دبلوماسية أميركية سابقة: أفغانستان لم تعد أولوية في السياسة الخارجية لواشنطن

قال الخبيران المخضرمان في شؤون المنطقة، لوريل ميلر وغرايم سميث، إن تراجع الاهتمام بأفغانستان بعد الانسحاب الأميركي يصعّب تقييم أخطاء واشنطن خلال عقدين من الحرب.

قال الخبيران المخضرمان في شؤون المنطقة، لوريل ميلر وغرايم سميث، إن تراجع الاهتمام بأفغانستان بعد الانسحاب الأميركي يصعّب تقييم أخطاء واشنطن خلال عقدين من الحرب.
وقال سميث إن حرب أفغانستان أثرت أيضاً في نظرة بعض حلفاء واشنطن إلى القيادة الأميركية والنظام الدولي، موضحاً أن الثقة الواسعة بقيادة الولايات المتحدة في السنوات الأولى للحرب تحولت إلى شكوك خلال مفاوضات الدوحة. وأضاف أنه بعد انتهاء عمليات الإجلاء لم تكن هناك استراتيجية دولية واضحة للتعامل مع طالبان.
الهدوء النسبي يثير تساؤلات بشأن حرب استمرت 20 عاماً
ويرى ميلر وسميث أن الهدوء النسبي الذي تشهده أفغانستان حالياً يثير تساؤلات بشأن المبررات التي استندت إليها الولايات المتحدة في حربها التي استمرت نحو عقدين.
وقال سميث إن أفغانستان أصبحت أكثر هدوءاً بعد انتهاء واحدة من أكثر الحروب دموية في العالم، وإن كثيراً من التوقعات التي طُرحت عام 2021 بشأن توسع الحروب الجهادية وزعزعة استقرار آسيا الوسطى وهجرة ملايين الأفغان إلى أوروبا لم تتحقق.
وبحسب سميث، فإن هذا الواقع يضع موضع تساؤل الحجة الغربية القائلة بضرورة محاربة الجماعات المسلحة داخل أفغانستان لمنع وصول هجماتها إلى الدول الغربية.
ومع ذلك، أعرب عن قلقه إزاء استمرار علاقات طالبان بتنظيم القاعدة. من جانبها، قالت ميلر إن القاعدة كان قد أُضعف بشدة قبل الانسحاب الأميركي، وإن إعادة إحياء التنظيم لا تصب في مصلحة طالبان.
وتخوض طالبان حالياً مواجهات ضد تنظيم داعش-خراسان، فيما تحدثت تقارير عن تعاون محدود بينها وبين الولايات المتحدة في مجال مكافحة الإرهاب، إلا أن طبيعة هذا التعاون والجماعات التي يستهدفها لا تزال غير واضحة.
ويرجح سميث أن مستوى التأييد الذي تتمتع به طالبان في بعض مناطق جنوب وشرق أفغانستان ربما أسهم في الاستقرار الحالي. في المقابل، ترى ميلر أنه يصعب قياس مستوى الدعم الشعبي في ظل نظام قمعي وغياب معلومات موثوقة.
وأشار الباحثان أيضاً إلى وجود خلافات داخل طالبان بين مسؤولين مهتمين بإدارة مؤسسات الدولة والدائرة الدينية المقربة من زعيم الحركة هبت الله أخوند زاده، إلا أن المخاوف من حدوث انقسام داخلي تحول دون تحول هذه الخلافات إلى مواجهة علنية.
حكم مغلق واقتصاد هش
ووصفت ميلر أفغانستان بأنها أكثر دول العالم قمعاً للنساء والفتيات من حيث القيود المفروضة عليهن، وقالت إن طالبان أبعدت النساء عن التعليم والعمل وجزء كبير من الحياة العامة.
ورجح سميث أن بعض الفتيات يواصلن الدراسة في مدارس سرية ومدارس دينية، لكن ميلر حذرت من أن استمرار حرمان النساء من التعليم سيؤدي خلال السنوات المقبلة إلى نقص في الطبيبات والكوادر النسائية المتخصصة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، قال سميث إن الاقتصاد الأفغاني فقد ما بين 20 و30% من حجمه بعد عودة طالبان إلى السلطة.
وعزا ذلك بصورة أساسية إلى توقف المساعدات الخارجية وانخفاض الإنفاق الحكومي. وأضاف أن الاقتصاد سجل لاحقاً نمواً محدوداً، إلا أن ما بين 500 و600 ألف شخص يدخلون سوق العمل سنوياً، في وقت تزيد فيه عودة المهاجرين من الضغوط على فرص العمل، وسط استمرار المخاوف المتعلقة بالفقر والجوع.
وتحدث سميث أيضاً عن موجة من الأعمال الانتقامية خلال الأيام الأولى من حكم طالبان، قائلاً إن مئات الأشخاص المرتبطين بالحكومة السابقة تعرضوا للملاحقة، وقُتل عدد منهم.
وأضاف أن هذه الممارسات تراجعت لاحقاً، وأن طالبان سعت إلى تطبيق العفو العام الذي أعلنته بعد سيطرتها على البلاد.
وبحسب سميث، يعمل حالياً عدد كبير من موظفي الحكومة السابقة في مؤسسات تديرها طالبان، بما في ذلك بعض الأجهزة الأمنية، لكنه وصف أفغانستان في ظل الحركة بأنها دولة ذات طابع أمني وشرطي تخضع فيها حياة السكان لمراقبة مشددة.
حرب تأخرت واشنطن في البحث عن مخرج منها
وقالت ميلر إن أحد أكثر القرارات الأميركية تأثيراً كان إسقاط نظام طالبان عام 2001 وتحمل مسؤولية بناء حكومة أفغانية جديدة، معتبرة أن واشنطن كان بإمكانها حصر عملياتها في استهداف تنظيم القاعدة.
وأضافت أن الولايات المتحدة لم تبذل جهوداً جدية للتوصل إلى تسوية سياسية عندما كانت في ذروة قوتها، ولم تتعامل بجدية مع خيار المفاوضات إلا عندما بدأت طالبان تسيطر على مزيد من الأراضي عاماً بعد آخر.
وانتقدت ميلر أيضاً سياسة واشنطن تجاه باكستان، ووصفتها بأنها غير واقعية، إذ توقعت الولايات المتحدة من إسلام آباد تغيير مصالحها الاستراتيجية والتماهي مع السياسة الأميركية في أفغانستان. كما اعتبرت أن الفساد الواسع داخل الحكومة الأفغانية السابقة أضعف شرعية النظام المدعوم من واشنطن.
وقالت ميلر إن اتفاق الدوحة كان أكثر فائدة لطالبان وأسهم في إضعاف حكومة الرئيس السابق أشرف غني، مضيفة أن واشنطن نسقت عملية الانسحاب مع طالبان بدرجة أكبر من تنسيقها مع الحكومة الأفغانية، ولم تهيئ الأخيرة لاحتمال انهيارها.
من جانبه، قال سميث إن سرعة انهيار الحكومة والقوات الأفغانية فاجأت حتى بعض مفاوضي طالبان، وإن الانهيار الكامل للقوات الحكومية السابقة أظهر عدم وجود توازن عسكري كان يمكن أن يشكل أساساً لتقاسم السلطة.
واستبعدت ميلر اعتراف الولايات المتحدة بحكومة طالبان في المستقبل المنظور، لكنها رأت أن التعاون المحدود بشأن المصالح المشتركة يظل ممكناً.
وبحسب ميلر، فإن استمرار الوضع الراهن هو السيناريو الأكثر ترجيحاً، بحيث تحتفظ طالبان بالسلطة فيما تبقى أفغانستان فقيرة وضعيفة وتعاني من انعدام الأمن الغذائي.
وأضافت أن أي تغيير في قيادة طالبان قد يفتح الباب أمام تحولات سياسية، لكن لا توجد ضمانات بأن يتبنى خليفة هبت الله أخوند زاده سياسات أكثر اعتدالاً.