
قال المتحدث باسم حركة طالبان إن أفغانستان لا تحتاج إلى قانون، وإن أوامر زعيم الحركة ملا هبة الله آخوندزاده تقوم مقام القانون، وفي هذا النموذج من الحكم، يُعدّ تفسير الزعيم هو المعيار النهائي لتنظيم حياة أكثر من أربعين مليون إنسان،وهو نموذج أُلغي عملياً في التجربة البشرية منذ قرون.
وفي التاريخ المعاصر، فإن النموذج الوحيد الذي يشبه هذا النمط من حيث التركيز المطلق للقرار وتقدّم "الأمر" على أي إطار قانوني، هو زعامة تنظيم داعش في أجزاء من العراق وسوريا، مع فارق أساسي يتمثل في أن داعش لم تتح له أبداً فرصة إدارة دولة ذات هياكل رسمية وسكان بالملايين ومسؤوليات حكم كاملة.
لكن حركة طالبان تسيطر اليوم على بلد يضم مجتمعاً من أربعين مليون نسمة، واقتصاداً هشاً، وحاجة ملحّة إلى علاقات إقليمية ودولية، وملايين البشر ذوي الاحتياجات والاختلافات والمطالب المتنوعة.
نموذج آخر
في تاريخ البشرية، يمكن أيضاً العثور على أنظمة حكم حلّ فيها "كلام شخص واحد" محل القانون، لكن جميع تلك الأنظمة إما تغيّرت سريعاً، أو واجهت أزمات وانهيارات.
فالدستور في جوهره عقد سياسي بين "الحكومة" و"المواطن". وعندما يغيب هذا العقد، لا يبقى أي معيار ثابت يحدّد ما للحكومة من حقوق، وما للمواطن من حقوق.
في القرن العشرين، وخلال فترة ألمانيا النازية، كانت "إرادة الفوهرر" تحل عملياً محل القانون، وكانت القرارات الكبرى تُتخذ من دون الرجوع إلى الأطر القانونية، رغم أن ألمانيا النازية في عهد أدولف هتلر كانت تمتلك قوانين مكتوبة.
وتُظهر دراسة التاريخ والنظر إلى الأنظمة التي تخلّت عن القانون أن هذه الأنظمة تُصاب في النهاية بالإنهاك. فالمجتمع يتعب، وإدارة الدولة تصل إلى حالة من الفوضى، ويبلغ النظام السياسي نفسه مرحلة يُضطر فيها إما إلى التغيير أو إلى مواجهة أزمة خطيرة.
كيف تُدار أفغانستان اليوم؟
في بنية حكم طالبان، تتحول أوامر ملا هبة الله آخوندزاده، سواء كانت مكتوبة أم شفهية، فور تبليغها، إلى المصدر الأساسي للقانون. وتصبح هذه الأوامر ملزمة بعد نشرها في الجريدة الرسمية.
وقبل سقوط أفغانستان مجدداً بيد طالبان، كان البرلمان هو الجهة المخوّلة بالتشريع.
ويمثّل البرلمان عادة رمز تمثيل الشعب، وعندما يُصدر القانون من دون تصويت أو نقاش، فإنه بلا شك يفتقر إلى غطاء التمثيل والرضا الشعبي، وتكمن المخاوف الأساسية في أن القانون المرتبط بإرادة شخص واحد يمكن أن يتغيّر بتغيّر رأي ذلك الشخص نفسه.
في العملية البرلمانية، يُلزَم المسؤولون الحكوميون بتقديم الشروحات والمساءلة، لكن في القانون القائم على الفرد لدى ملا هبة الله، لا وجود لأي رقابة، لأن مُصدر القانون هو نفسه المرجع النهائي لاتخاذ القرار.
وإلى جانب ذلك، تبدي المؤسسات الدولية قلقها من أن اعتماد أوامر زعيم طالبان مرجعاً نهائياً للقرار والتشريع يؤدي إلى إضعاف سيادة القانون وانتهاك حقوق الإنسان.
وفي أفغانستان الخاضعة لإدارة طالبان، ومع الأوامر التي تصدر من قندهار، يصبح "التحكم الاجتماعي" هو المحور الرئيسي للحكم، وتُعد وزارة الأمر بالمعروف أكثر وزارات طالبان نشاطاً.
وفي أنظمة الحكم المعتادة في العالم، تكون الوزارات الأكثر حضوراً عادة هي الاقتصاد والصحة والتعليم والأشغال العامة والعمل والشؤون الاجتماعية، لأن إنتاج "حياة أفضل" هو معيار تقييم تلك الحكومات، أما في أفغانستان الحالية، فقد تحوّل إنتاج "القيود" إلى المحرّك الأساسي للحكم.
وفي نمط الحكم القائم، لا تركّز أوامر ملا هبة الله آخوندزاده على سائر جوانب الإدارة، ولا ترى بقية وزارات طالبان نفسها ملزمة بأداء مسؤوليات يمكن أن يكون لها تأثير اقتصادي أو ثقافي أو تعليمي أو صحي وغيرها.
قلق العالم وعزلة أفغانستان
حذّر مجلس الأمن الدولي، لدى تمديده مهمة بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى أفغانستان (يوناما) حتى مارس 2026، من أن السلام والرفاه لن يكونا ممكنين من دون تغيير القيود الواسعة المفروضة على النساء والفتيات.
ومن الواضح أن تشديد القيود يجعل مسار التفاعل مع العالم أكثر صعوبة.
ويشعر العالم بالقلق إزاء أفغانستان يُحكم فيها بأوامر شخص واحد، وفي تقريره الصادر العام الماضي إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، حذّر المقرر الأممي الخاص ريتشارد بينيت من أن هذا الوضع يؤدي إلى "عدم انسجام وعدم استقرار قانوني" في أفغانستان.
ويرى الاتحاد الأوروبي أن هذه الأوامر تفرض قيوداً قاسية على حياة الشعب الأفغاني. وذكرت وكالة رويترز في تقرير لها أن العديد من القوانين التي تطبّقها هيئة الأمر بالمعروف التابعة لطالبان مستمدة من أوامر زعيم الحركة.
كما دعا مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، إلى جانب مجموعة من خبراء الأمم المتحدة، المجتمع الدولي صراحة إلى عدم المضي في "تطبيع" العلاقات مع إدارة تقوم على التمييز وإقصاء النساء والفتيات.
وفي بيان لمنظمة العفو الدولية، جرى التأكيد على أن طالبان يجب أن تعيد إرساء "الإطار الرسمي للدستور والنظام القانوني" و"سيادة القانون"، وأن تضع حداً للعدالة التعسفية.
ويزداد اطّلاع العالم يوماً بعد يوم على نمط حكم طالبان. وقد قررت مؤسسات في الولايات المتحدة منع إرسال الأموال إلى أفغانستان، وهو ما قد يفضي إلى "عزلة مالية" واسعة ضد طالبان.
وأي شكل من أشكال العزلة يجعل حياة الأفغان أكثر صعوبة.
وعندما يرتبط كل شيء بأمر شخص واحد، تتأخر ملاحظة الأخطاء. وهذا الوضع، الذي يُعرف في أدبيات الحكم بـ"تشخيصن السلطة"، يُنهك أي نظام من الداخل على المدى الطويل، وقد يؤدي في نهاية المطاف إلى صراعات داخل بنية الحكم نفسها.