في ظل ضعف العائد الاقتصادي للمحاصيل البديلة، فيما يقول كثير من المزارعين إنهم يواجهون صعوبات في تأمين الغذاء لأطفالهم.
وأفاد مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، في تقرير، بأن إجمالي إنتاج الأفيون في أفغانستان ارتفع من نحو 300 طن عام 2025 إلى قرابة 1500 طن عام 2026.
ووفقاً للتقرير، قفزت المساحات المزروعة بالخشخاش من نحو 10 آلاف هكتار عام 2025 إلى أكثر من 43 ألف هكتار عام 2026.
وكانت حركة طالبان قد حظرت زراعة الخشخاش عام 2022، إلا أن تطبيق القرار واجه صعوبات متزايدة مع مرور الوقت.
الفقر يخيم على حياة المزارعين الأفغان
كان محمد داوود، من قرية بابا يوسف في ولاية بلخ، يعيل أسرته من زراعة الخشخاش، لكنه بات يزرع القمح والقطن بعد فرض الحظر.
وقال المزارع البالغ من العمر 28 عاماً لوكالة "رويترز" إن دخله الحالي لا يتجاوز 2.5٪ من دخله السابق.
وأضاف داوود، الذي لا يزال ملتزماً بحظر زراعة الخشخاش: "كانت أوضاعنا جيدة، لكن أطفالي يعانون الآن من سوء التغذية".
في المقابل، استأنف بعض جيرانه زراعة الخشخاش، ويعمد المزارعون إلى إخفاء هذه النباتات وسط حقول الحبوب أو خلف الجدران الطينية، بعيداً عن أعين عناصر حركة طالبان.
وتنعكس الأزمة المعيشية أيضاً على أوضاع الأطفال، إذ حذرت منظمات تابعة للأمم المتحدة من أن سوء تغذية الأطفال بلغ مستويات حرجة هذا العام في 10 ولايات من أصل 34 ولاية أفغانية، وقد يرتفع العدد إلى 14 ولاية عام 2027.
وفي مركز عالم خيل الصحي بولاية بلخ، يرى العاملون الصحيون أن تراجع دخل المزارعين أحد الأسباب الرئيسية لارتفاع حالات سوء التغذية الحاد.
وقالت الممرضة في قسم التغذية سليمة محمدي لوكالة "رويترز" إن كثيراً من الأسر تواجه صعوبة في العثور على محاصيل بديلة توفر دخلاً كافياً للمعيشة منذ وقف زراعة الخشخاش.
وأضافت: "يمتلك الناس أراضي زراعية، لكن المحاصيل تتراجع عاماً بعد عام".
القمح قليل العائد والقطن رخيص والمياه مالحة
زادت موجات الجفاف المتتالية من صعوبة حياة المزارعين. ويقول المزارع غل نظر، البالغ من العمر 56 عاماً، من قرية بابا يوسف، إن مياه الأنهار وقنوات الري تراجعت، فيما أصبحت مياه الآبار شديدة الملوحة إلى درجة تضر بالمحاصيل الزراعية.
ووفقاً لمزارعي القرية، فإن عائد بيع القمح بالكاد يغطي تكاليف إنتاجه.
وقال غل نظر لوكالة "رويترز" إن زيادة المعروض من القطن في أفغانستان أدت إلى انخفاض أسعاره بنحو الثلثين، فيما تسبب إغلاق الحدود مع باكستان أواخر العام الماضي في حرمان المزارعين من أحد أسواقهم الرئيسية.
أما زراعة المحاصيل البستانية، مثل الفواكه والمكسرات، التي تقترحها المنظمات الإغاثية، فتحتاج إلى سنوات قبل بدء الإنتاج، فضلاً عن حاجتها إلى مصادر مياه مستقرة وطرق تصدير مفتوحة.
وفي استطلاع أجرته الأمم المتحدة العام الماضي، قال أكثر من 80٪ من الأسر في بلخ وولايتين مجاورتين إنها لم تتمكن من تعويض الدخل الذي فقدته بسبب حظر زراعة الخشخاش، أو عوضت جزءاً منه فقط.
ويرى دبلوماسيون أن تراجع المساعدات الخارجية والعزلة التي تواجهها حركة طالبان بسبب القيود المفروضة على حقوق النساء من العوامل التي فاقمت الفقر.
تحذيرات بشأن سوق الهيروين العالمي
قبل حظر زراعة الخشخاش، كانت أفغانستان تنتج نحو 80٪ من الأفيون في العالم. وإلى جانب استخداماته الطبية، كان الأفيون يشكل المادة الخام لإنتاج الهيروين الذي يصل إلى أوروبا عبر شبكات التهريب، ما أسهم في تفاقم أزمة الإدمان والفساد والصراعات الدامية.
وبعد فرض الحظر، ساعدت مخزونات الأفيون المنتجة في السنوات السابقة على تعويض نقص الإمدادات جزئياً، ومنعت ارتفاع الأسعار بصورة حادة في أوروبا، إلا أن الأمم المتحدة تحذر من احتمال اقتراب نفاد هذه المخزونات.
وبلغت عائدات بيع الأفيون في أفغانستان خلال العام الجاري 525 مليون دولار، وهو أعلى مستوى منذ عام 2018، باستثناء عام 2022.
وقال المحلل في منظمة "المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية" بادي غين، لوكالة "رويترز"، إن زيادة زراعة الخشخاش، إلى جانب نشاط شبكات تهريب المخدرات داخل أفغانستان وعلى طرق نقلها إلى الخارج، ترسم آفاقاً قاتمة للغاية للمستقبل.
وتعتبر حركة طالبان حظر زراعة الخشخاش إنجازاً يساعدها على اكتساب الشرعية الدولية، إلا أن وزير خارجيتها أمير خان متقي أقر بضرورة دعم سبل العيش البديلة.
وفي السياق نفسه، حذر ممثل مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في أفغانستان بولياك أوك ساري من أن حركة طالبان والمجتمع الدولي لم يقدما الدعم الكافي.
وقال غل نظر لوكالة "رويترز" إنه لن يعود إلى زراعة الخشخاش إذا تحسنت الظروف المعيشية لأسرته، لكنه لا يستطيع تقديم هذا التعهد إذا اشتد الفقر. وأضاف: "عندما يجوع الإنسان، يفعل أي شيء".