رجال أعمال أفغان يطالبون إندونيسيا بزيادة استثماراتها في أفغانستان
أعلنت غرفة التجارة والاستثمار الأفغانية، الخاضعة لإدارة حركة طالبان، أن رجال أعمال ومستثمرين أفغاناً طالبوا، خلال اجتماع مع ممثلين عن غرفة التجارة والصناعة الإندونيسية ووزارة الخارجية الإندونيسية،
بتوسيع الاستثمارات في قطاعات التعدين والزراعة والكهرباء والطاقة والصناعة في أفغانستان. وكان نائب رئيس غرفة التجارة والاستثمار الأفغانية، حبيب الله عمر، قد توجه مؤخراً إلى إندونيسيا على رأس وفد يضم 50 رجل أعمال، للمشاركة في الدورة الحادية والأربعين للمعرض الدولي الإندونيسي. وقدم عمر خلال المعرض معلومات عن فرص الاستثمار في أفغانستان والمعارض المحلية التي تُقام فيها. وذكرت غرفة التجارة والاستثمار الأفغانية أن رجال الأعمال الأفغان أكدوا أهمية توسيع العلاقات الاقتصادية والتجارية مع إندونيسيا. وطالبوا، في ضوء الفرص الاستثمارية المتاحة في مختلف القطاعات الأفغانية، بتعزيز التعاون المشترك وتنظيم فعاليات تجارية وتقوية العلاقات بين القطاعين الخاصين في البلدين. ووفقاً لبيان أصدرته الغرفة يوم الاثنين، دعا رجال الأعمال الأفغان وفداً تجارياً إندونيسياً إلى زيارة أفغانستان. وأضافت الغرفة أن المسؤولين الإندونيسيين أبدوا استعدادهم للتعاون مع رجال الأعمال الأفغان، وأعربوا عن اهتمامهم بالاستثمار في أفغانستان. وبحسب بيانات التجارة الدولية التابعة للأمم المتحدة، بلغت قيمة صادرات إندونيسيا إلى أفغانستان خلال عام 2025 نحو 6.39 مليون دولار، مقابل صادرات أفغانية إلى إندونيسيا بلغت نحو 138.5 ألف دولار. وبذلك، بلغ إجمالي التبادل التجاري السلعي بين البلدين خلال العام الماضي نحو 6.53 مليون دولار.
عُقد اجتماع وزراء خارجية الدول الأعضاء في إطار "سي 5+1" يوم الاثنين، في مدينة سمرقند، بمشاركة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ووزراء خارجية خمس دول في آسيا الوسطى، هي أوزبكستان وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان.
وأكد وزراء خارجية الدول المشاركة، في بيان مشترك عقب الاجتماع، أن بلدانهم تولي أهمية خاصة لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود وتعزيز أمن الحدود. ورغم أن دول آسيا الوسطى أعربت مراراً عن قلقها إزاء التهديدات الإرهابية وأنشطة الجماعات المتطرفة في أفغانستان، فإن البيان المشترك لاجتماع سمرقند لم يتضمن أي إشارة مباشرة إلى أفغانستان أو حركة طالبان. وجاء في البيان أن الولايات المتحدة ودول آسيا الوسطى ستوسع تعاونها لمكافحة الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر وتهريب المخدرات والأسلحة. كما أكد الجانبان أهمية تعزيز التعاون في مجال الأمن السيبراني والتصدي للتهديدات الرقمية والجرائم الإلكترونية. وشددت الدول المشاركة أيضاً على توسيع التعاون في مجالات الأمن النووي وحماية المواد النووية والاستخدام السلمي للطاقة النووية.
توسيع التعاون الاقتصادي والتجاري وأوضح البيان المشترك أن الولايات المتحدة ودول آسيا الوسطى ستعمل على توسيع التجارة والاستثمار، وتعزيز روابط النقل، وتطوير الممر التجاري العابر لبحر قزوين. وتهدف هذه الجهود إلى زيادة التبادل التجاري الثنائي والإقليمي، وتسهيل الإجراءات الجمركية، وإيجاد سوق تنافسية في آسيا الوسطى. وأكد الجانبان أهمية توسيع التعاون في قطاعات الطاقة واستخراج المعادن ومعالجتها، وإنشاء سلاسل إمداد ذات قيمة مضافة عالية. ووفقاً للبيان، تسعى الدول الأعضاء إلى الاستفادة من الموارد الطبيعية والإمكانات التكنولوجية لتعزيز النمو الاقتصادي وزيادة الصادرات وإيجاد فرص تجارية جديدة. وشملت مجالات التعاون الأخرى تطوير التكنولوجيا والتجارة الإلكترونية وتعليم اللغة الإنجليزية وتوسيع الاتصالات الرقمية بين الولايات المتحدة ودول آسيا الوسطى.
لقاءات ثنائية لروبيو مع وزراء خارجية دول المنطقة قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، عقب اجتماعاته مع وزراء خارجية دول آسيا الوسطى، إن التعاون بين واشنطن ودول المنطقة يمكن أن يتيح فرصاً تجارية جديدة، ويعزز اقتصاداتها، ويسهم في زيادة الأمن الإقليمي. وأعلن روبيو أيضاً عقد لقاء منفصل مع وزير خارجية أوزبكستان بختيار سعيدوف، موضحاً أن الجانبين بحثا توسيع الشراكة الاستراتيجية بين واشنطن وطشقند، بما يشمل التعاون في مجالات البنية التحتية وتكنولوجيا الفضاء والمعادن الاستراتيجية وإطار "سي 5+1". كما أكد وزير الخارجية الأميركي، خلال لقائه وزير خارجية كازاخستان، أهمية توسيع التعاون الاقتصادي والأمني الثنائي، وأعرب عن تقديره لدعم كازاخستان مبادرات السلام التي تتبناها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بما فيها اتفاقيات أبراهام. من جانبه، قال السفير الأميركي لدى الهند والمبعوث الخاص للولايات المتحدة لشؤون جنوب ووسط آسيا، سيرجيو غور، إن اجتماعات روبيو مع وزراء خارجية دول المنطقة ركزت على التزام واشنطن بدعم سيادة دول آسيا الوسطى، وتعزيز أمن الطاقة، وزيادة قدرة سلاسل الإمداد على الصمود.
ما هو إطار "سي 5+1"؟ عُقد اجتماع سمرقند في إطار آلية "سي 5+1"، التي تأسست عام 2015 بين الولايات المتحدة وخمس دول في آسيا الوسطى، هي أوزبكستان وكازاخستان وطاجيكستان وتركمانستان وقرغيزستان. وتهدف هذه الآلية إلى توسيع التعاون السياسي والاقتصادي والتجاري والأمني وفي مجال الطاقة بين الولايات المتحدة ودول المنطقة.
غياب الملف الأفغاني تشترك أفغانستان في حدود مع دول آسيا الوسطى، وتؤثر التطورات الأمنية فيها على المخاوف الإقليمية المرتبطة بالإرهاب والتطرف. وأعربت دول المنطقة خلال السنوات الماضية مراراً عن قلقها إزاء أنشطة تنظيم داعش خراسان وجماعات مسلحة أخرى في أفغانستان. ومع ذلك، لم يرد ذكر أفغانستان في البيان المشترك لاجتماع سمرقند بوصفها ملفاً محدداً للتعاون أو مصدراً للقلق الأمني، إذ اكتفى البيان بالتأكيد على الالتزام العام للدول الأعضاء بمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والتهديدات العابرة للحدود.
من أفغانستان إلى اليمن، تتشابه ممارسات طالبان والحوثيين في احتكار السلطة وإقصاء الخصوم. قراءة في مأزق الانتقال من منطق الجماعة المسلحة إلى مسؤوليات الدولة وتداعياته على الاستقرار الإقليمي. يمكنكم قراءة المقال هنا
عاشت أفغانستان عقوداً من الحرب الأهلية والتدخلات الخارجية والتمرد المسلح. وعلى الرغم من مواطن ضعفها وإخفاقاتها، كانت حكومة جمهورية أفغانستان الإسلامية تحظى باعتراف دولي، وتسعى إلى إنهاء تمرد «طالبان» عبر مفاوضات السلام. لكن هذا المسار لم يُفضِ إلى تسوية سياسية، وانتهى باستيلاء الحركة على السلطة بقوة السلاح في أغسطس (آب) 2021.
قبيل عودة «طالبان»، عززت تصريحات ممثليها في الدوحة واتصالاتهم الدبلوماسية بدول المنطقة الانطباع بأن تجربة العقدين الماضيين ربما غيّرت سلوكها. وكان الرهان على أن تبدي الحركة هذه المرة مرونة إزاء المشاركة السياسية، وأن تتصرف بمسؤولية في علاقاتها مع جيرانها. غير أن ممارساتها أظهرت أن القدرة على الاحتفاظ بالسلطة لا تعني بالضرورة الاستعداد لبناء حكم يتسع للآخرين.
وقد تساعد المقارنة بين «طالبان» والحوثيين في اليمن على إيضاح هذه الإشكالية. فالمقارنة لا تفترض تطابق المنطلقات المذهبية أو البنى التنظيمية أو الارتباطات الخارجية؛ بل تركز على العلاقة بالسلطة: حركة مسلحة تسيطر على مؤسسات الحكم، لكنها تتمسك باحتكار القرار ومنطق القوة، بدلاً من الانتقال إلى المشاركة السياسية.
وفي هذا السياق، يطرح مقال الكاتب والمحلل السعودي عبد الرحمن الراشد، «لِمَ لا نتعامل مع الحوثي بدلاً من محاربته؟»، سؤالاً يمكن إسقاطه على الحالة الأفغانية: هل يؤدي منح الفرص والامتيازات لجماعة مسلحة، من دون تغيير ملموس في سلوكها، إلى الاعتدال وتحمل مسؤوليات الحكم؟
تنمية متعثرة وإقصاء سياسي
تتشابه أفغانستان واليمن، رغم اختلافاتهما التاريخية والاجتماعية، في معاناتهما من الفقر وتدنّي مستويات التنمية. فبحسب تقرير التنمية البشرية لعام 2025، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي استناداً إلى بيانات عام 2023، حلّت أفغانستان في المرتبة 181 بقيمة مؤشر بلغت 0.496، واليمن في المرتبة 184 بقيمة 0.470، من بين 193 دولة وإقليماً. ويصنّف هذا المؤشر، الذي يقيس الصحة والتعليم والدخل، البلدين ضمن فئة «التنمية البشرية المنخفضة».
لا تفسر هذه المؤشرات وحدها صعود الجماعات المسلحة، لكنها توضح حجم التحديات التي تتطلب مؤسسات قادرة على تقديم الخدمات وإشراك المجتمع في القرار. ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار احتكار «طالبان» للسلطة أحد أبرز العوائق أمام خروج أفغانستان من أزمتها؛ وهو ما يتيح مقارنتها بالحوثيين، الذين أسهم اعتمادهم على القوة العسكرية واحتكار القرار السياسي في تعقيد مسار التسوية في اليمن.
وقد أحكم الحوثيون قبضتهم على السلطة في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، وضيّقوا مساحة المشاركة السياسية الحرة، من خلال قمع المعارضين والتمييز ضد الأقليات الدينية. ووثقت تقارير دولية ممارسات استهدفت خصوصاً أبناء الطائفة البهائية.
ويتشابه هذا النمط مع جوانب من ممارسات «طالبان»، سواء خلال فترة حكمها الأولى أو بعد عودتها إلى السلطة في 15 أغسطس (آب) 2021. فقد اقترن حكم الحركة بإقصاء الخصوم وتقييد المشاركة السياسية، فيما وثقت تقارير دولية تهميشاً وتمييزاً بحق جماعات قومية ودينية. كما حظرت الحركة نشاط الأحزاب السياسية عام 2023، مغلقةً بذلك إحدى القنوات الأساسية للعمل السياسي المنظم.
باكستان واختبار مسؤوليات الحكم
تؤدي باكستان، في هذه المقارنة، دوراً تجاه أفغانستان يمكن مقارنته بدور السعودية تجاه اليمن؛ فهي جار مؤثر يربط التطورات على الجانب الآخر من الحدود بأمنه الوطني. ورغم اختلاف العلاقات التاريخية وأشكال التدخل، سعى البلدان إلى التأثير في المعادلات السياسية والأمنية لدى جاريهما.
وهنا يبرز وجه آخر للتشابه بين «طالبان» والحوثيين: فكلاهما أظهر، في مراحل مختلفة، ميلاً إلى المواجهة والضغط العسكري في التعامل مع الجار المؤثر، بما يعرقل بناء الثقة والتعاون المستدام. وتكشف تجربة الحوثيين مع السعودية، وعلاقة «طالبان» المتوترة بباكستان، أن السيطرة على مؤسسات الحكم لا تعني بالضرورة التخلي عن منطق الجماعة المسلحة.
لكن ثمة فارقاً أساسياً؛ فقد دعمت إسلام آباد «طالبان» خلال سنوات تمردها على الحكومة الأفغانية، بينما قادت السعودية تحالفاً عسكرياً لمواجهة الحوثيين في اليمن. ولذلك، تكتسب التوترات بين «طالبان» وباكستان دلالة خاصة؛ إذ لم تتحول عودة الحركة إلى السلطة إلى ضمان لأمن حليفها القديم، ولم يؤدِّ الدعم السابق إلى علاقة مستقرة قائمة على الثقة.
وتتهم باكستان سلطات «طالبان» بإيواء «حركة طالبان باكستان» والسماح لها باستخدام الأراضي الأفغانية لتهديد الأمن الباكستاني، فيما تنفي «طالبان» السماح باستخدام أراضي أفغانستان ضد الدول الأخرى. ويضع استمرار هذا الخلاف الحركة أمام اختبار جوهري: مدى قدرتها واستعدادها لتقديم مسؤوليات الحكم وأمن الجوار على روابطها بشبكات التمرد. وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل هذه التوترات عن إرث التدخلات الباكستانية والخلافات الحدودية بين البلدين.
ومن هذه الزاوية، لا ينبغي اعتبار انفتاح دول آسيا الوسطى على «طالبان» دليلاً كافياً على الثقة بها؛ فالحوار والتجارة والتعاون الحدودي قد تكون أيضاً أدوات لاحتواء المخاطر ومنع امتداد الاضطرابات. ذلك أن الانتقال من التمرد إلى الحكم لا يُقاس بالسيطرة على المؤسسات وحدها، بل كذلك بالقدرة على منع التهديدات العابرة للحدود، واحترام الالتزامات المتبادلة، وتسوية الخلافات عبر الدبلوماسية.
التقارب مع طهران وحدود المقارنة
أما العلاقة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فتطرح تساؤلات تتجاوز إدارة المصالح المعتادة بين جارين. فقد ترى طهران في التعاون مع «طالبان» وسيلة لحماية مصالحها الأمنية وتوسيع هامش نفوذها، بينما قد تجد الحركة في هذا التعاون مصدراً للدعم وفرصة لتخفيف الضغوط الخارجية.
ولا يشكل الاختلاف المذهبي بالضرورة حاجزاً أمام تقاطع المصالح. لكن التقارب، في حد ذاته، لا يكفي لإثبات أن «طالبان» أصبحت جزءاً من شبكة النفوذ الإيرانية، أو أن علاقتها بطهران تطابق علاقة الحوثيين أو «حزب الله» بها.
مع ذلك، يظل احتمال تعمق اعتماد الحركة على الدعم الإيراني جديراً بالمراقبة. فإذا تجاوز التعاون حدود المصالح المتبادلة إلى تبعية أمنية أو سياسية، فقد تتحول أفغانستان إلى ساحة إضافية للتنافس الإقليمي، وتتقلص قدرة القرار الأفغاني على الاستقلال عن حسابات القوى الخارجية.
ومن هنا، فإن الحديث عن احتمال تحول «طالبان» إلى نسخة أفغانية من الحوثيين أو «حزب الله» ينبغي طرحه بوصفه سيناريو تحذيرياً مشروطاً، لا حقيقة قائمة أو نتيجة حتمية.
الإقصاء وخطر تجدد الصراع
يرتبط هذا البعد الخارجي بالأزمة الداخلية الأفغانية. فبإقصاء التيارات السياسية وإغلاق أبواب المشاركة السلمية، تهيئ «طالبان» بيئة قد تعيد إنتاج الصراع. وحين تنعدم فرص التغيير عبر السياسة، تزداد احتمالات اتجاه بعض المعارضين إلى العمل المسلح.
وفي قراءة تحليلية نشرتها «آسيا تايمز»، يبرز التمييز بين السيطرة على الأرض وتحقيق الاستقرار: فقد تحتفظ الحركة بتفوقها العسكري، بينما تسهم طريقة ممارستها للحكم في توليد دوافع مقاومة جديدة. وهذا لا يعني أن حرباً أهلية شاملة باتت وشيكة، لكنه يستدعي الحذر من مساواة غياب المنافس العسكري القادر على إسقاط الحكم بوجود سلام مستدام.
لذلك، لا يمكن النظر إلى «طالبان» بوصفها مجرد سلطة تواجه خطر تجدد الحرب؛ إذ قد تكون سياساتها الإقصائية نفسها أحد العوامل التي تغذي هذا الخطر. كما أن الانقسامات وضعف البدائل السياسية لا يمنحان احتكار السلطة مقومات الاستقرار الدائم.
السيطرة لا تكفي لبناء الدولة
ترسيخ سلطة «طالبان» لا يعني بالضرورة استقرار أفغانستان. فالحكم الذي يعتمد على الإقصاء والقمع قد ينجح في فرض السيطرة، لكنه يضعف فرص بناء شرعية سياسية أوسع. وإذا اقترن ذلك باعتماد متزايد على قوى خارجية، فقد تتداخل مخاطر الصراع الداخلي مع ضغوط التنافس الإقليمي.
وهنا تبرز دلالة المقارنة مع الحوثيين: ليست المشكلة في انتقال جماعة مسلحة إلى مؤسسات الحكم وحده، بل في استمرارها في إدارة تلك المؤسسات بعقلية الجماعة واحتكارها للسلاح والقرار.
وعليه، لا يقتصر السؤال على كيفية التعامل مع «طالبان»، بل يشمل الشروط التي تجعل هذا التعامل داعماً للمشاركة السياسية واستقلال القرار الأفغاني. فمن دون انفتاح داخلي ومسؤولية تجاه الجوار، قد تتحول السيطرة الراهنة إلى مرحلة تؤجل الأزمة بدلاً من إنهائها.
كشفت مصادر موثوقة أن حركة طالبان بدأت مؤخراً تشغيل مركز ثانٍ لعمليات الطائرات المسيّرة على تلة "كله منار"، بالقرب من مكتب حاكم ولاية بدخشان، في ظل تصاعد التوترات الأمنية وتزايد الهجمات على مقر حاكم الولاية.
ووفقاً للمصادر، تخطط طالبان لإنشاء المزيد من مراكز عمليات الطائرات المسيّرة في بدخشان. وقالت مصادر محلية في بدخشان لـ"أفغانستان إنترناشيونال" إن المركز الثاني بدأ العمل على تلة "كله منار"، بعد نحو شهرين من إنشاء مركز لعمليات الطائرات المسيّرة بجوار مطار بدخشان وتركيب برج لإدارتها. وكانت "أفغانستان إنترناشيونال" قد نشرت للمرة الأولى في منتصف سبتمبر الماضي، صوراً وتفاصيل عن برج إدارة أول مركز لطائرات طالبان المسيّرة في بدخشان. ويهدف إنشاء المركز الجديد أساساً إلى تأمين مكتب حاكم الولاية والمؤسسات التابعة لطالبان في مدينة فيض آباد القديمة، مركز ولاية بدخشان. وتعرضت مقار الحركة في هذه المنطقة، بما فيها مكتب حاكم الولاية، لهجمات متكررة نفذتها قوات الجبهات المعارضة لطالبان خلال الأشهر الماضية، وأسفر بعضها عن سقوط ضحايا. وقال مصدر من داخل حركة طالبان لقناة "أفغانستان إنترناشيونال" إن المركز بدأ العمل بهدف تقليل التهديدات التي تستهدف مكتب حاكم الولاية، مشيراً إلى أن الحركة تعتزم إنشاء مراكز جديدة قريباً في المناطق المعرضة للهجمات. وأضاف المصدر أن مراقبة جميع المناطق المعرضة للتهديدات في الوقت نفسه من خلال المركز الرئيسي كانت مهمة صعبة، ولذلك يجري العمل على إنشاء مراكز إضافية. وأوضح المصدر، وهو أحد أفراد الفرقة "219 عمر ثالث" التابعة لطالبان في بدخشان، أن الحركة عززت مؤخراً القوات والمعدات في مركز إدارة الطائرات المسيّرة المجاور للمطار، وتعتزم توسيع مراكز عملياتها. وأكد مصدر آخر إنشاء المركز الثاني لعمليات الطائرات المسيّرة في مدينة فيض آباد، مشيراً إلى أن المخاوف الأمنية لدى طالبان تتزايد يوماً بعد يوم، وأن الحركة تولي اهتماماً خاصاً بالاستثمار في مجال حرب الطائرات المسيّرة. وكانت طالبان قد أصدرت، السبت 10 أكتوبر الجاري، بياناً أبلغت فيه سكان بدخشان بأن طائراتها المسيّرة ستنفذ طلعات جوية لأغراض المسح الطبوغرافي وإعداد المخطط الحضري، من جانب وزارة التخطيط العمراني، داعية السكان إلى عدم القلق. لكن مصادر محلية قالت إنه خلال الأيام التي أعقبت صدور البيان، شوهدت مجموعة من الطائرات المسيّرة تحلق على الطريق المؤدي من مدينة فيض آباد إلى مديرية بهارك، خارج المدينة، وهي منطقة أكدت المصادر الآن إنشاء المركز الجديد للطائرات المسيّرة بالقرب منها. ووفقاً للمصادر، كان الأشخاص الذين يشغّلون الطائرات المسيّرة يرتدون الزي العسكري. وأكدت مصادر محلية في بدخشان أن تحليق طائرات طالبان المسيّرة وتصويرها مدينة فيض آباد يهدفان إلى أغراض عسكرية وأمنية، خلافاً لما ورد في بيان الحركة.
الهجمات على مكتب حاكم ولاية بدخشان شهدت مدينة فيض آباد، مركز ولاية بدخشان، عدة حوادث أمنية خلال أغسطس الماضي، إذ أعلنت جبهات المقاومة تنفيذ هجمات متعددة استهدفت مكتب حاكم الولاية التابع لطالبان ونقاط التفتيش المحيطة به. كما قُتل عمدة المدينة التابع لطالبان في هجوم بتفجير أعلنت جبهة المقاومة الوطنية مسؤوليتها عنه. وعقب هذه الأحداث وإنشاء مركز عمليات الطائرات المسيّرة في فيض آباد، بدأت طائرات طالبان التحليق بصورة مستمرة في سماء المدينة لتنفيذ دوريات مراقبة وتصوير جوي. ويشتكي سكان مدينة فيض آباد القديمة، الذين يعيشون بالقرب من مكتب حاكم الولاية، من القيود الأمنية المشددة التي تفرضها طالبان. وقال السكان إن طائرات الحركة المسيّرة تحلق على ارتفاعات منخفضة جداً وتصور ساحات منازلهم، ما يمنع النساء من الخروج من منازلهن بحرية خلال النهار أو ممارسة أعمالهن اليومية في ساحات المنازل. وأوضح السكان أنهم طرحوا هذه المشكلات خلال لقاء مع حاكم الولاية التابع لطالبان، لكن شكاواهم لم تسفر عن أي نتائج حتى الآن.
تصاعد المواجهات المسلحة في بدخشان شهدت مديرية زيباك خلال الأشهر الأخيرة اشتباكات مباشرة ومتكررة بين عناصر طالبان وقوات جبهة الحرية الأفغانية. وتؤكد الجبهة أن مقاتليها يتمركزون في أجزاء من المديرية، كما نُشر خلال الأيام الماضية مقطع فيديو يظهر وجود عشرات من عناصر جبهة الحرية في مناطق من زيباك. وإلى جانب المواجهات المباشرة، تنفذ قوات الجبهات المعارضة لطالبان عمليات بأسلوب حرب العصابات ضد الحركة. وبحسب المصادر، تتمتع هذه القوات بحضور نشط وواسع في مديريات يفتل وأرغو وراغات ودرواز وكشم وتكاب وبهارك، إضافة إلى مدينة فيض آباد ومناطق أخرى من ولاية بدخشان.
أربعة انفجارات خلال أقل من 20 يوماً شهدت مدينة فيض آباد، مركز ولاية بدخشان، أربعة انفجارات خلال أقل من 20 يوماً، قالت مصادر إن أهدافها كانت مسؤولين أمنيين واستخباراتيين كباراً وقيادات بارزة في حركة طالبان. ووقع الانفجار الأول في 28 سبتمبر بمنطقة جلغر، والثاني في 29 سبتمبر بمنطقة دشت وكيل آباد بالقرب من الجامعة، ضمن نطاق الدائرة الأمنية الثانية، فيما وقع الانفجار الثالث في 5 أكتوبر، والرابع في 7 أكتوبر بالقرب من مقر قيادة شرطة طالبان. كما شهدت المدينة خلال سبتمبر الماضي عدة انفجارات، استهدف اثنان منها مدارس دينية وجهادية. وأعلنت جبهة الحرية وجبهة المقاومة الوطنية والوحدة الخضراء التابعة لأمر الله صالح مسؤوليتها عن هذه الانفجارات. وأدت الانفجارات المتكررة وتصاعد التوترات الأمنية في مدينة فيض آباد إلى زيادة مخاوف طالبان، التي شنت بالتزامن مع هذه الأحداث حملات اعتقال واسعة.
كشفت مصادر لـ"أفغانستان إنترناشيونال" أن حركة طالبان أمرت حراس المباني والأحياء السكنية في كابل بشراء أجهزة اتصال لاسلكية وإبلاغ شرطة الحركة بالأحداث اليومية وما يشاهدونه من تحركات في مناطقهم.
وقالت المصادر إن طالبان طلبت من الحراس أيضاً شراء زي عسكري، مشيرة إلى أن الحركة بدأت تنفيذ هذه الخطة في مناطق من كابل، بينها أجزاء من حي خيرخانه، وتعمل على توسيعها لتشمل مناطق أخرى. ووفقاً للمعلومات الواردة، يتحمل سكان المباني السكنية تكاليف شراء أجهزة الاتصال اللاسلكية والزي العسكري للحراس. وأضافت المصادر أن طالبان ألزمت حراس المباني والأحياء بالتواصل بانتظام عبر الأجهزة اللاسلكية مع الدوائر الأمنية المختصة والحراس الآخرين. وبحسب معلومات حصلت عليها "أفغانستان إنترناشيونال"، استدعى عناصر طالبان حراس المباني السكنية في القسم الثاني من حي خيرخانه، التابع للدائرة الأمنية الحادية عشرة في كابل، وأمروهم بشراء الزي العسكري وأجهزة الاتصال اللاسلكية على نفقتهم الخاصة ونفقة سكان المباني. وأبلغ مسؤولو الدائرة الأمنية الحراس بأنهم ملزمون، بعد شراء أجهزة الاتصال وربطها بالتردد اللاسلكي للدائرة، بالإبلاغ الفوري عن أي أحداث أو تحركات ودخول وخروج للأشخاص في الأحياء السكنية. وأعرب أحد الحراس في نطاق الدائرة الأمنية الحادية عشرة عن قلقه الشديد إزاء تداعيات هذه الأوامر، قائلاً لقناة "أفغانستان إنترناشيونال": "لا أعرف ماذا أفعل، أنا رجل فقير، لا أملك المال لشراء هذه المعدات، ولا أريد أن أجعل سكان الحي أعداء لي. ليس أمامي سوى ترك هذا العمل، وإلا فسيطلق أحدهم النار عليّ. لن أبيع ضميري وشرفي وإيماني". وفي السياق نفسه، قال مصدر محلي آخر للقناة إن طالبان أجبرت سكان الأحياء على تحمل تكاليف شراء الأجهزة والمعدات اللازمة لحراس مناطقهم.
تشديد رقابة طالبان على الحياة الخاصة للسكان وصف بعض سكان كابل هذه الإجراءات بأنها محاولة لتحويل حراس المنازل إلى "مخبرين أمنيين"، مؤكدين أن تزويدهم بمعدات عسكرية أدى إلى زيادة الخوف وانعدام الثقة بين سكان الأحياء. وأعرب السكان عن قلقهم من تشديد رقابة طالبان على الحياة الخاصة للمواطنين. وأكدت مصادر محلية أن هذه الإجراءات بدأ تنفيذها منذ أسابيع في نطاق الدائرتين الأمنيتين الحادية عشرة والخامسة عشرة في كابل، وأن مسؤولي الدوائر الأمنية يسعون إلى توسيع شبكة المراقبة لتشمل مناطق أخرى من العاصمة، بهدف إخضاع الأحياء السكنية لرقابة استخباراتية ممنهجة. ووفقاً للمصادر، فرضت أوامر طالبان أعباء مالية إضافية مباشرة على الأسر في هذه الأحياء، إذ يواجه بعض السكان صعوبات في توفير المعدات المطلوبة للحراس المحليين، في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية وانتشار البطالة. ويُعد حراس المباني والأحياء من الفئات الأقل دخلاً في المجتمع، إذ يتقاضون أجوراً شهرية زهيدة للغاية، ما يجعل تكاليف شراء الزي العسكري وأجهزة الاتصال اللاسلكية عبئاً مالياً ثقيلاً عليهم وعلى سكان الأحياء. ومنذ عودة حركة طالبان إلى السلطة في أفغانستان، كثفت جهودها لتعزيز سيطرتها الأمنية على كابل، بما في ذلك تركيب أكثر من 62 ألف كاميرا مراقبة أمنية في مناطق مختلفة من العاصمة. وكانت منظمة العفو الدولية قد أعربت في وقت سابق عن قلقها البالغ إزاء توسيع طالبان شبكات المراقبة الشاملة، محذرة من أن هذه الإجراءات تشكل انتهاكاً صريحاً لخصوصية المواطنين وتهديداً خطيراً للحريات الفردية والأمن العام.
سلّطت صحيفة «ذا صن» البريطانية الضوء على ظاهرة نشر سياح ومؤثرين أجانب صوراً ومقاطع فيديو توثق لقاءاتهم مع مقاتلي حركة طالبان في أفغانستان، وتُظهر تعامل عناصر الحركة معهم بصورة ودية، وسط مخاوف حقوقية من أن تسهم هذه المنشورات في تحسين صورة طالبان دولياً.
وذكرت الصحيفة أن عدداً من السياح الأجانب يلتقون بقادة ومقاتلين من طالبان خلال زياراتهم لأفغانستان، ويلتقطون الصور معهم، وينشرون مقاطع فيديو توثق جلسات احتساء الشاي والأحاديث الودية مع عناصر الحركة.
ومن بين هؤلاء، السائحة البريطانية كارين براون، البالغة من العمر 32 عاماً، التي نشرت مقطع فيديو عن رحلتها إلى أفغانستان، وشجعت متابعيها على زيارة البلاد.
وقالت براون للصحيفة إن معظم لقاءاتها مع عناصر طالبان اتسمت بالهدوء والود، مشيرة إلى أنهم رحبوا بها وقدموا لها الشاي خلال أول لقاء جمعها بهم.
ومع ذلك، أكدت أنها لا تسعى إلى الترويج لطالبان أو تأييد سياساتها، وإنما ترغب فقط في مشاركة تجاربها السياحية.
وفي السياق ذاته، تحدث السائح البريطاني أولي هارغريفز، الذي دخل أفغانستان خلال رحلة بالدراجة الهوائية من بريطانيا إلى أستراليا، عن تجارب متباينة مع عناصر طالبان.
وقال هارغريفز إنه واجه معاملة ودية في بعض المناطق، لكنه تعرض أيضاً لمواقف مقلقة، من بينها توجيه مقاتلين أسلحتهم نحوه عند نقاط التفتيش.
وأضاف أنه اضطر ذات ليلة إلى النوم داخل متجر برفقة مقاتلين من طالبان، بعدما مُنع من نصب خيمته في العراء.
كما أشار إلى أن بعض عناصر الحركة عرضوا عليه مقاطع فيديو لمعارك وهجمات انتحارية، وصف مشاهدتها بأنها تجربة مزعجة.
من جانبه، أثار السائح والمؤثر الأميركي برنت تيم، الذي يتابعه أكثر من 580 ألف شخص على إنستغرام، جدلاً بعد نشر مقاطع مصورة من أفغانستان ظهر فيها برفقة مقاتلين من طالبان.
ونشر تيم، بمناسبة الذكرى الخامسة لعودة طالبان إلى السلطة، مقطع فيديو من كابل وصف فيه احتفالات الحركة بأنها «واحدة من أسعد أيام السنة بالنسبة لكثير من الناس».
لكنه أقر لاحقاً بأنه كان ينبغي أن يكون أكثر دقة في اختيار عباراته، موضحاً أن الأشخاص الذين رافقهم كانوا يحتفلون، بينما يعيش ملايين الأفغان الآخرين واقعاً مختلفاً تماماً.
وقال المؤثر الأميركي إنه التقى عشرات المقاتلين من طالبان خلال رحلته، وإن أحدهم رافقه لمدة خمسة أيام، وتحدث معه عن سنوات الحرب وما وصفه بـ«جهاده».
ووفقاً لصحيفة «ذا صن»، كثفت طالبان منذ عودتها إلى السلطة عام 2021 جهودها لاستقطاب السياح الأجانب، في محاولة لتعزيز السياحة في البلاد.
وأشارت الصحيفة إلى أن الحركة نشرت العام الماضي مقطعاً ترويجياً بدأ بمشهد تمثيلي لعملية احتجاز رهائن، قبل أن يظهر في نهايته رجل يتحدث بلهجة أميركية ويرحب بالسياح.
في المقابل، أعرب ناشطون حقوقيون عن مخاوفهم من أن تسهم هذه المقاطع في تلميع صورة طالبان على الساحة الدولية، وصرف الأنظار عن القيود والانتهاكات التي تشهدها أفغانستان.
وتطرقت الصحيفة إلى القيود التي تفرضها طالبان على ظهور النساء وأصواتهن في الأماكن العامة، فضلاً عن التقارير المتعلقة بالعنف الأسري.
غير أن السياح الذين تحدثوا إلى الصحيفة شددوا على أن نقل تجاربهم الإيجابية خلال زيارة أفغانستان لا يعني تأييدهم لسياسات الحركة.
ويأتي ذلك بينما تواصل وزارة الخارجية البريطانية تحذير مواطنيها من السفر إلى أفغانستان لأي سبب، واصفة الوضع الأمني في البلاد بأنه غير مستقر وشديد الخطورة، ومحذرة من احتمال تعرض المواطنين البريطانيين للاعتقال لفترات طويلة.