أصدرت المحكمة الجنائية الدولية، في 8 يوليو 2025، مذكرتي اعتقال بحق زعيم حركة طالبان، هبة الله آخوندزاده، ورئيس المحكمة العليا في الحركة، عبد الحكيم حقاني، بتهمة ارتكاب جريمة ضد الإنسانية في إطار الاضطهاد على أساس النوع الاجتماعي. وبعد مرور عام على صدور هاتين المذكرتين، تكرر طرح سؤال أساسي: هل تملك مذكرات المحكمة الجنائية الدولية قوة تنفيذية، أم أنها تبقى حبراً على ورق؟
في هذا التقرير، تقدم مراجعة ملفات قادة ومسؤولين وقادة عسكريين سبق أن صدرت بحقهم مذكرات اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية صورة عن التجربة السابقة لهذه المحكمة.
القوة التنفيذية للمحكمة
تقول المحكمة الجنائية الدولية، في وصفها الرسمي المعنون "كيف تعمل المحكمة"، إنها لا تملك قوة شرطة مستقلة، وإنها تعتمد في تنفيذ مذكرات الاعتقال على تعاون الدول.
وينص نظام روما الأساسي أيضاً على أن الدول الأعضاء ملزمة بالتعاون الكامل مع المحكمة، وبإمكان المحكمة أن تطلب من الدول اعتقال المتهمين وتسليمهم.
ولهذا السبب، لم يكن مصير المتهمين أمام هذه المحكمة واحداً. فمراجعة الملفات السابقة تظهر أن بعضهم لم يُعتقل إلا بعد خروجه من السلطة، وأن بعضهم حوكم أمام محاكم داخلية، فيما سُلّم آخرون إلى لاهاي بناء على مذكرات صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية.
أبرز الشخصيات التي اعتُقلت
خلال العقدين الماضيين، اعتُقل في نهاية المطاف عدد من الرؤساء السابقين والمسؤولين الرفيعي المستوى وقادة الحرب بعد صدور مذكرات عن المحكمة الجنائية الدولية بحقهم. وهذا يعني أن بعض مذكرات المحكمة، على الأقل، لم تبق دائماً حبراً على ورق.
أُنشئت المحكمة الجنائية الدولية بموجب نظام روما الأساسي، وهو الوثيقة التي اعتُمدت في 17 يوليو 1998 ودخلت حيز التنفيذ في 1 يوليو 2002.
وبحسب أحدث إحصاءات رسمية للمحكمة، أصدرت المحكمة، منذ بدء عملها، 66 مذكرة اعتقال، نُفذت 23 مذكرة منها. وفي هذا التقرير نستعرض مصير ملفات عدد من الشخصيات البارزة.
توماس لوبانغا
كان توماس لوبانغا دييلو، زعيم "اتحاد الوطنيين الكونغوليين" في منطقة إيتوري، أول شخص يُعتقل بناء على مذكرة من المحكمة الجنائية الدولية ويُنقل إلى لاهاي. وكان زعيماً لجماعة إرهابية.
وكتبت منظمة "هيومن رايتس ووتش" أن القوات التابعة لـ"اتحاد الوطنيين الكونغوليين" في إيتوري اتُّهمت أيضاً بارتكاب مجازر عرقية، وإعدامات تعسفية، وتعذيب، واغتصاب، وخطف، واستخدام الأطفال في الحرب، والنهب.
وصدرت مذكرة اعتقاله في 10 فبراير 2006، واعتقلته سلطات جمهورية الكونغو الديمقراطية في 17 مارس من العام نفسه وسلمته إلى المحكمة. واتُّهم لوبانغا بتجنيد أطفال دون سن الخامسة عشرة وإلحاقهم بالقوات واستخدامهم في القتال. وحُكم عليه بالسجن 14 عاماً.
وبعد إدانته بالسجن 14 عاماً، قضى توماس لوبانغا جزءاً من مدة عقوبته في احتجاز المحكمة الجنائية الدولية.
جان بيير بيمبا
كان جان بيير بيمبا غومبو، زعيم "حركة تحرير الكونغو" والنائب السابق لرئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية، من أبرز الشخصيات الرفيعة التي اعتُقلت بموجب مذكرة صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية. واعتُقل في بلجيكا في 24 مايو 2008، وسُلّم إلى المحكمة في 3 يوليو من العام نفسه.
وتعلق ملفه بالجرائم التي ارتكبتها قوات "حركة تحرير الكونغو" في جمهورية أفريقيا الوسطى خلال عامي 2002 و2003. واتهمه الادعاء، بصفته قائداً لقوات الحركة، بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، بينها القتل والاغتصاب والنهب. وأدانته المحكمة في 21 مارس 2016، ثم حكمت عليه في 21 يونيو من العام نفسه بالسجن 18 عاماً، غير أن محكمة الاستئناف ألغت الحكم في 8 يونيو 2018 وبرّأت بيمبا من التهم الرئيسية.
وتقول المحكمة الجنائية الدولية، في الصفحة الرسمية لقضية بيمبا، إنه بُرئ في 8 يونيو 2018 من تهم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
اعتقال أول رئيس سابق.. لوران غباغبو
كان لوران غباغبو، الرئيس السابق لساحل العاج، أول رئيس دولة يُنقل إلى مركز احتجاز المحكمة الجنائية الدولية. فبعد رفضه قبول نتائج الانتخابات، اعتُقل في أبيدجان في 11 أبريل 2011 على يد قوات موالية للحسن واتارا، منافسه في الانتخابات، بدعم من القوات الفرنسية والأمم المتحدة. وبعد أشهر، وتحديداً في 23 نوفمبر 2011، صدرت مذكرة اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية بحقه بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال أعمال العنف التي أعقبت الانتخابات. وسلمته حكومة ساحل العاج إلى المحكمة في 30 نوفمبر 2011.
واتهم الادعاء غباغبو بالقتل والاغتصاب والاضطهاد السياسي وأفعال لا إنسانية أخرى، وقال إن هذه الجرائم كانت جزءاً من هجوم منظم استهدف أنصار الحسن واتارا. ومع ذلك، برأته المحكمة في 15 يناير 2019، وأيدت دائرة الاستئناف هذا الحكم في 31 مارس 2021. وأظهر ملف غباغبو أن اعتقال زعيم سياسي يصبح ممكناً عندما يفقد السلطة التنفيذية داخل بلاده، وتبدي الحكومة الجديدة استعدادها للتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية.
اعتقال وزير.. شارل بليه غوديه
لاحقت المحكمة الجنائية الدولية شارل بليه غوديه، وزير الشباب السابق وأحد أبرز الشخصيات المؤثرة في معسكر لوران غباغبو في ساحل العاج. وصدرت مذكرة اعتقاله في 21 ديسمبر 2011 بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال أعمال العنف التي أعقبت انتخابات عامي 2010 و2011. واعتُقل في غانا في 17 يناير 2013، وبعد نقله إلى ساحل العاج، سلمته سلطات البلاد إلى المحكمة في 22 مارس 2014.
وذكرت المحكمة الجنائية الدولية، في بيانها الرسمي، أن غوديه نُقل إلى مركز احتجاز المحكمة على يد سلطات ساحل العاج.
واتهمه الادعاء بالقتل والاغتصاب والاضطهاد السياسي وأفعال لا إنسانية أخرى، وقال إنه اضطلع بدور في تعبئة أنصار غباغبو ضد خصومه السياسيين.
ونُفذت مذكرة المحكمة عندما أصبح غوديه خارج دائرة السلطة، واعتُقل في دولة أخرى، ثم وافقت حكومة ساحل العاج على تسليمه إلى لاهاي.
رودريغو دوتيرتي
يمثل رودريغو دوتيرتي، الرئيس الفلبيني السابق، أحدث نموذج بارز لزعماء سياسيين اعتُقلوا بعد صدور مذكرة من المحكمة الجنائية الدولية ونُقلوا إلى لاهاي. فقد صدرت مذكرة اعتقاله في 7 مارس 2025 وأُعلنت في 11 مارس من العام نفسه.
وفي اليوم نفسه، اعتُقل في العاصمة الفلبينية مانيلا، بناء على طلب المحكمة وعلى يد السلطات الفلبينية، ثم سُلّم في 12 مارس 2025 إلى مركز احتجاز المحكمة في لاهاي. وتقول المحكمة الجنائية الدولية، في الصفحة الرسمية لقضية دوتيرتي، إنه سُلّم إليها بعد اعتقاله من قبل السلطات في الفلبين.
وترتبط التهم الموجهة إلى دوتيرتي بحرب المخدرات الدموية في الفلبين.
ويتهمه الادعاء بارتكاب جريمة ضد الإنسانية، بما في ذلك القتل، ويقول إن هذه الجرائم وقعت خلال فترة توليه منصب عمدة مدينة دافاو ورئاسته للفلبين.
وفي 23 أبريل 2026، ثبّتت المحكمة الجنائية الدولية التهم الموجهة إليه وأحالت الملف إلى مرحلة المحاكمة.
وقالت وكالة "رويترز" إن المحكمة وجدت أسباباً جدية للاعتقاد بأن دوتيرتي اضطلع بدور مركزي في قتل 76 شخصاً ومحاولة قتل شخصين آخرين خلال حملة مكافحة المخدرات.
عمر البشير
يعد الرئيس السوداني السابق عمر البشير، أبرز نموذج لزعيم صدرت بحقه مذكرة اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية، لكنه لم يُنقل إلى لاهاي. فقد أصدرت المحكمة في 4 مارس 2009 أول مذكرة اعتقال بحقه بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، ثم أضافت في 12 يوليو 2010 مذكرة ثانية بتهمة الإبادة الجماعية. وكتب "الائتلاف من أجل المحكمة الجنائية الدولية" أن البشير كان أول رئيس في السلطة تصدر المحكمة بحقه مذكرة اعتقال.
وعلى مدى سنوات، سافر البشير رغم هذه المذكرات ولم يُعتقل. وكتبت منظمة "هيومن رايتس ووتش" أن المحكمة الجنائية الدولية قضت في ما يتعلق بزيارته إلى الأردن، بأن عمّان كانت ملزمة باعتقاله، لكن ذلك لم يحدث. وفي النهاية، أُطيح بالبشير من السلطة في 11 أبريل 2019، بعد أشهر من الاحتجاجات الشعبية، واعتقله الجيش السوداني، غير أن هذا الاعتقال لم يكن نتيجة تنفيذ مذكرة المحكمة الجنائية الدولية، كما لم تسلمه السلطات السودانية إلى لاهاي.
وما زالت المحكمة الجنائية الدولية تسجل البشير، في الصفحة الرسمية لقضيته، على أنه "ليس في عهدة المحكمة"، وتقول إن مذكرتي الاعتقال الصادرتين بحقه لا تزالان غير منفذتين.
أحمد هارون وعبد الرحيم محمد حسين
وفي السودان أيضاً، كان وزير الداخلية أحمد محمد هارون، ووزير الدفاع السابق عبد الرحيم محمد حسين، من كبار مسؤولي حكومة عمر البشير الذين صدرت بحقهم مذكرات اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية في ملف دارفور. وصدرت مذكرة اعتقال هارون في 27 أبريل 2007، فيما صدرت مذكرة اعتقال عبد الرحيم محمد حسين في 1 مارس 2012، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وما زالت المحكمة الجنائية الدولية تسجلهما، في الصفحات الرسمية لقضيتيهما، على أنهما "خارج عهدة المحكمة"، وتقول إن الملفين سيبقيان في المرحلة التمهيدية إلى حين اعتقالهما أو مثولهما طوعاً أمام المحكمة.
وقد سُجن الاثنان في السودان بعد سقوط حكم البشير عام 2019، لكنهما لم يُسلّما إلى لاهاي.
وتظهر مراجعة ملفات مذكرات المحكمة الجنائية الدولية أنه حتى الشخصيات التي لم تُعتقل فعلياً لا تغيب ظلال المحكمة عن حياتها السياسية والدبلوماسية.
فطريق الاعتقال فُتح أمام كثير من هؤلاء عندما فقد المتهمون سلطتهم التنفيذية، ومع السقوط أو العزل أو تراجع القوة، يمكن لمذكرة بقيت سنوات على الورق أن تتحول إلى أداة فعلية للاعتقال والنقل إلى المحكمة.