من القديس إلى إبليس.. ردود الفعل على مقتل زعیم

بعد مقتل السيد علي خامنئي، زعيم نظام ولاية الفقيه في إيران، اندلعت موجة من المواقف الحادة والمتناقضة في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي.

بعد مقتل السيد علي خامنئي، زعيم نظام ولاية الفقيه في إيران، اندلعت موجة من المواقف الحادة والمتناقضة في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي.
ولم تقتصر هذه المواقف على المجال الناطق بالفارسية، بل تجاوزت في الفضاء الرقمي حدوداً واسعة امتدت من العالم العربي إلى الأوساط الناطقة بالأردية والتركية.
ففي أحد طرفي هذا الجدل وقف من اعتبر خامنئي شخصية كبيرة وفريدة تتمتع بفضائل إنسانية عظيمة، ورأى في رحيله خسارة لا يمكن تعويضها، وفي الطرف الآخر من وصفه بدكتاتور إجرامي قاسٍ واحتفل بموته. ويكشف هذا التناقض العميق في الرأي العام في بلدان المنطقة عن مدى عمق الانقسامات داخل هذه المجتمعات، حيث لا يدخل أي طرف من موقع وسطي قريب من الحوار والتفاهم، الأمر الذي يجعل احتمال الوصول إلى توافق حول القضايا الكبرى أمراً يبدو شبه مستحيل. ومن الطبيعي أن مواقف الطرفين لم تقتصر على الشعارات، بل إن كل طرف يسعى إلى تعزيز موقفه عبر تقديم الحجج والإشارة إلى ما يراه حقائق ووقائع تدعم رؤيته.
يشير أنصار النظام الإيراني، أو على الأقل أولئك الذين يشعرون بالغضب والحزن لمقتل خامنئي، إلى خصائص في شخصيته يرون أنها جعلته يتفوق على كثير من قادة المنطقة، مثل فصاحته في الخطابة، ومعرفته بالفن والأدب، وإلمامه الواسع بالمعارف العامة، وصلابته في اتخاذ المواقف، ودعمه الكامل للقضية الفلسطينية، ومعارضته الصريحة لهيمنة الغرب.
ومن وجهة نظرهم، فإن هذه السمات مجتمعة، إلى جانب سجل طويل من النشاط السياسي ودخوله السجن في عهد الشاه، ومشاركته المؤثرة في تحولات الثورة الإيرانية وتقلبات المنطقة طوال ما يقرب من نصف قرن، جعلت منه شخصية كاريزمية تحولت إلى رصيد كبير لما يسمى بمحور المقاومة. ويضيفون أن طريقة مقتله نفسها، إذ لم يغادر الميدان في مواجهة أشد الهجمات وبقي في مكتبه حتى اللحظة الأخيرة، تعد كلها علامات على زعيم استثنائي نادر، ولذلك فإن شعوب المنطقة، في رأيهم، جديرة بأن تحزن لفقدانه وأن تبقى وفية لأهدافه بعد رحيله.
وفي المقابل، فإن الذين أبدوا الفرح بموته وعدّوه خطوة في طريق حرية الشعوب والتحرر من هيمنة الدكتاتورية، يركزون على جوانب أخرى في شخصيته وسيرته. فهم يرسمون له صورة سلبية تجمع بین تفاصيل صغيرة من حياته الشخصية و الطابع العام الاستبدادي لأسلوب حكمه. وما يقال عن حياته الخاصة، سواء ما يتعلق بحوادث أخلاقية في مرحلة المراهقة أو بأسلوب حياة ملكي في فترة الحكم، مثل امتلاكه مجموعة تضم ثلاثة آلاف غليون للتدخين وما شابه ذلك، ليس واضحاً ما إذا كان حقيقة أم من صنع خصومه. وحتى لو كان صحيحاً فإنه قد يسيء إلى تلك الصورة الكاريزمية، لكنه لا يمثل مسألة جوهرية في الحكم على سياسي بارز. أما ما يعد أكثر أهمية في نظر معارضيه فهو احتكار السلطة واعتماد أسلوب قائم على الاستبداد المطلق في إدارة الحكم، وهو أسلوب يؤثر مباشرة في حياة الناس، بل إن نطاقه يتجاوز حدود إيران ليطال شعوباً في دول أخرى أيضاً.
وبحسب حجج المعارضين، فإن خامنئي خلال فترة حكمه لم يتحمل أي معارضة، سواء كانت معارضة أيديولوجية من اليساريين والليبراليين، أو معارضة دينية من البهائيين والسنة، أو معارضة سياسية من التيار القومي-الديني ومئات الشخصيات المعروفة في السياسة الإيرانية، بما في ذلك رؤساء جمهورية سابقون وقادة الحركة الخضراء. ويرى بعضهم أنه كان تجسيداً للتعصب الديني الشديد، حتى إنه لم يسمح ببناء مسجد لنحو نصف مليون سني في طهران، بل إن المسجد الكبير لأهل السنة في مشهد، القريب من منزل عائلته، سُوّي بالأرض.
وخلال هذه السنوات كلها لم يسمح لأي فرد من بين نحو عشرين مليون سني في إيران بتولي منصب وزير أو سفير أو محافظ. كما تعرض قادة بارزون من أهل السنة، مثل العلامة مفتي زاده، والشيخ صالح ضيائي، والمولوي إبراهيم دامني، والماموستا ناصر سبحاني، وغيرهم من علماء السنة، للتعذيب والقتل على يد نظامه. وإلى جانب ذلك، فإن خصومه يرون في عداوته لشخصيات بارزة مثل آية الله منتظري، وتعاملِه القاسي مع حليفه القديم هاشمي رفسنجاني، وموته في ظروف غامضة، دليلاً إضافياً على شخصية حاقدة ضيقة الأفق، فضلاً عن ما عُرف بسلسلة اغتيالات المفكرين والشخصيات السياسية.
ويضيفون أنه إذا أضيف إلى ذلك إشعال الحروب في المنطقة وإراقة دماء مئات الآلاف في العراق وسوريا واليمن ولبنان، حيث كان خامنئي ومؤسسة حكمه طرفاً فيها، فإن سجلّه يصبح أكثر قتامة. وفي هذا السياق يبرز دوره في تدمير سوريا وما رافقه من مجازر واسعة ذات طابع طائفي حاد بوصفه أحد أكثر الملفات إثارة للجدل. ويقول هؤلاء إن ما اعتبره أنصاره صلابة في مواجهة الغرب لم يكن في الحقيقة سوى تصلب غير مبرر، أو ما يسميه الإيرانيون عناداً بلا معنى، أدى إلى جعل إيران في خصومة مع معظم دول العالم ومهّد الطريق للهجوم على أراضيها، وهو ما يعد بعيداً عن الحكمة السياسية. فبسبب أوهامه الأيديولوجية، جعل بلداً كبيراً هدفاً لعداوات كثيرة وعرّض وجوده للخطر.
وبغض النظر عمّا إذا كان المرء يشعر بالقرب من موقف مؤيدي خامنئي أو من موقف معارضيه، فإنه يدرك أن أوضاع الشرق الأوسط، أو غرب آسيا، أوضاع شديدة التعقيد ومتعددة الطبقات، بحيث يصعب إصدار أحكام قاطعة ومتصلبة حول الحق والباطل فيها. وربما لم يكن خامنئي قديساً كما يصوره أنصاره، ولا شيطاناً كما يراه خصومه، بل كان سياسياً دخل، بما له وما عليه من نقاط قوة وضعف، في متاهة من العلاقات المتشابكة بين السياسة والثروة والسلطة، وكان، رغم مهارته كلاعب بارز، في نهاية المطاف فريسة للاعبين أشد منه قوة. غير أن ما يستحق التأمل في الروح العامة لهذه المجتمعات هو ذلك المناخ المستقطب والمتوتر الذي أصبح جزءاً من نسيج الثقافة السياسية في هذه المنطقة، وسدّ طريق التضامن بين مختلف الفئات. ففي مثل هذا المناخ المشحون يُدفَع السياسيون أيضاً إلى مسار حاد لا يقبل المصالحة، يصنع منهم إما قديسين أو شياطين، وسط موجات من الأمل والخوف والغضب والضغينة، تجعل الخروج من الأزمات أكثر صعوبة من أي وقت مضى.