من القديس إلى إبليس.. ردود الفعل على مقتل زعیم

بعد مقتل السيد علي خامنئي، زعيم نظام ولاية الفقيه في إيران، اندلعت موجة من المواقف الحادة والمتناقضة في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي.
الکاتب الافغانی والباحث فی شئون الجماعات الدینیة

بعد مقتل السيد علي خامنئي، زعيم نظام ولاية الفقيه في إيران، اندلعت موجة من المواقف الحادة والمتناقضة في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي.
ولم تقتصر هذه المواقف على المجال الناطق بالفارسية، بل تجاوزت في الفضاء الرقمي حدوداً واسعة امتدت من العالم العربي إلى الأوساط الناطقة بالأردية والتركية.
ففي أحد طرفي هذا الجدل وقف من اعتبر خامنئي شخصية كبيرة وفريدة تتمتع بفضائل إنسانية عظيمة، ورأى في رحيله خسارة لا يمكن تعويضها، وفي الطرف الآخر من وصفه بدكتاتور إجرامي قاسٍ واحتفل بموته. ويكشف هذا التناقض العميق في الرأي العام في بلدان المنطقة عن مدى عمق الانقسامات داخل هذه المجتمعات، حيث لا يدخل أي طرف من موقع وسطي قريب من الحوار والتفاهم، الأمر الذي يجعل احتمال الوصول إلى توافق حول القضايا الكبرى أمراً يبدو شبه مستحيل. ومن الطبيعي أن مواقف الطرفين لم تقتصر على الشعارات، بل إن كل طرف يسعى إلى تعزيز موقفه عبر تقديم الحجج والإشارة إلى ما يراه حقائق ووقائع تدعم رؤيته.
يشير أنصار النظام الإيراني، أو على الأقل أولئك الذين يشعرون بالغضب والحزن لمقتل خامنئي، إلى خصائص في شخصيته يرون أنها جعلته يتفوق على كثير من قادة المنطقة، مثل فصاحته في الخطابة، ومعرفته بالفن والأدب، وإلمامه الواسع بالمعارف العامة، وصلابته في اتخاذ المواقف، ودعمه الكامل للقضية الفلسطينية، ومعارضته الصريحة لهيمنة الغرب.

ومن وجهة نظرهم، فإن هذه السمات مجتمعة، إلى جانب سجل طويل من النشاط السياسي ودخوله السجن في عهد الشاه، ومشاركته المؤثرة في تحولات الثورة الإيرانية وتقلبات المنطقة طوال ما يقرب من نصف قرن، جعلت منه شخصية كاريزمية تحولت إلى رصيد كبير لما يسمى بمحور المقاومة. ويضيفون أن طريقة مقتله نفسها، إذ لم يغادر الميدان في مواجهة أشد الهجمات وبقي في مكتبه حتى اللحظة الأخيرة، تعد كلها علامات على زعيم استثنائي نادر، ولذلك فإن شعوب المنطقة، في رأيهم، جديرة بأن تحزن لفقدانه وأن تبقى وفية لأهدافه بعد رحيله.
وفي المقابل، فإن الذين أبدوا الفرح بموته وعدّوه خطوة في طريق حرية الشعوب والتحرر من هيمنة الدكتاتورية، يركزون على جوانب أخرى في شخصيته وسيرته. فهم يرسمون له صورة سلبية تجمع بین تفاصيل صغيرة من حياته الشخصية و الطابع العام الاستبدادي لأسلوب حكمه. وما يقال عن حياته الخاصة، سواء ما يتعلق بحوادث أخلاقية في مرحلة المراهقة أو بأسلوب حياة ملكي في فترة الحكم، مثل امتلاكه مجموعة تضم ثلاثة آلاف غليون للتدخين وما شابه ذلك، ليس واضحاً ما إذا كان حقيقة أم من صنع خصومه. وحتى لو كان صحيحاً فإنه قد يسيء إلى تلك الصورة الكاريزمية، لكنه لا يمثل مسألة جوهرية في الحكم على سياسي بارز. أما ما يعد أكثر أهمية في نظر معارضيه فهو احتكار السلطة واعتماد أسلوب قائم على الاستبداد المطلق في إدارة الحكم، وهو أسلوب يؤثر مباشرة في حياة الناس، بل إن نطاقه يتجاوز حدود إيران ليطال شعوباً في دول أخرى أيضاً.

وبحسب حجج المعارضين، فإن خامنئي خلال فترة حكمه لم يتحمل أي معارضة، سواء كانت معارضة أيديولوجية من اليساريين والليبراليين، أو معارضة دينية من البهائيين والسنة، أو معارضة سياسية من التيار القومي-الديني ومئات الشخصيات المعروفة في السياسة الإيرانية، بما في ذلك رؤساء جمهورية سابقون وقادة الحركة الخضراء. ويرى بعضهم أنه كان تجسيداً للتعصب الديني الشديد، حتى إنه لم يسمح ببناء مسجد لنحو نصف مليون سني في طهران، بل إن المسجد الكبير لأهل السنة في مشهد، القريب من منزل عائلته، سُوّي بالأرض.
وخلال هذه السنوات كلها لم يسمح لأي فرد من بين نحو عشرين مليون سني في إيران بتولي منصب وزير أو سفير أو محافظ. كما تعرض قادة بارزون من أهل السنة، مثل العلامة مفتي زاده، والشيخ صالح ضيائي، والمولوي إبراهيم دامني، والماموستا ناصر سبحاني، وغيرهم من علماء السنة، للتعذيب والقتل على يد نظامه. وإلى جانب ذلك، فإن خصومه يرون في عداوته لشخصيات بارزة مثل آية الله منتظري، وتعاملِه القاسي مع حليفه القديم هاشمي رفسنجاني، وموته في ظروف غامضة، دليلاً إضافياً على شخصية حاقدة ضيقة الأفق، فضلاً عن ما عُرف بسلسلة اغتيالات المفكرين والشخصيات السياسية.
ويضيفون أنه إذا أضيف إلى ذلك إشعال الحروب في المنطقة وإراقة دماء مئات الآلاف في العراق وسوريا واليمن ولبنان، حيث كان خامنئي ومؤسسة حكمه طرفاً فيها، فإن سجلّه يصبح أكثر قتامة. وفي هذا السياق يبرز دوره في تدمير سوريا وما رافقه من مجازر واسعة ذات طابع طائفي حاد بوصفه أحد أكثر الملفات إثارة للجدل. ويقول هؤلاء إن ما اعتبره أنصاره صلابة في مواجهة الغرب لم يكن في الحقيقة سوى تصلب غير مبرر، أو ما يسميه الإيرانيون عناداً بلا معنى، أدى إلى جعل إيران في خصومة مع معظم دول العالم ومهّد الطريق للهجوم على أراضيها، وهو ما يعد بعيداً عن الحكمة السياسية. فبسبب أوهامه الأيديولوجية، جعل بلداً كبيراً هدفاً لعداوات كثيرة وعرّض وجوده للخطر.
وبغض النظر عمّا إذا كان المرء يشعر بالقرب من موقف مؤيدي خامنئي أو من موقف معارضيه، فإنه يدرك أن أوضاع الشرق الأوسط، أو غرب آسيا، أوضاع شديدة التعقيد ومتعددة الطبقات، بحيث يصعب إصدار أحكام قاطعة ومتصلبة حول الحق والباطل فيها. وربما لم يكن خامنئي قديساً كما يصوره أنصاره، ولا شيطاناً كما يراه خصومه، بل كان سياسياً دخل، بما له وما عليه من نقاط قوة وضعف، في متاهة من العلاقات المتشابكة بين السياسة والثروة والسلطة، وكان، رغم مهارته كلاعب بارز، في نهاية المطاف فريسة للاعبين أشد منه قوة. غير أن ما يستحق التأمل في الروح العامة لهذه المجتمعات هو ذلك المناخ المستقطب والمتوتر الذي أصبح جزءاً من نسيج الثقافة السياسية في هذه المنطقة، وسدّ طريق التضامن بين مختلف الفئات. ففي مثل هذا المناخ المشحون يُدفَع السياسيون أيضاً إلى مسار حاد لا يقبل المصالحة، يصنع منهم إما قديسين أو شياطين، وسط موجات من الأمل والخوف والغضب والضغينة، تجعل الخروج من الأزمات أكثر صعوبة من أي وقت مضى.





إنّ المشهد الضبابي للحرب والدمار في الشرق الأوسط، لم يقتصر أثره على إرباك الأوضاع السياسية والجيوسياسية، بل خلق کذلک فضاءً مضطرباً يجمع بين التفاؤل والتشاؤم، والغضب والأمل، والفخر والاشمئزاز، وما يتبع ذلك من أحكام قاسية لدى كثير من المراقبين.
ومن بين مظاهر السجالات الحادة في هذا السياق تنامي رؤیة آخرالزمان التي تربط الحرب المدمرة الجارية بأبعاد عقدية–ميتافيزيقية، الأمر الذي يسهم في إطالة أمدها. فوفقاً لهذه الرؤية، الصراع بين الحق والباطل قد بدأ منذ الأزل وسيستمر إلى الأبد، ولا سبيل إلى وضع حد لهذا النزاع. ويُنظر إلى الحروب الدائرة في الشرق الأوسط اليوم بوصفها تجسيداً معاصراً لهذا الصراع الأزلي. ووفق هذا المنظور، يقف معسكر الشر في جانب، فيما يقف معسكر الخير في الجانب الآخر، وبحكم الطبيعة المتناقضة لهذين المعسكرين لا يمكن تصور أي طريق للمصالحة أو التعايش بينهما. وبناءً على هذا التصور، لا يملك الإنسان سوى خيارين: إما أن يقف إلى جانب معسكر الحق الأبدي والخير المطلق، أو يجد نفسه – حتماً – في صف الباطل الأبدي والشر المطلق.
إنّ هذا التبسيط لصراع متعدد الطبقات يبدو مغرياً لكثيرين، ولا سيما لمن يعجزون عن استيعاب التعقيدات أو يفضلون الهروب من تحليلها. فهو يعفيهم من عناء الفهم والتفكيك، ويمنحهم في الوقت نفسه شعوراً مريحاً بالانتماء إلى معسكر الحق والخير. غير أنّ هذا التفكير المطلق والرؤية الثنائية للعالم لا يقتصران على طرف دون آخر؛ فهما حاضران في الجانبين معاً. فهناك من يرى الحرب «حرباً صليبية مقدسة» ويخوضها بهذه الروح، وهناك من يراها «معركة مقدسة ضد الصليبيين» ويواجهها بالمشاعر ذاتها. وفي الحقيقة، فإن الطرفين يلعبان في ميدان واحد: ميدان الاعتقادات الأخروية والمطلقات الأيديولوجية التي تؤمن بصراع أبدي بين الحق والباطل، أي ميدان «الحروب المقدسة». غير أنّ هذا الميدان يتجاهل سؤالاً منطقياً أساسياً: كيف يمكن للحرب، وهي أكثر الظواهر الإنسانية دنيوية ولا قدسية، أن تُمنح صفة القداسة؟
أما كيفية تمييز أنصار هذه الرؤية بين الحق والباطل، والمعيار الذي يعتمدونه لرسم الحدود بين الخير والشر الأبديين، فيمكن توضيحه بمثل طريف يُنسب إلى الملا نصر الدين (المترادف لجحا فی الأدب الفارسی) فقد سُئل مرة: أين مركز الأرض؟ فدق وتداً لحماره في الأرض وقال: هنا! فلما سُئل: وكيف عرفت ذلك؟ أجاب: إن لم تصدقوني فخذوا حبلاً وقيسوا الأرض بأنفسكم! إنّ معيار كثير من المؤمنين بالعقائد آخرالزمانیة في تحديد الحق والباطل يشبه هذا المثل؛ فهو النقطة التي غرسوا فيها وتد معتقداتهم، أو التي غُرست فيها تلك المعتقدات بفعل الروايات الخرافية، ثم يطالبون الآخرين بأن يقيسوا الأرض إن لم يقتنعوا.

وإذا خرجنا من الإطار المغلق لهذا النموذج الأيديولوجي، ونظرنا إلى هذه الحروب في ضوء معارف مثل الاقتصاد والعلوم السياسية والتاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي والأنثروبولوجيا وغيرها من الدراسات المنهجية، سنجد أنّ جميع الحروب والصراعات التي شهدها تاريخ الدولة البشرية عبر آلاف السنين كانت في جوهرها صراعات على المصالح المادية، ويمكن تفسيرها ضمن منطق «التنازع من أجل البقاء». وبلا شك فإنّ هذا التنازع في المستوى الإنساني أكثر تعقيداً بكثير مما هو عليه في المستوى الغريزي لدى الكائنات الأخرى، إذ يلتفّ غالباً بغطاء من الثقافة والمعتقدات.
ويُظهر لنا التاريخ أنّ جميع منظومات السلطة – السياسية والاقتصادية والدينية – عبر مؤسساتها المختلفة تسعى إلى توسيع نطاق نفوذها والحصول على مزيد من المصالح. وفي هذا السياق تُنتج سرديات أيديولوجية تمنح الحروب والتوسعات طابعاً من الشرعية. ومن خلال ذلك تُحفَّز الجنود، ويُستمال الرأي العام، وتُجعل التكاليف – التي غالباً ما يدفعها أبناء الطبقات الفقيرة بأرواحهم، فضلاً عن الخسائر التي تلحق بالمدنيين الأبرياء – أكثر قابلية للتحمل.
ولا تخرج الحرب الحالية في الشرق الأوسط عن هذه القاعدة، سواء أُرجعت جذورها إلى الحقبة الاستعمارية في القرن التاسع عشر أو إلى التطورات التي شهدها نصف القرن الأخير. فالعامل الأساسي في هذه التوترات والصراعات هو الرغبة في توسيع النفوذ السياسي والسيطرة على الموارد والمصالح، سواء من جانب قادة الثورة الإيرانية الذين جعلوا من الدين والأيديولوجيا الدينية منذ اليوم الأول أداة لنفوذهم الإقليمي، أو من جانب الولايات المتحدة وحلفائها منذ حقبة الحرب الباردة. ولذلك فإنّ هذا الصراع الذي انزلق اليوم إلى حرب مدمرة هو في جوهره صراع على النفوذ السياسي والاقتصادي وعلى الهيمنة على الموارد والمصالح، أكثر مما هو مواجهة بين الخير والشر أو معركة آخرزمانیة بين الحق والباطل.
أما السياسيون الذين يُدخلون الدين في هذا الصراع السياسي ويضفون عليه دوافع عقائدية، فإنهم يفعلون ذلك عن وعي كامل، لأنهم يدركون جيداً مدى فاعلية الدين في تعبئة الجماهير. وفي المقابل، فإنّ أولئك الذين يستحضرون يومياً روايات دينية صيغت عبر التاريخ، أو يستندون إلى الحروب الصليبية وأحداث القرون الماضية لإضفاء طابع ديني على الصراع، يتحولون إلى وقود لمعركة تحصد باستمرار أرواح الأبرياء والعزل.
إنّ الخروج من هذه الحلقة المفرغة لا يتحقق بإشعال النيران الدينية في الجانب الآخر بذريعة الاستخدام الأداتي للدين من هذا الطرف أو ذاك. فهذا الطريق جُرّب مراراً، وكانت نتيجته دائماً واحدة: حرب تعيد إنتاج حرب أخرى، وضحايا لا نهاية لهم، وبيوت مدمرة وحياة مضطربة. إنّ الطريق العقلاني للخلاص من هذه الحلقة، كما تشير دراسات حل النزاعات، يتمثل في الخروج من دائرة الأوهام العقائدیة والرؤی المؤدلجة والمساهمة في بناء خطاب مناهض للحرب.
ويجب أن يكون محور اهتمام كل من يسعى إلى عالم أكثر هدوءاً وحياة أكثر سلمية للبشر هو الوقوف في وجه كل أشكال إشعال الحروب، ومراجعة جميع الأيديولوجيات التي تبث الكراهية وتؤجج الصراعات. كما ينبغي أن تتصدر حماية أرواح الأبرياء والسعي إلى قدر أكبر من الأمن والرفاه للبشر قائمة الأولويات، وأن يتعرض السياسيون الذين يسلكون طريقاً معاكساً لضغوط تجبرهم على الكف عن إشعال مزيد من الحروب. وينبغي أن تكون نقطة الانطلاق هي الإنسان بوصفه إنساناً، لا الروايات الدينية ولا العقد التاريخية ولا الإسقاطات الأيديولوجية، بل الإنسان بغض النظر عن دينه أو لونه أو عرقه أو لغته أو هويته، والعمل من أجل بناء عالم أفضل له.
وهذا ليس مجرد توصية أخلاقية، بل ضرورة حيوية لحياة شعوب هذه الجغرافيا الملتهبة. ولا شك أنّ تحقيق هذا الهدف ليس أمراً سهلاً، لكن الطريق إليه واضح، ومن الخطوات الأساسية فيه منع السياسيين من جرّ الدين إلى هذا الصراع وإضفاء القداسة على أكثر الأفعال لا قداسة في حياة البشر.
ولا يقتصر تحويل القيم إلى أدوات في هذه الحروب على الدين وحده، بل يشمل أيضاً مفاهيم ثمينة مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان، التي يجري أحياناً استغلالها بصورة مشابهة. ومع ذلك، فإنّ الفصل بين مجال الدين ومجال السياسة، وإنهاء النزعات العقائدية المطلقة، يمكن أن يساهما في الحد من هذه الظاهرة. ففي هذه الحروب لا يوجد طرف يمثل الحق المطلق ولا طرف يمثل الباطل المطلق، لأن حياة البشر ليست ميداناً للحق والباطل المطلقين، ولأن الإنسان ليس كائناً ملائکیا خالصاً ولا شيطانياً خالصاً، ولأن تاريخ البشر ليس تجلياً صافياً للمقدس. وكما أن الإنسان كائن متعدد الطبقات، فإن المجتمع الإنساني وتاريخه أيضاً ليسا سوى حصيلة مركبة من هذه الطبقات المتعددة وغير الخالصة. وإذا نظرنا إلی الصراع الراهن حالیا بالمنطق العقلانی فسوف نجد له حلولا عقلانیا تنزع الثوب المتافیزیقی عنه وترسم طریقا اکثر موائمة للواقع واکثر احتمالا لإنهاء الأزمة الراهنة فی الشرق الأوسط مع دعم خطاب مناهض للحرب وداعم للسلام الدائم.
لم يعد التوتر القائم بين باكستان وحركة طالبان قابلاً للتفسير ضمن إطار المناوشات الحدودية التكتيكية أو ما يوصف أحياناً بـ«لعبة القط والفأر».
فبعد مرور أربع سنوات على عودة طالبان إلى السلطة في كابول، لم تحقق إسلام آباد ما كانت تعتبره «عمقاً استراتيجياً»، بل وجدت نفسها أمام تصاعد ملحوظ في التهديدات الأمنية الداخلية، ولا سيما الهجمات التي تُنسب إلى حركة طالبان باكستان.
وتشير تقارير رسمية وبيانات صادرة عن مراكز بحثية أمنية في المنطقة إلى أن عدد الهجمات في ولايتي خيبر بختونخوا وبلوشستان ارتفع منذ عام 2022، ما أدى إلى زيادة الخسائر في صفوف قوات الأمن والمدنيين.
وما يجري اليوم بين إسلام آباد وكابول الخاضعة لسيطرة طالبان يعكس، في جوهره، خطأً في الحسابات ضمن معادلة توازنات القوة، وهو خطأ تحوّل تدريجياً إلى معضلة أمنية معقدة.
من «العمق الاستراتيجي» إلى عودة التهديد
على مدى العقدين الماضيين، نظر جزء مهم من النخبة الأمنية في باكستان إلى أفغانستان من زاوية مفهوم «العمق الاستراتيجي»، القائم على افتراض أن وجود حكومة حليفة في كابول يمنح باكستان هامش أمان في مواجهة خصمها التقليدي، الهند.
وعقب عودة طالبان إلى الحكم عام 2021، تحدث بعض الساسة في إسلام آباد عن «فرصة جيوسياسية» تحققت لبلادهم.
لكن الوقائع الميدانية سارت في اتجاه مختلف؛ إذ تصاعدت هجمات حركة طالبان باكستان داخل الأراضي الباكستانية، وتحولت المناطق الحدودية إلى بؤرة متزايدة للاضطراب.
ومع اتهام باكستان لجماعات مسلحة باستخدام الأراضي الأفغانية قاعدة لشن هجمات ضدها، نفذت القوات الباكستانية عدة ضربات جوية في المناطق الحدودية، وهو ما قوبل بردود فعل انتقامية من جانب طالبان.
ووفق تقارير إعلامية، جرت محادثات بين الطرفين في الدوحة وأنقرة، تمحور أحد أبرز مطالب إسلام آباد خلالها حول كبح نشاط قادة حركة طالبان باكستان أو تسليمهم، إضافة إلى تقديم ضمانات مكتوبة للسيطرة على الجماعات المسلحة. غير أن طالبان لم تقدم حتى الآن تعهدات علنية قابلة للتحقق في هذا الشأن.
معضلة طالبان: الكلفة الأيديولوجية أم تهديد البقاء؟
تجد طالبان نفسها اليوم أمام معضلة تقليدية في سياسات القوة: فإذا اتخذت إجراءات حازمة ضد الجماعات المتحالفة معها أيديولوجياً، فقد تخسر جزءاً من شرعيتها داخل الشبكات الجهادية؛ أما إذا امتنعت عن ذلك، فإنها قد تواجه ضغوطاً متزايدة، وربما إجراءات عسكرية من جانب باكستان.
هذا الوضع يعكس ما يُعرف في نظرية الواقعية البنيوية بـ«معضلة الأمن»، حيث يؤدي سعي أحد الأطراف لتعزيز أمنه إلى زيادة شعور الطرف الآخر بعدم الأمان.
ويشير المفكر الواقعي هانس مورغنثاو إلى أن السياسة الدولية هي في جوهرها صراع على القوة، وأن الدول تسعى أولاً إلى ضمان بقائها. ومن هذا المنظور يمكن فهم سلوك باكستان باعتباره محاولة لاحتواء تهديد داخلي، لا مجرد موقف أيديولوجي. وفي المقابل، تتحرك طالبان وفق منطق البقاء أيضاً، متجنبة أي خطوات قد تُحدث انقساماً داخل قاعدتها الأيديولوجية.
أما كينيث والتز، أحد أبرز منظري الواقعية البنيوية، فيؤكد أن غياب سلطة مركزية في النظام الدولي يدفع الدول إلى الاعتماد على قدراتها الذاتية لضمان أمنها. وينطبق هذا المنطق إلى حد كبير على العلاقة بين باكستان وطالبان، حيث إن غياب حكومة أفغانية معترف بها دولياً يحدّ من قنوات إدارة الأزمات بشكل رسمي.
سيناريو بديل: ورقة خصوم طالبان
في الأشهر الأخيرة، تحدثت تقارير عن لقاءات جمعت بعض شخصيات المعارضة الأفغانية مع مسؤولين باكستانيين.
ورغم أن إسلام آباد لم تعلن رسمياً دعمها لأي معارضة منظمة ضد طالبان، فإن احتمال بحثها عن أدوات ضغط بديلة بات مطروحاً في التحليلات السياسية.
ومن منظور الواقعية الهجومية، التي يمثلها الباحث جون ميرشايمر، تميل الدول عند مواجهة تهديدات متزايدة إلى تعظيم أمنها عبر إعادة تشكيل ميزان القوى.
وإذا لم تتمكن طالبان من كبح نشاط حركة طالبان باكستان، فقد تميل إسلام آباد إلى دعم محدود وتكتيكي لترتيبات سياسية بديلة داخل أفغانستان.
الفجوة بين الواقعية والأخلاق السياسية
في الرأي العام الأفغاني، يسود قدر كبير من عدم الثقة تجاه الدور التاريخي لباكستان، وهو شعور متجذر في عقود من التدخلات المتبادلة والتوترات القومية والنزاعات الحدودية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي تقارب بين معارضي طالبان وإسلام آباد قد يترتب عليه ثمن سياسي وأخلاقي مرتفع.
وهنا يظهر التناقض بين «الواقعية السياسية» و«الاعتبارات الأخلاقية». فقد يبدو التعاون مع باكستان من منظور توازن القوى خياراً عملياً لبعض خصوم طالبان، لكنه قد يضعف شرعيتهم الاجتماعية داخل أفغانستان.
كما يذكّر مورغنثاو بأن الأخلاق حاضرة في السياسة الخارجية، لكنها غالباً ما تُعاد صياغتها في ظل اعتبارات القوة.
تبدو باكستان اليوم أمام معادلة معقدة: فطالبان ليست شريكاً أمنياً يمكن الاعتماد عليه بالكامل، وفي الوقت نفسه ليست خصماً يمكن إقصاؤه بسهولة.
وفي المقابل، تواجه قوى المعارضة الأفغانية معضلة الثقة والشرعية.
وإذا كانت إسلام آباد تسعى فعلاً إلى احتواء التهديدات الأمنية القادمة من الأراضي الأفغانية، فإن الدفع نحو إطار سياسي أكثر شمولاً في كابول قد يكون خياراً أكثر استدامة من الاكتفاء بالتنسيق الأمني المؤقت.
فوجود حكومة تحظى بقدر من الشرعية الداخلية والقبول الخارجي يمكن أن يفتح المجال لتعاون أمني أكثر فاعلية.
غير أن تحقيق مثل هذا السيناريو يتطلب إعادة نظر في حسابات جميع الأطراف: إذ يتعين على باكستان الابتعاد عن التعامل الأداتي مع القوى السياسية الأفغانية والعمل على بناء قدر من الثقة، في حين تحتاج القوى المعارضة لطالبان إلى مقاربة واقعية لموازين القوى في المنطقة، بعيداً عن ردود الفعل العاطفية أو الحسابات التاريخية.
وفي غياب ذلك، قد تستمر دوامة التوازنات والصراعات، وهي دوامة لا تمنح باكستان أمناً دائماً، ولا توفر لأفغانستان الاستقرار السياسي المنشود.
لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الاحتجاجات الواسعة في إيران، التي تتصاعد حدّتها مع مرور الوقت، ستفضي إلى انتقال سلمي للسلطة، أم أن السلطات ستلجأ، كما في مراحل سابقة، إلى احتوائها بالقمع والعنف.
غير أن أي تحوّل كبير في إيران يمكن أن ينعكس سريعاً على أفغانستان.
دخلت الاحتجاجات في إيران أسبوعها الثالث، فيما يتابع الأفغان هذا الحراك عن كثب وباهتمام متزايد.
وتكتسب هذه الاحتجاجات أهمية خاصة لدى الأفغان بفعل الروابط الثقافية، والحدود المشتركة، والعلاقات الاقتصادية ومسارات العبور الواسعة، إضافة إلى وجود ملايين المهاجرين الأفغان في إيران، إلى جانب العلاقات الوثيقة بين الحكومة الإيرانية وحركة طالبان.
واتّسع نطاق الاحتجاجات، ولجأت السلطات إلى إطلاق النار في محاولة لاحتوائها، ما أسفر، بحسب منظمات حقوقية إيرانية، عن مقتل 46 شخصاً واعتقال أكثر من ألفي متظاهر –بحسب إحصائيات الأسبوع الماضي-.
كما كانت ردود الفعل الدولية لافتة، إذ حذّر دونالد ترامب من أن واشنطن ستتخذ إجراءات إذا واجهت الحكومة الإيرانية المتظاهرين بالعنف.
ويرى محللون أن احتجاجات إيران قد تؤثر مباشرة في الوضع الأفغاني. فخلال نحو 45 عاماً، كانت إيران أحد الفاعلين الرئيسيين في حروب وأزمات أفغانستان؛ من دعم فصائل المجاهدين في تسعينات القرن الماضي، إلى الصدام مع طالبان خلال مرحلة المقاومة الأولى، ثم التعاون ودعم طالبان في السنوات الأخيرة في مواجهة القوات الأجنبية والحكومة الأفغانية السابقة.
ومع ذلك، يبقى السؤال مطروحاً: هل يمكن لأي تغيير في إيران أن يصبّ في مصلحة أفغانستان، أم أن استمرار الوضع القائم هو السيناريو الأرجح؟
انعدام الثقة التاريخي
لا تعاني أفغانستان، بخلاف باكستان، من خلافات حدودية جوهرية مع إيران. ومع ذلك، اتّسمت العلاقات بين كابل وطهران خلال العقود الأربعة الماضية بدرجة من انعدام الثقة، رغم أن مرحلة الحكم الملكي شهدت علاقات شخصية وعائلية وثيقة بين الملك محمد ظاهر شاه والبلاط الإيراني.
ويقول شفيق شرق، الملحق الثقافي السابق لأفغانستان في إيران، إن العلاقات بين البلدين لم تكن مثالية طوال هذه السنوات. ويضيف أن هذه العلاقات "لم تكن جيدة بالكامل ولا سيئة بالكامل، واستمرار الوضع الحالي يعني استمرار هذا النمط".
ويتابع أن التأكيد المتكرر من حكومتي البلدين على التعاون وتعميق العلاقات لم يبدّد الشكوك المتبادلة بشكل كامل.
ويشير الدبلوماسي السابق إلى أن شريحة واسعة من الأفغان تعتقد أن سياسات طهران لم تُبنَ على مبدأ حسن الجوار، وأن تدخلاتها واتباعها سياسات مزدوجة أسهما في إطالة أمد الأزمة الأفغانية وتعميقها.
استياء من دعم إيران لطالبان
تُعد إيران من أبرز داعمي حركة طالبان في المنطقة. وبحسب مراقبين، لعبت دوراً مؤثراً في عودة طالبان إلى السلطة، وقدّمت لها الدعم والتسليح في جنوب غربي أفغانستان.
وبعد سيطرة طالبان على كابل، وسّعت إيران تعاونها مع الحركة، لتصبح شريكها الاقتصادي والسياسي الأول. ويزور مسؤولون من طالبان إيران بانتظام، فيما زار كابل مسؤولون إيرانيون رفيعو المستوى، بينهم وزير الخارجية وقادة عسكريون. وتصف طهران طالبان بأنها "الواقع القائم في أفغانستان"، وتدافع في المحافل الدولية عن سياسة الانخراط والتعاون معها.
ورغم ذلك، لم تُصدر طالبان حتى الآن أي موقف رسمي بشأن الاحتجاجات الجارية في إيران.
ويقول دبلوماسي أفغاني سابق عمل في إيران إن قسماً كبيراً من الشعب الأفغاني غير راضٍ عن دعم إيران لطالبان.
كما يرى أستاذ جامعي أن طهران ارتكبت "خطأ في الحسابات" بدعمها للحركة.
هل يضعف سقوط إيران طالبان؟
يقول ناشط سياسي معارض لطالبان: "تشعر طالبان بقلق شديد إزاء التطورات في إيران، لأنها تدرك أن أي تغيير جوهري في طهران ستكون له تداعيات فورية على أفغانستان".
وبرأيه، فإن أي سقوط محتمل للنظام في إيران قد يضعف أسس حكم طالبان.
لكنه يحذّر في الوقت ذاته من أن تحوّل الاحتجاجات إلى فوضى أو صراع داخلي ستكون له آثار سلبية على الشعب الأفغاني.
ويضيف أنه إذا طال أمد الأزمة في إيران، فقد تتراجع مكانة أفغانستان على أجندة الاهتمام الدولي، كما قد يفقد ملايين المهاجرين الأفغان في إيران وظائفهم ومصادر دخلهم، وهو ما سينعكس فوراً على حياة ملايين الأشخاص داخل أفغانستان.
ويؤكد وزير في الحكومة الأفغانية السابقة أن أي صراع استنزافي في دول الجوار يصبّ في مصلحة طالبان.
اعتماد طالبان على إيران
تُعد إيران وباكستان من أبرز داعمي إدارة طالبان. غير أن العلاقات بين طالبان وباكستان شهدت توتراً في الأشهر الأخيرة، واتجهت إسلام آباد إلى الابتعاد عن الحركة، ما أدى إلى تعليق العلاقات التجارية ومسارات العبور بين الجانبين.
وسعت طالبان إلى تقليص اعتمادها على الموانئ الباكستانية، فاتجهت بشكل أكبر نحو إيران، آملة في تعويض إغلاق المعابر عبر موانئ تشابهار وبندر عباس. وبعد تصاعد التوتر مع باكستان، ارتفع حجم التبادل التجاري بين أفغانستان وإيران بشكل ملحوظ.
وبحسب أرقام رسمية، يبلغ حجم التجارة السنوية بين الطرفين نحو أربعة مليارات دولار، ويرى مراقبون أن الحجم الفعلي للتبادل يتجاوز هذا الرقم بعد تقييد المسارات الباكستانية.
وفي الوقت نفسه، حاولت طالبان استبدال الأدوية الباكستانية بأدوية إيرانية وهندية. غير أن أي أزمة داخل إيران قد تفرض ضغوطاً جديدة على طالبان، إذ إن أي تغيير سياسي في طهران لن يكون بالضرورة في صالحها. ويعتقد مراقبون أن القوى التكنوقراطية والمعارضة للنظام في إيران لا تبدي رغبة في التعاون مع طالبان، ما يعني أن الحركة قد تفقد ثاني حليف إقليمي لها في حال حدوث تغيير هناك.
تغيير في القيادة لا في النظام؟
يرى بعض المراقبين الأفغان أن الاحتجاجات قد تقود إلى تغيير في القيادة، دون أن يعني ذلك بالضرورة تغيير النظام.
ويقول الباحث السياسي عمر صدر إن "السياسة الأميركية، ولا سيما في عهد ترامب، لم تعد تقوم على تغيير الأنظمة بالشكل التقليدي، بل على إضعاف القيادة أو استبدالها".
من جهته، شدد الملحق الثقافي الأفغاني السابق في طهران على أن الوقت لا يزال مبكراً للتكهن بمآلات الاحتجاجات.
وفي السياق نفسه، يقول وزير سابق في الحكومة الأفغانية إنه لا يؤمن بإمكانية تغيير النظام في إيران، ويرى أن الولايات المتحدة أيضاً لا تعتبر ذلك في مصلحتها، معتبراً أن "إيران تشكّل ذريعة مهمة لتسويق السلاح لإسرائيل ودول الشرق الأوسط".
أُفرج عن خليل الرحمن حقاني عام 2007 في صفقة تبادل ضخمة قادتها حركة طالبان باكستان، ليعود إلى ساحات القتال في أفغانستان؛ وبعد سنوات من النفوذ داخل طالبان، قُتل في تفجير انتحاري ما تزال ملابساته غامضة رغم مرور عام على الحادثة.
في أغسطس 2007 نقلت مروحية باكستانية نحو 27 سجيناً إلى منطقة ديرة إسماعيل خان قبل أن تتوجه لاحقاً إلى "وانّا"، وكان من بينهم القيادي البارز في طالبان خليل الرحمن حقاني.
حيث قُتل خليل الرحمن حقاني، في 11 ديسمبر العام الماضي، على يد انتحاري تابع لتنظيم داعش داخل مكتبه في الوزارة، غير أن الجوانب الغامضة للحادثة ما تزال غير واضحة رغم مرور عام كامل عليها.
كان شهر أغسطس2007 يوماً مفصلياً في مسيرة خليل حقاني، إذ أُطلق سراحه نتيجة عملية تبادل كبيرة للرهائن قادتها حركة طالبان باكستان، ليعود بعدها إلى ساحات القتال من جديد.
وبعد فشل محادثات لجنة مكوّنة من 21 عضوًا من قبيلة محسود، برئاسة عضو المجلس الوطني الباكستاني السابق مولانا معراج الدين محسود، والمتعلقة بتبادل الأسرى بين الجنود الباكستانيين ومقاتلي طالبان، أقدم زعيم طالبان باكستان بيت الله محسود على قتل ثلاثة جنود أسرى، وألقى بجثثهم على طريق وانا - جندوله، رداً على رفض الحكومة الباكستانية إطلاق سراح مقاتلي طالبان الأفغان والباكستانيين. وهدّد محسود حينها قائلًا: «إذا لم تطلقوا سراح أسرانا، فسنقدّم لكم مثل هذه الهدايا كل يوم».
وكان من أبرز مطالب حركة طالبان باكستان في تلك المفاوضات إطلاق سراح خليل الرحمن حقاني وعدد من أفراد شبكة حقاني.
بعد مقتل الجنود الباكستانيين، أبدت الحكومة الباكستانية استعدادًا للعودة إلى طاولة المفاوضات. وقد جرت المحادثات بين الجيش وطالبان برئاسة مولوي معاوية وزيرغي، المسؤول عن الشؤون الاقتصادية لدى حركة طالبان باكستان، وذلك في منطقة ديلا جنوبي وزيرستان.
وفي إطار هذه الصفقة أفرج الجيش عن عدد من شيوخ القبائل في وزيرستان، و43 مقاتلًا من طالبان، بينهم الحاج خليل الرحمن حقاني، إضافة إلى الدكتور نصیر الدين حقاني، وأمير خان حقاني، وشقيقي أختر محمد عثماني، ومالي خان زدران.
وقد عززت عملية خطف 350 جنديًا باكستانيًا على يد 20 مقاتلًا من طالبان في جنوب وزيرستان، والإفراج لاحقًا عن مجموعة كبيرة من قيادات شبكة حقاني مقابل إطلاق سراح الجنود، الشكوك الشعبية بأن العملية كانت جزءًا من خطة مزدوجة تهدف إلى تحرير كبار قادة الشبكة المحتجزين.

في تلك السنوات، كان خليل حقاني وعدد من قادة شبكة حقاني عرضة لخطر الاعتقال من قبل القوات الأميركية وإرسالهم إلى سجني باغرام أو غوانتانامو.
خليل الرحمن حقاني، الذي قُتل في 11 ديسمبر العام الماضي على يد انتحاري من داعش داخل وزارة شؤون اللاجئين، كان قد اعتُقل أول مرة عام 2003 على يد القوات الباكستانية. وكان يشرف من خلال بيوت الضيافة التابعة لشبكة حقاني في مناطق باكستانية مثل بورد، يونيفرسيتي تاون، حيات آباد، طريق كوهات، في بيشاور، وعلى جبهات القتال ضد القوات الأفغانية والأميركية، كما تولى قيادة مجموعة بيشاور تحت اسم «حاجي لالا».
وقد حافظ منذ أيام الجهاد الأفغاني على علاقات وثيقة مع الاستخبارات الباكستانية، إضافة إلى قادة الجماعات الدينية والمسلحة في البلاد.
يُعد خليل الرحمن حقاني شقيق مؤسس شبكة حقاني مولوي جلال الدين حقاني، وعمّ وزير الداخلية في طالبان حالياً سراج الدين حقاني، وكان من أبرز الشخصيات القيادية في الشبكة. كما كان هذا القيادي المُسنّ منخرطًا بشكل دائم في جهود الوساطة القبلية وتسوية الخلافات بين المجموعات.
ولعب أيضًا دورًا محوريًا في توسعة نفوذ شبكة حقاني.
وفي فبراير 2011 أدرجت وزارة الخزانة الأميركية اسمه على قائمة الإرهاب، ورصدت مكافأة قدرها خمسة ملايين دولار لمن يقدّم معلومات تؤدي إلى اعتقاله.
وفي التاسع من الشهر نفسه أدرجه مجلس الأمن في قوائم العقوبات استنادًا إلى الفقرة الثانية من القرار 1904 (2009)، واتّهمه بإقامة علاقات وثيقة مع تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن. كما اتهم بنقل عائلات ومقاتلين أجانب من شاهيكوت وبكتيا وبكتیکا وخوست إلى وزيرستان في باكستان.

مكانته داخل حركة طالبان
كان خليل الرحمن حقاني يُعتبر من أبرز الوزراء النشطين في حكومة طالبان خلال فترة حكمها الثانية، حيث تولى منصب وزير شؤون اللاجئين والعائدين. وأهم مهامه في هذا المنصب كانت إعادة ملايين الأفغان الذين طردوا أو فرّوا إلى إيران وباكستان نتيجة سنوات الحرب الطويلة. ووفقًا لمصادر طالبان، أشرف حقاني خلال فترة توليه الوزارة على عملية إعادة حوالي 1.5 مليون لاجئ أفغاني، ما شكّل مهمة ذات أهمية سياسية كبيرة للحركة.
إلى جانب كونه وزيرًا في حكومة طالبان، لعب خليل حقاني دورًا محوريًا في توسيع نفوذ شبكة حقاني. وقد اعتُبر اليد اليمنى لسراج الدين حقاني، نظرًا لعلاقاته الوثيقة مع الشيوخ القبليين والهياكل القبلية والفصائل المتشددة التابعة لطالبان. كما عمل على خلق بيئة داعمة لطالبان في ولايات خوست وبكتيا وبكتيكا من خلال عقد الملتقيات والوساطات القبلية، وهو ما ساهم بشكل حيوي في تعزيز حكم طالبان.
خلال فترة وزارته، أرسل وفود من شيوخ القبائل من جنوب أفغانستان إلى شمال البلاد لتعزيز الروابط بين القبائل، وملء الفراغ الديني لشبكة حقاني داخل الإدارة عبر النفوذ القبلي.
وأشار حاجي اعربار (71 عامًا)، الذي حارب إلى جانب خليل حقاني ضد حكومة الدكتور نجیب الله، لمراسل أفغانستان إنترناشيونال – البشتو، إلى أن حقاني لعب دورًا مهمًا في سقوط خوست خلال حكم الدكتور نجیب الله. وكان أيضًا اليد اليمنى لمولوي جلال الدين حقاني، وعندما استولت شبكة حقاني على عدة دبابات في المعارك، أسس تحت قيادته كتيبة مصفحة.
كانت مسؤولياته الأساسية تشمل توسيع نفوذ شبكة حقاني، الحفاظ على الروابط مع القيادة المركزية لطالبان، وخلق شرعية للحركة عبر الهياكل القبلية، وقد برع في هذه المهام.
وأشار عضو في مركز الدراسات الإقليمية، طلب عدم ذكر اسمه، إلى أن خليل حقاني بعد سقوط نظام طالبان الأول، عمل على حماية وتوسيع مراكز شبكة حقاني في شمال وزيرستان. كما أدار عمليات نقل وتموضع المقاتلين الأجانب، وهو ما كان ذا أهمية حيوية لتنظيم القاعدة وشبكات جهادية عالمية أخرى.
وقال: «أذكر أن خليل حقاني خلال الحكم الأول لطالبان كان على صلة وثيقة بأسامة بن لادن، الحسامي، وعدد من أعضاء القاعدة، وكان من الأشخاص الموثوقين لديهم».
كما لعب دورًا حاسمًا في تأمين خطوط الإمداد لشبكة حقاني، وتوفير الأسلحة والمعدات، وإدارة الموارد المالية، حيث كانت جهوده مركزة بشكل كبير في المناطق الحضرية الباكستانية، وكانت شبكة علاقاته وأنشطته واسعة النطاق.
وأضاف عضو مركز الدراسات الإقليمية: «علاقاته مع القبائل في باكستان كانت مستمرة منذ أيام الجهاد السابقة. في منطقة كورم، كانت له علاقات قوية مع القبائل السنية، وفي الوقت ذاته حافظ على علاقات بنّاءة مع السلطات الباكستانية. وقد مهد اتفاق كورم، الذي أُبرم لإنهاء النزاعات الدينية، لمواقع استراتيجية لشبكة حقاني، وكل ذلك كان نتيجة الوساطة والنفوذ الذي مارسه خليل حقاني».
اتفاق كورم والنزاعات الدينية
لعب خليل الرحمن حقاني وإبراهيم حقاني دورًا محوريًا في معاهدة 2008 التي هدفت إلى حل النزاعات الطائفية في كورم بإقليم خيبر بختونخوا. وبموجب هذه المعاهدة، توقفت النزاعات الدينية مؤقتًا، ما أتاح لشبكة حقاني فرصة التمركز في المناطق الاستراتيجية لكورم.
ووفقًا لتقرير أفغانستان إنترناشيونال – البشتو، كان لكل من الجيش الباكستاني وإبراهيم وخليل حقاني دور بارز في تنفيذ الاتفاق، كما تمكنوا من توسيع نفوذهم بين السكان المحليين. وقد قدم الشيعة والسنة مبلغًا قدره 40 مليون روبية كضمان، كما تم وضع شروط وقيود إضافية.
تمكنت شبكة حقاني من إعادة القبائل السنية عن طريق النزاع، وفي المقابل فتحوا طرقًا آمنة للوصول والإمدادات من مناطق الشيعة إلى أفغانستان.
في الأسبوع الأول من ديسمبر 2010، انعقدت جلسة تنسيقية أخرى لمدة ثلاثة أيام جمعت خليل حقاني وعددًا من قادة حركة طالبان باكستان، شيوخ القبائل، والمسؤولين المحليين الباكستانيين، وكان لخليل حقاني دور حاسم فيها أيضًا.
وبموجب هذه الجلسة، تعهد شيوخ قبائل أبريديو المقيمين في جمرود، سيري كمر، تخته بيك، وغوندي بالتعاون مع خليل حقاني، وعدم إغلاق الطرق الإمدادية أمامه.
وقد وفرت هذه الجلسة لشبكة حقاني وطالبان فرصة لتنظيم الشباب من المدارس الدينية المحلية لمصلحتهم، واستخدام خطوط الإمداد المتاحة بأمان وفاعلية.
وكانت إحدى الفوائد الأخرى لجلسة جمرود جذب أعضاء جدد لحركة طالبان باكستان، حيث انضم بعض الشباب من مدارس أبريديو وأوركزاي وتيراه إلى صفوف الحركة، وساهموا بدعم شبكة حقاني في تنفيذ الهجمات والعمليات داخل أفغانستان.

الريادة في العلاقات الاجتماعية والسياسية
في أغسطس2021، عندما دخلت طالبان إلى كابل واقتربت الحكومة الأفغانية من السقوط، كان خليل حقاني أحد ممثلي طالبان الذين أجروا محادثات مباشرة مع كبار مسؤولي الحكومة السابقة والزعماء السياسيين. ووفقًا لمصادر طالبان، كانت أهداف هذه المحادثات منع توسع الحرب، وتقليل إراقة الدماء خلال سقوط كابل، وإيجاد طريق سلس لانتقال السلطة.
تشير التقارير إلى أن خليل حقاني حضر بعض الاجتماعات في قصر الرئاسة، والتقى بشخصيات نافذة، بما في ذلك إرسال رسائل للرئيس السابق أشرف غني، بالإضافة إلى حامد كرزي وعبد الله عبد الله.
وفي مقابلته الأخيرة، ذكر أن حاكم ولاية بلخ السابق عطا محمد نور وعده بالتعاون إذا سيطرت طالبان على أفغانستان، كما أشاد بالمعارض السابق لطالبان أحمد شاه مسعود، وأبدى استعداده للقاء مع أحمد مسعود.
سعى حقاني لمنع ظهور مقاومة محتملة ضد طالبان، لكنه في الوقت ذاته كان ناقدًا لسياسات زعيم طالبان، ملا هبة الله أخوند زاده، وانتقد السياسات في قندهار قبل مقتله. ولهذا السبب يرى بعض المحللين أن اغتياله قد يكون نتيجة الخلافات الداخلية داخل طالبان.
بعد ترسيخ حكم طالبان في فترتها الثانية، شكّل قتل خليل حقاني على يد داعش ضربة كبيرة للحركة، نظرًا لأن طالبان تنكر وجود داعش في أفغانستان وتؤكد أنها قضت على التنظيم.
ومع مرور عام على مقتله، لم تتمكن إدارة طالبان حتى الآن من توضيح نتائج تحقيقاتها حول اغتياله وتحديد العوامل الحقيقية وراء الهجوم. وتبقى أكبر نقاط الغموض في الحادثة هي وصول الانتحاري إلى داخل الوزارة وتعطل أجهزة الماسح الضوئي. وقد أعلنت طالبان رسميًا أنّ الحادثة نفذتها داعش، وهو ما أكده التنظيم نفسه بتحمل المسؤولية عن الاغتيال.
منذ بداية رئاسته عام 2017، لم ينظر دونالد ترامب إلى أفغانستان باعتبارها مجرد ساحة حرب أو مهمة لمكافحة الإرهاب، بل كان يراها خزاناً ضخماً للموارد الطبيعية يمكنه، في رأيه، أن يعوّض التكاليف الهائلة للحرب، وأن يتحول إلى أداة نفوذ اقتصادي وسياسي للولايات المتحدة.
كانت رؤيته منذ البداية مبنية على منطق “الصفقة”. وبحسب ما أورده الكاتب والصحفي الأميركي بوب وودوارد، قال ترامب خلال ولايته الأولى: “أميركا أنفقت المال في أفغانستان، ولذلك يجب أن تحصل على نصيب من ثروات أرضها”.
هذا المنطق تحوّل لاحقاً إلى جزء من سياسة ترامب الجيو-اقتصادية في إطار منافسته المتزايدة مع الصين. واليوم يطرح سؤال جاد: هل يسعى ترامب فعلاً للوصول المباشر إلى معادن أفغانستان الغنية؟
من الفكرة إلى إغراء الاستخراج
يقول بوب وودوارد في كتابه “الخوف: ترامب في البيت الأبيض” إن ترامب قال خلال أحد الاجتماعات الأولى لمجلس الأمن القومي عام 2017، وهو يشير إلى الثروة المعدنية الأفغانية: “أفغانستان تمتلك مخزوناً ضخماً من المعادن. نحن لا نستخرجها كما تفعل الصين. يجب أن نحصل على جزء من هذه المعادن. ولن أعقد أي صفقة ما لم نسيطر عليها”. حاول وزيرا الدفاع والخارجية توجيه النقاش نحو الخيارات العسكرية والدبلوماسية، لكن ذهن الرئيس كان ثابتاً عند فكرة استخراج الموارد الطبيعية.
وبحسب الكتاب نفسه، فإنه بعد أشهر قليلة، وعلى هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، عرض الرئيس الأفغاني السابق أشرف غني على ترامب منح الولايات المتحدة حقاً حصرياً للوصول إلى معادن أفغانستان.
هذا العرض أثار غضب ترامب وحماسه في الوقت نفسه. ووفق رواية الكتاب، صرخ قائلاً: “هم يعرضون علينا معادنهم! لماذا لسنا هناك؟ الصينيون ينهبونها”. لكن مستشاريه أوضحوا له أن أفغانستان تفتقر إلى البنية التحتية والقوانين والبيئة الأمنية اللازمة لأي مشروع من هذا النوع. ورغم ذلك، أصر ترامب قائلاً: “يجب أن نرسل شركة، نطرح مناقصة، هذه هي الرأسمالية الحقيقية!”.
وفي اجتماع آخر في البيت الأبيض، عندما حاول مستشار الأمن القومي شرح أن الملف يخضع للمسار الرسمي في مجلس الأمن القومي، صرخ ترامب: “لا أريد هذه العملية اللعينة. اذهبوا واحصلوا على المعادن. إنها فرصة مجانية”. وفي نهاية الاجتماع، تطوّع وزير التجارة ويلبر روس وأعلن أنه سيتولى متابعة الملف. لكن لاحقاً، خلصت مراجعات وزارة الخارجية إلى أن المشروع غير قابل للتطبيق قانونياً وأمنياً. معظم المناجم كانت في مناطق تخضع لسيطرة طالبان، ولم توافق أي شركة أميركية على الاستثمار. كما حذّر الخبراء من أن خطوة كهذه ستتحول إلى مادة دعائية للجماعات المتشددة: “أميركا جاءت لتنهب ثرواتكم”.
الموارد المعدنية الحيوية… وإعادة تعريف المنافسة مع الصين
تُعدّ أفغانستان واحدة من أغنى المناطق جيولوجياً في العالم. ويقدّر الخبير الاقتصادي ويليام بيرد قيمة ثرواتها المعدنية بأكثر من تريليون دولار، وتشمل الليثيوم والنحاس والحديد والعناصر الأرضية النادرة، وهي مواد أساسية في صناعة البطاريات والتكنولوجيا الخضراء والصناعات العسكرية. وقد عززت الصين خلال السنوات الماضية سيطرتها على سلاسل التوريد العالمية لهذه المواد. وأدى ذلك إلى تحويل التنافس على “المعادن الحيوية” إلى أحد محاور المواجهة الاقتصادية بين واشنطن وبكين. حاول ترامب تحويل قضية المعادن إلى جزء من الأمن القومي الأميركي، فأصدر عدة أوامر تنفيذية لتعزيز سلاسل التوريد الداخلية وتقليل الاعتماد على الصين، التي تهيمن على نحو 90 في المئة من القدرة العالمية على استخراج ومعالجة هذه المعادن، وتستخدمها كورقة ضغط اقتصادية.
باغرام… "بوابة الثروة المعدنية الأفغانية"؟
يعتقد بعض الخبراء أن رؤية ترامب التجارية تجاه أفغانستان أصبحت أكثر وضوحاً خلال الأشهر الماضية، خصوصاً بعد تصريحاته المتكررة حول ضرورة استعادة قاعدة باغرام الجوية؛ ليس فقط كرمز للانسحاب “الكارثي” عام 2021، بل باعتبارها بوابة نحو الحزام المعدني الأفغاني، وأداة لمراقبة النفوذ الصيني المتزايد في المنطقة. ففي سبتمبر 2025 قال ترامب بوضوح: “نسعى لاستعادة باغرام”. وبعد أيام، حذّر من “عواقب سيئة” إذا رفضت طالبان تسليم القاعدة للولايات المتحدة. ورأى بعض المراقبين أن هذا الربط بين الأمن القومي والمعادن هو سبب ظهور توصيفات مثل “بوابة الثروة المعدنية الأفغانية” في الحوارات السياسية.
في الوقت نفسه، خصصت إدارة ترامب نحو 400 مليون دولار لمشاريع الطاقة والمعادن الحيوية في أوروبا، و400 مليون دولار لمواجهة النفوذ الصيني في نصف الكرة الغربي، وما يقارب مليار دولار لتعزيز قدرات الولايات المتحدة في مجال المعادن الحيوية داخل أراضيها. وكانت الرسالة واضحة: خفض المساعدات التقليدية، والتركيز على الاستثمار الاستراتيجي في سلاسل توريد خارج نطاق النفوذ الصيني.
توسع مفهوم “سلاسل التوريد الصديقة”، وبدأت واشنطن العمل بشكل أوثق مع دول آسيا الوسطى، كما اعتبرت باكستان حلقة مكملة للوصول إلى المعادن الحيوية. وتشير تحليلات عديدة إلى أن “الممر الأوسط” (من كازاخستان وبحر قزوين مروراً بالقوقاز وصولاً إلى أوروبا) يمكن أن يشكل جزءاً من الحل، رغم التحديات الكبيرة في البنية التحتية والنقل. وفي السياق نفسه، اعتُبر التقارب بين واشنطن وإسلام آباد في ملف المعادن الحيوية واستثمار شركة أميركية في معادن باكستان جزءاً من إعادة ترتيب إقليمي هدفه تقليل الاعتماد على الصين.
ومع ذلك، يشكك عدد من الخبراء في إمكانية تحول أفغانستان إلى خيار موثوق خلال المدى القريب. فالتقييمات المستقلة تؤكد أنه رغم وجود ثروات ضخمة، فإن ضعف البنية التحتية والطاقة والمياه والإطار القانوني المستقر يجعل التعدين الصناعي أمراً صعباً. وحتى في حال استخراج المواد الخام، فإن غياب القدرات الإقليمية على التكرير يبقى عقبة أساسية.
واقعية ترامب في مواجهة “حلم المعادن”
في ظل هذه المعطيات، يرى بعض الخبراء أن السياسة الواقعية للولايات المتحدة تجاه أفغانستان ومحيطها ستتجه على الأرجح نحو مسارات متوازية، من بينها خطوات محدودة داخل أفغانستان عبر مشاريع صغيرة وعقود انتقائية وتعاون أمني محدود، وذلك بهدف الحفاظ على حد أدنى من النفوذ دون عودة رسمية إلى باغرام أو نشر عسكري واسع. هذا النهج لن يغير في المدى القريب توازن القدرات الاقتصادية أو إمكانات التكرير، لكنه يبقي خيار التحرك السريع مفتوحاً في حال تغيرت الظروف.
وفي الوقت نفسه، ستواصل واشنطن توسيع تعاونها مع آسيا الوسطى وباكستان، لأن مسارات مثل الممر الأوسط، رغم بطئها، تُعد أكثر استقراراً من الاعتماد على أفغانستان وحدها. كما أن دور باكستان يبقى محورياً، إذ يصعب تخيل أي خطوة تجاه أفغانستان، بما فيها احتمال استعادة باغرام، من دون تنسيق مع إسلام آباد بسبب موقعها الجغرافي وقدرتها على التحكم بالطرق اللوجستية وتأثيرها داخل أفغانستان.
كما ستستمر إدارة ترامب في الاستثمار داخل الولايات المتحدة في مجالات التكرير والمواد الكيميائية وإعادة التدوير، وهي القطاعات التي تحدد فعلياً موقع الدول في سباق المعادن الحيوية العالمي. وإذا تم تعزيز هذه القدرات داخل الولايات المتحدة وحلفائها، فسينخفض الوزن الاستراتيجي لمناجم أفغانستان في المعادلة الكبرى. وستستخدم واشنطن أدواتها المالية لتوجيه المساعدات نحو دول حليفة تعمل في مجال المعادن الحيوية، وهو النهج الذي أعلنته الإدارة الأميركية في سبتمبر 2025 بهدف تقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الصينية.
بعد سيطرة طالبان، أصبحت الصين واحدة من أنشط القوى الأجنبية في قطاع التعدين في أفغانستان.
وتبقى الخلاصة أن هناك خطاً واضحاً يمتد بين “اندفاع ترامب في 2017” و”استراتيجيته في 2025”: فهو لا يزال ينظر إلى أفغانستان من منظور جيو–اقتصادي قائم على منطق الصفقة، حيث تتحول الثروات المعدنية إلى أداة تفاوضية في مواجهة الصين. وضغوطه من أجل استعادة باغرام، وإعادة تنظيم المساعدات الخارجية، وسياسة سلاسل التوريد الصديقة، كلها تتحرك ضمن هذا الاتجاه. يريد ترامب الوصول إلى معادن أفغانستان، فيما تسعى باكستان لإقناعه بأن الطريق إلى تلك الثروات يمر عبر إسلام آباد.