وقال عدد من هؤلاء الطلبة، في تصريحات لأفغانستان إنترناشيونال، إن تدهور الوضع الأمني وارتفاع الرسوم الجامعية أجبرَا ليس فقط الطالبات الأفغانيات، بل أيضاً الطلاب الأفغان، على ترك الدراسة.
وأوضح طلبة أفغان تحدثوا إلى أفغانستان إنترناشيونال من طهران ومشهد ومدن إيرانية أخرى، أن الارتفاع الكبير في الرسوم الجامعية، والتكاليف الباهظة للسكن الطلابي، والفوارق الكبيرة في أسعار الوجبات الغذائية بين الطلبة الأفغان والإيرانيين، إلى جانب الصعوبات المتعلقة بتجديد وثائق الإقامة عقب التطورات العسكرية الأخيرة، جعلت مواصلة تعليمهم تحدياً بالغ الصعوبة.
وبحسب هؤلاء الطلبة، يجد بعضهم أنفسهم اليوم أمام خيارين صعبين: التخلي عن الدراسة، أو العودة إلى أفغانستان الخاضعة لحكم طالبان.
ويحذر خبراء من أن استمرار الضغوط المالية والأمنية قد يقوّض بصورة أكبر آمال الفتيات الأفغانيات في مواصلة تعليمهن، بعدما لجأن إلى إيران لاستكمال دراستهن إثر حرمانهن من التعليم بقرار من طالبان، ليجدن أنفسهن اليوم أمام عقبات متزايدة.
الرسوم الجامعية بالعملات الأجنبية.. عقبة جديدة أمام التعليم
تُعد زيادة الرسوم الجامعية واحتسابها بالعملات الأجنبية، ولا سيما اليورو والدولار، من أبرز التحديات التي تواجه الطلبة الأفغان في إيران، إذ أدى هذا التحول إلى ارتفاع كبير في الأعباء المالية الملقاة على عاتق الأسر الأفغانية.
ووفقاً للمعلومات التي قدمها طلبة أفغان إلى أفغانستان إنترناشيونال، كانت الرسوم السنوية لمرحلة البكالوريوس تتراوح سابقاً بين ثلاثة ملايين و12 مليون تومان إيراني، أي ما يعادل نحو 30 إلى 120 دولاراً، لكنها ارتفعت حالياً في بعض الجامعات إلى 500 يورو، ما يعادل نحو 165 مليون تومان أو 550 دولاراً.
أما في مرحلة الماجستير، فقد ارتفعت الرسوم الجامعية من نحو 15 مليون تومان، أي ما يعادل 150 دولاراً، إلى 800 يورو في بعض الحالات، بما يعادل نحو 264 مليون تومان أو 880 دولاراً.
ولم تكن مرحلة الدكتوراه بمنأى عن هذه الزيادات. فبحسب الطلبة، كانت الرسوم السنوية في معظم الجامعات تتراوح سابقاً بين 25 و30 مليون تومان، أي ما يعادل 250 إلى 300 دولار، لكنها ارتفعت الآن إلى نحو 1600 يورو، أي ما يعادل 528 مليون تومان أو 1760 دولاراً.
وأصبحت هذه المبالغ تشكل عائقاً كبيراً أمام مواصلة التعليم بالنسبة إلى العديد من الأسر الأفغانية، ولا سيما تلك التي تعاني أصلاً من ظروف اقتصادية صعبة.
عام كامل من العمل لتسديد الرسوم الجامعية
تُعد السيدة محمدي، وهي طالبة أفغانية تدرس الماجستير في القانون، من بين الطالبات اللواتي دفعهن ارتفاع تكاليف الدراسة إلى التفكير جدياً في ترك الجامعة.
وقالت محمدي لأفغانستان إنترناشيونال إن زيادة الرسوم الجامعية جعلت تأمين نفقات تعليمها أمراً بالغ الصعوبة، مشيرة إلى أن عدداً من الطالبات اضطررن بالفعل إلى الانقطاع عن الدراسة.
وأضافت: «الكثير من الطالبات تركن جامعاتهن».
وأوضحت أنها حاولت العثور على جهة تقدم لها دعماً مالياً عقب ارتفاع التكاليف، لكنها لم تتمكن من تأمين الرسوم المطلوبة. وأشارت إلى أن الضغوط الاقتصادية وعجزها عن تغطية نفقات المعيشة أثّرا أيضاً في حالتها النفسية.
وقالت الطالبة الأفغانية إنها، رغم دراستها الماجستير في القانون، لم تتمكن من العثور على وظيفة تتناسب مع تخصصها ومستواها التعليمي، واضطرت إلى العمل في وظائف يدوية لا يكفي دخلها حتى لتسديد الرسوم الجامعية.
وأضافت: «كنت أفكر في ترك الجامعة، فقد كانت حالتي النفسية سيئة للغاية ولم أكن قادرة على العمل. ورغم أنني طالبة ماجستير في القانون، لا أستطيع هنا العمل في مؤسسة قانونية أو شغل وظيفة إدارية، ولذلك نضطر إلى العمل في المهن اليدوية. وحتى الأجر الذي أحصل عليه من هذا العمل لا يكفي لدفع الرسوم الجامعية».
وأوضحت محمدي أنها قررت في نهاية المطاف، بتشجيع من أصدقائها والمحيطين بها، أخذ إجازة دراسية لمدة عام بدلاً من الانقطاع نهائياً عن التعليم، والعمل خلال تلك الفترة لتوفير رسوم الفصل الدراسي التالي.
وقالت: «كانت حالتي سيئة وكنت أفكر فعلاً في ترك الدراسة، لكن أصدقائي والمقربين مني نصحوني بعدم الاستسلام، وأن أعمل وأحصل على إجازة أكاديمية. وبالفعل أخذت إجازة لمدة عام، وعملت طوال تلك السنة في الأعمال اليدوية حتى أتمكن من دفع رسوم الفصل الدراسي التالي».
الجامعات تعوّض عجز ميزانياتها من جيوب الطلبة الأجانب
قال الخبير الاقتصادي شهيم أحمدي، في تصريح لأفغانستان إنترناشيونال، إن الجامعات الإيرانية تواجه نقصاً في الموارد المالية، وتسعى إلى تعويض جزء من هذا العجز من خلال رفع الرسوم الدراسية المفروضة على الطلبة الأجانب.
وأضاف أن احتساب الرسوم بالعملات الأجنبية يضاعف الضغوط المالية على الطلبة الأفغان، نظراً إلى عدم قدرة العديد من أسرهم على دفع هذه المبالغ.
وقال أحمدي: «تواجه الجامعات الإيرانية عجزاً في ميزانياتها، وتحاول سد هذه الفجوة من جيوب الطلبة الأجانب، في حين لا تملك الأسر الأفغانية القدرة على دفع رسوم مقوّمة بالعملات الأجنبية».
تفاوت كبير في أسعار الوجبات الغذائية بين الطلبة الأفغان والإيرانيين
لا تقتصر الزيادة في تكاليف التعليم على الرسوم الجامعية، إذ يشكو الطلبة الأفغان أيضاً من الفوارق الكبيرة في أسعار الوجبات الغذائية المقدمة للطلبة الإيرانيين ونظرائهم الأفغان، ما يزيد الأعباء المالية المرتبطة بحياتهم اليومية.
ووفقاً للمعلومات التي قدمها الطلبة، يتراوح سعر الوجبة العادية في المطاعم الجامعية للطلبة الإيرانيين بين 30 و35 ألف تومان، أي نحو 30 إلى 35 سنتاً أميركياً، بينما يدفع الطلبة الأفغان مقابل الوجبة نفسها ما بين 300 و500 ألف تومان، أي ما يعادل ثلاثة إلى خمسة دولارات.
وأضاف الطلبة أن تكلفة الوجبة العادية في المطاعم خارج الحرم الجامعي تبلغ نحو 250 ألف تومان، أي ما يعادل دولارين ونصف الدولار.
وإلى جانب الرسوم الجامعية المرتفعة وتكاليف السكن الجامعي والمشكلات المتعلقة بوثائق الإقامة، جعلت هذه الفوارق في النفقات اليومية مواصلة الدراسة أكثر صعوبة بالنسبة إلى العديد من الطلبة الأفغان.
وبحسب إفاداتهم، اضطر بعض الطلبة إلى تعليق دراستهم، فيما بات المستقبل التعليمي لآخرين يكتنفه الغموض.
وأصبحت التكاليف الباهظة للسكن الجامعي بدورها إحدى العقبات الرئيسية أمام مواصلة الطلبة الأفغان تعليمهم في إيران.
فبحسب الطلبة، تقل رسوم السكن الجامعي للطلبة الإيرانيين عن مليون تومان، أي نحو 3.7 دولارات، بينما يُطلب من الطلبة الأفغان دفع مبالغ تتراوح بين 20 و30 مليون تومان، أي ما يعادل نحو 74 إلى 110 دولارات.
وتتجاوز هذه المبالغ القدرة المالية لكثير من الطلبة الأفغان، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها أسرهم.
وقال صبور بلخي، وهو اسم مستعار لطالب في جامعة طهران، لأفغانستان إنترناشيونال، إن الطلبة الذين وصلوا إلى إيران بجوازات سفرهم أو عبر المنح الدراسية يواجهون صعوبات قاسية في تأمين السكن ونفقات المعيشة اليومية.
وأضاف: «بينما يحصل الطلبة في دول أخرى على الدعم، لا نتلقى هنا أي مساعدة، بل إن الحكومة وضعت آليات لتحصيل الأموال منا حتى مقابل أنفاسنا، بدءاً من تجديد الإقامة وصولاً إلى جميع الإجراءات الإدارية».
وأشار طالب الدكتوراه إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية للفتيات الأفغانيات، موضحاً أن كثيرات ممن كن يقضين أوقاتهن سابقاً في التعلم أو الخياطة أو ممارسة اهتماماتهن الشخصية، أصبحن مضطرات للعمل إلى جانب أفراد أسرهن لتأمين الاحتياجات الأساسية للحياة.
وأكد أن فرص العمل المحدودة تراجعت أيضاً، وأفلست بعض ورش الخياطة، ما دفع الفتيات الأفغانيات إلى العمل مقابل أجور زهيدة، وحرمهن من الوقت والطاقة اللازمين لمواصلة تعليمهن.
وقال بلخي: «الفتيات اللواتي كن يخصصن أوقاتهن سابقاً للتعلم والخياطة أو ممارسة اهتماماتهن، أصبحن اليوم يعملن إلى جانب أسرهن من أجل البقاء. وحتى ورش الخياطة أفلست، وباتت هؤلاء الفتيات يعملن بأجور متدنية، ولم تعد لديهن طاقة لمواصلة التعليم».
تداعيات الحرب.. من الطرد من السكن الجامعي إلى الاعتقال
في أعقاب حرب الأيام الاثني عشر والهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران، قال طلبة أفغان إن الإجراءات الأمنية في الجامعات والسكن الطلابي أصبحت أكثر تشدداً، ما زاد المخاوف بشأن سلامتهم وأوضاع إقامتهم.
وأوضحوا أن عدداً من الطالبات طُردن من مساكنهن الجامعية، كما واجهن خلال تنقلهن بين المدن إجراءات تفتيش أمنية ومخاطر الاعتقال.
وكانت شفيقة، وهو اسم مستعار لطالبة في تخصص التمريض، من بين اللواتي تعرضن مباشرة لتداعيات هذه الأوضاع، وفق روايتها.
وقالت إنها طُردت من السكن الجامعي في ذروة حرب الأيام الاثني عشر، ثم اعتُقلت واحتُجزت في مركز أمني لمدة تقارب أسبوعين.
وأبلغت أفغانستان إنترناشيونال بأنها تعرضت للتعذيب للاشتباه في «تجسسها لصالح إسرائيل»، وأنها نُقلت إلى المستشفى بعد الإفراج عنها نتيجة تعرضها لأضرار نفسية شديدة، قبل أن تُضطر في نهاية المطاف إلى العودة إلى أفغانستان.
من جانبه، قال الخبير التربوي واسع رحماني لأفغانستان إنترناشيونال إن تجميد الحسابات المصرفية، والتأخر في إصدار وثائق الإقامة، والضغوط النفسية الناجمة عن هذه الظروف، تضع الطلبة الأفغان أمام عقبات قد تؤدي تدريجياً إلى إقصائهم من منظومة التعليم العالي في إيران.
وشدد على ضرورة ألا تحمّل الجامعات والمؤسسات المعنية الطلبة اللاجئين تكاليف أزماتها الاقتصادية والهيكلية.
لواء فاطميون وامتيازات التعليم المجاني
في وقت يشكو فيه الطلبة الأفغان العاديون من ارتفاع الرسوم الجامعية والمطالبة بسدادها بالدولار واليورو، كشفت مصادر مطلعة لأفغانستان إنترناشيونال أن أعضاء لواء فاطميون وأسر المرتبطين به يتمتعون بامتيازات خاصة في التعليم العالي، تشمل الإعفاء من الرسوم الجامعية.
وبحسب هذه المصادر، يستفيد أبناء وأسر قتلى هذا اللواء من التعليم والسكن الجامعي المجاني، عبر الحصص المخصصة من مؤسسة الشهيد الإيرانية.
وقال الخبير الأمني جواد برديا، في تصريح لأفغانستان إنترناشيونال، إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تستخدم منظومة التعليم العالي أداةً لمكافأة الولاء العسكري.
وأوضح برديا أن هناك تفاوتاً كبيراً بين أوضاع الطلبة المرتبطين بلواء فاطميون والطلبة الأفغان المستقلين.
وأشار إلى أن أعضاء اللواء يحصلون، مقابل مشاركتهم في الحرب السورية، على إعفاء كامل من الرسوم الجامعية، وسكن طلابي مخصص لهم، وإجراءات أكثر سهولة للحصول على الإقامة.
في المقابل، يواجه الطلبة الأفغان المستقلون، ولا سيما الفتيات اللواتي لجأن إلى إيران بعد حرمانهن من التعليم في أفغانستان، ضغوطاً اقتصادية متزايدة لتغطية نفقات الدراسة والمعيشة.
وتساءل برديا: «أي عضو مرتبط بهذه المنظومة طُرد من الجامعة بسبب عجزه عن دفع الرسوم؟ وأي أسرة عسكرية تعرضت لضغوط لإخلاء السكن الجامعي؟ حتى وثائق إقامتهم تُصدر من دون تأخير».
ويرى الخبير الأمني أنه إذا كانت الفوارق في الرسوم الدراسية ناجمة عن اللوائح المالية للجامعات، فلا بد من وجود معايير واضحة وموحدة تطبق على جميع الطلبة.
وبحسب رأيه، لا يمكن فصل التفاوت في التعامل مع الطلبة المستقلين والأشخاص المرتبطين بالمؤسسات العسكرية عن النهج الأمني والسياسي الذي تتبعه الجمهورية الإسلامية الإيرانية تجاه اللاجئين الأفغان.
ما معايير الجامعات الإيرانية في التعامل مع الطلبة الأجانب؟
تؤكد السلطات الإيرانية، في المعلومات واللوائح المنشورة على الصفحات الإلكترونية التابعة للجامعات، أن القواعد التعليمية المطبقة على الطلبة الأجانب موحدة.
غير أن منتقدين يرون أن التحقق من صحة هذه التأكيدات يتطلب دراسة كيفية تطبيق اللوائح ومدى تكافؤ فرص وصول مختلف الفئات الطلابية إلى الخدمات والمرافق التعليمية.
وبحسب مصادر مطلعة، يتمتع أعضاء لواء فاطميون وأسر المرتبطين به بامتيازات التعليم والسكن الجامعي المجاني، بينما يواجه الطلبة الأفغان العاديون في بعض الجامعات رسوماً دراسية تبلغ 800 و1600 يورو، وهي مبالغ يصعب على كثير من الأسر الأفغانية دفعها، أو تتجاوز قدراتها المالية تماماً.
وفي الوقت نفسه، تدعم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تعليم عدد من الطلبة اللاجئين من خلال برنامج «دافي» للمنح الدراسية.
ووفقاً للمعلومات الواردة في هذا التقرير، لا يستفيد من البرنامج سوى 103 طلاب لاجئين، وهو عدد يبدو محدوداً مقارنة بحجم احتياجات الطلبة الأفغان.
وإلى جانب المشكلات الاقتصادية، يتحدث الطلبة الأفغان عن الضغوط النفسية الناجمة عن تدهور الأوضاع الأمنية، وعدم وضوح مستقبل إقامتهم، والقلق بشأن مستقبلهم التعليمي.
ومن شأن هذه الضغوط أن تؤثر في صحتهم النفسية وقدرتهم على مواصلة الدراسة.
وقال الخبير التربوي واسع رحماني، في إشارة إلى التفاوت بين أوضاع الطلبة المستقلين والمستفيدين من الامتيازات الخاصة: «حين يُدفع الطلبة المستقلون إلى العمل في المهن اليدوية أو يتعرضون للطرد، بينما يدرس المرتبطون بالمؤسسات العسكرية مجاناً، تكون الجامعات قد تحولت إلى وسيلة لجني الأموال من اللاجئين».
وفي ظل هذه الظروف، يبرز سؤال جوهري: هل تستند الجامعات الإيرانية في تحديد الرسوم الدراسية وتخصيص السكن الجامعي وتوفير بيئة تعليمية آمنة إلى معايير شفافة وموحدة، أم أن فرص حصول الطلبة على هذه الخدمات تتأثر بانتماءاتهم السياسية والعسكرية وهوياتهم؟
وبالنسبة إلى الفتيات الأفغانيات اللواتي اعتبرن إيران فرصة لمواصلة تعليمهن بعد الحظر الذي فرضته طالبان على تعليم الفتيات، بات هذا السؤال مرتبطاً بواقع بالغ القسوة: إما الاستمرار في الدراسة في إيران رغم تكاليف تفوق قدراتهن المالية، وإما العودة إلى أفغانستان، حيث حُرمن من حقهن في التعليم.