودورات اللغة الإنجليزية ومراكز الحاسوب، ولاحقاً الجامعات الخاصة، جزءاً من حياته في مرحلة الشباب.
وبين عامي 2010 و2015، كانت كابل في نظر بشير مدينة نهضت من بين الركام. فقد ظهرت فيها طرق واسعة ومبانٍ حديثة ومرتفعة وفنادق متعددة النجوم ومقاهٍ ومكتبات وحمّامات ساونا ومراكز علمية وتكنولوجية مجهزة بمرافق حديثة.
وأحيت هذه التحولات لديه الأمل في أن تتمكن أفغانستان من المنافسة مجدداً على المستوى الإقليمي.
وخلال تلك السنوات، كانت تتردد في ذهن بشير أغنية عن كابل تقول: "كابل مليئة بالمعجزات، ومن دمرها أعاد بناءها".
درس بشير تخصص التكنولوجيا، وعمل بالتزامن مع دراسته الجامعية بصورة مستقلة مع مؤسسات أجنبية، وكان يحصل على دخل جيد ويعيش حياة هادئة نسبياً في بيئة تنافسية.
وكان يتصور أن مستقبل أفغانستان سيرتبط بالتكنولوجيا والشباب. لكن الحرب كانت مستمرة بالتوازي مع مظاهر الحياة الحديثة في كابل.
فبعد عام 2014، ومع انسحاب جزء كبير من القوات الدولية وانتقال العبء الرئيسي للحرب إلى قوات الأمن الأفغانية، توسعت الاشتباكات في ولايات عديدة، ولم تسلم كابل من التفجيرات والهجمات.
نشأ جيل بشير وسط واقع متناقض. ففي الصباح، كان يسمع أخبار التفجيرات ثم يتوجه إلى الجامعة، وفي المساء يجلس مع أصدقائه في المقاهي للحديث عن فرص عمل جديدة أو مشاريع ناشئة أو التكنولوجيا أو الدراسة في الخارج.
كانت الحرب مستمرة، لكن الحياة كانت تمضي أيضاً.
"الأبواب التي أُغلقت مجدداً"
وُلدت مريم في نوفمبر 2001 بمدينة مزار شريف، وانتقلت للعيش في كابل عندما كانت في الخامسة من عمرها.
وخلال فترة حكم طالبان الأولى، لم تكن والدتها تستطيع الخروج من المنزل كثيراً. وكانت تحمل ذكريات عديدة عن حكم الحركة والحروب التي شهدتها مزار شريف، وتروي تلك التجارب لابنتها مريم.
لكن مريم نشأت في أفغانستان أُعيد فيها فتح كثير من الأبواب التي كانت مغلقة أمام النساء والفتيات.
التحقت بالجامعة، ثم حصلت على وظيفة في مجال تقييم المشاريع بإحدى المؤسسات الدولية. وكانت تقود سيارتها الخاصة إلى مقر عملها، وتتقاضى راتباً وتساهم في تغطية نفقات أسرتها.
وبحلول عامي 2018 و2019 تقريباً، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مساحة للنقاش بين مريم وصديقاتها، حيث كن يتحدثن عن العمل وحقوق المرأة والسياسة ومستقبل أفغانستان.
وكانت مريم وصديقاتها يعتقدن أن هذا المسار سيستمر، وأنهن سيتمكنّ من تحقيق أحلامهن.
لكن اتفاق الدوحة عام 2020، وبداية انسحاب القوات الأميركية عام 2021، أثارا تساؤلات جدية بشأن كثير من تلك الآمال.
كانت الأخبار تتوالى يومياً عن سقوط ولاية أو مديرية، لكن الحياة في كابل كانت لا تزال تبدو طبيعية. فالمكاتب مفتوحة والجامعات تواصل نشاطها والناس يتوجهون إلى أعمالهم.
واستمر هذا الوضع حتى 15 أغسطس.
"اليوم الذي تغير فيه كل شيء"
في 15 أغسطس 2021، نحو الساعة الحادية عشرة صباحاً، كان بشير قد توجه إلى منطقة دشت برتشي لتدريس طلابه من الهزارة. وكانت حركة المرور متوقفة، والناس يتابعون الأخبار عبر هواتفهم المحمولة، فيما تنتقل الشائعات من شخص إلى آخر.
كانت حركة طالبان قد وصلت إلى أطراف كابل، وانسحبت قوات الأمن من بعض المناطق، وتوالت الأخبار من مختلف الجهات عن سقوط النظام.
وبعد ساعات قليلة، وقع ما كان يبدو مستحيلاً حتى صباح ذلك اليوم.
أُزيلت رموز الجمهورية عن بعض الجدران، وغطّى بعض أصحاب المحال التجارية صور النساء في الإعلانات بالطلاء، وبدأت ملامح المدينة تتغير بسرعة.
كانت مريم في ذلك اليوم داخل مكتبها بمنطقة شهرنو في كابل.
وحاولت مع زملائها إتلاف وثائق ومعلومات خشوا أن تتسبب بمشكلات للموظفات مع وصول السلطة الجديدة.
ثم غادرت المكتب وعادت إلى منزلها. وبحلول المساء، كان علم طالبان قد رُفع فوق القصر الرئاسي.
وشاهد جيل 2001، الذي أمضى جزءاً كبيراً من طفولته في أفغانستان خلال العهد الجمهوري، نهاية النظام الذي نشأ في ظله خلال يوم واحد.
كان بعض أصدقاء بشير وزملائه ينصحونه بالتوجه إلى مطار كابل، على أمل أن يجد فرصة لمغادرة أفغانستان. لكنه لم يتمكن من الوصول إليه بسبب مخاطر الطريق ومخاوف أسرته.
ولاحقاً، شاهد عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتلفزيون مشاهد مطار كابل.
كان آلاف الأشخاص قد تجمعوا حول المطار، وحاول بعضهم التشبث بالطائرات أثناء إقلاعها، فيما انتشرت في وسائل الإعلام العالمية صور لأشخاص سقطوا من هياكل الطائرات.
ويقول بشير إن تلك المشاهد لا تزال عالقة في ذاكرته.
فبالنسبة إليه، لم تكن مجرد مشاهد من مطار، بل كانت صورة لهزيمة جيل بأكمله وعجزه.
وبحلول نهاية أغسطس، كانت القوات الأميركية قد غادرت أفغانستان.
وبالنسبة إلى جيل بشير ومريم، أصبح مطار كابل رمزاً لنهاية حلم وحياة ضائعة.
"من الذي شوّه هذه المدينة بهذا الشكل؟"
وُلد تورخان، وهو اسم مستعار لشاب آخر من جيل 2001، في نوفمبر من العام نفسه بمدينة مهترلام، لكنه نشأ في جلال آباد منذ أن كان في السادسة من عمره.
كانت جلال آباد خلال سنوات شبابه مدينة تضم مراكز تعليمية وجامعات ومكتبات وملتقيات ثقافية ومقاهي.
درس في جامعة خاصة، وعمل في مجال التصميم وتكنولوجيا المعلومات. وقد أتاح وجود المؤسسات الدولية والمشاريع التنموية في جلال آباد فرص عمل لكثير من الشباب أمثاله.
ومع ذلك، كانت ننغرهار أيضاً إحدى المناطق التي شهدت حرباً عنيفة.
فمنذ عام 2015، تصاعدت هجمات تنظيم داعش خراسان في الولاية، إلى جانب هجمات حركة طالبان. وأصبحت مناطق أتشين وسبين غر وتورا بورا، وحتى مدينة جلال آباد التي اشتهرت سابقاً بالسلام والثقافة، تتصدر عناوين الأخبار مراراً بسبب الحرب وانعدام الأمن.
وفي عام 2017، استخدمت القوات الأميركية في منطقة أتشين أكبر قنبلة غير نووية لديها، والمعروفة باسم "أم القنابل"، لاستهداف أنفاق تنظيم داعش.
وكان تورخان يسمع أصوات الانفجارات بالتوازي مع حياته اليومية المعتادة في المدينة.
ثم جاء يوم 15 أغسطس.
سقطت جلال آباد أيضاً في أيدي حركة طالبان. وتمكن تورخان من الوصول إلى بوابات مطار كابل، لكنه لم يستطع مغادرة أفغانستان.
وفجأة، أُغلقت الطرق التي كان يخطط لسلوكها من أجل تحقيق أحلامه.
وقال تورخان لقناة "أفغانستان إنترناشيونال" إن لديه آلاف الأسئلة، لكنه لا يعرف إلى من يوجهها. ويقول إنه يستمع يومياً، مرات عديدة، إلى أغنية تتساءل: "من الذي شوّه هذه المدينة بهذا الشكل؟".
"العام التالي"
في عام 2026، أصبح الأطفال الذين وُلدوا عام 2001 في الرابعة والعشرين أو الخامسة والعشرين من أعمارهم، بحسب أشهر ميلادهم.
ولم تعد أفغانستان اليوم البلد نفسه الذي نشأوا فيه.
فقد تراجع مستوى الحرب في مناطق عديدة، لكن مخاوف أخرى حلت محلها لدى بعض السكان. فهناك من يخشى حلق لحيته، ومن يقلق من الاستماع إلى الموسيقى، وآخرون يخشون القيود المتعلقة بالحجاب والتنقل، فيما يعاني آخرون البطالة والجوع وغموض المستقبل.
وتشير تقارير الأمم المتحدة ومؤسسات دولية أخرى إلى أن الأزمات الاقتصادية في أفغانستان لا تزال عميقة، وأن سوق العمل عاجز عن استيعاب الشباب الوافدين إليه، فيما يواجه ملايين الأشخاص صعوبات في تأمين احتياجاتهم الأساسية.
كما أدت عودة ملايين الأفغان من الدول المجاورة إلى زيادة الضغوط على سوق العمل والإسكان والخدمات الأساسية.
وكانت التغيرات التي طرأت على حياة النساء والفتيات من أبرز التحولات التي شهدها جيل 2001.
فالفتيات محرومات من التعليم بعد الصف السادس، وتواجه النساء قيوداً على العمل في قطاعات عديدة. كما يتضمن قانون "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، إلى جانب القيود المتعلقة بملابس النساء ووجودهن في الأماكن العامة، أحكاماً بشأن لحى الرجال وجوانب أخرى من الحياة الاجتماعية.
لم تعد مريم تتوجه إلى المكتب الذي كان يشكل ذات يوم جزءاً مهماً من حياتها.
ولم يعد بشير يمتلك عملاً ثابتاً كما كان في السنوات الماضية.
أما تورخان، فيحاول من خلال مشروع صغير للهواتف المحمولة في جلال آباد تأمين معيشته ومعيشة أسرته وحمايتهم من الجوع.
لا يزال هؤلاء على قيد الحياة، لكن أحاديثهم مليئة بخيبة الأمل والأسئلة والذكريات التي تروي قصة جيل بأكمله.
يواجه جيل 2001 أسئلة كثيرة. لماذا حدث كل هذا؟ ومتى تغير المسار؟ وأي باب يمكن أن يُفتح مجدداً؟ وما مصير الأحلام التي ارتبطت بمستقبل أفغانستان خلال العقدين الماضيين؟
لقد شهد هذا الجيل أفغانستان وهي تغير وجهها مرات عديدة. أفغانستان الحرب، وأفغانستان الجمهورية، ومرحلة الفرص والتكنولوجيا، ثم أفغانستان المعزولة التي تعاني الأزمات الاقتصادية اليوم.
وفي كل تحول، فقد أبناء هذا الجيل شيئاً من حياتهم، لكنهم ما زالوا يحتفظون بتعليمهم وتجاربهم ومهاراتهم وذاكرتهم وصلاتهم بالعالم.
قبل 25 عاماً، وُلد هؤلاء بالتزامن مع بداية فصل جديد في تاريخ أفغانستان. واليوم، لم يعد السؤال بالنسبة إلى هذا الجيل يقتصر على من سيحكم أفغانستان.
بل أصبح السؤال كيف سيعيشون في هذه الأفغانستان، وكيف سيصنعون مستقبلهم؟
ويقول بشير لمراسل قناة "أفغانستان إنترناشيونال" إنه يقف أحياناً أمام نافذة في كابل، وينظر إلى جبل آسمائي، مستغرقاً في هذه الأفكار، ثم يتنهد بحسرة.
إنه لا يزال في الخامسة والعشرين من عمره. وقصة جيله لم تنتهِ بعد.