هل سقوط حكم الملالي في إيران يقلق طالبان؟

لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الاحتجاجات الواسعة في إيران، التي تتصاعد حدّتها مع مرور الوقت، ستفضي إلى انتقال سلمي للسلطة، أم أن السلطات ستلجأ، كما في مراحل سابقة، إلى احتوائها بالقمع والعنف.

لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الاحتجاجات الواسعة في إيران، التي تتصاعد حدّتها مع مرور الوقت، ستفضي إلى انتقال سلمي للسلطة، أم أن السلطات ستلجأ، كما في مراحل سابقة، إلى احتوائها بالقمع والعنف.
غير أن أي تحوّل كبير في إيران يمكن أن ينعكس سريعاً على أفغانستان.
دخلت الاحتجاجات في إيران أسبوعها الثالث، فيما يتابع الأفغان هذا الحراك عن كثب وباهتمام متزايد.
وتكتسب هذه الاحتجاجات أهمية خاصة لدى الأفغان بفعل الروابط الثقافية، والحدود المشتركة، والعلاقات الاقتصادية ومسارات العبور الواسعة، إضافة إلى وجود ملايين المهاجرين الأفغان في إيران، إلى جانب العلاقات الوثيقة بين الحكومة الإيرانية وحركة طالبان.
واتّسع نطاق الاحتجاجات، ولجأت السلطات إلى إطلاق النار في محاولة لاحتوائها، ما أسفر، بحسب منظمات حقوقية إيرانية، عن مقتل 46 شخصاً واعتقال أكثر من ألفي متظاهر –بحسب إحصائيات الأسبوع الماضي-.
كما كانت ردود الفعل الدولية لافتة، إذ حذّر دونالد ترامب من أن واشنطن ستتخذ إجراءات إذا واجهت الحكومة الإيرانية المتظاهرين بالعنف.
ويرى محللون أن احتجاجات إيران قد تؤثر مباشرة في الوضع الأفغاني. فخلال نحو 45 عاماً، كانت إيران أحد الفاعلين الرئيسيين في حروب وأزمات أفغانستان؛ من دعم فصائل المجاهدين في تسعينات القرن الماضي، إلى الصدام مع طالبان خلال مرحلة المقاومة الأولى، ثم التعاون ودعم طالبان في السنوات الأخيرة في مواجهة القوات الأجنبية والحكومة الأفغانية السابقة.
ومع ذلك، يبقى السؤال مطروحاً: هل يمكن لأي تغيير في إيران أن يصبّ في مصلحة أفغانستان، أم أن استمرار الوضع القائم هو السيناريو الأرجح؟
انعدام الثقة التاريخي
لا تعاني أفغانستان، بخلاف باكستان، من خلافات حدودية جوهرية مع إيران. ومع ذلك، اتّسمت العلاقات بين كابل وطهران خلال العقود الأربعة الماضية بدرجة من انعدام الثقة، رغم أن مرحلة الحكم الملكي شهدت علاقات شخصية وعائلية وثيقة بين الملك محمد ظاهر شاه والبلاط الإيراني.
ويقول شفيق شرق، الملحق الثقافي السابق لأفغانستان في إيران، إن العلاقات بين البلدين لم تكن مثالية طوال هذه السنوات. ويضيف أن هذه العلاقات "لم تكن جيدة بالكامل ولا سيئة بالكامل، واستمرار الوضع الحالي يعني استمرار هذا النمط".
ويتابع أن التأكيد المتكرر من حكومتي البلدين على التعاون وتعميق العلاقات لم يبدّد الشكوك المتبادلة بشكل كامل.
ويشير الدبلوماسي السابق إلى أن شريحة واسعة من الأفغان تعتقد أن سياسات طهران لم تُبنَ على مبدأ حسن الجوار، وأن تدخلاتها واتباعها سياسات مزدوجة أسهما في إطالة أمد الأزمة الأفغانية وتعميقها.
استياء من دعم إيران لطالبان
تُعد إيران من أبرز داعمي حركة طالبان في المنطقة. وبحسب مراقبين، لعبت دوراً مؤثراً في عودة طالبان إلى السلطة، وقدّمت لها الدعم والتسليح في جنوب غربي أفغانستان.
وبعد سيطرة طالبان على كابل، وسّعت إيران تعاونها مع الحركة، لتصبح شريكها الاقتصادي والسياسي الأول. ويزور مسؤولون من طالبان إيران بانتظام، فيما زار كابل مسؤولون إيرانيون رفيعو المستوى، بينهم وزير الخارجية وقادة عسكريون. وتصف طهران طالبان بأنها "الواقع القائم في أفغانستان"، وتدافع في المحافل الدولية عن سياسة الانخراط والتعاون معها.
ورغم ذلك، لم تُصدر طالبان حتى الآن أي موقف رسمي بشأن الاحتجاجات الجارية في إيران.
ويقول دبلوماسي أفغاني سابق عمل في إيران إن قسماً كبيراً من الشعب الأفغاني غير راضٍ عن دعم إيران لطالبان.
كما يرى أستاذ جامعي أن طهران ارتكبت "خطأ في الحسابات" بدعمها للحركة.
هل يضعف سقوط إيران طالبان؟
يقول ناشط سياسي معارض لطالبان: "تشعر طالبان بقلق شديد إزاء التطورات في إيران، لأنها تدرك أن أي تغيير جوهري في طهران ستكون له تداعيات فورية على أفغانستان".
وبرأيه، فإن أي سقوط محتمل للنظام في إيران قد يضعف أسس حكم طالبان.
لكنه يحذّر في الوقت ذاته من أن تحوّل الاحتجاجات إلى فوضى أو صراع داخلي ستكون له آثار سلبية على الشعب الأفغاني.
ويضيف أنه إذا طال أمد الأزمة في إيران، فقد تتراجع مكانة أفغانستان على أجندة الاهتمام الدولي، كما قد يفقد ملايين المهاجرين الأفغان في إيران وظائفهم ومصادر دخلهم، وهو ما سينعكس فوراً على حياة ملايين الأشخاص داخل أفغانستان.
ويؤكد وزير في الحكومة الأفغانية السابقة أن أي صراع استنزافي في دول الجوار يصبّ في مصلحة طالبان.
اعتماد طالبان على إيران
تُعد إيران وباكستان من أبرز داعمي إدارة طالبان. غير أن العلاقات بين طالبان وباكستان شهدت توتراً في الأشهر الأخيرة، واتجهت إسلام آباد إلى الابتعاد عن الحركة، ما أدى إلى تعليق العلاقات التجارية ومسارات العبور بين الجانبين.
وسعت طالبان إلى تقليص اعتمادها على الموانئ الباكستانية، فاتجهت بشكل أكبر نحو إيران، آملة في تعويض إغلاق المعابر عبر موانئ تشابهار وبندر عباس. وبعد تصاعد التوتر مع باكستان، ارتفع حجم التبادل التجاري بين أفغانستان وإيران بشكل ملحوظ.
وبحسب أرقام رسمية، يبلغ حجم التجارة السنوية بين الطرفين نحو أربعة مليارات دولار، ويرى مراقبون أن الحجم الفعلي للتبادل يتجاوز هذا الرقم بعد تقييد المسارات الباكستانية.
وفي الوقت نفسه، حاولت طالبان استبدال الأدوية الباكستانية بأدوية إيرانية وهندية. غير أن أي أزمة داخل إيران قد تفرض ضغوطاً جديدة على طالبان، إذ إن أي تغيير سياسي في طهران لن يكون بالضرورة في صالحها. ويعتقد مراقبون أن القوى التكنوقراطية والمعارضة للنظام في إيران لا تبدي رغبة في التعاون مع طالبان، ما يعني أن الحركة قد تفقد ثاني حليف إقليمي لها في حال حدوث تغيير هناك.
تغيير في القيادة لا في النظام؟
يرى بعض المراقبين الأفغان أن الاحتجاجات قد تقود إلى تغيير في القيادة، دون أن يعني ذلك بالضرورة تغيير النظام.
ويقول الباحث السياسي عمر صدر إن "السياسة الأميركية، ولا سيما في عهد ترامب، لم تعد تقوم على تغيير الأنظمة بالشكل التقليدي، بل على إضعاف القيادة أو استبدالها".
من جهته، شدد الملحق الثقافي الأفغاني السابق في طهران على أن الوقت لا يزال مبكراً للتكهن بمآلات الاحتجاجات.
وفي السياق نفسه، يقول وزير سابق في الحكومة الأفغانية إنه لا يؤمن بإمكانية تغيير النظام في إيران، ويرى أن الولايات المتحدة أيضاً لا تعتبر ذلك في مصلحتها، معتبراً أن "إيران تشكّل ذريعة مهمة لتسويق السلاح لإسرائيل ودول الشرق الأوسط".





أُفرج عن خليل الرحمن حقاني عام 2007 في صفقة تبادل ضخمة قادتها حركة طالبان باكستان، ليعود إلى ساحات القتال في أفغانستان؛ وبعد سنوات من النفوذ داخل طالبان، قُتل في تفجير انتحاري ما تزال ملابساته غامضة رغم مرور عام على الحادثة.
في أغسطس 2007 نقلت مروحية باكستانية نحو 27 سجيناً إلى منطقة ديرة إسماعيل خان قبل أن تتوجه لاحقاً إلى "وانّا"، وكان من بينهم القيادي البارز في طالبان خليل الرحمن حقاني.
حيث قُتل خليل الرحمن حقاني، في 11 ديسمبر العام الماضي، على يد انتحاري تابع لتنظيم داعش داخل مكتبه في الوزارة، غير أن الجوانب الغامضة للحادثة ما تزال غير واضحة رغم مرور عام كامل عليها.
كان شهر أغسطس2007 يوماً مفصلياً في مسيرة خليل حقاني، إذ أُطلق سراحه نتيجة عملية تبادل كبيرة للرهائن قادتها حركة طالبان باكستان، ليعود بعدها إلى ساحات القتال من جديد.
وبعد فشل محادثات لجنة مكوّنة من 21 عضوًا من قبيلة محسود، برئاسة عضو المجلس الوطني الباكستاني السابق مولانا معراج الدين محسود، والمتعلقة بتبادل الأسرى بين الجنود الباكستانيين ومقاتلي طالبان، أقدم زعيم طالبان باكستان بيت الله محسود على قتل ثلاثة جنود أسرى، وألقى بجثثهم على طريق وانا - جندوله، رداً على رفض الحكومة الباكستانية إطلاق سراح مقاتلي طالبان الأفغان والباكستانيين. وهدّد محسود حينها قائلًا: «إذا لم تطلقوا سراح أسرانا، فسنقدّم لكم مثل هذه الهدايا كل يوم».
وكان من أبرز مطالب حركة طالبان باكستان في تلك المفاوضات إطلاق سراح خليل الرحمن حقاني وعدد من أفراد شبكة حقاني.
بعد مقتل الجنود الباكستانيين، أبدت الحكومة الباكستانية استعدادًا للعودة إلى طاولة المفاوضات. وقد جرت المحادثات بين الجيش وطالبان برئاسة مولوي معاوية وزيرغي، المسؤول عن الشؤون الاقتصادية لدى حركة طالبان باكستان، وذلك في منطقة ديلا جنوبي وزيرستان.
وفي إطار هذه الصفقة أفرج الجيش عن عدد من شيوخ القبائل في وزيرستان، و43 مقاتلًا من طالبان، بينهم الحاج خليل الرحمن حقاني، إضافة إلى الدكتور نصیر الدين حقاني، وأمير خان حقاني، وشقيقي أختر محمد عثماني، ومالي خان زدران.
وقد عززت عملية خطف 350 جنديًا باكستانيًا على يد 20 مقاتلًا من طالبان في جنوب وزيرستان، والإفراج لاحقًا عن مجموعة كبيرة من قيادات شبكة حقاني مقابل إطلاق سراح الجنود، الشكوك الشعبية بأن العملية كانت جزءًا من خطة مزدوجة تهدف إلى تحرير كبار قادة الشبكة المحتجزين.

في تلك السنوات، كان خليل حقاني وعدد من قادة شبكة حقاني عرضة لخطر الاعتقال من قبل القوات الأميركية وإرسالهم إلى سجني باغرام أو غوانتانامو.
خليل الرحمن حقاني، الذي قُتل في 11 ديسمبر العام الماضي على يد انتحاري من داعش داخل وزارة شؤون اللاجئين، كان قد اعتُقل أول مرة عام 2003 على يد القوات الباكستانية. وكان يشرف من خلال بيوت الضيافة التابعة لشبكة حقاني في مناطق باكستانية مثل بورد، يونيفرسيتي تاون، حيات آباد، طريق كوهات، في بيشاور، وعلى جبهات القتال ضد القوات الأفغانية والأميركية، كما تولى قيادة مجموعة بيشاور تحت اسم «حاجي لالا».
وقد حافظ منذ أيام الجهاد الأفغاني على علاقات وثيقة مع الاستخبارات الباكستانية، إضافة إلى قادة الجماعات الدينية والمسلحة في البلاد.
يُعد خليل الرحمن حقاني شقيق مؤسس شبكة حقاني مولوي جلال الدين حقاني، وعمّ وزير الداخلية في طالبان حالياً سراج الدين حقاني، وكان من أبرز الشخصيات القيادية في الشبكة. كما كان هذا القيادي المُسنّ منخرطًا بشكل دائم في جهود الوساطة القبلية وتسوية الخلافات بين المجموعات.
ولعب أيضًا دورًا محوريًا في توسعة نفوذ شبكة حقاني.
وفي فبراير 2011 أدرجت وزارة الخزانة الأميركية اسمه على قائمة الإرهاب، ورصدت مكافأة قدرها خمسة ملايين دولار لمن يقدّم معلومات تؤدي إلى اعتقاله.
وفي التاسع من الشهر نفسه أدرجه مجلس الأمن في قوائم العقوبات استنادًا إلى الفقرة الثانية من القرار 1904 (2009)، واتّهمه بإقامة علاقات وثيقة مع تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن. كما اتهم بنقل عائلات ومقاتلين أجانب من شاهيكوت وبكتيا وبكتیکا وخوست إلى وزيرستان في باكستان.

مكانته داخل حركة طالبان
كان خليل الرحمن حقاني يُعتبر من أبرز الوزراء النشطين في حكومة طالبان خلال فترة حكمها الثانية، حيث تولى منصب وزير شؤون اللاجئين والعائدين. وأهم مهامه في هذا المنصب كانت إعادة ملايين الأفغان الذين طردوا أو فرّوا إلى إيران وباكستان نتيجة سنوات الحرب الطويلة. ووفقًا لمصادر طالبان، أشرف حقاني خلال فترة توليه الوزارة على عملية إعادة حوالي 1.5 مليون لاجئ أفغاني، ما شكّل مهمة ذات أهمية سياسية كبيرة للحركة.
إلى جانب كونه وزيرًا في حكومة طالبان، لعب خليل حقاني دورًا محوريًا في توسيع نفوذ شبكة حقاني. وقد اعتُبر اليد اليمنى لسراج الدين حقاني، نظرًا لعلاقاته الوثيقة مع الشيوخ القبليين والهياكل القبلية والفصائل المتشددة التابعة لطالبان. كما عمل على خلق بيئة داعمة لطالبان في ولايات خوست وبكتيا وبكتيكا من خلال عقد الملتقيات والوساطات القبلية، وهو ما ساهم بشكل حيوي في تعزيز حكم طالبان.
خلال فترة وزارته، أرسل وفود من شيوخ القبائل من جنوب أفغانستان إلى شمال البلاد لتعزيز الروابط بين القبائل، وملء الفراغ الديني لشبكة حقاني داخل الإدارة عبر النفوذ القبلي.
وأشار حاجي اعربار (71 عامًا)، الذي حارب إلى جانب خليل حقاني ضد حكومة الدكتور نجیب الله، لمراسل أفغانستان إنترناشيونال – البشتو، إلى أن حقاني لعب دورًا مهمًا في سقوط خوست خلال حكم الدكتور نجیب الله. وكان أيضًا اليد اليمنى لمولوي جلال الدين حقاني، وعندما استولت شبكة حقاني على عدة دبابات في المعارك، أسس تحت قيادته كتيبة مصفحة.
كانت مسؤولياته الأساسية تشمل توسيع نفوذ شبكة حقاني، الحفاظ على الروابط مع القيادة المركزية لطالبان، وخلق شرعية للحركة عبر الهياكل القبلية، وقد برع في هذه المهام.
وأشار عضو في مركز الدراسات الإقليمية، طلب عدم ذكر اسمه، إلى أن خليل حقاني بعد سقوط نظام طالبان الأول، عمل على حماية وتوسيع مراكز شبكة حقاني في شمال وزيرستان. كما أدار عمليات نقل وتموضع المقاتلين الأجانب، وهو ما كان ذا أهمية حيوية لتنظيم القاعدة وشبكات جهادية عالمية أخرى.
وقال: «أذكر أن خليل حقاني خلال الحكم الأول لطالبان كان على صلة وثيقة بأسامة بن لادن، الحسامي، وعدد من أعضاء القاعدة، وكان من الأشخاص الموثوقين لديهم».
كما لعب دورًا حاسمًا في تأمين خطوط الإمداد لشبكة حقاني، وتوفير الأسلحة والمعدات، وإدارة الموارد المالية، حيث كانت جهوده مركزة بشكل كبير في المناطق الحضرية الباكستانية، وكانت شبكة علاقاته وأنشطته واسعة النطاق.
وأضاف عضو مركز الدراسات الإقليمية: «علاقاته مع القبائل في باكستان كانت مستمرة منذ أيام الجهاد السابقة. في منطقة كورم، كانت له علاقات قوية مع القبائل السنية، وفي الوقت ذاته حافظ على علاقات بنّاءة مع السلطات الباكستانية. وقد مهد اتفاق كورم، الذي أُبرم لإنهاء النزاعات الدينية، لمواقع استراتيجية لشبكة حقاني، وكل ذلك كان نتيجة الوساطة والنفوذ الذي مارسه خليل حقاني».
اتفاق كورم والنزاعات الدينية
لعب خليل الرحمن حقاني وإبراهيم حقاني دورًا محوريًا في معاهدة 2008 التي هدفت إلى حل النزاعات الطائفية في كورم بإقليم خيبر بختونخوا. وبموجب هذه المعاهدة، توقفت النزاعات الدينية مؤقتًا، ما أتاح لشبكة حقاني فرصة التمركز في المناطق الاستراتيجية لكورم.
ووفقًا لتقرير أفغانستان إنترناشيونال – البشتو، كان لكل من الجيش الباكستاني وإبراهيم وخليل حقاني دور بارز في تنفيذ الاتفاق، كما تمكنوا من توسيع نفوذهم بين السكان المحليين. وقد قدم الشيعة والسنة مبلغًا قدره 40 مليون روبية كضمان، كما تم وضع شروط وقيود إضافية.
تمكنت شبكة حقاني من إعادة القبائل السنية عن طريق النزاع، وفي المقابل فتحوا طرقًا آمنة للوصول والإمدادات من مناطق الشيعة إلى أفغانستان.
في الأسبوع الأول من ديسمبر 2010، انعقدت جلسة تنسيقية أخرى لمدة ثلاثة أيام جمعت خليل حقاني وعددًا من قادة حركة طالبان باكستان، شيوخ القبائل، والمسؤولين المحليين الباكستانيين، وكان لخليل حقاني دور حاسم فيها أيضًا.
وبموجب هذه الجلسة، تعهد شيوخ قبائل أبريديو المقيمين في جمرود، سيري كمر، تخته بيك، وغوندي بالتعاون مع خليل حقاني، وعدم إغلاق الطرق الإمدادية أمامه.
وقد وفرت هذه الجلسة لشبكة حقاني وطالبان فرصة لتنظيم الشباب من المدارس الدينية المحلية لمصلحتهم، واستخدام خطوط الإمداد المتاحة بأمان وفاعلية.
وكانت إحدى الفوائد الأخرى لجلسة جمرود جذب أعضاء جدد لحركة طالبان باكستان، حيث انضم بعض الشباب من مدارس أبريديو وأوركزاي وتيراه إلى صفوف الحركة، وساهموا بدعم شبكة حقاني في تنفيذ الهجمات والعمليات داخل أفغانستان.

الريادة في العلاقات الاجتماعية والسياسية
في أغسطس2021، عندما دخلت طالبان إلى كابل واقتربت الحكومة الأفغانية من السقوط، كان خليل حقاني أحد ممثلي طالبان الذين أجروا محادثات مباشرة مع كبار مسؤولي الحكومة السابقة والزعماء السياسيين. ووفقًا لمصادر طالبان، كانت أهداف هذه المحادثات منع توسع الحرب، وتقليل إراقة الدماء خلال سقوط كابل، وإيجاد طريق سلس لانتقال السلطة.
تشير التقارير إلى أن خليل حقاني حضر بعض الاجتماعات في قصر الرئاسة، والتقى بشخصيات نافذة، بما في ذلك إرسال رسائل للرئيس السابق أشرف غني، بالإضافة إلى حامد كرزي وعبد الله عبد الله.
وفي مقابلته الأخيرة، ذكر أن حاكم ولاية بلخ السابق عطا محمد نور وعده بالتعاون إذا سيطرت طالبان على أفغانستان، كما أشاد بالمعارض السابق لطالبان أحمد شاه مسعود، وأبدى استعداده للقاء مع أحمد مسعود.
سعى حقاني لمنع ظهور مقاومة محتملة ضد طالبان، لكنه في الوقت ذاته كان ناقدًا لسياسات زعيم طالبان، ملا هبة الله أخوند زاده، وانتقد السياسات في قندهار قبل مقتله. ولهذا السبب يرى بعض المحللين أن اغتياله قد يكون نتيجة الخلافات الداخلية داخل طالبان.
بعد ترسيخ حكم طالبان في فترتها الثانية، شكّل قتل خليل حقاني على يد داعش ضربة كبيرة للحركة، نظرًا لأن طالبان تنكر وجود داعش في أفغانستان وتؤكد أنها قضت على التنظيم.
ومع مرور عام على مقتله، لم تتمكن إدارة طالبان حتى الآن من توضيح نتائج تحقيقاتها حول اغتياله وتحديد العوامل الحقيقية وراء الهجوم. وتبقى أكبر نقاط الغموض في الحادثة هي وصول الانتحاري إلى داخل الوزارة وتعطل أجهزة الماسح الضوئي. وقد أعلنت طالبان رسميًا أنّ الحادثة نفذتها داعش، وهو ما أكده التنظيم نفسه بتحمل المسؤولية عن الاغتيال.
منذ بداية رئاسته عام 2017، لم ينظر دونالد ترامب إلى أفغانستان باعتبارها مجرد ساحة حرب أو مهمة لمكافحة الإرهاب، بل كان يراها خزاناً ضخماً للموارد الطبيعية يمكنه، في رأيه، أن يعوّض التكاليف الهائلة للحرب، وأن يتحول إلى أداة نفوذ اقتصادي وسياسي للولايات المتحدة.
كانت رؤيته منذ البداية مبنية على منطق “الصفقة”. وبحسب ما أورده الكاتب والصحفي الأميركي بوب وودوارد، قال ترامب خلال ولايته الأولى: “أميركا أنفقت المال في أفغانستان، ولذلك يجب أن تحصل على نصيب من ثروات أرضها”.
هذا المنطق تحوّل لاحقاً إلى جزء من سياسة ترامب الجيو-اقتصادية في إطار منافسته المتزايدة مع الصين. واليوم يطرح سؤال جاد: هل يسعى ترامب فعلاً للوصول المباشر إلى معادن أفغانستان الغنية؟
من الفكرة إلى إغراء الاستخراج
يقول بوب وودوارد في كتابه “الخوف: ترامب في البيت الأبيض” إن ترامب قال خلال أحد الاجتماعات الأولى لمجلس الأمن القومي عام 2017، وهو يشير إلى الثروة المعدنية الأفغانية: “أفغانستان تمتلك مخزوناً ضخماً من المعادن. نحن لا نستخرجها كما تفعل الصين. يجب أن نحصل على جزء من هذه المعادن. ولن أعقد أي صفقة ما لم نسيطر عليها”. حاول وزيرا الدفاع والخارجية توجيه النقاش نحو الخيارات العسكرية والدبلوماسية، لكن ذهن الرئيس كان ثابتاً عند فكرة استخراج الموارد الطبيعية.
وبحسب الكتاب نفسه، فإنه بعد أشهر قليلة، وعلى هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، عرض الرئيس الأفغاني السابق أشرف غني على ترامب منح الولايات المتحدة حقاً حصرياً للوصول إلى معادن أفغانستان.
هذا العرض أثار غضب ترامب وحماسه في الوقت نفسه. ووفق رواية الكتاب، صرخ قائلاً: “هم يعرضون علينا معادنهم! لماذا لسنا هناك؟ الصينيون ينهبونها”. لكن مستشاريه أوضحوا له أن أفغانستان تفتقر إلى البنية التحتية والقوانين والبيئة الأمنية اللازمة لأي مشروع من هذا النوع. ورغم ذلك، أصر ترامب قائلاً: “يجب أن نرسل شركة، نطرح مناقصة، هذه هي الرأسمالية الحقيقية!”.
وفي اجتماع آخر في البيت الأبيض، عندما حاول مستشار الأمن القومي شرح أن الملف يخضع للمسار الرسمي في مجلس الأمن القومي، صرخ ترامب: “لا أريد هذه العملية اللعينة. اذهبوا واحصلوا على المعادن. إنها فرصة مجانية”. وفي نهاية الاجتماع، تطوّع وزير التجارة ويلبر روس وأعلن أنه سيتولى متابعة الملف. لكن لاحقاً، خلصت مراجعات وزارة الخارجية إلى أن المشروع غير قابل للتطبيق قانونياً وأمنياً. معظم المناجم كانت في مناطق تخضع لسيطرة طالبان، ولم توافق أي شركة أميركية على الاستثمار. كما حذّر الخبراء من أن خطوة كهذه ستتحول إلى مادة دعائية للجماعات المتشددة: “أميركا جاءت لتنهب ثرواتكم”.
الموارد المعدنية الحيوية… وإعادة تعريف المنافسة مع الصين
تُعدّ أفغانستان واحدة من أغنى المناطق جيولوجياً في العالم. ويقدّر الخبير الاقتصادي ويليام بيرد قيمة ثرواتها المعدنية بأكثر من تريليون دولار، وتشمل الليثيوم والنحاس والحديد والعناصر الأرضية النادرة، وهي مواد أساسية في صناعة البطاريات والتكنولوجيا الخضراء والصناعات العسكرية. وقد عززت الصين خلال السنوات الماضية سيطرتها على سلاسل التوريد العالمية لهذه المواد. وأدى ذلك إلى تحويل التنافس على “المعادن الحيوية” إلى أحد محاور المواجهة الاقتصادية بين واشنطن وبكين. حاول ترامب تحويل قضية المعادن إلى جزء من الأمن القومي الأميركي، فأصدر عدة أوامر تنفيذية لتعزيز سلاسل التوريد الداخلية وتقليل الاعتماد على الصين، التي تهيمن على نحو 90 في المئة من القدرة العالمية على استخراج ومعالجة هذه المعادن، وتستخدمها كورقة ضغط اقتصادية.
باغرام… "بوابة الثروة المعدنية الأفغانية"؟
يعتقد بعض الخبراء أن رؤية ترامب التجارية تجاه أفغانستان أصبحت أكثر وضوحاً خلال الأشهر الماضية، خصوصاً بعد تصريحاته المتكررة حول ضرورة استعادة قاعدة باغرام الجوية؛ ليس فقط كرمز للانسحاب “الكارثي” عام 2021، بل باعتبارها بوابة نحو الحزام المعدني الأفغاني، وأداة لمراقبة النفوذ الصيني المتزايد في المنطقة. ففي سبتمبر 2025 قال ترامب بوضوح: “نسعى لاستعادة باغرام”. وبعد أيام، حذّر من “عواقب سيئة” إذا رفضت طالبان تسليم القاعدة للولايات المتحدة. ورأى بعض المراقبين أن هذا الربط بين الأمن القومي والمعادن هو سبب ظهور توصيفات مثل “بوابة الثروة المعدنية الأفغانية” في الحوارات السياسية.
في الوقت نفسه، خصصت إدارة ترامب نحو 400 مليون دولار لمشاريع الطاقة والمعادن الحيوية في أوروبا، و400 مليون دولار لمواجهة النفوذ الصيني في نصف الكرة الغربي، وما يقارب مليار دولار لتعزيز قدرات الولايات المتحدة في مجال المعادن الحيوية داخل أراضيها. وكانت الرسالة واضحة: خفض المساعدات التقليدية، والتركيز على الاستثمار الاستراتيجي في سلاسل توريد خارج نطاق النفوذ الصيني.
توسع مفهوم “سلاسل التوريد الصديقة”، وبدأت واشنطن العمل بشكل أوثق مع دول آسيا الوسطى، كما اعتبرت باكستان حلقة مكملة للوصول إلى المعادن الحيوية. وتشير تحليلات عديدة إلى أن “الممر الأوسط” (من كازاخستان وبحر قزوين مروراً بالقوقاز وصولاً إلى أوروبا) يمكن أن يشكل جزءاً من الحل، رغم التحديات الكبيرة في البنية التحتية والنقل. وفي السياق نفسه، اعتُبر التقارب بين واشنطن وإسلام آباد في ملف المعادن الحيوية واستثمار شركة أميركية في معادن باكستان جزءاً من إعادة ترتيب إقليمي هدفه تقليل الاعتماد على الصين.
ومع ذلك، يشكك عدد من الخبراء في إمكانية تحول أفغانستان إلى خيار موثوق خلال المدى القريب. فالتقييمات المستقلة تؤكد أنه رغم وجود ثروات ضخمة، فإن ضعف البنية التحتية والطاقة والمياه والإطار القانوني المستقر يجعل التعدين الصناعي أمراً صعباً. وحتى في حال استخراج المواد الخام، فإن غياب القدرات الإقليمية على التكرير يبقى عقبة أساسية.
واقعية ترامب في مواجهة “حلم المعادن”
في ظل هذه المعطيات، يرى بعض الخبراء أن السياسة الواقعية للولايات المتحدة تجاه أفغانستان ومحيطها ستتجه على الأرجح نحو مسارات متوازية، من بينها خطوات محدودة داخل أفغانستان عبر مشاريع صغيرة وعقود انتقائية وتعاون أمني محدود، وذلك بهدف الحفاظ على حد أدنى من النفوذ دون عودة رسمية إلى باغرام أو نشر عسكري واسع. هذا النهج لن يغير في المدى القريب توازن القدرات الاقتصادية أو إمكانات التكرير، لكنه يبقي خيار التحرك السريع مفتوحاً في حال تغيرت الظروف.
وفي الوقت نفسه، ستواصل واشنطن توسيع تعاونها مع آسيا الوسطى وباكستان، لأن مسارات مثل الممر الأوسط، رغم بطئها، تُعد أكثر استقراراً من الاعتماد على أفغانستان وحدها. كما أن دور باكستان يبقى محورياً، إذ يصعب تخيل أي خطوة تجاه أفغانستان، بما فيها احتمال استعادة باغرام، من دون تنسيق مع إسلام آباد بسبب موقعها الجغرافي وقدرتها على التحكم بالطرق اللوجستية وتأثيرها داخل أفغانستان.
كما ستستمر إدارة ترامب في الاستثمار داخل الولايات المتحدة في مجالات التكرير والمواد الكيميائية وإعادة التدوير، وهي القطاعات التي تحدد فعلياً موقع الدول في سباق المعادن الحيوية العالمي. وإذا تم تعزيز هذه القدرات داخل الولايات المتحدة وحلفائها، فسينخفض الوزن الاستراتيجي لمناجم أفغانستان في المعادلة الكبرى. وستستخدم واشنطن أدواتها المالية لتوجيه المساعدات نحو دول حليفة تعمل في مجال المعادن الحيوية، وهو النهج الذي أعلنته الإدارة الأميركية في سبتمبر 2025 بهدف تقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الصينية.
بعد سيطرة طالبان، أصبحت الصين واحدة من أنشط القوى الأجنبية في قطاع التعدين في أفغانستان.
وتبقى الخلاصة أن هناك خطاً واضحاً يمتد بين “اندفاع ترامب في 2017” و”استراتيجيته في 2025”: فهو لا يزال ينظر إلى أفغانستان من منظور جيو–اقتصادي قائم على منطق الصفقة، حيث تتحول الثروات المعدنية إلى أداة تفاوضية في مواجهة الصين. وضغوطه من أجل استعادة باغرام، وإعادة تنظيم المساعدات الخارجية، وسياسة سلاسل التوريد الصديقة، كلها تتحرك ضمن هذا الاتجاه. يريد ترامب الوصول إلى معادن أفغانستان، فيما تسعى باكستان لإقناعه بأن الطريق إلى تلك الثروات يمر عبر إسلام آباد.
انتهت مفاوضات طالبان وباكستان التي استمرت أربعة أيام في إسطنبول من دون نتائج ملموسة، وسط تبادل الاتهامات بين الجانبين بعدم امتلاك الإرادة الحقيقية للتوصل إلى اتفاق.
ويبدو أن مستوى تمثيل الوفدين لعب دوراً في فشل المحادثات، إذ من المقرر أن تُعقد الجولة الثالثة في 6 نوفمبر الجاري على مستوى رفيع.
الجولة الثانية التي كانت مقررة ليومين امتدت إلى أربعة أيام، لكنها وُصفت بأنها أكثر فشلاً من الجولة الأولى التي جرت في الدوحة، حيث تمكّن الطرفان آنذاك من الاتفاق على وقف القتال وإقرار هدنة مؤقتة وتوقيع تفاهم أولي، بينما لم يتحقق في إسطنبول أي تقدّم، بل ازدادت حدة الخطاب بين الجانبين.
فقد حذّرت باكستان من أنها “ستُسقط طالبان وتعيدهم إلى جبال تورا بورا” إذا تواصلت هجمات المسلحين، فيما شنّ قادة طالبان أعنف هجماتهم الكلامية ضد إسلام آباد.
ومع ذلك، نجحت قطر وتركيا في منع انهيار المحادثات كلياً عبر صياغة بيان مشترك أكّد تمديد الهدنة وفتح الطريق أمام جولة ثالثة.
وتشير تصريحات وزير الدفاع الباكستاني إلى أن تركيا تمثل مصالح إسلام آباد، فيما تتولى قطر الدفاع عن مصالح طالبان.
استياء من مستوى التمثيل
البيان الختامي للجولة الثانية عكس استياء الوسطاء من مستوى الوفود المشاركة، إذ ضمّ الجانبان شخصيات من الصفين الثالث والرابع، ما جعل اتخاذ قرارات حاسمة بشأن القضايا المعقدة أمراً صعباً. واستغرق ممثلو الطرفين ساعات في التشاور مع كابل وإسلام آباد قبل أي خطوة.
أما الجولة الأولى في الدوحة، التي شارك فيها مسؤولون رفيعو المستوى، فقد أسفرت عن نتائج سريعة، لذا يُتوقع أن تضم الجولة المقبلة وزراء الدفاع أو الخارجية لزيادة فرص التوصل إلى اتفاق.
جوهر الخلاف
يتمحور الخلاف الرئيسي حول وجود ونشاط “حركة طالبان باكستان” داخل الأراضي الأفغانية. وتطالب إسلام آباد طالبان الأفغانية بتقديم ضمانات خطية بعدم استخدام أراضيها في الهجمات ضد باكستان، ووقف نشاط مقاتلي الحركة، ونقلهم من المناطق الحدودية إلى شمال أفغانستان، مع آلية تحقق من الالتزام بهذه التعهدات.
كما تطالب باكستان بأن يُعلن زعيم طالبان الأفغانية، الملا هبة الله آخوندزاده، “حركة طالبان باكستان” تنظيماً إرهابياً، وهو مطلب يُعدّ غير واقعي نظراً للجذور المشتركة بين الجانبين.
من جهتها، تؤكد طالبان أنها لا تسمح باستخدام الأراضي الأفغانية ضد باكستان، لكنها لا تستطيع ضمان وقف كامل للهجمات داخل الأراضي الباكستانية، مشيرة إلى أن تأمين الحدود الممتدة 2600 كيلومتر، ومعظمها مناطق جبلية وغابات، يتطلب موارد بشرية ومالية ضخمة.
ويرى المراقبون أن توقيع اتفاق يُنهي هجمات طالبان الباكستانية أمر غير ممكن، لأن طالبان الأفغانية لا تمتلك الإرادة السياسية ولا السيطرة الكاملة على مقاتلي الحركة، الذين تربطهم علاقات مع أطراف إقليمية عدة.
نقل المسلحين إلى شمال أفغانستان
موضوع آخر في المفاوضات تمثل في نقل المسلحين من الحدود الباكستانية إلى شمال أفغانستان. فقد نقلت طالبان بالفعل جزءاً من مقاتلي الحركة من ولايات كنر وننغرهار وبكتيا وبكتيكا وخوست إلى مناطق شمالية وجنوبية، لكن التقارير تشير إلى أن النقل لم يكتمل، وأن بعض المقاتلين عادوا إلى الحدود.
وتقول إسلام آباد إن طالبان طلبت 35 مليون دولار مقابل تنفيذ عملية النقل، فيما أقرّ المتحدث باسم طالبان بأن تنفيذ الخطة يتطلب تمويلاً كبيراً.
لكن مراقبين يرون أن نقل المقاتلين لا يحل المشكلة، لأنه يغيّر موقعهم لا أهدافهم، كما يثير مخاوف من “تغيير جغرافية الحرب” و”التركيبة السكانية” في بعض المناطق الأفغانية. كما أن اقتراب المسلحين من حدود طاجيكستان وأوزبكستان يثير قلق موسكو ودوشنبه وطشقند ويفتح الباب أمام توترات جديدة.
آفاق المفاوضات
رغم تصاعد التوتر، يرجّح مراقبون أن الجولة الثالثة في إسطنبول قد تسفر عن اتفاق بضغط من تركيا وقطر اللتين تملكان نفوذاً على الطرفين ولا ترغبان بفشل المسار.
ومع ذلك، تُظهر مواقف الجانبين أن التوصل إلى تسوية شاملة ودائمة لا يزال بعيد المنال، إذ بلغت العلاقات بينهما مرحلة الأزمة القصوى، وانعكست في تبادل التصريحات العدائية.
في الأشهر الأخيرة تغيّرت لهجة المسؤولين والإعلام الباكستاني، إذ بدأ بعضهم يهدد بإسقاط طالبان ويؤكد افتقارها للشرعية الشعبية والدستورية. كما تنشط وسائل إعلام مقربة من الجيش وشخصيات سياسية في انتقاد طالبان ودعم معارضيها، في حين يرد إعلاميو طالبان بخطاب حاد ضد باكستان وجيشها مستخدمين مصطلحات مثل “البنجاب” و”الجيش الباكستاني”، مع تمييز واضح بين الحكومة والشعب الباكستاني.
كما بدأ الخطاب الرسمي في إسلام آباد يتغير، إذ تصف وزارة الخارجية حكومة طالبان بأنها “نظام كابل”، في إشارة إلى تصاعد حدة التوتر وانعدام الثقة في جدوى الحوار.
في المقابل، تتهم طالبان باكستان بالسعي لتنفيذ “مشروع خارجي”. وقال المتحدث باسمها، ذبيح الله مجاهد، إن الجيش الباكستاني “يسعى لخلق أزمة تمهّد لعودة القوات الأميركية إلى قاعدة باغرام”، مشككاً في نيات إسلام آباد لتحقيق السلام.
وبينما تبدو مطالب باكستان صعبة أو مستحيلة التنفيذ، وتُعرف طالبان بعدم التزامها بالاتفاقات، فإن استمرار الأزمة بين الجانبين مرجّح.
وفي خضم ذلك، تحاول طالبان توظيف التوتر مع باكستان لتعزيز موقعها الداخلي، إذ تستثمر في الخطاب القومي الأفغاني لاستعادة دعم الشارع، وتروّج إقليمياً لفكرة أن باكستان تعمل لخدمة الأجندة الأميركية في أفغانستان، ما قرّبها سياسياً من روسيا وإيران ودول آسيا الوسطى.
ورغم هذا التقارب، تبقى باكستان لاعباً محورياً متمرّساً في المشهد الأفغاني، وقد أثبتت قدرتها في الماضي على إسقاط حكومات كابل، وإذا أرادت، يمكنها هذه المرة أيضاً أن تضع طالبان أمام تحديات خطيرة.
لقد عانى شعب منطقتنا أجيالًا طويلة من الانقسامات، والحروب، والتدخلات الأجنبية، والوعود المكسورة. ومع ذلك، ورغم هذا التمزق، ما زلنا مرتبطين بشيء أعمق من الحدود السياسية: جغرافيا وتاريخًا وثقافة وحضارة مشتركة تمتد من بلاد الشام إلى القوقاز، ومن الخليج إلى آسيا الوسطى والجنوبية.
نقف اليوم عند مفترق طرق حاسم. بعد عقود من التدخل الخارجي والصراعات الداخلية، باتت الفرصة لبناء مستقبل جديد قائم على إرادتنا وطاقاتنا متاحة. ولكن الأمر مرهون بنا – نحن القادة والمفكرون وشعوب الشرق الأوسط الكبير – لاغتنام هذه اللحظة قبل أن تفوت.
تتوجه حركة فجرستان للتكامل الإقليمي (FRIM) إليكم في هذا المنعطف التاريخي، لتؤكد أن الانقسامات الداخلية والهيمنة الخارجية على مدى قرون أضعفت منطقتنا وجعلتها مجزأة وعديمة الصوت في النظام العالمي. ومع ذلك، فقد بدأت أسس نظام إقليمي جديد تتشكل، وفرصة التحول باتت في متناول اليد.
تم تقديم رؤية المنطقة الحضارية الفجرستانية لأول مرة في كتابي عام 2007، وتوسعت لاحقًا في كتاب فجرستان: حركة إقليمية لتعايش الأمم (2011). تمثل هذه الرؤية نقدًا شاملًا وبديلاً متكاملًا للإيديولوجيات الداخلية الضيقة مثل التطرف الديني والقومية العرقية، وللنماذج الإقليمية المفروضة خارجيًا. فهي ترتكز على التراث الثقافي المشترك والروابط الحضارية كقوة أساسية للتكامل الإقليمي، وتدعو إلى بناء إقليمية حضارية ديمقراطية، تركز على الشعب والهوية المشتركة بدل الانغلاق الإيديولوجي أو التبعية للأطر الخارجية.
ترمز كلمة "فجر" إلى بداية جديدة، بينما تشير كلمة "ستان" إلى الأرض، وتشكل جزءًا من أسماء دول المنطقة مثل أفغانستان، باكستان، قرغيزستان، طاجيكستان، كازاخستان، تركمانستان، وأوزبكستان. وقد بدأت فكرة "فجرستان" كمشروع اتحاد بين هذه الدول، لكنها تطورت اليوم إلى رؤية شاملة لاتحاد حضاري ديمقراطي وتعددي، يعزز تقرير المصير الحضاري، ويدعو إلى تكامل أعمق، وحدود مفتوحة، وحركة حرة للأفراد والبضائع والخدمات.
استندت هذه الرؤية إلى دراسات وتحليلات للتجارب الإقليمية، مثل تفكك الاتحاد السوفييتي الذي مهد لتأسيس منظمة التعاون الاقتصادي (ECO)، وفشل تركيا في الانضمام للاتحاد الأوروبي، مما دفعها إلى إنشاء منظمة الدول التركية (OTS)، وكذلك انسحاب حلف الناتو من أفغانستان الذي خلق فراغًا وفرصًا جديدة للتعاون الإقليمي، بما في ذلك القمم المشتركة بين مجلس التعاون الخليجي وآسيا الوسطى.
تمتلك مؤسساتنا الإقليمية اليوم القدرة على دعم هذا الاتحاد الحضاري. فكل من ECO وGCC وOTS يمثل مجتمعًا يضم نحو 700 مليون نسمة، وإجمالي ناتج محلي يفوق 5 تريليونات دولار، مع احتياطيات هائلة من الطاقة ومشروعات استراتيجية مثل TAPI وCASA-1000 والممر الأوسط. ومن خلال توحيد القوانين، وفتح الحدود، ودمج الاقتصادات، يمكن لهذه المؤسسات أن تتحول من تكتلات مجزأة إلى قاعدة صلبة لنظام حضاري جديد.
كما تظهر فرص جديدة للمصالحة في المنطقة. فعملية السلام بين تركيا وحزب العمال الكردستاني أثبتت أن حتى أعمق الجروح القومية يمكن تجاوزها عبر الشمول السياسي. ويمكن أن يُلهم هذا النموذج المجتمعات المقسمة تاريخيًا مثل الأكراد، البلوش، والبشتون للسعي نحو التمثيل ضمن إطار إقليمي مشترك بدل الانفصال. وفي المقابل، يجب أن تفسح الإيديولوجيات الإقصائية مثل القومية العربية أو التركية أو الإيرانية المجال للشمول والتعددية.
لقد غذّت الصراعات الطائفية لعقود والأحلام الإمبراطورية حروبًا مدمرة، لكن اتفاق التطبيع بين إيران والسعودية عام 2023، والتحولات البراغماتية لدى طالبان في أفغانستان وهيئة تحرير الشام في سوريا، أثبتت أن الطائفية يمكن احتواؤها عبر الحوار، وأن التطرف يمكن ضبطه بالواقعية السياسية. هذه الأمثلة تثبت أن الشمول والتعددية ممكنان عندما يختار القادة التعاون بدل المواجهة.
على الصعيد الخارجي، يشهد العالم تحولات تصب في صالحنا، حيث يتجه الغرب نحو منافسة استراتيجية مع الصين، مبتعدًا عن عقود من الحروب والتدخل العسكري في الشرق الأوسط، ومركزًا على الدبلوماسية الاقتصادية والتطبيع والسلام. وقد ساهمت هذه التحولات في خلق فرص نادرة للمنطقة، من بينها الاعتراف بفلسطين ومبادرات السلام الإقليمية، واستثمارات الغرب في ممرات الطاقة والتكنولوجيا في الخليج وآسيا الوسطى.
إن الشرق الأوسط الكبير هو المنطقة الوحيدة في آسيا التي لا تمتلك تكتلًا إقليميًا متماسكًا. ومن خلال تأسيس تكتلنا الخاص، يمكننا تحقيق التكافؤ مع بقية المناطق الآسيوية، وموازنة النفوذ، وبناء علاقات متوازنة مع القوى العالمية، على أساس الكرامة والسيادة والتعاون، لا الهيمنة.
إن الاتحاد الحضاري الفجرستاني الذي نقترحه ليس استعادة لإمبراطورية، ولا وحدة قسرية، بل إطار شامل يكرم تراثنا المشترك ويصون كرامة الجميع — العرب والفرس والترك والأكراد والبشتون والبلوش، وسنة وشيعة على السواء. إنه يضمن حدودًا مفتوحة، وحركة حرة للأفراد ورؤوس الأموال، وهوية إقليمية قائمة على التعايش لا الإقصاء.
ويهدف هذا النظام الإقليمي الجديد إلى ضمان السلام والازدهار للمنطقة، داخليًا عبر الشمولية، وخارجيًا عبر التوازن وبناء علاقات سلمية مع القوى العالمية مع الحفاظ على حق تقرير المصير الإقليمي.
يقدّم الباحث الأفغاني في الدراسات الأمنية، بسم الله تابان، قراءة تحليلية لعلاقة باكستان بحركة طالبان، من مفهوم "العمق الاستراتيجي" إلى "المأزق الاستراتيجي"، متتبعاً خلفيات الغارات الجوية الأخيرة، وجذور الأزمة المتصاعدة بين الجانبين.
شنّت القوات المسلحة الباكستانية غارات جوية (رغم أن الجيش الباكستاني لم يعترف بذلك بشكل قاطع حتى الآن) في مساء العاشر من أكتوبر 2025 على عدة نقاط لا تقل عن ثلاث ولايات بينها العاصمة الأفغانية كابل، ما أثار ردود فعل متباينة. وأكّد المتحدث باسم طالبان بعد نحو ساعتين من سماع دوي الانفجارات في مدينة كابل في تغريدة مختصرة وقوع الانفجارات، واصفاً الموضوع بأنه ليس ذا أهمية تستدعي القلق. كما أصدرت وزارة الدفاع لدى الحركة، بعد تأخير يقارب 15 ساعة، بياناً موجزاً اعتبرت فيه الهجوم عملاً للقوات الجوية الباكستانية وحذّرت من تبعاته.
أبدى سياسيون أفغان سابقون أيضاً ردود فعل مختلفة؛ إذ أدان الرئيس السابق حامد كرزي الحادث، واعتبر مستشار الأمن الوطني السابق، رنغين دادفر سبنتا، أن ذلك يعدّ اعتداءً على أفغانستان، مشدداً على أن الموقف المناوئ لطالبان وحب الوطن قضيتان منفصلتان، وأن ما قامت به القوات الجوية الباكستانية هو اعتداء واضح على أفغانستان. ومنذ الدقائق الأولى، وبالرغم من أجواء الخوف والترقّب السائدين في ظل حكم طالبان، كتب سكان كابل عن سماعهم عدة انفجارات تحوّلت ومرور طائرات حربية في أجواء المدينة. وقد وجّه كثيرون، من دون انتظار موقف رسمي من طالبان أو اعتراف ضمني من الجيش الباكستاني، أصابع الاتهام نحو باكستان. في هذه الإحاطة المختصرة سأحاول تناول خلفية هذا الهجوم واستعراض السيناريوهات المحتملة من منظور أمني.
عزّزت طالبان وجودها سريعاً أمام القوى الجهادية الأخرى بدخولها من الأراضي الباكستانية إلى ولاية قندهار عام 1994. ولقيت الحركة في حكومتها الأولى دعماً ملحوظاً من عناصر ودوائر في باكستان، وهو ما أقرّ به وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف ووصفه بأنه «عمل قذر لأميركا»، وكانت باكستان واحدة من ثلاث دول اعترفت بطالبان خلال فترتها الأولى.
فرّ عناصر الحركة بعد هزيمتهم أمام قوات تحالف الشمال وحلف الناتو عام 2001 إلى مناطق القبائل في باكستان. ورغم اعتقال عدد من قادة طالبان، منهم ملا برادر في باكستان، فقد استخدمت الحركة خلال عقدين من فترة الحكومة الأفغانية السابقة أرض باكستان، ولا سيما مناطق إقليم خيبر بختونخوا وبلوشستان، ملاذاً آمناً، فتلقّت منها دعماً مالياً وبشرياً وتدريبياً وانطلقت منها لتقاتل ضد الشعب والحكومة الشرعية في أفغانستان.
استناداً إلى أدلة ووقائع جمةّ، كان الاعتقاد السائد أن طالبان هي حركة بالوكالة وعميلة لباكستان ضد الشعب الأفغاني، في وقت كانت باكستان نفسها داعماً رسمياً للحملة العالمية ضد الإرهاب، وتلعب دوراً مزدوجاً عبر إتاحة قواعد عسكرية ومسارات عبور لوجستية لقوات الناتو من خلال موانئها تجاه أفغانستان. وطالما أثارت هذه السياسة الملتبسة قلق الحكومات الأفغانية مطالبة باكستان بوقف إيواء عناصر طالبان، لكن الأمر استمر حتى استعادة طالبان للسلطة.
أثار صعود طالبان في أفغانستان فرحة لدى بعض السياسيين، لا سيما حزب تحريك إنصاف بزعامة رئيس الوزراء السابق عمران خان، ودوائر في المؤسسات الأمنية والعسكرية والدبلوماسية الباكستانية. زار الجنرال فيض حميد، رئيس الاستخبارات العسكرية الباكستانية، كابل ولعب دور "المدرّب" في تشكيل ما وصفته الدوائر بتوزيع المناصب في ما يسمى حكومة طالبان، وكانت تغريدة عن احتساء قهوته في فندق "سيرينا كابل" قد أثارت ضجة. لكن تلك الفرحة لم تطل أمدها في أوساط السياسة والأمن في باكستان، على نحو لم يكن كما وصفه السيد حميد "ممتعاً".
في الأيام التي كان فيها فيض حميد منشغلاً بالاحتفال الظاهري بانتصار طالبان في كابل، نُقلت آلاف قطع السلاح وملايين الطلقات المتبقية من القوات الحكومية والأجنبية، في الغالب من ولايات الجنوب والشرق الأفغاني، إلى داخل باكستان عبر طالبان وشريكهم البارز، حركة طالبان باكستان (TTP). وصلت هذه الأسلحة والذخيرة في الأسابيع الأولى لصعود طالبان إلى يد عناصر الحركة الباكستانية وجيش تحرير بلوشستان، مما ضاعف قدرات تلك الجماعات بأبعاد مختلفة.
تشير إحصاءات مراكز الأبحاث الإقليمية، لا سيما في باكستان، إلى أن صعود طالبان تزامن مع ارتفاع غير مسبوق في هجمات الجماعات الإرهابية داخل باكستان. ومع مرور كل يوم من حكم طالبان في أفغانستان كانت الحقائق الميدانية المؤكدة لخطر تهديدات أمنية داخل باكستان تتزايد، حتى أن أصوات أسلحة M4 وM16 الأميركية وعمليات السيارات المفخخة لحركة طالبان باكستان جعلت الأجهزة الأمنية الباكستانية تدرك أن ثمار البذرة المرة التي زرعتها قد أتت آكلها، لكن هذه الإدراك جاء متأخراً جداً.
كرر قادة باكستان مراراً قلقهم من التهديدات الإرهابية القادمة من أفغانستان متوقعين أن تتعامل طالبان الأفغانية بجدية مع هذه المخاوف وتتخذ إجراءات عملية، لكنّ ذلك لم يحدث؛ بل إن طالبان فرشّت السجّاد الأحمر لقيادات حركة طالبان باكستان وجيش تحرير بلوشستان، وأعدّت لهم ضيافات فاخرة في كابل وولايات أخرى. وبجانب تنظيمات إرهابية أخرى مثل القاعدة وجيش العدل وأنصار الله وحركة تركستان الشرقية والتحرير الإسلامي الأوزبكي، حازوا على وصول غير مقيد إلى مرافق النظام وحتى شُيّدت لهم مجمعات سكنية عصرية في نقاط متفرقة من أفغانستان.
تكرّرت مطالبات باكستان بلا جدوى، وردّت طالبان بإنكار وجود هذه الجماعات واعتبرته مسألة داخلية باكستانية، وكما يقال في المثل الدارج بين الأفغان: "أمسك مالك ولا تتهم جارَك بالسرقة". ومع وجود تقارير موثوقة عن وجود فصائل إقليمية ودولية، بما فيها حركة طالبان باكستان، في أفغانستان، استمرت طالبان الأفغانية في النفي، ولم تعترف حتى بوجود أو مقتل أيمن الظواهري. لكن الحقيقة أن هذه الجماعات متواجدة على نحو واسع في أفغانستان وتزداد قوتها يومياً لتشكّل تهديداً إقليمياً ودولياً.
أدّت تكرار مطالب باكستان وردود طالبان السلبية إلى قيام باكستان مرات عدة باستهداف عناصر حركة طالبان باكستان داخل أراضي أفغانستان بقصف جوي، وكان رد طالبان الأفغانية سابقاً مقتصراً على الإدانة والادعاء بوقوع ضحايا مدنيين. وآخر هذه الحوادث كان في ليلة العاشر من أكتوبر الجاري حين سمع سكان كابل دويّ انفجارات عنيفة.
نشر أهل كابل في تلك الليلة مئات الرسائل على الشبكات الاجتماعية تتحدث عن أصوات الانفجارات في أنحاء المدينة، لكن طالبان ظلت صامتة حتى بعد ساعتين حين أكّد ذبيح الله مجاهد، المتحدث باسم الحركة، في منشور على منصة "إكس" وقوع انفجارات وادّعى أن "كل شيء على ما يرام وبخير، ولم تحدث أي مشكلة". حاولت طالبان كعادتها طمس الموضوع بالكتمان والكذب، لكن شدة الانفجارات حالت دون ذلك.
أصدرت وزارة دفاع طالبان بيانها بعد نحو 15 ساعة لتقول إن القوات الجوية الباكستانية اخترقت الأجواء فوق كابل وأنها تندد بذلك. ومع ذلك، وبحسب معلومات متضاربة، فقد استُهدفت مواقع في كابل وكنر وبكتيا، وانفجرت في سماء كابل قنابل صوتية كبيرة. وربما كانت وظيفة تلك القنابل الصوتية التغطية على قنابل أكثر حساسية أُطلقت على أهداف مهمة أخرى.
بعد ليلتين، في 12 أكتوبر 2025، نشرت قوات طالبان عبر فيديوهات وصور ادّعت فيها أنها شنت هجمات على نقاط على امتداد خط ديورند/الحدود بين البلدين، واستولت على عدد من نقاط حراسة باكستانية وألحقت بها خسائر. وفي المقابل أكدّت باكستان وقوع اشتباكات وأنها استولت على عدة نقاط تابعة لطالبان وأسفرت عن قتلى كثيرين بينهم. وعلى الرغم من أن الأدلة المنشورة من كل طرف تشير إلى معارك مسلحة، فإن غياب وصول وسائل إعلام مستقلة حال حتى الآن دون تأكيد مزاعم أي من الطرفين من جهة محايدة.
وفي منتصف تلك الليلة نفسها، زعمت وزارة دفاع طالبان أن عملية الانتقام ضد القوات الباكستانية انتهت بنجاح. ووصف بعض الأفغان، خصوصاً داعمو طالبان، هذه الخطوة بنوع من الوطنية وحاولوا توظيفها لإكساب الحركة قبولاً شعبياً وشرعية داخلية، وهو ما سعت طالبان لتحقيقه طيلة الأربع سنوات الماضية. أما آخرون فاعتبروها عرضاً مضحكاً لتوجيه الرأي العام وزعموا أن قيادات طالبان على علاقة وثيقة بباكستان ولا تجرؤ على مواجهتها.
من جهة أخرى، لطالما اعتبرت طالبان أعمالها المسلحة خلال العقدين الماضيين "جهاداً" وادّعت أن لها التزاماً شرعياً للرد على "الاعتداء" على أراضي أفغانستان. لكن رداً على هذه الهجمات ظل زعيم طالبان صامتاً واكتفت التصريحات الرسمية بكلمات مثل "الانتقام" أو بالقول إن هناك "دوائر داخل باكستان تريد تشويه العلاقات"، دون إجراءات أكبر. وهنا يطرح السؤال: هل كان تدخل القوات الباكستانية داخل الأراضي الأفغانية اعتداءً؟ وإذا كان الجواب نعم، فلماذا ظل زعيم طالبان صامتاً؟ وإذا لم يكن اعتداءً بل عملية منسقة، فلماذا أطلقت طالبان تلك العروض الهزلية تحت اسم "الانتقام" لاحقاً؟
فما السيناريو التالي؟
يتزايد تعقيد اللعبة السياسية والعسكرية بين باكستان وطالبان يوماً بعد يوم. أقامت طالبان، خصوصاً جناح قندهار، علاقات مقربة مع الهند، وهو ما تُعدّه باكستان تهديداً خطيراً لأمنها القومي. وفي حرب قصيرة بين الهند وباكستان، وعلى نحو مخالف للتوقّعات، أعلنت طالبان حيادها (والحقيقة دعمت الهند). وفي تلك الفترة قام نائب وزير الداخلية للشؤون الأمنية في طالبان، مولوي إبراهيم صدر، برحلة سرية إلى الهند، كما عبَر عدد من عناصر حركة طالبان باكستان وبعض من طالبان الأفغان الحدود إلى باكستان لفتح جبهة جديدة في مناطق خيبر بختونخوا لإشغال القوات الباكستانية. وفي رد سريع جوي، أطلقت القوات الباكستانية النيران على نحو سبعين من هؤلاء أثناء دخولهم باكستان على الخطوط الحدودية بحسب ادعائها، ما أدى إلى القضاء على هذه الجبهة بحسب بيانها.
تزامنت الغارات الجوية الباكستانية أيضاً مع زيارة وزير خارجية طالبان أمیر خان متقي إلى الهند، الزيارة التي رحّبت بها الدوائر الهندية ومهّدت لعقد لقاءات متعددة مع مسؤولين ومؤسسات دينية، منها مدرسة دار العلوم ديوبند المعروفة بترويجها للتشدد الديني.
في مؤتمر صحفي بمقر السفارة الأفغانية في نيودلهي، وبين لوحة كبيرة لصورة بوذا باميان المدمّر خلفه، هدد متقي باكستان قائلاً: "لا تختبروا صبرنا". تلك العبارة، المتكررة مرات عدة، حسّاسة من حيث الزمان والمكان وأظهرت أن الهند استغلت وجود متقي لإعلان موقف سياسي ضد باكستان.
وفي مساء اليوم التالي للقصف على كابل نشر خواجة آصف، وزير الدفاع الباكستاني، عبر منصة إكس منشوراً تصعيدياً اعتبر فيه دخول قوات بلاده إلى أراضي أفغانستان حقاً لها؛ وهو موقف أثار ردة فعل لدى كثير من الأفغان حتى من معارضي طالبان. وفي مؤتمر صحفي في بيشاور بتاريخ 10 أكتوبر، أجاب المتحدث باسم الجيش الباكستاني عن سؤال ما إذا كانت باكستان نفّذت الضربة من عدمها قائلاً من دون اعتراف مباشر: "نحن مستعدون لاتخاذ أي إجراء لحماية شعبنا".
بدت لهجة تصريحات المسؤولين الباكستانيين متشددة ولا توحي بتسوية. وفي الوقت ذاته تحاول طالبان توظيف هذا الوضع لإشعال الحساسيات الوطنية لدى الأفغان وتغطية جرائمها الداخلية.
إلى أين يمكن أن يفضي هذا الصراع؟ هل ما ادّعاه خواجة آصف -أي احتمال دخول القوات الباكستانية إلى أفغانستان- قابل للتنفيذ؟ يبدو أن باكستان لن تقدم على مغامرة لا رجعة فيها إلا في حال أخطأت حساباتها وتجاهلت دروس التاريخ. ومن ناحية أخرى، طالما طالبان في السلطة فالأمل في تقليص التهديدات ومكافحة الإرهاب يُعد أمراً بعيد المنال ووهمياً.
وأعتقد أيضاً أنه بالنظر إلى علاقات باكستان الوثيقة مع الولايات المتحدة الأميركية، فإن شن غارة جوية على كابل من غير "ضوء أخضر" من البنتاغون والبيت الأبيض يبدو غير مرجّح. ويطرح هذا تساؤلاً مهماً: هل تمهّد هذه الأفعال لخطط دونالد ترامب الرامية إلى "استعادة" مطار باغرام؟ أياً يكن الأمر، لا يمكن للاحتلال الخارجي وحده أن يحلّ قضية أفغانستان وينهي ظلم طالبان؛ ويمكن أن يكون حلاً مؤقتاً على غرار ما حدث عام 2001، لكنه ليس بحلٍّ دائم.
وأرجح أن أنجع الطرق وأدومها لتفكيك سلطة طالبان تبدأ أولاً بتقوية خطاب وطني جاد وصادق يضم طالبان أيضاً؛ وإذا أخفقت هذه المقاربة أو رفضت طالبان المشاركة، فحينها يبرز خيار دعم سياسي وعسكري واستخباراتي للقوى المناوئة لطالبان. ويجب ألا ننسى أن وجود قوات أجنبية -حتى جندي واحد- قد يشرعن سرديات الجماعات المتطرفة مثل طالبان استناداً إلى تفسيرات دينية مغلوطة.
بناءً على ذلك، يمكن قراءة علاقات طالبان وباكستان ضمن ثلاثة سيناريوهات محتملة:
أولاً: قد تُستخدم الضربات الجوية الباكستانية كأداة ضغط تدفع طالبان إلى التفاوض مع إسلام آباد، والمطالبة بتسليم عناصر " حركة طالبان باكستان" وإخراجهم من أفغانستان. لكن تنفيذ هذا المطلب سيكون باهظ الثمن سياسياً وعلى صعيد المصداقية داخل صفوف طالبان.
ثانياً: انطلاق حوار لا نهاية له يستمر معه انعدام الأمن داخل باكستان، وإنْ ربما شهد تراجعاً إحصائياً بسيطاً؛ كما قد تُستخدم سياسة الضغط على اللاجئين الأفغان المقيمين في باكستان وسيلة للضغط على طالبان، في حين أن طالبان لا تعتبر نزوح اللاجئين قضية بل أداة تُفاقم معاناة الشعب الأفغاني داخلياً وتعتبر المطرودين مصدر تمويل عبر وجوب جمع العُشر والزكاة دون تقديم أي مساعدة لهم.
ثالثاً: تمهيد لحشد دعم دولي -وبرعاية تشمل باكستان وبدفع أميركي- للقوى المعارضة لطالبان بهدف إسقاط حكم الحركة مقابل وعدٍ بالقضاء على حركة طالبان باكستان، وهذا السيناريو يبدو أكثر احتمالاً واستدامة من سابقيه.