ويُعد هذا النمط الجديد من الحرب مؤشراً مقلقاً يهدد استقرار المنطقة.
وأكدت الأمم المتحدة مقتل 143 شخصاً في الغارات الجوية الباكستانية على مركز لعلاج الإدمان في كابل، فيما تقول حركة طالبان إن العدد بلغ 400 قتيل.
وذكرت بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى أفغانستان (يوناما) في تقرير لها أن عدد القتلى المدنيين الأفغان منذ أواخر فبراير وحتى الآن يتراوح بين 75 و212 قتيلاً، إضافة إلى إصابة مئات آخرين.
ويبقى سؤال جوهري مطروحاً: إذا كان المدنيون يُستهدفون، فلماذا لا تستهدف باكستان كبار قادة طالبان؟
ما حسابات الحرب لدى باكستان؟
بالنظر إلى استراتيجيات استهداف القيادات لدى إيران وحركة طالبان باكستان وتنظيم القاعدة، فإن استهداف قادة الجماعات المسلحة التي تقاتل بدوافع دينية يؤدي غالباً إلى ظهور قيادات جديدة، تكون أحياناً أكثر تشدداً وتحدياً من سابقتها.
ويقول الجنرال الباكستاني السابق إنعام الحق، إن إسلام آباد لا تخوض حرباً شاملة ضد طالبان، بل تمارس "ضغطاً محسوباً". وأضاف أن باكستان تتجنب عمداً استهداف قيادة طالبان، ولا تقطع علاقاتها مع النظام القائم، لكنها تستهدف مستودعات الأسلحة وقادة المستوى المتوسط والنقاط الحدودية، بهدف إبقاء طالبان تحت الضغط.
وأكد أن باكستان لا تريد تجاوز "خط أحمر" قد يحوّل الصراع إلى كارثة شاملة.
وأشار إلى أن أحد أبرز مخاوف إسلام آباد هو أن يؤدي قتل كبار قادة طالبان إلى فراغ في السلطة داخل أفغانستان، ما قد يوسع نطاق النزاع ويزيد من عدم الاستقرار، ويؤثر سلباً على أمن إقليمي خيبر بختونخوا وبلوشستان في باكستان، بما يجعل السيطرة عليه أكثر صعوبة.
وترى باكستان أنه لا يوجد بديل قيادي منظم لطالبان، وأن انهيار قيادتها قد يشكل خطراً على المنطقة بأكملها. كما أن الجماعات المسلحة الأجنبية التي تخضع حالياً لنفوذ طالبان قد تمتد نحو الصين ودول آسيا الوسطى وحتى داخل باكستان في حال تفكك القيادة.
ولهذا، تسعى إسلام آباد إلى البحث عن تيارات داخل طالبان تميل إلى التعاون معها.
ويرى الجنرال إنعام الحق أن باكستان تحاول أيضاً بناء شبكات نفوذ داخل طالبان، حيث تعتبر مجموعات مثل شبكة حقاني "أقرب نسبياً" إليها، بينما تمارس ضغطاً أكبر على المجموعات الأقل تنسيقاً معها.
وتقع معظم المناطق التي استهدفتها الغارات الجوية الباكستانية خارج نطاق نفوذ شبكة حقاني.
وبحسب مصادر محلية، فإن غالبية عناصر طالبان المنتشرين على خط ديورند ينحدرون من منطقة قندهار ويرتبطون بزعيم طالبان ملا هبة الله آخوندزاده، فيما يظل حضور شبكة حقاني بينهم محدوداً. ويُعزى ذلك جزئياً إلى قيام آخوندزاده بتعيين مقربين منه في مناصب عسكرية وحكومية في محافظات جنوب غرب أفغانستان.
ويعتبر الجنرال إنعام الحق هذا النهج نوعاً من "سياسة التوازن الداخلي" للحفاظ على بنية طالبان.
ويشارك عدد من المحللين الأفغان هذا الرأي، ويرون أن استهداف قيادة طالبان هو "خيار" مطروح.
ويقول الخبير العسكري والأستاذ السابق في جامعة كابل، عظيم رحيمي، إن استهداف قيادة طالبان خيار متاح لباكستان، لكنه لا يُستخدم بشكل عاجل أو مستمر. وأضاف: "لن يتم اللجوء إلى هذا الخيار إلا عند وجود ضرورة وحسابات سياسية وأمنية، إذ لا ترغب باكستان في انهيار نظام طالبان، بل تمارس ضغطاً محدوداً".
وأشار إلى أن تجارب الحروب السابقة في العراق وأفغانستان أظهرت لباكستان أن إسقاط الأنظمة يؤدي إلى أزمات طويلة الأمد.
لماذا لا يتم استهداف قادة حركة طالبان باكستان؟
منذ 27 فبراير وحتى 13 مارس الجاري، تركزت أهداف الغارات الجوية الباكستانية داخل أفغانستان على النقاط الحدودية لطالبان، والألوية والكتائب، ومخازن الأسلحة والذخيرة.
وقال الضابط الباكستاني السابق، العميد محمود شاه إن الدافع الرئيسي للصراع بين باكستان وطالبان هو نشاط حركة طالبان باكستان.
وأضاف أن الهجمات في المناطق القبلية ازدادت بعد وصول طالبان إلى السلطة، بما في ذلك استهداف القواعد العسكرية والشرطة ومحاولات السيطرة على النقاط الحدودية، ما زاد من مخاوف باكستان.
وأشار إلى أن باكستان حاولت في البداية التفاوض مع طالبان، لكنها لجأت إلى الضربات الجوية بعد فشل تلك الجهود.
ورغم ذلك، لم يتم استهداف عناصر حركة طالبان باكستان في هذه الهجمات، أو على الأقل لم تُعرض أدلة تثبت ذلك في وسائل الإعلام.
وأفادت مصادر في أفغانستان والمناطق القبلية لقناة "أفغانستان إنترناشيونال" أن بعض قادة حركة طالبان باكستان عادوا إلى مناطق نفوذهم داخل باكستان بالتزامن مع الضربات على أفغانستان. كما لوحظ تصاعد أنشطة الحركة في مناطق خيبر بختونخوا، بما في ذلك محيط مدن بيشاور وبنو ولكي مروت ومردان.
وفي ضوء ذلك، تبقى الشكوك قائمة بشأن الأهداف الحقيقية للغارات الجوية الباكستانية.
فإذا كان الهدف هو الجماعات المسلحة الباكستانية، فلماذا تُستهدف مواقع مثل قاعدة باغرام الجوية وكابل وبعض الفرق العسكرية، حيث لا يوجد حضور مثبت لعناصر حركة طالبان باكستان؟
ويرى عدد من المحللين أن إسلام آباد تسعى في الواقع إلى تدمير الأسلحة الأميركية داخل أفغانستان، وهو ما يتقاطع مع مصالح مشتركة للولايات المتحدة وباكستان.
وتُظهر تقارير موثوقة صادرة عن جهات رسمية وإعلامية أميركية أن الولايات المتحدة قدمت بين عامي 2004 و2016 نحو 599,690 قطعة سلاح خفيف وثقيل للجيش والشرطة في أفغانستان، معظمها أسلحة خفيفة مثل بنادق M16 وM4 وبنادق القنص، والتي بلغ عددها 358,530 قطعة.
كما قدمت الولايات المتحدة خلال الفترة نفسها 16,191 معدّة دعم، منها أجهزة الرؤية الليلية وأجهزة الاتصال والطائرات الاستطلاعية الصغيرة والبالونات الاستطلاعية، وكان أبرزها أجهزة الرؤية الليلية التي بلغ عددها 16,035 جهازاً.
وفي المجال الجوي، تم تسليم 208 طائرات، بينها مروحيات MI-17 وMD-530، وطائرات نقل مثل C-208 وC-130، وطائرات هجومية من طراز A-29، وطائرات استطلاع PC-12.
كما قدمت الولايات المتحدة 75,898 مركبة متنوعة، بينها سيارات رينجر وهامفي وشاحنات ودبابات، وكان من بينها 42,604 مركبات رينجر و22,174 مركبة هامفي.
وخلال السنوات الخمس الماضية، اشتكت باكستان مراراً لدى مجلس الأمن الدولي من وقوع جزء من هذه الأسلحة الأميركية في أيدي طالبان، ثم انتقال بعضها إلى عناصر "حركة طالبان باكستان".
وأقرت حركة طالبان رسمياً بأنها توسطت مرتين في محادثات بين حركة طالبان باكستان وإسلام آباد، وحققت تقدماً بنسبة 90٪، إلا أن التغيير في القيادة العسكرية الباكستانية وسقوط حكومة عمران خان أدّيا إلى فشل تلك الجهود.
ويرى عدد من قادة طالبان أن قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، يمثّل عائقاً رئيسياً في العلاقات، ويصفونه بأنه جزء من "حلقة خاصة"، ويعتقدون أن القيادة العسكرية الجديدة ترفض الحوار مع الجماعات المسلحة وتدعوها إلى إلقاء السلاح.
وقد عزز هذا الغموض، إلى جانب عدم استهداف قيادات طالبان الأفغانية وحركة طالبان باكستان، نظريات المؤامرة بشأن طبيعة الحرب بين الطرفين.
ويرى المحلل السياسي روشان كرور، أن الأزمة الحالية قد تكون "حرباً مُهندسة"، مشيراً إلى أن التهديدات الخارجية قد تعزز أحياناً تماسك الدول، وأن الهجمات الباكستانية على كابل منحت طالبان فرصة لكسب دعم شعبي.
وقال: "عدم استهداف قيادات طالبان -الأفغانية- وحركة طالبان باكستان دليل على أن الحرب مُهندسة".
في المقابل، يرى الأستاذ في جامعة لاهور محمد فياض، أن السياسة الخارجية الباكستانية خلال العامين الماضيين كانت "منظمة ومنسقة"، مؤكداً أن باكستان لا ترغب في خلق أزمة جديدة داخلية أو إقليمية، بل تسعى لتأمين حدودها وإعطاء الأولوية للاقتصاد، دون الإضرار ببقاء النظام في أفغانستان.
وأضاف أن توسيع الحرب ضد طالبان سيؤدي إلى زيادة موجة التطرف، وأن إسلام آباد تسعى فقط لاحتواء "حركة طالبان باكستان" باعتبارها "تهديداً فورياً"، وليس لاستهداف حكم طالبان.
وأشار إلى أن باكستان تدرك أن القضاء على قيادة طالبان سيخلق فراغاً دموياً واسعاً، ولذلك تكتفي بممارسة الضغط عليها.
ومنذ بداية هذه الحرب، أُغلقت جميع الطرق التجارية بين أفغانستان وباكستان، فيما ركزت طالبان على تعزيز تجارتها مع دول آسيا الوسطى والهند، في وقت تشهد فيه الحدود الحالية بين البلدين توتراً وعدم استقرار.
وقال وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار إن العمليات العسكرية ضد أفغانستان جزء من استراتيجية مكافحة الإرهاب، إلا أن نتائج هذه الهجمات تشير إلى أن الأهداف ليست واضحة تماماً.
ويرى محللون أن هذه الهجمات تُبرر ظاهرياً بمواجهة تهديد "حركة طالبان باكستان"، لكنها عملياً لم تستهدف قياداتها أو داعميها داخل طالبان، بل أدت إلى سقوط ضحايا مدنيين ونزوح عشرات الآلاف من السكان على جانبي خط ديورند، ما قد يفتح المجال لموجات جديدة من عدم الاستقرار.
ويشير المحللون إلى احتمالين رئيسيين: إما أن باكستان لم تستقر بعد على استراتيجية واضحة وتعتمد سياسة ضغط تجريبية، أو أن الأهداف الحقيقية أكثر تعقيداً وسرية مما يتم الإعلان عنه رسمياً.