حول علاقة طالبان بالفكر الديوبندي

محمد محق تُعرف طالبان بوصفها جماعة أيديولوجية، إذ إن كثيرًا من سلوكياتها على الصعيدين الداخلي والخارجي تُعدّ انعكاسًا لأيديولوجيتها،

محمد محق تُعرف طالبان بوصفها جماعة أيديولوجية، إذ إن كثيرًا من سلوكياتها على الصعيدين الداخلي والخارجي تُعدّ انعكاسًا لأيديولوجيتها،
بدءًا من العمليات الانتحارية الدموية قبل وصولها إلى السلطة، وصولًا إلى قمع المواطنين والمعاملة التمييزية لهم بعد استلام الحكم. ويتساءل كثيرون: من أي مدرسة فكرية استمدّت طالبان أيديولوجيتها؟ المدرسة الأكثر شيوعًا التي تُنسب إليها طالبان هي المدرسة الديوبندية، وهي إحدى التيارات الدينية السنية في شبه القارة الهندية وباكستان، وتُعد من أكثرها نفوذًا في تلك المنطقة. وقد نشأت الحركة الديوبندية في القرن التاسع عشر مع تأسيس دار العلوم ديوبند، وكانت في أصلها حركة ذات نزعة محافظة، جعلت من أولوياتها نشر العلوم الدينية بالأسلوب التقليدي في مواجهة المعارف الحديثة. وكان أساتذة هذه المدرسة وخريجوها، المنتمون إلى المذهب الحنفي، متأثرين إلى حد كبير بتعاليم شاه ولي الله الدهلوي، الذي يُنظر إليه، بسبب ميوله القريبة من أهل الحديث، بوصفه نسخة حنفية – وأكثر اعتدالًا بطبيعة الحال – من محمد بن عبد الوهاب. ومع مرور الزمن، تحوّل الاتجاه الديوبندي إلى خط فكري-كلامي خاص، يميّزه عن سائر التيارات الإسلامية، بما في ذلك بقية الأحناف في تلك المنطقة.
ويمكن تلخيص أبرز سمات الفكر الديوبندي في الآتي: فهو حنفي في الفقه، ماتريدي وقريب من الأشعرية في علم الكلام، قريب من أهل الحديث في تفسير النصوص الدينية، معادٍ للتصوف الفلسفي ومؤيد لتصوف منسجم مع الفقه، محافظ في السياسة، ومعارض لمعظم مظاهر الحداثة الغربية في الشؤون الثقافية. وهذا التيار لا يقف في مواجهة غير المسلمين – مثل الهندوس والسيخ والبوذيين وغيرهم – فحسب، بل يعارض أيضًا العديد من التيارات الإسلامية الأخرى، كالإسماعيليين، والشيعة الاثني عشرية، والمتصوفة المعروفين بالبريلوية، والحداثیین المسلمين مثل خريجي جامعة عليكره، بل وحتى بعض أفكار شخصيات إسلامية بارزة كإقبال اللاهوري وأبي الأعلى المودودي. أي إن المقاربة العامة لهذا التيار المحافظ لم تقم على البحث عن القواسم المشتركة مع الآخرين، بل على رسم الحدود والفواصل معهم، مع ادعاء امتلاك الحقيقة وتقديم التفسير الأصح للدين. أما في المجال السياسي، فلم يُظهر هذا التيار في الأصل ميلًا كبيرًا للانخراط فيه، غير أن تطورات الزمن، ولا سيما مع اتساع نفوذه الاجتماعي الذي أفضى إلى نفوذ سياسي، أضافت إلى سجله مواقف سياسية، ودخل عدد من رموزه هذا الميدان، سواء في الحركات المناهضة للاستعمار البريطاني أو في القضايا التي أعقبت استقلال الهند وباكستان.
وبعد انفصال باكستان عن الهند، انقسم التيار الديوبندي إلى عدة فروع، من أبرزها فرع في باكستان وآخر بقي في الهند. ومنذ ذلك الحين، عندما يُشار إلى الديوبندية، ينصرف اهتمام المحللين في الغالب إلى الفرع الباكستاني، لأن الفرع الهندي، بحكم ظروف المسلمين هناك، فضّل التركيز على مهمته الأساسية، وهي تعليم العلوم الدينية بالأسلوب التقليدي، دون انخراط يُذكر في السياسة. أما في باكستان، فقد تحوّل هذا التيار إلى أحد الفاعلين الرئيسيين في السياسة، وسعى إلى احتكار المجال الديني، ما أدى إلى صدامات فكرية حادة مع الجماعة الإسلامية الباكستانية، والبريلوية، وسائر التيارات السنية والشيعية، كما دخل في علاقات مع الجيش وأجهزة الاستخبارات، وكان له دور، بدرجات متفاوتة، في أحداث مثل الانقلابات العسكرية وإعدام ذو الفقار علي بوتو. وقد أدّى هذا التقارب مع دوائر السلطة إلى ابتعاد هذا التيار جزئيًا عن المسار التقليدي للديوبندية، واتخاذه موقعًا أقرب إلى حركات الإسلام السياسي، مثل جماعة الإخوان المسلمين، ولا سيما في ظل تنافسه مع الجماعة الإسلامية، فرع الإخوان في شبه القارة الهندية وباكستان. وقد دفعه هذا التنافس إلى خوض غمار الإسلام السياسي وتبنّي أساليبه، ما جعله، في المجال السياسي، نظيرًا إلى حد ما للإخوان المسلمين في العالم العربي وموازيًا لهم. وقد أتاح له هذا الدور أن يكون لاعبًا أساسيًا في الشأن الأفغاني، سواء خلال سنوات الجهاد أو في العقد الذي تلا انسحاب الاتحاد السوفيتي.
وتُعد طالبان، بوصفها جماعة أصولية مقاتلة، نتاجًا مباشرًا لهذا الفرع من الديوبندية، الذي توافقت مقاربته في السابق مع سياسات الجيش الباكستاني. ففي المرحلة الأولى من حكمها، كانت طالبان تنظر إلى علماء الديوبندية في باكستان باعتبارهم أساتذتها ومرجعياتها الروحية، وكانت تلتمس منهم التوجيه بإخلاص واضح. كما أن انخراط الديوبنديين في باكستان في حقل الإسلام السياسي واعتمادهم تكتيكاته، أدى إلى تسرب جزء من أدبيات الإسلام السياسي، ولا سيما في القضايا السياسية والاجتماعية المعاصرة، إلى البنية الفكرية لهذا التيار، ومن خلال ذلك نشأت علاقة طالبان بتنظيمات مثل القاعدة. فالقاعدة، التي نشأت أساسًا في سياق السلفية الجهادية، كانت تشترك مع الإسلام السياسي، بما في ذلك الإخوان المسلمين، في بعض القواسم، وكان عدد من قادتها قد بدأ نشاطه السياسي في صفوف الإخوان، محتفظًا بجزء من إرثهم. ومع ذلك، فإن هذه المشتركات لم تُلغِ التنافس السياسي بينهم، إذ بقيت الحدود التنظيمية قائمة، واستمر التنافس في مجالي الاستقطاب والتأثير الاجتماعي.
وبعد سقوط حكم طالبان الأول، عادت الحركة إلى باكستان، حيث أعادت بناء نفسها بمساعدة جماعات إسلامية، من بينها بعض الأحزاب والتيارات الديوبندية. وفي هذه المرحلة، استعانت طالبان بأساليب القتال وتكتيكات القاعدة، ولاحقًا تنظيم داعش، في حربها ضد الحكومة الأفغانية السابقة. وقد أدى هذا التقارب مع هذه التنظيمات، التي تُعد من أبرز قوى الإسلام السياسي، إلى إبعاد طالبان أكثر عن النهج التقليدي المحافظ للديوبندية الهندية، ودفعها إلى ساحة الإسلام السياسي. ولم يقتصر هذا التقارب على الجانب التكتيكي، بل شمل أيضًا تبني جزء من أدبيات الإسلام السياسي، مثل ما طرحه سيد قطب وأيمن الظواهري وغيرهما بشأن نظرية الحكم، وتطبيق الشريعة، وتكفير المخالفين. كما أن موقف طالبان المعادي للحداثة الغربية، وتشديدها على تطبيق الشريعة وفق تفسير ذي طابع عصور وسطى، ورفضها للاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، واحترام حقوق المواطنين، والاعتراف بحقوق الأقليات، ومراعاة حقوق المرأة، كلها عناصر تنتمي إلى خطاب الإسلام السياسي. وكذلك فإن تركيزها على النظام السياسي، ومنح صلاحيات مطلقة لأمير المؤمنين، وإلغاء البرلمان والأحزاب والمجتمع المدني من المجال السياسي، هو أقرب إلى ميراث الإسلام السياسي منه إلى تراث الديوبندية.
ومع ذلك، فإن ما يميّز طالبان عن سائر الجماعات المتطرفة المقاتلة، مثل داعش، هو إيلاؤها أهمية خاصة لبعض التقاليد الريفية-القبلية المنبثقة من مجتمعات ما قبل الحداثة، وهي تقاليد لا جذور لها في الفكر الديوبندي ولا في الإسلام السياسي. ومن ذلك حساسيتها المفرطة تجاه تقييد النساء وإقصائهن من المجال العام، ومعارضتها للتعليم الحديث، وتعاملها القائم على الانتماءات العرقية مع بعض الجماعات التي تعدّها من الأقليات.
وبناءً عليه، فإن فهم أيديولوجية طالبان لا يكتمل بالرجوع إلى التيار الديوبندي وحده، إذ إن هذا العنصر، رغم أهميته في نشأة الحركة واستمرارها، لا يفسّر جميع سلوكياتها، ولا يكفي حتى الإسلام السياسي لتفسيرها بالكامل. فأيديولوجية طالبان هي مزيج انتقائي من كل ما سبق، مضافًا إليه بنية متمحورة حول السلطة بدرجة لا تكاد تُرى في سائر التنظيمات الأصولية. ويبلغ اهتمام الحركة بالسلطة حدّ استعدادها للتعامل في آن واحد مع الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الروسي، وجمهورية الصين الشعبية، وتقديم تطمينات لكل منها بالحفاظ على مصالحها، بل والتضحیة ببعض القادة الذين لجؤوا إليها كورقة تفاوض. وهذا الطابع البراغماتي في السياسة موجود لدى بعض حركات الإسلام السياسي الأخرى، لكنه لدى طالبان بلغ مستوى يجعل سلوكها شبه غير قابل للتنبؤ. وقد أشار برويز مشرف في مذكراته إلى تجربة تركي الفيصل، رئيس الاستخبارات السعودية آنذاك، وكيف أثار غضبه نقض الملا عمر لوعوده بشأن أسامة بن لادن. ويمكن ملاحظة هذا النمط من نقض الالتزامات أيضًا في اتفاق الدوحة، حيث كثّفت طالبان هجماتها على قوات الحكومة السابقة بعد انسحاب القوات الأمريكية، خلافًا لتعهداتها بتخفیض وتیرة الحرب. كما تعكس التزاماتها تجاه الدول المجاورة وغيرها هذا النهج البراغماتي القائم على المنفعة، الذي يجعل الثقة بها أمرًا صعبًا.