كيف وقفت طالبان إلى جانب إيران خلال الحرب؟

اتخذت طالبان موقفاً براغماتياً وصريحاً تجاه التوترات الإقليمية، خاصة بعد هجمات إسرائيل على إيران في يونيو 2025 والتهديدات الأميركية اللاحقة. لكن كيف تجسّد هذا التعاون، وهو ما تناولته أفغانستان إنترناشیونال.

اتخذت طالبان موقفاً براغماتياً وصريحاً تجاه التوترات الإقليمية، خاصة بعد هجمات إسرائيل على إيران في يونيو 2025 والتهديدات الأميركية اللاحقة. لكن كيف تجسّد هذا التعاون، وهو ما تناولته أفغانستان إنترناشیونال.
على الرغم من أن العلاقة بين طالبان "السنية" ذات الخلفية الديوبندية وإيران "الشيعية" اتسمت تاريخياً بالتوتر، فإن التطورات الأخيرة أظهرت نوعاً من التعاطف بين الجانبين، في وقت لا تزال فيه الخلافات قائمة، لا سيما بشأن الاشتباكات الحدودية والخلافات على المياه في نهر هلمند وترحيل اللاجئين الأفغان.
ومع ذلك، تشير تصريحات مسؤولي طالبان ونشطائها الإعلاميين إلى تشكل نوع من التضامن المؤقت، يتجلى أساساً في معارضة ما تصفه الحركة بـ"العدوان الإسرائيلي" و"العدوان الأميركي".
ويستعرض هذا التقرير أبرز التصريحات والتفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي لشخصيات بارزة في حركة طالبان، بمن فيهم المتحدثون الرسميون وأعضاء اللجنة الثقافية وصحافيون مقربون من قيادة الحركة، إضافة إلى الإعلام الرسمي.
الموقف الرسمي لطالبان
جاء أبرز تعبير عن تعاطف طالبان مع إيران على لسان المتحدث باسم الحركة ذبيح الله مجاهد، الذي قال في 15 فبراير الماضي، خلال مقابلة مع إذاعة إيران باللغة البشتو، إن طالبان "ليست مع الحرب"، لكنها شددت على حق إيران في الدفاع عن نفسها.
وقال مجاهد: "نحن لسنا مع الحرب... تتذكرون عندما تعرضت إيران لهجوم، كانت النتيجة أن إيران خرجت منتصرة. أعتقد أن الأمر سيكون كذلك هذه المرة أيضاً. إيران على حق، ويحق لها الدفاع عن نفسها. مهما يحدث، فإن الأفغان مستعدون للتعاطف مع إيران خلال الحرب والأزمات، والتعاون معها ضمن حدود ما يمكن أن تقوم به".
كما قال إن إيران انتصرت في "حرب الاثني عشر يوماً" مع إسرائيل، وإنها ستنتصر في أي مواجهة أخرى لأنها "تمتلك القدرة، وهي على حق، ولها حق الدفاع عن نفسها".
وأكد أن أفغانستان ستتعاون "في حدود الإمكان"، خصوصاً إذا طلبت إيران المساعدة، مشيراً في الوقت ذاته إلى ضرورة السعي لمنع الحرب عبر الدبلوماسية.
وكان مجاهد قد دان في وقت سابق الهجمات الإسرائيلية، إذ وصف في بيان صدر في 13 يونيو 2025 استهداف المنشآت النووية والدفاعات الجوية وقادة إيرانيين بأنه "انتهاك واضح للمبادئ الأساسية للقانون الدولي، ولا سيما سيادة الدول وسلامة أراضيها".
وفي مارس 2026، أعربت وزارة خارجية طالبان عن قلقها من تصاعد التوترات عقب الهجمات المشتركة الأميركية والإسرائيلية على إيران، من دون الإشارة إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.
إدانة الهجمات الأميركية والإسرائيلية
ومنذ اندلاع المواجهات في 28 فبراير، أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، عدة اتصالات هاتفية بوزير خارجية طالبان أمير خان متقي. وأعلنت طالبان في الثاني من مارس الماضي، عن أحد هذه الاتصالات.
وخلال الاتصال، أعرب متقي عن قلقه العميق من التطورات الإقليمية، مندداً بشدة بما وصفه بـ"عدوان الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران". كما وصف مقتل علي خامنئي بأنه "مؤلم"، معبراً عن تعاطفه مع الحكومة والشعب الإيرانيين.
وشدد على أن طالبان تعتبر "انتهاك سيادة الدول وسلامة أراضيها وحدودها أمراً مرفوضاً ومخالفاً للمبادئ الدولية المقبولة".
وفي اتصال آخر، حث متقي إيران على معالجة الأزمة عبر الدبلوماسية والمفاوضات.
وإلى جانب المواقف الرسمية، أبدى نشطاء طالبان الإعلاميون ردود فعل واسعة على الهجمات الأميركية والإسرائيلية.
شخصيات مقربة من شبكة حقاني
أعرب محمد جلال، وهو عضو بارز في اللجنة الثقافية لطالبان ومقرب من شبكة حقاني، عن دعم طالبان لإيران عبر منصة "إكس".
ففي يونيو 2025، نشر صوراً لأضرار في وسط إسرائيل عقب الرد الصاروخي الإيراني، وكتب: "مشاهد من تل أبيب المحتلة بعد أن مارست إيران حقها المشروع في الدفاع عن النفس".
ويعكس هذا الموقف الخطاب المعادي لإسرائيل لدى طالبان، ويقدم تحركات إيران في إطار "الدفاع المشروع"، كما يعكس تشدد الدائرة القيادية للحركة في مواجهة إسرائيل والغرب.
وخلال الحرب الأخيرة، وقبل ساعات من إعلان وقف إطلاق النار في السابع من أبريل، علّق محمد جلال على منشور لرئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، على منصة "إكس"، الذي أعلن فيه تسجيل اسمه في حملة "التضحية بالنفس"، وذلك عقب تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستهداف البنية التحتية والمنشآت الحيوية في إيران.
وقال جلال إن قاليباف انضم إلى أكثر من 14.3 مليون إيراني سجلوا أسماءهم في الحملة، مشيراً إلى أنهم "متطوعون مستعدون للتضحية بحياتهم دفاعاً عن إيران".
في الوقت نفسه، ومع إعلان الهدنة بين إيران والولايات المتحدة، كتب القيادي في حركة طالبان أنس حقاني، وشقيق وزير داخلية طالبان سراج الدين حقاني، كتب قصيدة شعرية تناول فيها التضحيات الإيرانية خلال الحرب.
مستشار لطالبان: إيران نموذج عزيمة وطنية
يعد المسؤول البارز في طالبان عبد الله ريحان، الذي يتابعه أكثر من 85 ألف شخص، من أبرز الداعمين الإعلاميين لإيران بين مسؤولي الحركة.
وفي 11 أبريل الجاري، أشاد في منشور بما وصفه بالروح الوطنية للإيرانيين في مواجهة تهديدات دونالد ترامب بقصف البنية التحتية، وكتب: "يجب على الأفغان أن يتعلموا الوطنية والشهامة من الإيرانيين... عندما هدد ترامب بقصف الجسور والبنية التحتية، خرج الإيرانيون في اليوم التالي إلى الجسور وقالوا للعالم: لسنا مختبئين، نحن هنا، إذا أردتم القصف فاقصفونا".
وقارن ذلك بسقوط كابل عام 2021، مشيراً إلى أن بعض القوات الأفغانية دمرت معداتها أو سلمتها للولايات المتحدة، بينما لم يقدم حتى منتقدو الحكومة الإيرانية على تدمير البنية التحتية لبلادهم.
وفي منشور آخر، قال: "سيقف الأفغان إلى جانب إيران في كل الظروف ويدعمونها. استهداف المنشآت المدنية غير مقبول أبداً ولا يمكن تبريره".
كما دان الهجمات الأميركية على الجسور والمستشفيات والمدارس، قائلاً: "مهما كانت حكومة بلد ما ضعيفة أو ناقصة، فهي أفضل بكثير من الاحتلال الأجنبي... يجب أن يحدد مستقبل أي شعب من قبل شعبه".
وسلط الضوء أيضاً على فعالية الصواريخ الإيرانية في مواجهة أنظمة الدفاع مثل "القبة الحديدية" الإسرائيلية و"ثاد" الأميركية، داعياً إلى وحدة الأفغان، ومقدماً إيران نموذجاً للعزيمة الوطنية.
تغطية الإعلام الرسمي
يعد التلفزيون الرسمي الخاضع لسيطرة طالبان من أبرز وسائل الإعلام المحلية، ويعمل باللغتين البشتونية والدرية، ويركز أساساً على نقل البيانات الرسمية دون تقديم تحليلات مستقلة داعمة لإيران.
وقد غطى مقابلة مجاهد مع إذاعة إيران في فبراير 2026، إضافة إلى بيانات وزارة الخارجية التي تدين الهجمات على إيران، ضمن إطار التحذير من "تصعيد التوترات الإقليمية" والدفاع عن سيادة الدول.
ويركز هذا الإعلام بشكل أساسي على الترويج لحكم طالبان داخلياً، بينما تبرز القضايا المتعلقة بإيران في فترات التصعيد فقط.
ويبدو أن دعم طالبان لإيران محدود ومؤقت، وينبع أساساً من العداء المشترك للولايات المتحدة وإسرائيل، وليس من تحالف استراتيجي. كما أن الدائرة المحيطة بزعيم الحركة هبة الله أخوندزاده نادراً ما تظهر إعلامياً مقارنة بالمتحدثين والشخصيات الإعلامية.
تظهر مواقف طالبان منذ هجمات يونيو 2025 وفبراير 2026 نوعاً من التقارب العملي مع إيران، بدءاً من دعوة ذبيح الله مجاهد إلى "التعاطف والتعاون ضمن حدود الإمكان"، مروراً بوصف محمد جلال للهجمات الإيرانية بأنها "دفاع مشروع"، وصولاً إلى دعوات عبد الله ريحان للأفغان للوقوف إلى جانب إيران.
كما نقلت وسائل الإعلام الرسمية هذه المواقف دون تبني دعم أيديولوجي مستقل لإيران، فيما يبقى غير واضح ما إذا كان هذا التقارب سيتحول إلى تعاون عملي في المستقبل.
وفي الوقت ذاته، حرصت طالبان على عدم اتخاذ مواقف حادة ضد الولايات المتحدة لتجنب مزيد من التدهور في العلاقات، أملاً في إقناع واشنطن بإعادة فتح سفارتها في كابل وتطبيع العلاقات، بما يخفف من العزلة والعقوبات الدولية.
وبالتوازي مع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، وجهت الولايات المتحدة تهديدات لطالبان بذريعة احتجاز رهائن، إذ حذرت وزارة الخارجية الأميركية ومستشارو ترامب وأعضاء في الكونغرس من فرض عقوبات إذا لم يتم الإفراج عن الرهائن الأميركيين، ما دفع طالبان إلى إطلاق سراح أحدهم.
ويرى مراقبون أن هذه التهديدات كانت مرتبطة بالحرب مع إيران.