إنّ المشهد الضبابي للحرب والدمار في الشرق الأوسط، لم يقتصر أثره على إرباك الأوضاع السياسية والجيوسياسية، بل خلق کذلک فضاءً مضطرباً يجمع بين التفاؤل والتشاؤم، والغضب والأمل، والفخر والاشمئزاز، وما يتبع ذلك من أحكام قاسية لدى كثير من المراقبين.
الحرب في الشرق الأوسط ورؤیة آخرالزمان، غياب الخطاب المناهض للحرب | أفغانستان إنترناشيونال
ومن بين مظاهر السجالات الحادة في هذا السياق تنامي رؤیة آخرالزمان التي تربط الحرب المدمرة الجارية بأبعاد عقدية–ميتافيزيقية، الأمر الذي يسهم في إطالة أمدها. فوفقاً لهذه الرؤية، الصراع بين الحق والباطل قد بدأ منذ الأزل وسيستمر إلى الأبد، ولا سبيل إلى وضع حد لهذا النزاع. ويُنظر إلى الحروب الدائرة في الشرق الأوسط اليوم بوصفها تجسيداً معاصراً لهذا الصراع الأزلي. ووفق هذا المنظور، يقف معسكر الشر في جانب، فيما يقف معسكر الخير في الجانب الآخر، وبحكم الطبيعة المتناقضة لهذين المعسكرين لا يمكن تصور أي طريق للمصالحة أو التعايش بينهما. وبناءً على هذا التصور، لا يملك الإنسان سوى خيارين: إما أن يقف إلى جانب معسكر الحق الأبدي والخير المطلق، أو يجد نفسه – حتماً – في صف الباطل الأبدي والشر المطلق.
إنّ هذا التبسيط لصراع متعدد الطبقات يبدو مغرياً لكثيرين، ولا سيما لمن يعجزون عن استيعاب التعقيدات أو يفضلون الهروب من تحليلها. فهو يعفيهم من عناء الفهم والتفكيك، ويمنحهم في الوقت نفسه شعوراً مريحاً بالانتماء إلى معسكر الحق والخير. غير أنّ هذا التفكير المطلق والرؤية الثنائية للعالم لا يقتصران على طرف دون آخر؛ فهما حاضران في الجانبين معاً. فهناك من يرى الحرب «حرباً صليبية مقدسة» ويخوضها بهذه الروح، وهناك من يراها «معركة مقدسة ضد الصليبيين» ويواجهها بالمشاعر ذاتها. وفي الحقيقة، فإن الطرفين يلعبان في ميدان واحد: ميدان الاعتقادات الأخروية والمطلقات الأيديولوجية التي تؤمن بصراع أبدي بين الحق والباطل، أي ميدان «الحروب المقدسة». غير أنّ هذا الميدان يتجاهل سؤالاً منطقياً أساسياً: كيف يمكن للحرب، وهي أكثر الظواهر الإنسانية دنيوية ولا قدسية، أن تُمنح صفة القداسة؟
أما كيفية تمييز أنصار هذه الرؤية بين الحق والباطل، والمعيار الذي يعتمدونه لرسم الحدود بين الخير والشر الأبديين، فيمكن توضيحه بمثل طريف يُنسب إلى الملا نصر الدين (المترادف لجحا فی الأدب الفارسی) فقد سُئل مرة: أين مركز الأرض؟ فدق وتداً لحماره في الأرض وقال: هنا! فلما سُئل: وكيف عرفت ذلك؟ أجاب: إن لم تصدقوني فخذوا حبلاً وقيسوا الأرض بأنفسكم! إنّ معيار كثير من المؤمنين بالعقائد آخرالزمانیة في تحديد الحق والباطل يشبه هذا المثل؛ فهو النقطة التي غرسوا فيها وتد معتقداتهم، أو التي غُرست فيها تلك المعتقدات بفعل الروايات الخرافية، ثم يطالبون الآخرين بأن يقيسوا الأرض إن لم يقتنعوا.
وإذا خرجنا من الإطار المغلق لهذا النموذج الأيديولوجي، ونظرنا إلى هذه الحروب في ضوء معارف مثل الاقتصاد والعلوم السياسية والتاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي والأنثروبولوجيا وغيرها من الدراسات المنهجية، سنجد أنّ جميع الحروب والصراعات التي شهدها تاريخ الدولة البشرية عبر آلاف السنين كانت في جوهرها صراعات على المصالح المادية، ويمكن تفسيرها ضمن منطق «التنازع من أجل البقاء». وبلا شك فإنّ هذا التنازع في المستوى الإنساني أكثر تعقيداً بكثير مما هو عليه في المستوى الغريزي لدى الكائنات الأخرى، إذ يلتفّ غالباً بغطاء من الثقافة والمعتقدات.
ويُظهر لنا التاريخ أنّ جميع منظومات السلطة – السياسية والاقتصادية والدينية – عبر مؤسساتها المختلفة تسعى إلى توسيع نطاق نفوذها والحصول على مزيد من المصالح. وفي هذا السياق تُنتج سرديات أيديولوجية تمنح الحروب والتوسعات طابعاً من الشرعية. ومن خلال ذلك تُحفَّز الجنود، ويُستمال الرأي العام، وتُجعل التكاليف – التي غالباً ما يدفعها أبناء الطبقات الفقيرة بأرواحهم، فضلاً عن الخسائر التي تلحق بالمدنيين الأبرياء – أكثر قابلية للتحمل.
ولا تخرج الحرب الحالية في الشرق الأوسط عن هذه القاعدة، سواء أُرجعت جذورها إلى الحقبة الاستعمارية في القرن التاسع عشر أو إلى التطورات التي شهدها نصف القرن الأخير. فالعامل الأساسي في هذه التوترات والصراعات هو الرغبة في توسيع النفوذ السياسي والسيطرة على الموارد والمصالح، سواء من جانب قادة الثورة الإيرانية الذين جعلوا من الدين والأيديولوجيا الدينية منذ اليوم الأول أداة لنفوذهم الإقليمي، أو من جانب الولايات المتحدة وحلفائها منذ حقبة الحرب الباردة. ولذلك فإنّ هذا الصراع الذي انزلق اليوم إلى حرب مدمرة هو في جوهره صراع على النفوذ السياسي والاقتصادي وعلى الهيمنة على الموارد والمصالح، أكثر مما هو مواجهة بين الخير والشر أو معركة آخرزمانیة بين الحق والباطل.
أما السياسيون الذين يُدخلون الدين في هذا الصراع السياسي ويضفون عليه دوافع عقائدية، فإنهم يفعلون ذلك عن وعي كامل، لأنهم يدركون جيداً مدى فاعلية الدين في تعبئة الجماهير. وفي المقابل، فإنّ أولئك الذين يستحضرون يومياً روايات دينية صيغت عبر التاريخ، أو يستندون إلى الحروب الصليبية وأحداث القرون الماضية لإضفاء طابع ديني على الصراع، يتحولون إلى وقود لمعركة تحصد باستمرار أرواح الأبرياء والعزل.
إنّ الخروج من هذه الحلقة المفرغة لا يتحقق بإشعال النيران الدينية في الجانب الآخر بذريعة الاستخدام الأداتي للدين من هذا الطرف أو ذاك. فهذا الطريق جُرّب مراراً، وكانت نتيجته دائماً واحدة: حرب تعيد إنتاج حرب أخرى، وضحايا لا نهاية لهم، وبيوت مدمرة وحياة مضطربة. إنّ الطريق العقلاني للخلاص من هذه الحلقة، كما تشير دراسات حل النزاعات، يتمثل في الخروج من دائرة الأوهام العقائدیة والرؤی المؤدلجة والمساهمة في بناء خطاب مناهض للحرب.
ويجب أن يكون محور اهتمام كل من يسعى إلى عالم أكثر هدوءاً وحياة أكثر سلمية للبشر هو الوقوف في وجه كل أشكال إشعال الحروب، ومراجعة جميع الأيديولوجيات التي تبث الكراهية وتؤجج الصراعات. كما ينبغي أن تتصدر حماية أرواح الأبرياء والسعي إلى قدر أكبر من الأمن والرفاه للبشر قائمة الأولويات، وأن يتعرض السياسيون الذين يسلكون طريقاً معاكساً لضغوط تجبرهم على الكف عن إشعال مزيد من الحروب. وينبغي أن تكون نقطة الانطلاق هي الإنسان بوصفه إنساناً، لا الروايات الدينية ولا العقد التاريخية ولا الإسقاطات الأيديولوجية، بل الإنسان بغض النظر عن دينه أو لونه أو عرقه أو لغته أو هويته، والعمل من أجل بناء عالم أفضل له.
وهذا ليس مجرد توصية أخلاقية، بل ضرورة حيوية لحياة شعوب هذه الجغرافيا الملتهبة. ولا شك أنّ تحقيق هذا الهدف ليس أمراً سهلاً، لكن الطريق إليه واضح، ومن الخطوات الأساسية فيه منع السياسيين من جرّ الدين إلى هذا الصراع وإضفاء القداسة على أكثر الأفعال لا قداسة في حياة البشر.
ولا يقتصر تحويل القيم إلى أدوات في هذه الحروب على الدين وحده، بل يشمل أيضاً مفاهيم ثمينة مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان، التي يجري أحياناً استغلالها بصورة مشابهة. ومع ذلك، فإنّ الفصل بين مجال الدين ومجال السياسة، وإنهاء النزعات العقائدية المطلقة، يمكن أن يساهما في الحد من هذه الظاهرة. ففي هذه الحروب لا يوجد طرف يمثل الحق المطلق ولا طرف يمثل الباطل المطلق، لأن حياة البشر ليست ميداناً للحق والباطل المطلقين، ولأن الإنسان ليس كائناً ملائکیا خالصاً ولا شيطانياً خالصاً، ولأن تاريخ البشر ليس تجلياً صافياً للمقدس. وكما أن الإنسان كائن متعدد الطبقات، فإن المجتمع الإنساني وتاريخه أيضاً ليسا سوى حصيلة مركبة من هذه الطبقات المتعددة وغير الخالصة. وإذا نظرنا إلی الصراع الراهن حالیا بالمنطق العقلانی فسوف نجد له حلولا عقلانیا تنزع الثوب المتافیزیقی عنه وترسم طریقا اکثر موائمة للواقع واکثر احتمالا لإنهاء الأزمة الراهنة فی الشرق الأوسط مع دعم خطاب مناهض للحرب وداعم للسلام الدائم.